موسوعة التفسير

سورةُ الأحزابِ
الآيات (59-62)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ

غَريبُ الكَلِماتِ:


يُدْنِينَ: أي: يَلْبَسْنَ، ويُغطِّينَ، وإدناءُ الجِلبابِ: التَّقنُّعُ به وشَدُّه على الجَبينِ، والدُّنوُّ: القُربُ بالذَّاتِ، أو بالحُكمِ، ويُستعمَلُ في المكانِ والزَّمانِ والمنزلةِ، وأصلُ (دنو): المقارَبةُ [1280] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 352)، ((تفسير ابن جرير)) (19/182)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/303)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 303)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/107). .
جَلَابِيبِهِنَّ: أي: مَلاحِفِهنَّ وأردِيَتِهنَّ، وأصلُ (جلب) هنا: يدُلُّ على شَيءٍ يُغطِّي شَيئًا [1281] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 352)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/469)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 303)، ((تفسير ابن كثير)) (6/481)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 341). .
وَالْمُرْجِفُونَ: أي: الَّذين يُخبِرونَ بالأراجيفِ، وهي: الأكاذيبُ الَّتي يكونُ معها اضْطِرابٌ في النَّاسِ، والإرجافُ: إشاعةُ الباطِلِ؛ للاغتِمامِ به، وأصلُ (رجف): يدُلُّ على اضطِرابٍ [1282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/185)، ((تفسير السمرقندي)) (3/73)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/491)، ((التفسير البسيط)) للواحدي (18/294)، ((لسان العرب)) لابن منظور (9/113). .
لَنُغْرِيَنَّكَ: أي: لَنُسَلِّطَنَّك عليهم، وأصلُه مِن الغِراءِ: وهو ما يُلصَقُ به [1283] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 352)، ((تفسير ابن جرير)) (19/185)، ((المفردات)) للراغب (ص: 606)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 304)، ((تفسير القرطبي)) (14/246). .
ثُقِفُوا: أي: أُدرِكوا ووُجِدوا وظُفِرَ بهم، وأصلُ (ثقف): يدُلُّ على الحِذْقِ في إدراكِ الشَّيءِ، ثمَّ يُتجَوَّزُ به فيُستعمَلُ في مجرَّدِ الإدراكِ [1284] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (5/681)، ((المفردات)) للراغب (ص: 173)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 49)، ((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (1/279)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 266). .
سُنَّةَ اللَّهِ: السُّنَّةُ: هي الطَّريقةُ المَسلوكةُ والمِنهاجُ المتَّبَعُ، وأصلُ (سنن): يدُلُّ على جَرَيانِ الشَّيءِ واطِّرادِه في سُهولةٍ [1285] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/119)، ((المفردات)) للراغب (ص: 429)، ((تفسير ابن كثير)) (6/427)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 129)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 497، 498)، ((تاج العروس)) للزَّبيدي (31/229). .
خَلَوْا: أي: مَضَوا وذَهَبوا، مِن: خلا الزَّمانُ: إذا مَضَى وذهَبَ [1286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/637)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/204)، ((المفردات)) للراغب (ص: 297)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 50)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 96). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى: يا أيُّها النَّبيُّ قُلْ لأزواجِك وبناتِك وجميعِ نِساءِ المُؤمِنينَ يُرخينَ الجلابيبَ على أجسادِهنَّ إذا خرَجْنَ مِن بُيوتِهنَّ؛ ذلك الإدناءُ أقرَبُ إلى أن يُعرَفْنَ أنَّهنَّ حرائرُ، وأنَّهنَّ عفيفاتٌ، فلا يَتعَرَّضَ الفُسَّاقُ لهنَّ بأذًى، وكان اللهُ غفورًا رحيمًا.
ثمَّ يقولُ الله تعالى متوعِّدًا أهلَ الشَّرِّ: لَئِنْ لم يَنْتَهِ المنافِقونَ، والَّذين في قُلوبِهم مَرَضٌ، والَّذين يُشيعونَ الأخبارَ الكاذِبةَ في المدينةِ لِتَخويفِ المؤمِنينَ- لَنُسَلِّطَنَّك عليهم يا محمَّدُ، ثم لا يُجاوِرونَك في المدينةِ إلَّا زَمنًا قليلًا، مَطرودينَ مُبعَدينَ، أيْنَما وُجِدوا أُسِروا وقُتِلوا، سَنَّ اللهُ بهم سُنَّةَ مَن قَبْلَهم، ولن تجِدَ -يا محمَّدُ- لِسُنَّةِ الله تغييرًا.

تفسيرُ الآياتِ:


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ الله تعالى أنَّ مَن يُؤذي المؤمِنينَ يحتمِلُ بُهتانًا، وكان فيه مَنْعُ المكَلَّفِ عن إيذاءِ المؤمِنِ- أمَرَ المؤمِنَ باجتِنابِ المَواضِعِ الَّتي فيها التُّهَمُ الموجِبةُ للتَّأذِّي؛ لئلَّا يَحصُلَ الإيذاءُ الممنوعُ منه، ولَمَّا كان الإيذاءُ القَوليُّ مُختَصًّا بالذِّكْرِ اختَصَّ بالذِّكْرِ ما هو سَبَبُ الإيذاءِ القَوليِّ وهو النِّساءُ؛ فإنَّ ذِكْرَهنَّ بالسُّوءِ يُؤذي الرِّجالَ والنِّساءَ، بخِلافِ ذِكْرِ الرِّجالِ؛ فإنَّ مَن ذَكَر امرأةً بالسُّوءِ تأذَّت وتأذَّى أقارِبُها أكثَرَ مِن تأذِّيها، ومَن ذكَرَ رَجُلًا بالسُّوءِ تأذَّى ولا يتأذَّى نساؤُه، وكان في الجاهليَّةِ تَخرُجُ الحُرَّةُ والأَمَةُ مَكشوفاتٍ يَتبَعُهنَّ الزُّناةُ وتقَعُ التُّهَمُ؛ فأمَرَ اللهُ الحرائِرَ بالتَّجَلْبُبِ [1287] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/183). ؛ فاللهُ تعالى أتبَعَ النَّهيَ عن أذى المؤمِناتِ بأنْ أُمِرْن باتِّقاءِ أسبابِ الأذى؛ لأنَّ مِن شأنِ المَطالِبِ السَّعيُ في تذليلِ وَسائِلِها [1288] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/106). .
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
أي: يا أيُّها النَّبيُّ قُلْ لِزَوجاتِك وبناتِك وجميعِ نساءِ المؤمِنينَ يُرخِينَ جَلابيبَهنَّ على أجسامِهنَّ [1289] قولُه: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يشملُ زوجاتِ المؤمنينَ، ومَن للمؤمنينَ عليهنَّ ولايةٌ مِن البناتِ والأخواتِ والعمَّاتِ والخالاتِ والأمَّهاتِ وغيرِ ذلك، ويشملُ أيضًا الكتابيَّاتِ إذا تزوَّجْنَ مِن المُسلِمينَ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 482). قال القرطبيُّ: (قولُه تعالى: مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الجلابيبُ جمعُ جلبابٍ... والصَّحيحُ أنَّه الثَّوبُ الَّذي يَسْتُرُ جميعَ البدنِ... واختلَف النَّاسُ في صورة إرخائِه؛ فقال ابنُ عبَّاسٍ وعَبِيدةُ السَّلْمانيُّ: ذلك أن تَلويَه المرأةُ حتَّى لا يَظهَرَ منها إلَّا عَينٌ واحدةٌ تُبصِرُ بها. وقال ابنُ عبَّاسٍ أيضًا وقَتادةُ: ذلك أن تَلويَه فوقَ الجَبينِ وتَشُدَّه، ثمَّ تَعطِفَه على الأنفِ، وإن ظهَرَت عيناها، لكِنَّه يَستُرُ الصَّدرَ ومُعظَمَ الوَجهِ. وقال الحسَنُ: تُغطِّي نِصفَ وَجْهِها). ((تفسير القرطبي)) (14/243). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/181، 182). وقيل: المرادُ: تغطيةُ جميعِ الجسَدِ ويدخُلُ فيه الوَجهُ. وممَّن قال بذلك: ابن جرير، والزمخشري، والبيضاويُّ، وابنُ تيميَّةَ، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/181)، ((تفسير الزمخشري)) (3/560)، ((تفسير البيضاوي)) (4/238)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/110، 111)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). قال الواحدي: (قال المفسرون في قوله: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ يغطينَ رءوسَهنَّ ووجوهَهنَّ إلَّا عينًا واحدةً). ((البسيط)) (18/292). وقال ابن عثيمين: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ أي: على جميعِ البدَنِ، ولكنْ مِن المعروفِ أنَّ الجِلبابَ ساترٌ لأكثَرِ البدَنِ، والعادةُ عندَهم أنَّ المرأةَ تَكشِفُ وجْهَها وتَخرُجُ مكشوفةَ الوجهِ ومكشوفةَ النَّحرِ، فأمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ أن يُدنِينَ عليهنَّ مِن جلابِيبِهِنَّ، أي: على هذا المكشوفِ الَّذي يُكشَفُ عادةً، وهو الوجهُ والنَّحرُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 485). إذا خرَجْنَ مِن بُيوتِهنَّ لحاجتِهنَّ [1290] يُنظر: ((أحكام القرآن)) للكيا الهراسي (4/350)، ((تفسير الزمخشري)) (3/560)، ((تفسير القرطبي)) (14/241، 243)، ((تفسير البيضاوي)) (4/238)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/448) و(22/110)، ((تفسير ابن كثير)) (6/481)، ((فتح الباري)) لابن رجب (2/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). قيل: الآيةُ في الحرائرِ دونَ الإماءِ. وإليه ذهب كثيرٌ مِن المفسِّرينَ، ومنهم: ابنُ جرير، والواحديُّ، وابنُ عطية، وحكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجماعًا. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/181)، ((التفسير البسيط)) للواحدي (18/292)، ((تفسير ابن عطية)) (4/399)، ((الاستذكار)) لابن عبد البر (8/542). قال ابنُ عبد البَرِّ: (العُلماءُ مُجمِعونَ على أنَّ الله عزَّ وجَلَّ لم يُرِدْ بما أمَرَ به النِّساءَ مِنَ الاحتجابِ وأن يُدنِينَ عليهنَّ مِن جلابيبِهنَّ: الإماءَ، وإنَّما أراد بذلك الحرائرَ). ((الاستذكار)) (8/542). لكن قال أبو الحسَنِ ابنُ القَطَّانِ: (في هذا الإجماعِ الَّذي حكاه نظَرٌ). ((إحكام النظر)) (ص: 225). وقيل: الآيةُ عامَّةٌ في الحرائرِ والإماءِ. وممَّن ذهب إلى ذلك: ابنُ حزم، وأبو الحسن ابنُ القطان، وأبو حيَّان، والألبانيُّ. يُنظر: ((المحلى)) لابن حزم (2/241، 248)، ((إحكام النظر)) لابن القطان (ص: 225 - 229)، ((تفسير أبي حيان)) (8/504)، ((جلباب المرأة المسلمة)) للألباني (ص: 91، 92). .
عن أمِّ عَطيَّةَ رَضِيَ الله عنها، قالت: ((أُمِرْنا أن نُخرِجَ الحُيَّضَ يومَ العِيدينِ، وذواتِ الخُدورِ [1291] ذواتُ الخُدورِ: أي: اللَّاتي قَلَّ خُروجُهنَّ مِن بُيوتِهنَّ. والخُدورُ: السُّتورُ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) لعلي القاري (3/1063). ، فيَشْهَدْنَ جماعةَ المُسلِمينَ ودَعوتَهم، ويَعتَزِلُ الحُيَّضُ عن مُصَلَّاهنَّ. قالت امرأةٌ: يا رَسولَ اللهِ، إحدانا ليس لها جِلبابٌ؟ قال: لِتُلبِسْها صاحِبَتُها مِن جِلبابِه ا)) [1292] رواه البخاري (351) واللفظ له، ومسلم (890). .
ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ
أي: إرخاءُ النِّساءِ مِن جَلابيبِهنَّ عليهنَّ عندَ خُروجِهنَّ مِن بُيوتِهنَّ: أقرَبُ لِئَلَّا يَتعَرَّضَ لهنَّ المنافِقونَ والفُسَّاقُ بأذًى؛ فحينَ يَرَونَهنَّ مُتَسَتِّراتٍ يَعرِفونَ أنَّهنَّ حرائرُ، وأنَّهنَّ عفيفاتٌ فلا يَطمَعونَ فيهنَّ [1293] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/181، 183)، ((تفسير القرطبي)) (14/244)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/111)، ((تفسير ابن كثير)) (6/482)، ((فتح الباري)) لابن رجب (2/346، 347)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/107)، ((جلباب المرأة المسلمة)) للألباني (ص: 90)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 487). قال الشنقيطي: (عامَّةَ المُفسِّرينَ مِن الصَّحابةِ فمَن بعدَهم فَسَّروا الآيةَ معَ بَيانِهم سببَ نُزولِها، بأنَّ نساءَ أهلِ المدينةِ كُنْ يَخْرُجْنَ باللَّيلِ لقضاءِ حاجَتِهنَّ خارِجَ البيوتِ، وكان بالمدينةِ بعضُ الفُسَّاقِ يَتَعَرَّضونَ للإماءِ، ولا يَتَعَرَّضونَ للحرائِرِ، وكانَ بعضُ نساءِ المُؤْمنينَ يَخْرُجْنَ في زِيٍّ ليس مُتَمَيّزًا عن زِيِّ الإماءِ، فيَتعَرَّضُ لهنَّ أولئك الفسَّاقُ بالأذَى؛ ظنًّا منهم أنَّهنَّ إماءٌ، فأمَر اللهُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يأمُرَ أزواجَه وبَناتِه ونساءَ المؤمنينَ أن يَتمَيَّزْنَ في زِيِّهِنَّ عن زِيِّ الإماءِ، وذلك بأَنْ يُدْنِينَ عليهنَّ مِن جلابِيبِهنَّ، فإذا فَعَلْنَ ذلك ورآهنَّ الفُسَّاقُ عَلِموا أنَّهنَّ حرائِرُ، ومعرِفَتُهم بأَنَّهنَّ حرائِرُ لا إماءَ هو معنَى قولِه: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ، فهي معرِفةٌ بالصِّفةِ لا بالشَّخصِ. وهذا التَّفسيرُ مُنْسَجِمٌ مع ظاهِرِ القرآنِ كما تَرى. فقولُه: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ؛ لأنَّ إدناءَهُنَّ عليهِنَّ مِن جلابِيبِهنَّ يُشْعِرُ بأنَّهنَّ حرائرُ، فهو أدنَى وأقْرَبُ لِأَنْ يُعْرَفْنَ أي: يُعْلَمَ أنَّهنَّ حرائِرُ، فَلَا يُؤْذَيْنَ مِن قِبَلِ الفسَّاقِ الَّذينَ يَتعرَّضُونَ للإماءِ. وهذا هو الَّذي فَسَّر به أهلُ العلمِ بالتَّفسيرِ هذه الآيةَ، وهو واضحٌ). ((أضواء البيان)) (6/245). وقال أبو حيَّان بعدَ أن قرَّر أنَّ قولَه تعالى: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يَشملُ الحرائرَ والإماءَ: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ لِتَسَتُّرِهِنَّ بالعِفَّةِ، فلا يُتعرَّضَ لهن، ولا يُلقَيْنَ بما يَكرَهْنَ؛ لأنَّ المرأةَ إذا كانت في غايةِ التَّستُّرِ والانضِمامِ لم يُقْدَمْ عليها، بخِلافِ المتبرِّجةِ؛ فإنَّها مطموعٌ فيها). ((تفسير أبي حيان)) (8/504). وذكَر ابنُ عثيمين أنَّ الآيةَ صالحةٌ للمعنيَينِ: الأوَّل: أي: يُعرَفْنَ بأنَّهنَّ عفيفاتٌ بعيداتٌ عن الرِّيَبِ، لا يُرِدْنَ السُّوءَ ولا الفاحشةَ. والثَّاني: أي: يُعرَفْنَ بأنَّهنَّ حرائرُ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 487). وجمَع السعديُّ بيْن المعنيَينِ، فذكَر أنَّهنَّ إذا لم يَحتجِبْنَ، رُبَّما ظَنَّ مَن في قلبِه مرضٌ أنَّهنَّ غيرُ عفيفاتٍ، فيَتعرَّضُ لهنَّ، ويُؤْذيهنَّ، ورُبَّما يُظَنُّ أنَّهنَّ إماءٌ، فيَتهاوَنُ بهنَّ مَن يريدُ الشَّرَّ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 672). .
وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
أي: إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ بالمَغفرةِ أزَلًا وأبدًا؛ فيَستُرُ ذُنوبَ عبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها؛ ومتَّصِفٌ أزَلًا وأبدًا بالرَّحمةِ؛ فهو رَحيمٌ بعبادِه، ومِن ذلك شَرعُه لهم مِنَ الأحكامِ ما فيه صَلاحُهم [1294] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/183)، ((تفسير ابن كثير)) (6/482)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/412)، ((تفسير الشوكاني)) (4/350)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). قال ابنُ جرير: (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا لِمَا سَلَف مِنهنَّ مِن تركِهنَّ إدناءَهنَّ الجلابيبَ عليهنَّ رَحِيمًا بهِنَّ أن يُعاقِبَهنَّ بعدَ توبتِهنَّ بإدناءِ الجلابيبِ عليهنَّ). ((تفسير ابن جرير)) (19/183). وقيل: هو صَفْحٌ عمَّا سبَقَ مِن أذَى الحرائرِ قبْلَ تَنبيهِ النَّاسِ. قاله ابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/107). .
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى حالَ المُشرِكِ الَّذي يُؤذي اللهَ ورَسولَه، والمجاهِرِ الَّذي يُؤذي المؤمِنينَ- ذكَرَ حالَ المُسِرِّ الَّذي يُؤذِي اللهَ ورَسولَه، ويُظهِرُ الحَقَّ ويُضمِرُ الباطِلَ، وهو المُنافِقُ [1295] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/184)، ((تفسير أبي حيان)) (8/505). .
وقيل: إنَّه انتِقالٌ مِن زَجرِ قَومٍ عُرِفوا بأذَى الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- والمؤمِنينَ والمؤمِناتِ، ومِن توَعُّدِهم بغَضَبِ اللهِ عليهم في الدُّنيا والآخِرةِ؛ إلى تَهديدِهم بعِقابٍ في الدُّنيا يَشْرَعُه اللهُ لهم إنْ هم لم يُقلِعوا عن ذلك؛ للعِلمِ بأنَّه لا يَنفعُ في أولئك وعيدُ الآخرةِ؛ لأنَّهم لا يُؤمِنونَ بالبَعثِ، وأولئك هم المنافِقونَ [1296] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/107). .
لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ
أي: لَئِنْ لم يَنتَهِ الَّذين يُخْفُونَ الكُفرَ، ويُظهِرونَ الإيمانَ، والَّذين في قُلوبِهم مَرَضٌ [1297] قيل: هو مَرَضُ الشَّهوةِ. وممَّن قال بهذا في الجملةِ: ابنُ جرير، والزمخشريُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/183)، ((تفسير الزمخشري)) (3/561). وممَّن ذهب إلى نحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: عِكْرِمةُ، وقَتادةُ، وأبو صالحٍ، وابنُ زَيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/184). قال الواحدي: (وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني: الفُجورَ، وهم الزُّناةُ، وهو قولُ جميعِ المفَسِّرينَ). ((البسيط)) (18/294). وقال ابنُ عثيمين: (ويحتمِلُ أن يكونَ المعنى أعمَّ... أي: في قلوبِهم مَرَضٌ مِن الشَّكِّ، أو سوءِ الخُلَقِ، وغيرِ ذلك، وهو أعمُّ وأحسَنُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 494). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 672). ، والمُشِيعُونَ في المدينةِ الأخبارَ الكاذِبةَ الباطِلةَ لتَخويفِ المُؤمِنينَ [1298] قيل: الأوصافُ الثَّلاثةُ تعودُ لصِنفٍ واحدٍ، وهم المنافقون. وممَّن قال بهذا: مقاتلُ بنُ سُليمانَ، والسمرقنديُّ، والرازي، والقرطبي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/508)، ((تفسير السمرقندي)) (3/74)، ((تفسير الرازي)) (25/184)، ((تفسير القرطبي)) (14/245)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/108). وقيل: الأوصافُ الثلاثةُ ليست لموصوفٍ واحدٍ. وهو ظاهرُ اختيارِ ابنِ عطية، واختاره أبو حيَّان، والألوسيُّ، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/399)، ((تفسير أبي حيان)) (8/505)، ((تفسير الألوسي)) (11/265)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 496، 497). ؛ لَنُسَلِّطَنَّك -يا رَسولَ اللهِ- عليهم، ولنحْمِلَنَّك على مُؤاخذتِهم إن استَمَرُّوا على ذلك [1299] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/183، 185)، ((تفسير الزمخشري)) (3/561)، ((تفسير الرسعني)) (6/197)، ((تفسير ابن كثير)) (6/482، 483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/108، 109). قال السمرقندي: (يعني: إنْ لم ينتَهوا عن النِّفاقِ وعن الفجورِ وعن القولِ بالأراجيفِ). ((تفسير السمرقندي)) (3/73). وقال الشوكاني: (تَوَعَّد سبحانَه أهلَ النِّفاقِ والإرجافِ فقالَ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ عَمَّا هم عليه مِن النِّفاقِ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي: شكٌّ وريبةٌ عمَّا هم عليه مِن الاضطرابِ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ عمَّا يَصْدُرُ منهم مِن الإرجافِ بذِكْرِ الأخبارِ الكاذبةِ المتضَمِّنةِ لتوهينِ جانبِ المسلمينَ، وظهورِ المشركينَ عَليهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/350). .
ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا
أي: ثمَّ لا يَسكُنونَ المدينةَ معك إلَّا مُدَّةً قَليلةً [1300] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/186)، ((تفسير القرطبي)) (14/247)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/109). قيل: المعنى: فلا يَبقَونَ في المدينةِ، ولا يُساكِنونك فيها إلَّا مُدَّةً قليلةً حتَّى يخرجوا منها. وممَّن قال بذلك في الجملةِ: ابنُ جرير، والثعلبيُّ، ومكِّي، والزمخشري، والنسفي، والخازن، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/186)، ((تفسير الثعلبي)) (8/64)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5872)، ((تفسير الزمخشري)) (3/561)، ((تفسير النسفي)) (3/46)، ((تفسير الخازن)) (3/437)، ((تفسير العليمي)) (5/391). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (6/483). وقيل: حتَّى هلاكِهم. وممَّن قال بهذا: السمرقنديُّ، وابنُ الجوزي، والقرطبي، والرَّسْعَني، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/74)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/484)، ((تفسير القرطبي)) (14/247)، ((تفسير الرسعني)) (6/197)، ((تفسير الشوكاني)) (4/351). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفَرَّاء (2/350). وقيل: المعنى: لا يُجاوِرونك في المدينةِ إلَّا قليلًا؛ لأنَّه يَنفيهم، أو يَقتُلُهم. وممَّن اختاره: ابنُ جُزَي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/159)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). .
مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61)
مَلْعُونِينَ
أي: مَطرودينَ مُبعَدينَ [1301] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/186)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). ممَّن اختار المعنى المذكورَ في الجملةِ، أي: مَطرودون مُبعَدون: ابنُ جرير، والثعلبي، ومكِّي، والبغوي، والخازن، وابن كثير، والعليمي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/186)، ((تفسير الثعلبي)) (8/64)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5873)، ((تفسير البغوي)) (3/665)، ((تفسير الخازن)) (3/437)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير العليمي)) (5/391)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672). وقال جلالُ الدِّينِ المحلِّيُّ: (مَلْعُونِينَ مُبْعَدينَ عن الرَّحمةِ). ((تفسير الجلالين)) (ص: 560). قال الرَّسْعَنيُّ: (مَلْعُونِينَ نُصِب على الذَّمِّ، أو على الحالِ، أي: لا يُجاوِرونك إلَّا مَلْعونين. وقيل: إنَّ قَلِيلًا نُصِب على الحالِ أيضًا، على معنى: لا يُجاوِرونك إلَّا أَقِلَّاءَ أذِلَّاءَ مَلْعونينَ). ((تفسير الرسعني)) (6/198). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/186)، ((تفسير ابن جزي)) (2/159). ممَّن اختار أنَّه منصوبٌ على الحالِ، وأنَّ المعنى: لا يُجاوِرونك إلَّا وهم مَلْعونون: الزَّجَّاجُ، وابنُ الجَوزي، والعُلَيمي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجَّاج (4/236)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/484)، ((تفسير العليمي)) (5/391). قال ابن عثيمين: (المعنى: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا في حالِ كونِهم ملعونينَ حالَ المجاورةِ، يعني حتى في بقائِهم عندَك يكونونَ ملعونينَ مطرودينَ مبعدينَ، لا يألفُهم أحدٌ، ولا يَحْنو عليهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 495، 496). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/483). .
أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
أي: في أيِّ مكانٍ وُجِدوا، أُسِروا وقُتِلوا [1302] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/186)، ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 348)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/110). قيل: هذا حُكمُهم إذا كانوا مُقيمينَ على النِّفاقِ والإرجافِ. وقيل: إنَّ قوله: مَلْعُونِينَ ... إلخ، إِنَّما هو لمجرَّدِ الدُّعاءِ عليهم، لا أنَّه أمرٌ لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بقتالِهم، ولا تسليطٌ له عليهم. وقد قيل: إنَّهم انْتَهَوا بعدَ نزولِ هذه الآيةِ عن الإرجافِ، فلم يُغْرِه اللهُ بهم. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/351). قال ابن تيميَّةَ: (الَّذين كانوا منافقينَ، منهم مَن تاب عن نِفاقِه، وانتهَى عنه الغالبُ؛ بدليلِ قولِه تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا، فلمَّا لم يُغرِه الله بهم، ولم يُقتِّلْهم تقتيلًا، بل كانوا يجاورونَه بالمدينةِ؛ دلَّ ذلك على أنَّهم انْتَهَوا). ((منهاج السنة النبوية)) (2/43). وقال ابنُ عاشورٍ: (بهذا الوعيدِ انكفَّ المنافقونَ عن أذاةِ المسلمينَ، وعن الإرجافِ، فلم يقَعِ التَّقتيلُ فيهم؛ إذ لم يُحفَظْ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قتَل منهم أحدًا، ولا أنَّهم خرَج منهم أحدٌ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/110، 111). .
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا سَنَّ اللهُ تعالى للمُنافِقينَ هذا العذابَ الهائِلَ في الدُّنيا؛ بيَّنَ أنَّ تلك عادتُه في أوليائِه وأعدائِه [1303] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/413). .
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ
أي: سَنَّ اللهُ بهم سُنَّتَه المعلومةَ في الذين مَضَوْا مِن قبلُ [1304] قيل: المرادُ بـ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ: مَن تقدَّمَ مِن الماضينَ في الأمَمِ السَّابقةِ. وممَّن قال بهذا: البِقاعي، والشوكاني. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/414)، ((تفسير الشوكاني)) (4/351). وقيل: أي: مِن المُنافِقينَ الذين يُنافِقون الأنبياءَ إذا هم أظهروا نِفاقَهم، والَّذينَ فَعَلوا مِثْلَ ما فعَل هؤلاءِ، وممن اختار هذا المعنى في الجملة: ابن جرير، والبغوي، والرسعني، والعليمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/187)، ((تفسير البغوي)) (3/665)، ((تفسير الرسعني)) (6/198)، ((تفسير العليمي)) (5/391). وقال القاسمي: (أي: في المفترينَ والمؤذينَ الذين مَضَوا، إذا تمرَّدوا على نفاقِهم وكفرِهم ولم يرجِعوا). ((تفسير القاسمي)) (8/114). وقيل: المرادُ بهم: مَن سَبقوا مِن أعداءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، الَّذين أَذِنَ له اللهُ بقَتلِهم؛ مِثلُ الَّذين قُتِلوا مِن المشركينَ في بَدرٍ وغَيرِها، ومِثلُ الَّذين قُتِلوا مِن يهودِ قُرَيظةَ. وممَّن استظهَر ذلك: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/111). قال ابنُ عاشور: (هذا أظهَرُ؛ لأنَّ ما أصاب أولئك أوقَعُ في الموعظةِ؛ إذ كان هذان الفَريقانِ على ذُكْرٍ مِن المنافِقينَ، وقد شَهِدوا بَعضَهم، وبَلَغَهم خبَرُ بَعضٍ. ويحتملُ أيضًا أن يَشملَ الَّذِينَ خَلَوْا الأممَ السالفةَ الَّذين غَضِب الله عليهم لأذاهم رُسلَهم، فاستأصَلَهم الله تعالى؛ مِثلَ قَومِ فِرعونَ وأضرابِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (22/111). وقال مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ: (هكذا كانت سُنَّةُ الله في أهلِ بدرٍ: القتلَ، وهكذا سُنَّةُ الله في هؤلاء الزُّناةِ وفي المُرجِفينَ القتلَ، إن لم يَنتهوا). ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/508). : أن يُعاقِبَهم بتَسليطِ المؤمِنينَ عليهم، فيأخُذونَهم ويُقَتِّلونَهم تَقتيلًا [1305] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/187)، ((تفسير القرطبي)) (14/247)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير الشوكاني)) (4/351)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/111). قال الزجاج: (المعنى سَنَّ اللَّه في الذين ينافقونَ الأنبياءَ، ويُرجِفون بهم أنْ يُقتَّلوا حيثُما ثُقِفُوا). ((معاني القرآن وإعرابه)) (4/236). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/247). قال الواحدي بعدَ أنْ ذكَر كلامَ الزجَّاجِ: (وهذا معنى قولِ المفسِّرينَ في هذه الآيةِ). ((البسيط)) (18/296). .
وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
أي: ولن تَجِدَ -يا مُحمَّدُ- لعادةِ اللهِ الَّتي سَنَّها في خَلقِه تَغييرًا [1306] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/187)، ((تفسير القرطبي)) (14/247)، ((تفسير ابن كثير)) (6/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 672)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/112). .
كما قال تعالى: سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا [الإسراء: 77].
وقال سُبحانَه: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [فاطر: 43].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


يجبُ على الإنسانِ أنْ يَغارَ على زَوجتِه أكثرَ مِن غيرِها؛ لأنَّها فِراشُه، وفي فَسادِها فَسادٌ لفِراشِه، وتَشكيكٌ في نَسْلِه؛ وجْهُ ذلك: أنَّ اللهَ تعالى بدَأ بالأزواجِ، فقال تعالى: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ [1307] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 489). .
في قَولِه تعالى: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أنَّ الإنسانَ مَسؤولٌ عمَّن تحتَ رعايتِه، سواءٌ كانت تلك المسؤوليةُ عامَّةً أم خاصَّةً، وفي هذه الآيةِ مَسؤوليَّتانِ على رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خاصَّةٌ وعامَّةٌ؛ فالخاصَّةُ قولُه تبارك وتعالى: لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ، والعامَّةُ قَولُه تعالى: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ [1308] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 489). .
في قَولِه تعالى: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ دَليلٌ على أنَّ الرِّجالَ قَوَّامونَ على النِّساءِ، وأنَّ على المؤمِنينَ مَسؤوليةً في نسائِهم، وإلَّا لاكتفى بقَولِ: «والنِّساءِ المؤمناتِ»، فالآيةُ فيها إشارةٌ إلى أنَّ المؤمِنَ يجبُ أنْ يكونَ مُلاحِظًا لنِسائِه [1309] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 482، 489). .
قال الله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا هذه الآيةُ تُرشِدُ إلى تقديمِ إصلاحِ الفاسِدِ مِن الأمَّةِ على قَطْعِه منها؛ لأنَّ إصلاحَ الفاسِدِ يَكسِبُ الأمَّةَ فَردًا صالِحًا، أو طائِفةً صالِحةً تنتَفِعُ الأمَّةُ منها، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بل أرجو أن يُخرجَ الله مِن أصلابِهم مَن يعبدُ الله وَحْدَه لا يُشرِكُ به شيئًا )) [1310] أخرجه البخاري (3231)، ومسلم (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها. ؛ ولهذا شُرِعَت استِتابةُ المرتَدِّ قبْلَ قَتلِه تُعرَضُ عليه التَّوبةُ، وشُرِعَت دَعوةُ الكُفَّارِ الَّذين يَغزوهم المسلِمونَ إلى دينِ الإسلامِ قبْلَ الشُّروعِ في غزوِهم؛ فإن أسلَموا وإلَّا عُرِض عليهم الدُّخولُ في ذِمَّةِ المُسلِمينَ؛ لأنَّ في دُخولِهم في الذِّمَّةِ انتِفاعًا للمُسلِمينَ بجِزْيتِهم والاعتِضادِ بهم، وأمَّا قتْلُ القاتِلِ عَمدًا فشُرِعَ فيه؛ مجاراةً لقَطعِ الأحقادِ مِن قُلوبِ أولياءِ القَتيلِ؛ لئلَّا يَقتُلَ بَعضُ الأمَّةِ بَعضًا؛ إذ لا دواءَ لتلك العِلَّةِ إلَّا القِصاصُ؛ ولذلك رغَّب الشَّرعُ في العَفوِ وفي قَبولِه [1311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/110). .
في قَولِه تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ التَّحذيرُ مِن النِّفاقِ ومَرَضِ القَلبِ والإرجافِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى تَوَعَّدَ هؤلاء إذا لم يَنتَهوا بأن يُسَلِّطَ رسولَه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عليهم، ويُغرِيَه بهم [1312] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 498). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ أهمِّيَّةُ ما أمَر اللهُ تعالى به رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذه الآيةِ؛ وجْهُ ذلك: أنَّ اللهَ تعالى أمَرَه أنْ يُبَلِّغَها أمرًا خاصًّا في قولِه تعالى: قُلْ، وإلَّا فكلُّ القرآنِ مأمورٌ بتبليغِه بقَولِه تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة: 67]، لكنَّ بعضَ الأحكامِ يُصدِّرُها اللهُ عزَّ وجلَّ بلفظِ (قل)، فيكونُ كأنَّه أُرسِلَ بهذه الآيةِ إرسالًا خاصًّا، فيكونُ في ذلك دَليلٌ على أهمِّيَّةِ هذا الأمرِ الَّذي أمَرَ اللهُ تعالى به رسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [1313] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 489). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ هذه آيةُ الحِجابِ في حَقِّ سائِرِ النِّساءِ، ففيها وجوبُ سَترِ الرأسِ والوجهِ عليهنَّ [1314] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 214). .
في قَولِه تعالى: قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ دليلٌ على أنَّ الحِجابَ إنَّما أُمِرَ به الحرائرُ دونَ الإماءِ؛ لأنَّه خَصَّ أزواجَه وبناتِه، ولم يَقُلْ: «وما ملكَتْ يمينُك وإمائِك وإماءِ أزواجِك وبناتِك»، ثمَّ قال: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، والإماءُ لم يَدخُلْنَ في نساءِ المؤمنينَ، كما لم يدخُلْ في قَولِه: نِسَائِهِنَّ «ما ملَكَتْ أيمانُهنَّ» حتَّى عطفَ عليه في آيتَي النُّورِ والأحزابِ [1315] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/448). آيةُ سورةِ (النور) هي قولُه تعالى: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ إلى قَولِه سُبحانه: أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [النور: 31]. وآيةُ سورةِ (الأحزاب) هي قولُه تعالى: لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ إلى قَولِه سُبحانَه: وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [الأحزاب: 55]. وذكَر ابنُ تيميةَ أن الأَمةَ إذا كانت الشَّهوةُ والفتنةُ حاصلةً بتركِ احتجابِها فإنَّها تحتجبُ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (15/373)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 487). .
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ في الآيةِ دَلالةُ رُخصةِ خُروجِ الحرائرِ للحوائجِ؛ لأنَّه لو لم يَجُزْ لهنَّ الخُروجُ لم يُؤمَرْنَ بإرخاءِ الجِلبابِ على أنفُسِهنَّ، ولَنُهينَ عن الخُروجِ؛ فإذ لم يُمنَعْنَ دلَّ ذلك أنَّه يجوزُ لهنَّ الخروجُ للحاجةِ [1316] يُنظر: ((تفسير الماتريدي)) (8/415). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ يدُلُّ على وُجودِ أذيَّةٍ إن لم يحتَجِبْنَ؛ وذلك لأنَّهنَّ إذا لم يَحتَجِبْنَ رُبَّما ظُنَّ أنهنَّ غيرُ عَفيفاتٍ، فيَتعرَّضُ لهنَّ مَن في قَلبِه مَرَضٌ فيُؤذيهنَّ، ورُبَّما استُهينَ بهِنَّ، وظُنَّ أنهنَّ إماءٌ، فتَهاوَنَ بهِنَّ مَن يُريدُ الشَّرَّ؛ فالاحتِجابُ حاسِمٌ لمطامِعِ الطَّامعينَ فيهنَّ [1317] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 671). ، فالحجابِ فيه كَفُّ الأذَى عن المرأةِ؛ فيكونُ في ذلك كرامةٌ لها، وإعزازٌ لها، ورِفعةٌ لها مِن أنْ تُؤذَى [1318] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 491). .
قَولُه تعالى: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ عامٌّ في كلِّ امرأةٍ مِن المؤمِنينَ، وإنَّما قال تبارك وتعالى: وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ دونَ أن يقولَ: «والنِّساء»؛ لأجْلِ الإغراءِ والحَثِّ، كقَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ. ..)) [1319] يُنظر ما أخرجه البخاري (1088)، ومسلم (1339) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ، وإلَّا فإنَّ الكافِراتِ يجبُ عليهِنَّ مِن الحِجابِ ما يجِبُ على المؤمِناتِ؛ لئلَّا يَفتَتِنَ النَّاسُ بهنَّ [1320] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 482). .
أثبت اللهُ تعالى للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بناتٍ، بقولِه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ، ومِنَ الشِّيعةِ مَن خالف في ذلك؛ حيث قالوا: ليس للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بناتٍ إلَّا فاطِمةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وأمَّا زَينبُ ورُقَيَّةُ وأمُّ كُلثومٍ -رَضِيَ اللهُ تعالى عنهنَّ- فلَسْنَ بناتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عندَهم، بل بناتُ خديجةَ رَضِيَ الله عنها مِن زَوجِها الأوَّلِ! وذلك لأنَّ عُثمانَ رَضِيَ الله عنه لَمَّا تزوَّجَ بِنتَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حملَتْهم شِدَّةُ بُغضِ عُثمانَ رَضِيَ الله عنه على إنكارِ كَونِهنَّ بِنتَيِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنكارِ القُرآنِ؛ فوقَعَ الخِلافُ بيْنَهم وبيْنَ الله تعالى [1321] يُنظر: ((النكت الشنيعة في بيان الخلاف بين الله تعالى والشيعة)) لإبراهيم الحيدري البغدادي (ص: 56). !
في قَولِه تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ لم يَقُلْ: «على وُجوهِهنَّ»، ولا «على نُحورِهنَّ»، ولا «على صُدورِهنَّ»؛ فيكون شامِلًا لجميعِ البدنِ [1322] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 485). .
في قَولِه تعالى: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ أنَّ الشَّرعَ يَتشَوَّفُ إلى أنْ تكونَ المرأةُ بعيدةً عن إبرازِ مفاتنِها؛ لأنَّ الجِلبابِ يكونُ دائمًا واسِعًا لا تَظهَرُ منه مفاتِنُ الجسمِ [1323] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 490). .
في قَولِه تعالى: ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ رحمةُ اللهِ تعالى بعبادِه؛ حيثُ يُبيِّنُ لهم عِلَلَ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ؛ وجهُ ذلك: أنَّ ذِكرَ العِلَلِ يُفيدُ عِدَّةَ فوائِدَ، ومنها:
 أ- طُمأنينةُ النَّفْسِ، واقتناعُها اقتناعًا أكثرَ بذلك الحُكمِ المُعَلَّلِ.
ب- سُمُوُّ الشَّريعةِ، وأنَّها لا تأمُرُ بشَيءٍ عبَثًا، بل لا بُدَّ لكلِّ شَيءٍ تأمرُ به مِن الحِكمةِ المناسِبةِ الَّتي يَنبني عليها الحُكمُ.
ج- أنَّ العِلَّةَ إذا كانت عامَّةً أمكَنَ أنْ نَقيسَ على المُعَلَّلِ ما وافقَه في تلك العِلَّةِ، فنُلحِقَه به في الحُكمِ [1324] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 490). .
في قَولِه تعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا إثباتُ صِفَتيِ المغفرةِ والرَّحمةِ لله عزَّ وجلَّ، وهذان الوصْفان دَلَّ عليهما الاسمانُ دَلالةَ مُطابَقةٍ، وهذان الاسمان يَدُلَّان على الكرمِ دَلالةَ التِزامٍ [1325] تنقسِمُ الدَّلالةُ اللَّفظيَّةُ الوضعيَّةُ ثلاثةَ أقسامٍ: دلالة المطابَقة، ودلالة التَّضمُّن، ودلالة الالتِزام. فدَلالةُ المُطابَقةِ: هي دَلالةُ اللَّفظِ على تمامِ مُسَمَّاه؛ كدَلالةِ الإنسانِ والأسَدِ على حقيقتَيْهِما. ودَلالةُ التَّضَمُّنِ: هي دَلالةُ اللَّفظِ على بعضِ مُسَمَّاه؛ كدَلالةِ البيتِ على السَّقفِ أو الحائطِ. ودَلالةُ الالتِزامِ: هي دَلالةُ اللَّفظِ على معنًى آخَرَ خارِجٍ عن معناه. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 329، 330)، ((علوم البلاغة البيان)) للمراغي (ص: 209، 210)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (2/130، 131). ؛ لأنّ الكريمَ هو الَّذي يَغْفِرُ، وهو الَّذي يَرْحَمُ [1326] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 492). .
في قَولِه تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ... شِدَّةُ عنايةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بنساءِ المؤمِنينَ؛ فإنَّ عَلاقةَ الآيةِ هذه بالَّتي قَبْلَها ظاهِرةٌ؛ فإنَّ المنافِقينَ والَّذين في قُلوبِهم مرضٌ هم أكثرُ النَّاسِ تَعَرُّضًا لأذيَّةِ المؤمِناتِ؛ ولهذا أعقَبَ الآيةَ السَّابقةَ بهذه الآيةِ؛ ففيه كمالُ عنايةِ اللهِ تعالى بنِساءِ المؤمِنينَ [1327] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 498). .
قَولُه تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ إلى قَولِه: مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا يَقتضي أنَّ مَن لم يَنتَهِ فإنَّه يُؤخَذُ ويُقتَلُ؛ فعُلِمَ أنَّ الانتِهاءَ العاصِمَ للدَّمِ ما كان قبْلَ الأخذِ [1328] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 338). .
قَولُ الله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا فيه تحريمُ الأذى بالإرجافِ [1329] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 214). ، فقولُه: وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ فيه معنَى كَوْنِ الأخبارِ كاذبةً أو مُسيئةً لأصحابِها، يُعيدونها في المجالِسِ؛ لِيَطمئنَّ السَّامِعون لها -مرَّةً بعدَ مرَّةٍ- بأنَّها صادِقةٌ؛ لأنَّ الإشاعةَ إنَّما تُقصَدُ للتَّرويجِ بشَيءٍ غيرِ واقعٍ، أو ممَّا لا يُصَدَّقُ به؛ لاشتِقاقِ ذلك مِن الرَّجفِ والرَّجَفانِ، وهو الاضْطِرابُ والتَّزَلْزُلُ [1330] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/108). .
في قَولِه تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ وقَولِه سُبحانَه: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ أنَّه إذا ظهَرَ نِفاقُ المنافِقِ، وتَبيَّنَ عداؤه؛ فإنَّه يجوزُ أن يُعامَلَ بما يَقتَضيه نفاقُه [1331] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 498). .
قَولُ الله تعالى: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا الاستِثناءُ فيه لطيفةٌ، وهي: أنَّ اللهَ تعالى وعدَ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه يُخرِجُ أعداءَه مِن المدينةِ، ويَنفيهم على يَدِه؛ إظهارًا لشَوكتِه، ولو كان النَّفيُ بإرادةِ الله مِن غيرِ واسطةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأخلى المدينةَ عنهم في ألطَفِ آنٍ، بقَولِه: كُنْ فيَكونُ، ولكنْ لَمَّا أراد اللهُ أن يكونَ على يدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لا يقَعُ ذلك إلَّا بزمانٍ وإن لَطُفَ، فقال: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا، وهو أن يَتهَيَّؤوا ويَتأهَّبوا للخُروجِ [1332] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/184). .
قَولُ الله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا أي: لا يُجاوِرونَك في المدينةِ إلَّا قليلًا بأن تَقتُلَهم أو تَنفِيَهم، وهذا فيه دَليلٌ لِنَفيِ أهلِ الشَّرِّ الَّذين يُتضَرَّرُ بإقامتِهم بينَ أظهُرِ المُسلِمينَ؛ فإنَّ ذلك أحسَمُ للشَّرِّ، وأبعَدُ منه [1333] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 671). .
قال الله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وليست هذه السُّنَّةُ مِثلَ الحُكمِ الَّذي يُبَدَّلُ ويُنسَخُ؛ فإنَّ النَّسخَ يكونُ في الأحكامِ، أمَّا الأفعالُ والأخبارُ فلا تُنسَخُ [1334] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/184). .
قال الله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا اللهُ أخبر أنَّ سُنَّتَه لن تُبَدَّلَ ولن تَتحَوَّلَ، وسُنَّتُه عادتُه الَّتي يُسوِّي فيها بيْنَ الشَّيءِ ونَظيرِه الماضي، وهذا يَقتَضي أنَّه سُبحانَه يَحكُمُ في الأمورِ المُتماثِلةِ بأحكامٍ مُتماثِلةٍ [1335] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/23). .

بلاغةُ الآياتِ:


قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا
قولُه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ابتُدِئَ بأزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وبَناتِه؛ لأنَّهنَّ أكمَلُ النِّساءِ؛ فذِكْرُهنَّ مِن ذِكْرِ بعضِ أفرادِ العامِّ؛ للاهتِمامِ به [1336] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/106). . وقيل: بدَأ بأزواجِه؛ لِما لهنَّ به مِن الوُصلةِ بالنِّكاحِ، وأخَّر بناتِه عن الأزواجِ؛ لأنَّ أزواجَهم يَكْفونَه أمرَهنَّ [1337] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/411). .
قولُه: يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الإدناءُ: التَّقريبُ، وهو كِنايةٌ عن اللُّبسِ والوَضعِ، أي: يَضعْنَ عليهنَّ جَلابيبَهنَّ [1338] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/107). .
والتَّذييلُ بقولِه: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا صَفْحٌ عمَّا سبَقَ مِن أذَى الحرائرِ قبْلَ تَنبيهِ النَّاسِ إلى هذا الأدَبِ الإسلاميِّ -على قولٍ-، والتَّذييلُ يَقْتضي انتهاءَ الغرَضِ [1339] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/504)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/107). .
قوله تعالى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا
قولُه: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ استِئنافٌ ابتدائيٌّ، واللَّامُ في لَئِنْ مُوَطِّئةٌ للقَسَمِ؛ فالكلامُ بعْدَها قسَمٌ مَحذوفٌ، والتَّقديرُ: واللهِ لئنْ لم يَنتَهِ... واللَّامُ في لَنُغْرِيَنَّكَ لامُ جوابِ القسَمِ، وجوابُ القسَمِ دليلٌ على جوابِ الشَّرطِ [1340] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/108، 109). .
وحُذِفَ مَفعولُ يَنْتَهِ؛ لِظُهورِه، أي: لم يَنتهُوا عن أذَى الرَّسولِ والمؤمنينَ [1341] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/108، 109). . وقيل: لم يُذكَرِ المعمولُ الَّذي يَنتَهونَ عنه؛ لِيَعُمَّ ذلك كُلَّ ما توحي به أنفُسُهم إليهم، وتُوَسْوِسُ به وتدعو إليه مِنَ الشَّرِّ؛ مِن التَّعريضِ بسَبِّ الإسلامِ وأهلِه، والإرجافِ بالمُسلِمينَ، وتَوهينِ قُواهم، والتَّعَرُّضِ للمُؤمِناتِ بالسُّوءِ والفاحِشةِ، وغيرِ ذلك مِن المعاصي الصَّادِرةِ مِن أمثالِ هؤلاء [1342] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 671). .
قولُه: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ يجوزُ أنْ يكونَ التَّغايُرُ في الوَصفِ للشَّخصِ الواحدِ، كأنَّه قال: كلُّ مَنِ اتَّصَفَ بهذه الصِّفاتِ الثَّلاثةِ فله الوعيدُ -وذلك على قولٍ-، ونَصَّ على وَصْفَيْ مرَضِ القلوبِ والإرجافِ مِن صِفاتِ المنافقينَ؛ لِشِدَّةِ ضَررِهما على المؤمنينَ [1343] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/505). .
وفي قولِه: ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا اختِيرَ عطْفُ الجُملةِ بـ (ثُمَّ) دونَ الفاءِ؛ للدَّلالةِ على تَراخي انتفاءِ المُجاوَرةِ عن الإغراءِ بهم تَراخي رُتْبةٍ؛ لأنَّ الخُروجَ مِن الأوطانِ أشدُّ على النُّفوسِ ممَّا يَلحَقُها مِن ضُرٍّ في الأبدانِ، كما أنَّ الجلاءَ ومُفارَقةَ جِوارِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أعظَمُ ما يُصِيبُهم. والاستِثناءُ بقولِه: إِلَّا قَلِيلًا؛ لِتَأكيدِ نَفْيِ المُجاورةِ، وأنَّه ليس جاريًا على طَريقةِ المُبالَغةِ، أي: لا يَبقَون معك في المدينةِ إلَّا مُدَّةً قليلةً [1344] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/561)، ((تفسير البيضاوي)) (4/238)، (تفسير أبي حيان)) (8/505)، ((تفسير أبي السعود)) (7/115)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/109). .
قوله تعالى: مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا فيه إيجازٌ بَديعٌ؛ فاللَّعنُ هو الإبعادُ والطَّردُ، وهو مُستعمَلٌ هنا كِنايةً عن الإهانةِ والتَّجنُّبِ في المدينةِ، أي: يُعامِلُهم المسلمونَ بتَجنُّبِهم عن مُخالَطتِهم، ويَبتعِدون همْ مِن المؤمنينَ اتِّقاءً ووَجَلًا، فتَضمَّنَ أنْ يَكونوا مُتوارينَ مُختفِينَ؛ خَوفًا مِن بَطْشِ المؤمنينَ بهم؛ حيث أغْراهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ [1345] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/110). .
وقولُه: تَقْتِيلًا مَصدرٌ مُؤكِّدٌ لِعامِلِه، أي: قُتِّلوا قتْلًا شديدًا شاملًا؛ فالتَّأكيدُ هنا تأْكيدٌ لِتَسلُّطِ القتْلِ على جَميعِ الأفرادِ؛ لِرَفْعِ احتِمالِ المجازِ في عُمومِ القتلِ؛ فالمعنى: قُتِّلوا قتلًا شديدًا لا يُفلِتُ منه أحدٌ [1346] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/110). .
قوله تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
في قولِه: سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ شُبِّهت السُّنةُ الَّتي عُومِلوا بها بشَيءٍ في وسَطِهم؛ كِنايةً عن تَغلغُلِه فيهم، وتَناوُلِه جميعَهم [1347] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/111). .
وذُيِّلَت هذه الآيةُ بجُملةِ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا؛ لِزِيادةِ تَحقيقِ أنَّ العذابَ حائقٌ بالمنافقينَ وأتْباعِهم إنْ لم يَنتهُوا عمَّا همْ فيه، وأنَّ اللهَ لا يُخالِفُ سُنَّتَه؛ لأنَّها مُقْتضى حِكمتِه وعِلمِه، فلا تَجري مُتعلَّقاتُها إلَّا على سَننٍ واحدٍ، وبهذا العُمومِ الَّذي أفادَه وُقوعُ النَّكِرةِ في سِياقِ النَّفيِ تأهَّلَتِ الجُملةُ لِأنْ تكونَ تَذييلًا [1348] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/112). .