موسوعة التفسير

سورةُ الأحزابِ
الآيات (56-58)

ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غَريبُ الكَلِماتِ:


لَعَنَهُمُ: أي: طرَدهم وأبعَدهم وأخزاهم وأهلَكَهم وأقْصاهم، وأصلُ اللَّعْنِ: الطَّردُ والإبعادُ على سبيلِ السَّخطِ [1215] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/231)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/252)، ((المفردات)) للراغب (ص: 741)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 99). .
بُهْتَانًا: أي: زورًا، وكَذِبًا، والبُهتانُ هو الكذبُ الَّذي يُبهَتُ سامعُه، أي: يدهشُ ويتحيَّرُ لِفَظاعتِه، وهو أفحشُ الكذِبِ، والبَهْتُ: التحيُّر والدَّهَشُ [1216] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 122)، ((تفسير ابن جرير)) (19/180)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1 /307)، ((المفردات)) للراغب (ص: 148)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (2/555)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 154). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مُثْنِيًا على نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ تعالى يُثْني على نَبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ في الملأِ الأعلى، ومَلائِكتَه يُثْنونَ عليه ويَدْعُونَ له، يا أيُّها الَّذين آمَنوا صَلُّوا على النَّبيِّ محمَّدٍ وسَلِّموا تسليمًا.
 ثمَّ يقولُ تعالى متوَعِّدًا مَن آذَى اللهَ ورسولَه: إنَّ الَّذين يُؤْذونَ اللهَ بالكُفرِ أو وَصْفِه بما لا يَليقُ به تعالى، ويؤذونَ رَسولَه محمَّدًا بالقَولِ أو الفِعلِ: أبعَدَهم اللهُ مِن رَحمتِه في الدُّنيا والآخِرةِ، وأعَدَّ لهم عذابًا مُهينًا.
ثمَّ يَتوعَّدُ مَن يُؤذي المؤمنينَ والمؤمناتِ، فيقولُ: والَّذين يُؤذونَ المؤمِنينَ والمؤمِناتِ بغيرِ جِنايةٍ منهم، فقد تحمَّلوا كَذِبًا فاحِشًا، وإثمًا ظاهِرًا.

تَفسيرُ الآياتِ:


إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أُعقبَتْ أحكامُ مُعامَلةِ أزواجِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالثَّناءِ عليه وتَشريفِ مَقامِه؛ إيماءً إلى أنَّ تلك الأحكامَ جاريةٌ على مُناسَبةِ عَظَمةِ مَقامِ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عندَ اللهِ تعالى، وإلى أنَّ لأزواجِه مِن ذلك التَّشريفِ حظًّا عظيمًا؛ ولذلك كانتْ صِيغةُ الصَّلاةِ عليه الَّتي علَّمَها للمُسلمينَ مُشتملةً على ذِكرِ أزواجِه، ولِيُجعَلَ ذلك تَمهيدًا لأمْرِ المؤمنينَ بتَكريرِ ذِكرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بالثَّناءِ والدُّعاءِ والتَّعظيمِ [1217] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97). .
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ.
أي: إنَّ الله تعالى يُثني على نَبيِّه في الملأِ الأعلى، ومَلائِكتَه يُثنُونَ عليه ويَدْعُونَ له [1218] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 671)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 460، 461). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا حذَّر اللهُ تعالى المؤمِنينَ مِن كُلِّ ما يُؤذي الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، أعقَبَه بأنَّ ذلك ليس هو أقصى حَظِّهم مِن مُعاملةِ رَسولِهم؛ أن يَتركوا أذاه، بل حَظُّهم أكبَرُ مِن ذلك، وهو: أن يُصَلُّوا عليه ويُسَلِّموا، وذلك هو إكرامُهم الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فيما بيْنَهم وبيْنَ ربِّهم؛ فجُملةُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا بمنزلةِ النَّتيجةِ الواقِعةِ بعدَ التَّمهيدِ [1219] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
أي: يا أيُّها الَّذين آمَنوا ادْعُوا اللهَ بأن يُصَلِّيَ على نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحيُّوه تحيَّةَ الإسلامِ، فقولوا: السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه [1220] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/175)، ((الوسيط)) للواحدي (3/481)، ((تفسير الزمخشري)) (3/557)، ((تفسير الرسعني)) (6/190)، ((تفسير السعدي)) (ص: 671)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 461-466). قال ابنُ عثيمين في بيانِ معنى قولِ: السَّلامُ عليكَ: (أنَّك تَسألُ الله سبحانه وتعالى أن يُسلِّمَه مِن الآفاتِ الحِسِّيَّةِ والمَعنويَّةِ؛ فالسَّلامةُ الحِسِّيَّةُ: سلامةُ البدنِ والعِرضِ والمالِ، والسَّلامةُ المعنويَّةُ: سلامةُ الدِّينِ مِن الآفاتِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 466). .
عن كَعبِ بنِ عُجْرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((سألْنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلْنا: يا رَسولَ اللهِ، كيف الصَّلاةُ عليكم أهلَ البَيتِ؛ فإنَّ اللهَ قد علَّمَنا كيف نُسَلِّمُ عليكم؟ قال: قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حميدٌ مَجيدٌ، اللَّهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حميدٌ مجيدٌ)) [1221] رواه البخاري (3370) واللفظ له، ومسلم (406). .
وعن أبي مَسعودٍ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أتانا رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في مجلِسِ سَعدِ بنِ عُبادةَ، فقال له بَشيرُ بنُ سَعدٍ: أمَرَنا اللهُ تعالى أن نُصَلِّيَ عليك يا رَسولَ اللهِ، فكيف نُصَلِّي عليك؟ قال: فسكَتَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى تمنَّيْنا أنَّه لم يَسأَلْه، ثمَّ قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، في العالَمينَ؛ إنَّك حميدٌ مَجيدٌ، والسَّلامُ كما قد عَلِمتُ م [1222] قولُه: ((والسَّلامُ كما قَدْ عَلِمتُم)): أي أنَّ كيفيَّةَ السَّلامَ عليَّ هي كما عَلمِتُم في التَّشهُّدِ، وهو قولُهم: السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (4/125). ) [1223] رواه مسلم (405). .
وعن أبي حُمَيدٍ السَّاعِديِّ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّهم قالوا: ((يا رَسولَ اللهِ، كيف نُصلِّي عليك؟ فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قولوا: اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَّتِه، كما صَلَّيتَ على آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وأزواجِه وذُرِّيَّتِه، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ؛ إنَّك حميدٌ مَجيدٌ )) [1224] رواه البخاري (3369) واللفظ له، ومسلم (407). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((علَّمَني رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم -وكَفِّي بينَ كَفَّيْه- التَّشَهُّدَ، كما يُعَلِّمُني السُّورةَ مِن القُرآنِ: التَّحيَّاتُ لله، والصَّلواتُ والطَّيِّباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالِحينَ، أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورَسولُه. وهو بيْنَ ظَهْرانَيْنا، فلمَّا قُبِضَ قُلْنا: السَّلامُ -يعني- على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)) [1225] رواه البخاري (6265) واللفظ له، ومسلم (402). .
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه فصَّل الأشياءَ بتَبيينِ بعضِ أضْدادِها، فبيَّن حالَ مُؤْذي النَّبيِّ؛ ليُبيِّنَ فضيلةَ المسَلِّمِ عليه [1226] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/182). .
وأيضًا لَمَّا أرشَدَ اللهُ المؤمنينَ إلى تَناهي مَراتبِ حُرْمةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وتَكريمِه، وحذَّرَهم ممَّا قد يَخْفَى على بعضِهم مِن خَفِيِّ الأذَى في جانبِه، بقولِه: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ [الأحزاب: 53]، وقولِه: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: 53]، وعلَّمَهم كيف يُعامِلونه مُعامَلةَ التَّوقيرِ والتَّكريمِ بقولِه: وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب: 53]، وقولِه: وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب: 53]، وقولِه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الأحزاب: 56] الآيةَ، وعَلِمَ أنَّهم قد امتَثَلوا أو تَعلَّموا؛ أردَفَ ذلك بوَعيدِ قومٍ اتَّسَموا -في الظَّاهرِ- بسِماتِ المؤمنينَ، وكان مِن دأْبِهم السَّعيُ فيما يُؤذي الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فأعلَمَ اللهُ المؤمنينَ بأنَّ أولئك مَلعونون في الدُّنيا والآخِرةِ؛ لِيَعلَمَ المؤمنونَ أنَّ أولئك لَيسوا مِن الإيمانِ في شَيءٍ، وأنَّهم مُنافقون؛ لأنَّ مِثلَ هذا الوَعيدِ لا يُعهَدُ إلَّا للكافرينَ [1227] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/103، 104). .
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
أي: إنَّ الَّذين يُؤذُونَ اللهَ بالكُفرِ به، أو بنِسبةِ الصَّاحِبةِ والوَلَدِ والشَّريكِ إليه، أو وَصْفِه بما لا يَليقُ به، أو بالإصرارِ على مَعصيتِه أو بغيرِ ذلك؛ ويُؤْذونَ رَسولَه مُحمَّدًا بالقَولِ أو الفِعلِ، كضَربِه، أو شَتمِه، أو وَصفِه بما لا يليقُ به: أبعَدَهم اللهُ وطرَدَهم مِن رحمتِه في الدُّنيا وفي الآخِرةِ [1228] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/178، 179)، ((الوسيط)) للواحدي (3/482)، ((تفسير القرطبي)) (14/237)، ((تفسير ابن كثير)) (6/480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 671)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/104)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 473-475). .
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قال اللهُ تعالى: يُؤذيني ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهرَ، وأنا الدَّهرُ [1229] أنا الدَّهرُ: أي: أنا صاحبُ الدَّهرِ، ومُدَبِّرُ الأمورِ الَّتي تَنسبونها إلى الدَّهرِ. يُنظر: ((أعلام الحديث)) للخطَّابي (3/1904). ، بيَدِي الأمرُ، أقَلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ) ) [1230] رواه البخاري (7491) واللفظ له، ومسلم (2246). .
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((قال اللهُ: كذَّبَني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له ذلك، وشَتَمني ولم يكُنْ له ذلك! فأمَّا تكذيبُه إيَّاي فزَعَم أنِّي لا أقدِرُ أن أُعيدَه كما كان! وأمَّا شَتْمُه إيَّاي فقَولُه: لي ولَدٌ؛ فسُبحاني أن أتَّخِذَ صاحِبةً أو ولَدًا )) [1231] رواه البخاري (4482). .
وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا
أي: وأعدَّ اللهُ لهم في الآخِرةِ عَذابًا يُهينُهم؛ جزاءً لهم على إيذائِهم اللهَ ورَسولَه [1232] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/179)، ((تفسير السعدي)) (ص: 671)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/104). .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا كان اللهُ تعالى مُصَلِّيًا على نَبيِّه، لم يَنفَكَّ إيذاءُ اللهِ عن إيذائِه؛ فإنَّ مَن آذى اللهَ فقد آذى الرَّسولَ؛ فبيَّنَ اللهُ للمُؤمِنينَ أنَّكم إن أتيتُم بما أمَرْتُكم، وصلَّيتُم على النَّبيِّ كما صلَّيتُ عليه، لا ينفَكُّ إيذاؤُكم عن إيذاءِ الرَّسولِ، فيأثَمُ مَن يُؤذيكم؛ لِكَونِ إيذائِكم إيذاءً للرَّسولِ، كما أنَّ إيذائي إيذاؤُه [1233] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/183). .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)
أي: والَّذين يُؤذونَ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ مِن غَيرِ جِنايةٍ منهم [1234] قيل: المرادُ: أذيَّتُهم بالأفعالِ والأقوالِ. وممَّن قال بهذا: القرطبي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/240)، ((تفسير أبي السعود)) (7/114)، ((تفسير الشوكاني)) (4/348)، ((تفسير القاسمي)) (8/111). وقيل: المرادُ بالأذَى: أذى القولِ؛ بقرينةِ قولِه تعالى: فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا؛ لأنَّ البهتانَ مِن أنواعِ الأقوالِ. وممَّن قال بهذا: الرازي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/183)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/105). : فقد تحمَّلوا كَذِبًا فاحِشًا؛ لافترائِهم عليهم بما هم منه بُرَآءُ، ويَتحَمَّلونَ إثمًا ظاهِرًا [1235] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/179، 180)، ((تفسير القرطبي)) (14/240)، ((تفسير ابن كثير)) (6/480)، ((تفسير السعدي)) (ص: 671)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/105). قال الشوكاني: (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا أي: ظاهِرًا واضِحًا لا شَكَّ في كَونِه مِن البُهتانِ والإثمِ). ((تفسير الشوكاني)) (4/348). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/180). وقال ابن عاشور: (والمرادُ بالمُبينِ: العظيمُ القويُّ، أي: جُرْمًا مِن أشدِّ الجُرْمِ، وهو وعيدٌ بالعِقابِ عليه). ((تفسير ابن عاشور)) (22/105). .
كما قال تعالى: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [النساء: 112].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أنَّ الصَّلاةَ والسَّلامَ على النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن مُقتضياتِ الإيمانِ؛ فامتثالُ هذا الأمرِ زيادةٌ في الإيمانِ، ومعصيتُه نقصٌ في الإيمانِ؛ وذلك لأنَّ النِّداءَ كان بوصفِ الإيمانِ [1236] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص:462، 470). . ومِن أهَمِّ مواطِنِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الَّتي يتأكَّدُ طَلَبُها إمَّا وُجوبًا وإمَّا استِحبابًا مُؤكَّدًا:
أوَّلًا: وهو أهمُّها وآكَدُها: في الصَّلاةِ في آخِرِ التَّشَهُّدِ، وقد أجمَع المُسلِمونَ على مَشروعيَّتِه.
ثانيًا: الصَّلاةُ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في التَّشَهُّدِ الأوَّلِ.
ثالثًا: الصَّلاةُ عليه في صلاةِ الجنازةِ بعدَ التَّكبيرةِ الثَّانيةِ.
رابعًا: الصَّلاةُ عليه بعدَ إجابةِ المؤذِّنِ وعندَ الإقامةِ.
خامِسًا: عندَ دُخولِ المسجِدِ، وعندَ الخُروجِ منه.
سادِسًا: عندَ اجتِماعِ القَومِ وقبْلَ تفَرُّقِهم.
سابعًا: عندَ ذِكْرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم... إلى غيرِ ذلك مِن مواطِنِ الصَّلاةِ عليه [1237] يُنظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 327)، وقد ذكَر ابنُ القيمِ واحدًا وأربعين موطنًا مِن مَواطِنِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. .
قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا، فيه أنَّ أذيَّةَ الرَّسولِ ليست كأذيَّةِ غيرِه؛ لأنَّ العبدَ لا يُؤمنُ بالله حتَّى يُؤمنَ برسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومِن لَوازمِ هذا الإيمانِ تعظيمُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك يقتضي ألَّا يكونَ مِثلَ غيرِه [1238] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 671). .
قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا فيه أنَّ أذِيَّةَ المُؤمِنينَ عَظيمةٌ، وإثمَها عَظيمٌ؛ ولهذا كان سَبُّ آحادِ المؤمِنينَ مُوجِبًا للتَّعزيرِ بحَسَبِ حالتِه وعلُوِّ مَرتبتِه؛ فتعزيرُ مَن سَبَّ الصَّحابةَ أبلَغُ، وتعزيرُ مَن سَبَّ العُلَماءَ وأهلَ الدِّينِ: أعظَمُ مِن غَيرِهم [1239] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 671). .
في قَولِه تعالى: فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا ذَمُّ الكذبِ؛ ولا سيَّما إذا كان الكذبُ يؤدِّي إلى أذِيَّةِ الغيرِ [1240] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 480). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ هذه صلاةٌ خاصَّةٌ هي أرفَعُ صلاةً مِمَّا شَمِلَه قَولُه تعالى: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ؛ لأنَّ عَظَمةَ مَقامِ النَّبيِّ تقتضي عَظمةَ الصَّلاةِ عليه [1241] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97). .
في قَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا بيانُ عُلُوِّ شأنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِكَونِ اللهِ تعالى وملائكتِه يُصَلُّون عليه، فهذا مِن عُلُوِّ شأنِه، ورِفْعةِ ذِكْرِه [1242] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 470). ، ثمَّ أمَر تعالى أهلَ العالَمِ السُّفليِّ بالصلاةِ والتَّسليمِ عليه، ليجتمعَ الثناءُ عليه مِن أهلِ العالمينِ العلويِّ والسفليِّ جميعًا [1243] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/457). .
قَولُ الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فيه سُؤالٌ: إذا صلَّى اللهُ وملائِكتُه على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأيُّ حاجةٍ إلى صَلاتِنا؟
والجوابُ: أنَّ الصَّلاةَ عليه ليست لحاجتِه إليها، وإلَّا فلا حاجةَ إلى صلاةِ الملائِكةِ مع صَلاةِ اللهِ عليه، وإنَّما هو لإظهارِ تَعظيمِه، كما أنَّ اللهَ تعالى أوجَبَ علينا ذِكرَ نَفْسِه، ولا حاجةَ له سُبحانَه إليه، وإنَّما هو لإظهارِ تَعظيمِه مِنَّا؛ شَفقةً علينا، لِيُثيبَنا عليه؛ ولهذا قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((مَن صلَّى علَيَّ مرَّةً، صلَّى اللهُ عليه عَشْرًا)) [1244] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/182). والحديث أخرجه مسلم (408) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أنَّ المشروعَ أنْ يُصَلِّيَ الإنسانُ عليه باللَّفظِ؛ ولا يكفي السَّلامُ أو الصَّلاةُ بالقلبِ! وعلى هذا فينبغي عندَما نَكتُبُ الأحاديثَ أنْ نكتُبَ: (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، وأمَّا ما يفعلُه بعضُ النَّاسِ مِن كتابةِ: (ص)! أو (صلعم)! فإنَّ أهلَ العِلمِ كرِهوا ذلك، وقالوا: إنَّ الأفضلَ أنْ نكتُبُ: (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [1245] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 470، 471). .
في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا دَلالةٌ على وُجوبِ الصَّلاةِ والتَّسليمِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في التَّشَهُّدِ؛ وجْهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ سُبحانَه أمَرَ المؤمِنينَ بالصَّلاةِ والتَّسليمِ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأمْرُه المُطلَقُ على الوُجوبِ ما لم يَقُمْ دَليلٌ على خِلافِه، وقد ثبت أنَّ أصحابَه رَضِيَ اللهُ عنهم سألوه عن كيفيَّةِ هذه الصَّلاةِ المأمورِ بها، فقال: ((قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ ...)) الحديثَ، وقد ثبت أنَّ السَّلامَ الَّذي عُلِّمُوه هو السَّلامُ عليه في الصَّلاةِ، وهو سلامُ التَّشَهُّدِ؛ فمَخرجُ الأمْرَينِ والتَّعليمَينِ والمحَلَّينِ واحِدٌ [1246] يُنظر: ((جلاء الأفهام)) لابن القيم (ص: 346). .
الأوْلَى في الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم الجمعُ بينَ الصَّلاةِ والتَّسليمِ، فيُقالُ: صلَّى الله عليه وَسلَّم تسليمًا، ولا يُقتصَرْ على «صلَّى الله عليه» فقط، ولا «عليه السَّلامُ» فقط؛ لقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [1247] يُنظر: ((الأذكار)) للنووي (ص: 117)، ((تفسير ابن كثير)) (6/479). .
قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ قُرِنَ بينَ أذَى اللهِ ورَسولِه؛ للإشارةِ إلى أنَّ أذى الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُغضِبُ اللهَ تعالى، فكأنَّه أذًى للهِ [1248] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/104). ، فأَذِيَّةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كأَذِيَّةِ اللهِ؛ لأنَّ اللهَ جَمَع بيْنَهما بالواوِ [1249] لأنَّ (الواو) -وإنْ كانتْ لا تدلُّ على الترَّتيبِ- يُستفادُ منها الجمْعُ بيْنَ الشيئينِ أو الأشياءِ في المعنَى الذي سِيقتْ له. يُنظر: ((شرح المفصل)) لابن يعيش (2/151)، ((شرح ألفية ابن مالك للشاطبي)) (5/133). ، فكما أنَّ طاعةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كطاعةِ اللهِ تعالى، ومعصيةَ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كمعصيةِ اللهِ تعالى؛ فأذيَّةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كأذيَّةِ اللهِ تعالى، يعني: مِن حيثُ التَّحريمُ؛ وأنَّها مِن الكبائرِ، وإلَّا فإنَّ أذيَّةَ اللهِ تعالى أعظَمُ مِن حيثُ الجهةُ الَّتي نُسِبَ إليها الذَّمُّ والعيبُ [1250] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 477). .
قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فيه إشارةٌ إلى بُعدٍ لا رجاءَ للقُرْبِ معه؛ لأنَّ المُبعَدَ في الدُّنيا يرجو القُربةَ في الآخِرةِ، فإذا أُبعِدَ في الآخِرةِ فقد خاب وخَسِر؛ لأنَّ اللهَ إذا أبعَدَه وطَرَده، فمَنِ الَّذي يُقرِّبُه يومَ القيامةِ [1251] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/182). ؟!
في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا أنَّ أذيَّةَ اللهِ تعالى ورَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن كبائرِ الذُّنوبِ؛ وجْهُ ذلك: أنَّ اللهَ تعالى تَوَعَّدَ عليها باللَّعنِ والعَذابِ، وكلُّ شيءٍ تَوَعَّدَ اللهُ تعالى عليه باللَّعنِ أو العذابِ فإنَّه مِن كبائرِ الذُّنوبِ [1252] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 476). .
في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا أنَّ مَن آذى المؤمِنينَ بما اكتَسَبوا، فإنَّه ليس عليه شَيءٌ؛ مِثلُ: إقامةِ الحَدِّ على المُجرِمِ، وتَغريمِ الظَّالمِ، وما أشبَهَ ذلك؛ فهذا وإنْ كان فيه أذيَّةٌ لكِنَّها بكَسْبِه؛ فقد قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ [1253] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/273). قال الشوكاني: (فأمَّا الأذيَّةُ للمُؤمِنِ والمؤمِنةِ بما كسَبه، ممَّا يوجِبُ عليه حدًّا أو تعزيرًا أو نحوَهما: فذلك حقٌّ أثبَتَه الشَّرعُ، وأمرٌ أمَرَنا اللهُ به، ونَدَبَنا إليه، وهكذا إذا وقَع مِن المؤمِنينَ والمؤمِناتِ الابتداءُ بشَتمٍ لمؤمِنٍ أو مؤمنةٍ، أو ضَربٍ؛ فإنَّ القصاصَ مِن الفاعِلِ ليس مِن الأذيَّةِ المحَرَّمةِ على أيِّ وَجهٍ كان، ما لم يجاوِزْ ما شرَعَه اللهُ). ((تفسير الشوكاني)) (4/348). [النور: 2].
في قَولِه تعالى: يُؤْذُونَ اللَّهَ وَصْفُ اللهِ سُبحانَه وتعالى بأنَّه يَتأذَّى [1254] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 476). ، وليس أذاه سبحانَه مِن جنسِ الأذَى الحاصلِ للمخلوقينَ، كما أنَّ سخطَه وغضَبَه وكراهتَه ليست مِن جنسِ ما للمخلوقينَ [1255] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (4/1450). ، فالله تعالى أثبَتَ أنَّهم يُؤذونَ اللهَ ورسولَه، وقال تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران: 176]، وفي الحديثِ القُدسيِّ: ((يا عبادي، إنَّكم لن تَبلُغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني)) [1256] أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذَرٍّ الغِفاريِّ رضي الله عنه. ، فالضَّررُ مُنتَفٍ عن اللهِ، والأذيَّةُ حاصِلةٌ [1257] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/55). .
في قَولِه تعالى: يُؤْذُونَ اللَّهَ بيانُ كمالِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لأنَّه إذا كان يَتأذَّى مِن الأشياءِ المُنْكَرةِ الَّتي لا تليقُ به؛ دلَّ ذلك على كمالِه؛ ولهذا عندَ النَّاسِ مِن العَيبِ أنَّ الإنسانَ لا يَتَأذَّى بما يُوصَفُ به مِن عيبٍ [1258] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 476). .
في قَولِه تعالى: وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، فكما أنَّ هؤلاء تعالَوْا وتعاظَموا وأهانوا الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم بأذيَّتِه؛ عاقبَهم اللهُ تعالى بما يُهينُهم ويُذِلُّهم مِن العَذابِ [1259] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 477). .
قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا فيه تحريمُ أذى المؤمِنِ إلَّا بوَجهٍ شَرعيٍّ؛ كالمُعاقَبةِ على ذَنْبٍ، ويَدخُلُ في هذه الآيةِ كُلُّ ما يُؤدِّي للإيذاءِ؛ كالبَيعِ على بَيعِ غَيرِه، والسَّومِ على سَومِه، والخِطبةِ على خِطبتِه، وقد نصَّ الشَّافعيُّ على تحريمِ أكلِ الإنسانِ ممَّا يلي غَيرَه إذا اشتملَ على إيذاءٍ [1260] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 213). .
إنَّ سَبَّ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم حَرامٌ؛ وذلك لأنَّ اللهَ سُبحانَه يقول: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: 12]، وأدنَى أحوالِ السَّابِّ لهم أنْ يكونَ مُغتابًا، وقال: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا، وهم صدورُ المؤمنينَ؛ فإنَّهم هم المواجَهُون بالخِطابِ في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا حيثُ ذُكِرَتْ، ولم يكتَسِبوا ما يُوجِبُ أذاهم؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه رَضِيَ عنهم رِضًا مُطلقًا بقَولِه تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة: 100]، فرضِيَ عن السَّابِقينَ مِن غيرِ اشتراطِ إحسانٍ، ولم يَرْضَ عن التَّابِعينَ إلَّا أنْ يَتَّبِعوهم بإحسانٍ [1261] يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (ص: 571). .
قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا مِن أكثَرِ مَن يَدخُلُ في هذا الوَعيدِ: الكَفَرةُ باللهِ ورَسولِه، ثمَّ الرَّافِضةُ الَّذين يتنقَّصونَ الصَّحابةَ ويَعيبونَهم بما قد برَّأهم اللهُ منه، ويَصِفونهم بنَقيضِ ما أخبَرَ اللهُ عنهم [1262] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/480). .
قَولُه تعالى: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا لم يُذْكَرْ هذا في الآيةِ الأُولى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ؛ بسببِ أنَّه لا يمكنُ أنْ يكونَ مِن فِعْلِ اللهِ تعالى أو مِن فِعْلِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما يَستحِقُّون به الأذيَّةَ! لكنَّ المؤمنينَ يمكنُ أنْ يَقَعَ منهم ما يَستحِقُّون به الأذيَّةَ؛ ولهذا قال تبارك وتعالى: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا؛ لأنَّ المؤمنَ قد يَكتسبُ شيئًا يستحِقُّ الأذيَّةَ عليه، فأذيَّتُه حينَئذٍ ليس فيها وعيدٌ، وليست إثمًا ولا بهتانًا، لكن لا يجوزُ أنْ يُؤْذَى بأكثرَ ممَّا يَستحِقُّ! فلأنَّه سَبَّكَ فلا تَسُبَّه أكثرَ؛ لأنَّك إذا سَبَبْتَه بمِثْلِ ما سَبَّكَ فقد آذيْتَه بقَدْرِ ما اكتسَبَ، وقد قال تبارك وتعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [1263] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 478، 480). [الشورى: 40].
في قَولِه تعالى: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا الرَّدُّ على الجَبريَّةِ؛ حيثُ أضاف الفِعلَ إليهم. والجَبريَّةُ يقولونَ: إنَّ الإنسانَ مُجبَرٌ على عَمَلِه، وأنَّه لا حَوْلَ له ولا قُوَّةَ، يَفعَلُ الشَّيءَ بغيرِ اختيارِه، ويَدَعُه بغَيرِ اختيارِه [1264] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الأحزاب)) (ص: 480). !

بلاغةُ الآياتِ:


قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا كلامٌ مُستأنَفٌ؛ مَسوقٌ لِتَشريفِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حيًّا وميِّتًا [1265] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (8/43). .
وفي قولِه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ذُكِرَ صلاةُ الملائكةِ مع صَلاةِ اللهِ؛ لِيَكونَ مِثالًا مِن صلاةِ أشرَفِ المخلوقاتِ على الرَّسولِ؛ لِتَقريبِ دَرجةِ صَلاةِ المؤمنينَ الَّتي يُؤمَرونَ بها عَقِبَ ذلك [1266] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97). .
وتأْكيدُ الجُملةِ بـ (إنَّ)؛ للاهتِمامِ. ومَجِيءُ الجُملةِ الاسميَّةِ؛ لِتَقويةِ الخبَرِ. وافتتاحُها باسمِ الجلالةِ؛ لإدخالِ المَهابةِ والتَّعظيمِ في هذا الحُكمِ [1267] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97). .
وجِيءَ في صَلاةِ اللهِ وملائكتِه بالمُضارعِ يُصَلُّونَ؛ للدَّلالةِ على التَّجديدِ والتَّكريرِ؛ لِيَكونَ أمْرُ المؤمنينَ بالصَّلاةِ عليه والتَّسليمِ عَقِبَ ذلك مُشيرًا إلى تَكريرِ ذلك منهم؛ أُسوةً بصَلاةِ اللهِ ومَلائكتِه [1268] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/97- 99). .
وقال هنا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ، أمَّا في الآيةِ الَّتي سبَقَت فقال: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ [الأحزاب: 43]، فجَعَل الصَّلاةَ لله، وعَطَف الملائِكةَ على اللهِ، وهاهنا جمَعَ نَفْسَه وملائِكَتَه، وأسنَدَ الصَّلاةَ إليهم، فقال: يُصَلُّونَ، وفيه تعظيمُ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وهذا لأنَّ إفرادَ الواحِدِ بالذِّكرِ، وعَطْفَ الغَيرِ عليه: يوجِبُ تَفضيلًا للمَذكورِ على المعطوفِ، كما أنَّ المَلِكَ إذا قال: (يَدخُلُ فُلانٌ وفلانٌ أيضًا) يُفهَمُ منه تقديمٌ لا يُفهَم لو قال: (فلانٌ وفلانٌ يَدخُلان). إذا عُلِمَ هذا فقال في حَقِّ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّهم يُصَلُّون؛ إشارةً إلى أنَّه في الصَّلاةِ على النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كالأصلِ، وفي الصَّلاةِ على المؤمِنينَ: اللهُ يَرحَمُهم، ثمَّ إنَّ الملائكةَ يُوافِقونَه؛ فهم في الصَّلاةِ على النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُصَلُّونَ بالإضافةِ كأنَّها واجبةٌ عليهم أو مندوبةٌ، سواءٌ صلَّى اللهُ عليه أو لم يُصَلِّ، وفي المؤمِنينَ ليس كذلك [1269] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/181، 182). . وقيل: لَمَّا كان سُبحانَه قد قدَّم قَولَه: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ فأفرد كُلًّا بخبرٍ، وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أعلَى المخاطَبينَ حَظًّا؛ فإنَّه رأسُ المؤمِنينَ- أفرَدَه هنا بهذه الصَّلاةِ الَّتي جَمَع فيها الملائِكةَ الكِرامَ معه سُبحانَه، وجعَل الخبَرَ عنهم خبرًا واحِدًا؛ لِيَكونَ أتَمَّ؛ فإنَّ قَولَك: (فُلانٌ وفلانٌ يَنصُرانِ فُلانًا) أضخَمُ مِن قولِك: (فلانٌ يَنصُرُه وفلانٌ) [1270] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/406). .
قَولُه: وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، ذكَر المصدرَ (تَسْلِيمًا) للتَّأكيدِ؛ لِيَكملَ السَّلامُ عليه، ولم يؤكِّدِ الصَّلاةَ بهذا التَّأكيدِ؛ لأنَّها كانت مؤكَّدةً بقولِه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [1271] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/182). ، فالحكمةُ في تأكيدِ الأمرِ بالسَّلامِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمصدرِ دونَ الصَّلاةِ عليه: أنَّ التَّأكيدَ واقعٌ على الصَّلاةِ والسَّلامِ -وإنِ اختلفَتْ جهةُ التَّأكيدِ-؛ فإنَّه سُبحانَه أَخبَر في أوَّلِ الآيةِ بصَلاتِه عليه وصَلاةِ ملائكتِه عليه مُؤَكِّدًا لهذا الإخبارِ بحرفِ «إنَّ» مُخْبِرًا عن الملائكةِ بصيغةِ الجَمعِ المضافِ إليهِ -وهذا يُفِيْدُ العُمومَ والاستِغراقَ-؛ فإذا استَشْعَرَتِ النُّفوسُ أنَّ شأنَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عندَ اللهِ وعندَ ملائكتِه هذا الشأنُ بادرَتْ إلى الصَّلاةِ عليه -وإنْ لم تُؤْمَرْ بها-؛ بل يكفي تنبيهُها والإشارةُ إليها بأدنى إشارةٍ، فإذا أُمِرَتْ بها لم تَحْتَجْ إلى تأكيدِ الأمرِ، بل إذا جاء مُطْلَقُ الأمرِ بادرَتْ وسارعتْ إلى مُوافَقةِ اللهِ وملائكتِه في الصَّلاةِ عليه -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه-، فلَمْ يُحْتَجْ إلى تأكيدِ الفعلِ بالمصدرِ، ولَمَّا خَلا السَّلامُ عن هذا المعنى، وجاء في حَيِّزِ الأمرِ المُجَرَّدِ دونَ الخبرِ؛ حَسُنَ تأكيدُه بالمصدرِ لِيَدُلَّ على تحقيقِ المعنى وتَثبيتِه، ولِيَقومَ تأكيدُ الفعلِ مقامَ تكريرِه -كما حصلَ التَّكريرُ في الصَّلاةِ خَبرًا وطَلَبًا-، فكذلك حصلَ التَّكريرُ في السلامِ فعلًا ومصدرًا [1272] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/188). .
وحُذِف متعلَّقُ السَّلامِ -حيثُ لم يقلْ: وسلِّموا عليه-؛ لدَلالةِ متعلَّقِ الصَّلاةِ عليه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولِيَصلُحَ أن يكونَ عليه، وأن يكونَ له، فيَصلُحَ أن يُجعلَ التَّسليمُ بمعنى الإذعانِ [1273] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/409). .
قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا الجملةُ مُستأنفةٌ استئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّه يَخطُرُ في نُفوسِ كثيرٍ ممَّن يَسمَعُ الآياتِ السَّابقةِ أنْ يَتساءلوا عن حالِ قَومٍ قد عُلِمَ منهم قِلَّةُ التَّحرُّزِ مِن أذَى الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما لا يَليقُ بتَوقيرِه [1274] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/103، 104). .
وفي قولِه: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... جِيءَ باسمِ الموصولِ (الَّذِينَ)؛ للدَّلالةِ على أنَّهم عُرِفوا بأنَّ إيذاءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أحوالِهم المُختصَّةِ بهم، ولدَلالةِ الصِّلةِ يُؤْذُونَ على أنَّ أذَى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ هو عِلَّةُ لَعْنِهم وعَذابِهم [1275] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/104). .
قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا أُلحِقَت حُرمةُ المؤمنينَ بحُرْمةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَنويهًا بشَأْنِهم، وذُكِروا على حِدَةٍ؛ للإشارةِ إلى نُزولِ رُتبتِهم عن رُتبةِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهذا الاستِطرادُ مُعترِضٌ بيْنَ أحكامِ حُرمةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وآدابِ أزواجِه وبَناتِه والمؤمناتِ [1276] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/105). .
وعطَفَ (المؤمناتِ) على (المؤمنينَ)؛ للتَّصريحِ بمُساواةِ الحُكْمِ، وإنْ كان ذلك مَعلومًا مِن الشَّريعةِ؛ لِوَزْعِ المُؤذِينَ عن أذَى المُؤمناتِ؛ لأنَّهنَّ جانبٌ ضعيفٌ، بخِلافِ الرِّجالِ؛ فقد يَزَعُهم عنهم اتِّقاءُ غَضبِهم، وثأْرِهم لأنفُسِهم [1277] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/105). .
وتَقييدُ الأذَى هنا بقولِه تعالى: بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا بعدَ إطلاقِه فيما قبْلَه إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ للإيذانِ بأنَّ أذَى اللهِ ورسولِه لا يكونُ إلَّا غيرَ حَقٍّ، وأمَّا أذَى هؤلاءِ فمِنه ومِنْه، ولزِيادةِ تَشنيعِ ذلك الأذَى بأنَّه ظُلمٌ وكذِبٌ [1278] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/559)، ((تفسير أبي حيان)) (8/503)، ((تفسير أبي السعود)) (7/114، 115)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/105). .
ومَعنى احْتَمَلُوا كلَّفوا أنفُسَهم حِمْلًا، وذلك تَمثيلٌ للبُهتانِ بحِمْلٍ ثَقيلٍ على صاحبِه [1279] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/106). .