موسوعة التفسير

سورةُ الأنْبياءِ
الآيات (95-100)

ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ

غريب الكلمات:


حَدَبٍ: أي: مَكانٍ مُرتَفِعٍ مِن الأرضِ، وأصلُ (حدب): يَدُلُّ على ارتِفاعِ الشَّيءِ [977] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 288)، ((تفسير ابن جرير)) (16/407)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 194)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/36)، ((الغريبين)) للهروي (2/412)، ((المفردات)) للراغب (ص: 222)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 297). .
يَنْسِلُونَ: أي: يُسرِعونَ؛ مِن النَّسَلانِ: وهو مُقارَبةُ الخَطْوِ مع الإسراعِ، وأصلُ (نسل): يَدُلُّ على انسِلالِ شَيءٍ بسُرعةٍ [978] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 288)، ((تفسير ابن جرير)) (16/405)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 516)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/420)، ((المفردات)) للراغب (ص: 803)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 241)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 298). .
شَاخِصَةٌ: أي: مُرتَفِعةُ الأجفانِ، لا تكادُ تَطرِفُ مِن هَولِ ما هم فيه، وأصلُ (شخص): يدُلُّ على ارتِفاعٍ في شَيءٍ [979] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 288)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/254)، ((المفردات)) للراغب (ص: 447)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 298)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 542). .
حَصَبُ جَهَنَّمَ: أي: حَطَبُها وما أُلقِيَ فيها، وكلُّ شَيءٍ أَلقيتَه في نارٍ فهو حصبٌ، وأصلُه مِن الحَصباءِ، وهي: الحَصى [980] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 288)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 194)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/70)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 298)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 360). .
وَارِدُونَ: أي: داخِلونَ، وأصلُ (ورد): يَدُلُّ على الموافاةِ إلى الشَّيءِ [981] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/105)، ((المفردات)) للراغب (ص: 865)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 241). .
زَفِيرٌ: الزَّفيرُ: إخراجُ النَّفَسِ بقُوَّةٍ وشِدَّةٍ مِن الهَمِّ والكَربِ، وهو بمَنزلةِ ابتداءِ صَوتِ الحِمارِ بالنَّهيقِ، وأصلُ (زفر): يدلُّ على صَوتٍ [982] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 251)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/14)، ((البسيط)) للواحدي (11/555). ((المفردات)) للراغب (ص: 380)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 490)، ((تفسير الآلوسي)) (4/188). .

المعنى الإجمالي:


يَقولُ اللهُ تعالى: ومُمتَنِعٌ على قريةٍ أهلَكْناها بسَبَبِ كُفرِهم وظُلمِهم، أن يَرجِع أهلُها، حتى إذا فُتِحَ سَدُّ يأجوجَ ومأجوجَ، وأقبلوا مِن مُرتَفِعاتِ الأرضِ وانتَشَروا في جَنَباتِها مُسرِعينَ؛ دنا يومُ القيامةِ وبدَتْ أهوالُه، فإذا أبصارُ الكُفَّارِ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ مَفتوحةٌ لا تَطْرِفُ، يقولونَ: يا وَيلَنا! قد كُنَّا لاهينَ غافلينَ عن هذا اليَومِ وعن الإعدادِ له، بل كُنَّا ظالِمينَ بكُفرِنا برَبِّنا.
 إنَّكم -أيُّها الكُفَّارُ- وما كُنتُم تَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ وَقودُ جَهنَّمَ وحَطَبُها، أنتم وهم فيها داخِلونَ. لو كان هؤلاءِ آلِهةً تَستَحِقُّ العبادةَ ما دخلوا نارَ جهنَّمَ معكم -أيُّها المُشرِكونَ. وكُلٌّ مِنَ الآلهةِ الباطِلةِ وعابِديها خالِدونَ في نارِ جَهنَّمَ. لهم فيها زَفيرٌ مِن شِدَّةِ عَذابِهم، وهم في النَّارِ لا يَسمَعونَ؛ مِن هَولِ عَذابِهم.

تفسير الآيات:


وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95).
أي: ومُمتَنِعٌ على قَريةٍ أهلَكْناها أن يَرجِعَ أهلُها [983] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/395 - 397)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/405)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 723)، ((تفسير ابن كثير)) (5/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/145). قيل: المعنى: ممتَنِعٌ على قريةٍ أهلَكْناها أن يَرجِعَ أهلُها بعد مَوتِهم إلى الدُّنيا. وممن اختار هذا المعنى: الواحدي، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 723)، ((تفسير ابن كثير)) (5/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). وممن ذهب إلى هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، وعكرمةُ، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/395)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/212). وذهب ابنُ جرير والنحَّاس إلى أن المعنى: ومُمتَنِعٌ على أهل قرية أهلكناهم بالطَّبع ِعلى قُلوبِهم أنَّهم يتوبونَ ويَرجِعونَ عن كُفرِهم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/395 - 397)، ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/56، 57). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/212)، ((تفسير ابن كثير)) (5/372). وإلى مِثلِ ذلك ذهب الزمخشريُّ، إلَّا أنه قدَّر المعنى: وممتَنِعٌ على قريةٍ عَزَمْنا على إهلاكِها أو قَدَّرْنا إهلاكَها أنَّهم يتوبون ويَرجِعونَ عن كُفرِهم إلى أن تقومَ القيامة، فحينئذٍ يتوبون حين لا تنفَعُ التوبة ويندَمونَ. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/134). وذهب الزجاجُ إلى أن المعنى: حرامٌ على قريةٍ أهلكناها أن نتقَبَّلَ منهم عملًا؛ لأنَّهم لا يَرجِعونَ، أي: لا يتوبونَ. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/405). وقيل: المعنى: وممتَنِعٌ على الكَفَرةِ المُهلَكين في الدُّنيا بالموتِ أنَّهم لا يرجعونَ إلى الله، بل هم راجِعونَ ومَبعوثونَ يوم القيامةِ. وهذا المعنى: جَوَّزه ابن عطية، وذهب إليه البقاعي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/99)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/480). .
كما قال تعالى: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء: 11 - 14].
حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96).
حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ.
أي: حتى إذا فُتِحَ السَّدُّ الذي حُبِسَ وراءَه قَبيلَتا يأجوجَ ومأجوجَ، فخَرَجوا منه [984] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/397)، ((تفسير السمرقندي)) (2/441)، ((تفسير الشوكاني)) (3/503)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). قال الواحدي: (معنى فَتحِهما: إخراجُهما عن السَّدِّ الذي جُعِلا وراءَه، وكأنَّهما قُيِّدا بذلك السَّدِّ، فإذا ارتفَعَ السَّدُّ انفَتَحا). ((الوسيط)) (3/252). قال ابنُ كثير: (هم مِن نَسلِ نوحٍ مِن أولادِ يافثَ؛ أبي التُّركِ، والتُّركُ شِرذَمةٌ منهم، تُرِكوا مِن وراء السَّدِّ الذي بناه ذو القرنينِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/372). .
كما قال تعالى: قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ [الكهف: 94 - 99].
وعن زَينَبَ بنتِ جَحشٍ رَضِيَ اللهُ عنها، أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((دخَلَ عليها فَزِعًا يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ويلٌ للعَرَبِ مِن شَرٍّ قد اقتَرَب، فُتِحَ اليومَ مِن رَدمِ [985] الرَّدمُ: السَّدُّ. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 121). يأجوجَ ومأجوجَ مِثلُ هذه -وحَلَّقَ بإِصبَعِه الإبهامِ والتي تليها- فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أنَهلِكُ وفينا الصَّالِحونَ؟! قال: نَعَم، إذا كَثُرَ الخَبَثُ [986] الخَبَثُ: الفُسُوقُ والفُجورُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/3). ) [987] رواه البخاري (3346) واللفظ له، ومسلم (2880). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((فُتِحَ اليومَ مِن رَدمِ يأجوجَ ومأجوجَ مِثلُ هذه -وعَقَد بيِدَه تِسعينَ [988] عَقدُ التِّسعينَ: مِن مُواضَعاتِ الحِسابِ، وهو أن تجعَلَ رأسَ الإصبَعِ السَّبابةِ في أصلِ الإبهامِ، وتضُمَّها حتى لا يَبِينَ بينهما إلَّا خَلَلٌ يَسيرٌ. يُنظر: ((النهاية)) الأثير (2/216). ) [989] رواه البخاري (3347)، ومسلم (2881) واللفظ له. .
وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ.
أي: ويأجوجُ ومأجوجُ عندَ خُروجِهم يُقْبِلونَ مِن كُلِّ مَكانٍ مُرتَفِعٍ، فيَمشُونَ مُسرِعينَ للإفسادِ في الأرضِ [990] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/405 - 408)، ((تفسير القرطبي)) (11/341)، ((تفسير ابن كثير)) (5/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). قال الواحدي: (المعنى: وهم مِن كلِّ شيءٍ مِن الأرضِ يُسرِعونَ، يعني: أنَّهم يتفَرَّقونَ في الأرضِ، فلا ترى أكَمةً إلَّا وقَومٌ منهم يَهبِطونَ منها مُسرِعينَ). ((الوسيط)) (3/252). وقال السَّعدي: (ينفَتِحُ السَّدُّ عنهم، فيَخرُجونَ إلى النَّاسِ في هذه الحالةِ والوَصفِ الذي ذكره اللهُ مِن كُلِّ مكانٍ مُرتَفِعٍ، وهو الحَدَبِ، يَنْسِلُونَ أي: يُسرِعونَ. وفي هذا دَلالةٌ على كَثرَتِهم الباهرةِ، وإسراعِهم في الأرضِ؛ إمَّا بذواتِهم، وإمَّا بما خلَقَ اللهُ لهم من الأسبابِ التي تقَرِّبُ لهم البعيدَ، وتُسَهِّلُ عليهم الصَّعبَ، وأنَّهم يَقهَرونَ النَّاسَ، ويَعلُونَ عليهم في الدُّنيا، وأنَّه لا يَدَ لأحَدٍ بقِتالِهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 531). .
عن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم -في آخرِ حديثِ الدَّجَّالِ الطويلِ: ((ويَبعَثُ اللهُ يأجوجَ ومأجوجَ، وهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلونَ، فيمُرُّ أوائِلُهم على بُحَيرةِ طَبَريَّةَ، فيَشرَبونَ ما فيها، ويمُرُّ آخِرُهم فيَقولونَ: لقد كان بهذه مَرَّةً ماءٌ! ويُحصَرُ [991] يُحصَرُ: أي: يُحبَسُ في جبلِ الطورِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا القاري (8/3463). نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه، حتى يكونَ رأسُ الثَّورِ لأحَدِهم خَيرًا مِن مئةِ دينارٍ لأحَدِكم اليومَ! فيَرغَبُ [992] فيَرغَبُ -أي: إلى الله- أي: يدعو. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3463). نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه، فيُرسِلُ اللهُ عليهم النَّغَفَ [993] النَّغَفُ: دودٌ يكونُ في أنوفِ الإبِلِ والغَنَمِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/69). في رِقابِهم، فيُصبِحونَ فَرْسَى [994] فَرْسَى: أي: قَتْلَى. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/69). كمَوتِ نَفْسٍ واحدةٍ، ثمَّ يَهبِطُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الأرضِ، فلا يَجِدونَ في الأرضِ مَوضِعُ شِبرٍ إلَّا ملأه زَهَمُهم [995] زَهَمُهم: أي: رائحتُهم الكريهةُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (18/69). ونَتْنُهم، فيَرغَبُ نبيُّ اللهِ عيسى وأصحابُه إلى الله، فيُرسِلُ اللهُ طَيرًا كأعناقِ البُختِ [996] البُختِ: نَوعٌ من الإبِلِ، أي: طيرًا أعناقُها في الطُّولِ والكِبَرِ كأعناقِ البُختِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3464). فتَحمِلُهم فتَطرَحُهم حيثُ شاء الله، ثمَّ يُرسِلُ اللهُ مَطرًا لا يَكُنُّ منه بَيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ [997] بَيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ: المَدَرُ: جَمَعُ مَدرةٍ، وهي: اللَّبِنةُ، والمرادُ به هنا البُيوتُ المُحكَمةُ المَبنيَّةُ مِن الأحجارِ والطُّوبِ واللَّبِن؛ كبُيوتِ المُدُنِ والقُرى. والوَبَرُ: شَعرُ الإبِلِ، والمرادُ به هنا البُيوتُ غيرُ المُحكَمةِ؛ كبُيوتِ البوادي وأهلِ الخِيامِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (1/116)، ((الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم)) محمد الأمين الهَرري (26/259). ، فيَغسِلُ الأرضَ حتى يترُكَها كالزَّلَفةِ [998] كالزَّلَفَةِ: أي: كالمِرْآةِ، شَبَّهَها بالمِرآةِ في صَفائِها ونَظافَتِها. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3465). ، ثمَّ يُقالُ للأرضِ: أنبتي ثَمَرتَك، ورُدِّي بركَتَك، فيَومَئذٍ تأكُلُ العِصابةُ مِن الرُّمَّانةِ، ويَستَظِلُّونَ بِقِحْفِها [999] بقِحْفِها: أي: بقِشْرِها. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3465). ، ويُبارَكُ في الرِّسْلِ [1000]  الرِّسْلِ: أي: اللَّبَنِ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3465). حتى إنَّ اللِّقْحةَ [1001] اللِّقْحَةَ: أي: النَّاقةَ الحَلُوب. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3465). مِن الإبِلِ لَتَكفي الفِئامَ [1002] الفِئامَ: أي: الجماعةَ. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3465). مِن النَّاسِ! واللِّقْحةَ مِن البَقَرِ لَتَكفي القبيلةَ مِن النَّاسِ! واللِّقْحةَ مِنَ الغَنَمِ لَتَكفي الفَخْذَ مِن النَّاسِ! فبينما هم كذلك إذ بَعَث اللهُ ريحًا طَيِّبةً، فتأخُذُهم تحتَ آباطِهم، فتَقبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِنٍ وكُلِّ مُسلِمٍ، ويبقَى شِرارُ النَّاسِ، يَتَهارجونَ [1003] يَتهارَجونَ: أي: يُجامِعُ الرِّجالُ النِّساءَ عَلانِيَةً بحَضرةِ النَّاسِ، كما يفعَلُ الحَميرُ، ولا يكتَرِثونَ لذلك! وقيل: يَختَلِطونَ ويتخاصَمونَ ويتقاتَلونَ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (13/19)، ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (8/3466). فيها تهارُجَ الحُمُرِ، فعليهم تقومُ السَّاعةُ)) [1004] رواه مسلم (2937). .
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97).
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ.
أي: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ اقتَرَبَ مَجيءُ يومِ القيامةِ الذي وعَدَ اللهُ بإتيانِه وأن يَبعَثَ فيه عِبادَه مِن قُبورِهم للحِسابِ والجَزاءِ [1005] وممَّن قال بأنَّ المرادَ بالوعَدِ الحَقِّ هنا: يومُ القيامة: ابنُ جرير، والواحدي، والقرطبي، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/408)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 724)، ((تفسير القرطبي)) (11/342)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباس، وابنُ زيد، والربيعُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2468)، ((البسيط)) للواحدي (15/203)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (5/678). ؛ فإنَّه إذا وُجِدَت تلك الأهوالُ والفِتَنُ والمحَنُ الواقِعةُ في آخِرِ الزَّمانِ، فقد اقتَرَبت السَّاعةُ [1006] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/408، 409)، ((تفسير القرطبي)) (11/342)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). قال ابنُ الجوزي: (فإن قيل: أين جوابُ حَتَّى إِذَا؟ ففيه قولان: أحدُهما: أنَّه قَولُه تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ والواوُ في قوله تعالى: وَاقْتَرَبَ زائدةٌ، قاله الفَرَّاءُ. قال: ومِثلُه: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: 73]، وقولُه تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ [الصافات: 103- 104] المعنى: ناديناه... والثاني: أنَّه قَولٌ مَحذوفٌ في قَولِه: يَا وَيْلَنَا فالمعنى: حتى إذا فُتِحت يأجوجُ ومأجوجُ واقتَرَب الوَعدُ، قالوا: يا ويلَنا. قال الزجَّاج: هذا قولُ البصريينَ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/213). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/211)، ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 158)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/405). وممن قال بالمعنى الأولِ: الفراءُ، وابنُ قتيبة، وابنُ جرير، والواحدي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/211)، ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 158)، ((تفسير ابن جرير)) (16/408، 409)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 724). وذهب ابنُ عطية، وابن جزي إلى أنَّ جوابَ إِذَا قَولُه: فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/100)، ((تفسير ابن جزي)) (2/29). قال ابن عطية: (وهذا هو المعنى الذي قُصِد ذِكرُه؛ لأنَّه رُجوعُهم الذي كانوا يُكَذِّبونَ به وحَرُمَ عليهم امتِناعُه). ((تفسير ابن عطية)) (4/100). .
فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
أي: فإذا أبصارُ الكُفَّارِ مَفتوحةٌ لا تَطرِفُ؛ مِن شِدَّةِ ما يَرَونَه مِن أهوالٍ وأمورٍ عِظامٍ [1007] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/409، 410)، ((الوسيط)) للواحدي (3/252)، ((تفسير ابن عطية)) (4/100)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم: 42- 43].
يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا.
أي: يَقولونَ: يا وَيلنَا [1008] قال البقاعي: (أي: حضَرنا الويلُ فهو نديمُنا، فلا مدعوَّ لنا غيرُه). ((نظم الدرر)) (12/482). وقال ابن عاشور: (و يَا وَيْلَنَا دعاءٌ على أنفسِهم مِن شدةِ ما لحِقَهم). ((تفسير ابن عاشور)) (17/152). قد كُنَّا في غَفلةٍ مِن هذا اليَومِ [1009] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/410)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/151، 152). .
بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ.
أي: بلْ كُنَّا ظالِمينَ لأنفُسِنا بكُفرِنا برَبِّنا، ومَعصِيَتِنا له، وإعراضِنا عن آياتِه، وعبادَتِنا غَيرَه [1010] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/410)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير أبي السعود)) (6/85)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/152). .
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98).
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ.
أي: يُقالُ لهم: إنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- وما تَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ وَقودُ جَهنَّمَ، يُرمى بكم جميعًا في النَّارِ [1011] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/411 - 413)، ((تفسير ابن عطية)) (4/101)، ((تفسير الرازي)) (22/188)، ((تفسير القرطبي)) (11/343، 344)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/56)، ((تفسير ابن جزي)) (2/30)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377). قال السعدي: (الحِكمةُ في دخولِ الأصنامِ النَّارَ -وهي جمادٌ لا تَعقِلُ، وليس عليها ذَنبٌ- بيانُ كَذِبِ مَن اتخَذَها آلِهةً، ولِيَزدادَ عَذابُهم). ((تفسير السعدي)) (ص: 531). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/136). .
كما قال تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة: 24].
وقال سُبحانه: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات: 22، 23].
أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ.
أي: أنتم -أيُّها المُشرِكونَ- داخِلونَ جَهنَّمَ مع آلهَتِكم التي كُنتُم تَعبُدونَها مِن دُونِ اللهِ [1012] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/413)، ((تفسير القرطبي)) (11/344)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). .
لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99).
لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا.
أي: لو كانت تلك الآلِهةُ المَعبودةُ مِن دُونِ اللهِ آلِهةً حَقًّا كما يَزعُمُ عابِدوها، لَمَا دخَلَ العابِدونَ والمَعبودونَ جَهنَّمَ، ولَمَنَعت تلك الآلهةُ عابِديها مِن دُخولِها [1013] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/413)، ((الوسيط)) للواحدي (3/253)، ((تفسير القرطبي)) (11/344)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير الشوكاني)) (3/506). .
وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ.
أي: وكلٌّ مِنَ الآلهةِ الباطِلةِ وعابِديها في جهَنَّمَ ماكِثونَ [1014] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/414)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). .
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100).
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ.
أي: للمُشرِكينَ وآلهَتِهم [1015] قال ابن عطية: (الضَّميرُ في لَهُمْ عائدٌ على من يَعقِلُ مِمَّن تُوُعِّدَ). ((تفسير ابن عطية)) (4/101). وقال البقاعي: (لَهُمْ أي: لِمَن فيه الحياةُ مِن المذكورينَ: العابدينَ مُطلَقًا، والمعبودينَ الرَّاضينَ كفِرعَونَ). ((نظم الدرر)) (12/483). وقال الزمخشري: (إذا كانوا هم وأصنامُهم في قَرَنٍ واحدٍ، جاز أن يقال: لهم زَفيرٌ، وإن لم يكُنِ الزَّافرونَ إلَّا هم دونَ الأصنامِ؛ للتَّغليبِ، ولِعَدَمِ الإلباسِ). ((تفسير الزمخشري)) (3/136). في جَهنَّمَ زَفيرٌ [1016] قال ابن عطية: («الزفيرُ» صَوتُ المعَذَّبِ، وهو كنهيقِ الحَميرِ وشِبهُه، إلَّا أنَّه مِنَ الصَّدرِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/101). مِن شِدَّةِ العَذابِ [1017] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/414)، ((تفسير ابن عطية)) (4/101)، ((تفسير ابن كثير)) (5/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 531). .
كما قال تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود: 106].
وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ.
أي: وهم في جَهنَّمَ صُمٌّ لا يَسمَعونَ شَيئًا [1018] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/414)، ((تفسير القرطبي)) (11/345)، ((تفسير النسفي)) (2/421). ممن اختار أنَّ المرادَ: أنَّهم لا يسمعونَ، فهم يُسلبونَ حاسَّةَ السمعِ: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ -في ظاهرِ كلامِه، والنسفي، وابن عاشور، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/94)، ((تفسير ابن جرير)) (16/414)، ((تفسير النسفي)) (2/421)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/153)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/128،  247). قيل: لأنَّ في سَماعِ الأشياءِ رَوحًا وأُنسًا، فمَنَع اللهُ الكفَّارَ ذلك في النَّارِ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/345). وقيل: ليُمنَعوا راحةَ التَّأسِّي بالمُشارِكِ لهم في العذابِ؛ مُبالغةً في عذابِهم، ويكونُ هذا كقَولِه عزَّ وجَلَّ: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ [الزخرف: 39]؛ فإنَّهم حُرِموا هذا القَدْرَ مِن الرَّاحةِ، ولا شُبهةَ بأنَّ التأسِّيَ يُهَوِّنُ المُصيبةَ ويُخفِّفُها. يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (4/674). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: أنَّهم لا يسمعونَ ما يَسُرُّهم: النحَّاس، ومكي بن أبي طالب. يُنظر: ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/58)، ((الهداية)) لمكي (7/4821). وقيل: المرادُ: لا يسمعُ بعضُهم زفيرَ بعضٍ؛ لشدةِ الهولِ، وفظاعةِ العذابِ. وممن اختاره: أبو السعودِ، والشوكاني. يُنظر:  ((تفسير أبي السعود)) (6/87)، ((تفسير الشوكاني)) (3/506). .

الفوائد التربوية:


 قَولُ اللهِ تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فيه تحذيرٌ مِن اللهِ للنَّاسِ أن يُقيموا على الكُفرِ والمعاصي، وأنَّه قد قَرُب انفِتاحُ يأجوجَ ومأجوجَ [1019] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 531).

الفوائد العلمية واللطائف:


1- ينقسمُ التحريمُ إلى تحريمٍ كونيٍّ متعلِّقٍ بربوبيةِ الله وخَلقِه، وإلى تحريمٍ دينيٍّ متعلِّقٍ بإلهيتِه وشرعِه، أمَّا التحريمُ الكونيُّ فكقولِه تعالى: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وقولِه: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص: 12]، وأمَّا التحريمُ الدينيُّ فكقولِه تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ [المائدة: 3]، وقولِه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [1021] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (1/153)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 280، 282). [النساء: 23].
2- قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ فيه سؤالٌ: هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ جَميعَ المَعبوداتِ مع عابِديها في النَّارِ، وقد أشارت آياتٌ أُخَرُ إلى أنَّ بَعضَ المَعبودينَ -كعيسى والملائكةِ- لَيسوا مِن أهلِ النَّارِ؛ كقَولِه تعالى: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ... [الزخرف: 57] وقَولِه تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ: 40] وقَولِه: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ الآيةَ [الإسراء: 57]؟
الجوابُ مِن وَجهينِ:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ هذه الآيةَ لم تتناوَلِ الملائِكةَ ولا عيسى؛ لتعبيره بـ (ما) الدَّالَّةِ على غيرِ العاقِلِ، وقد أشار تعالى إلى هذا الجَوابِ بقَولِه: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58]؛ لأنَّهم لو أنصَفوا لَمَا ادَّعَوا دُخولَ العُقَلاءِ في لَفظٍ لا يَتناوَلُهم لُغةً!
الوجهُ الثَّاني: أنَّ الملائكةَ وعيسى نَصَّ اللهُ على إخراجِهم مِن هذا؛ دَفعًا للتوَهُّمِ ولهذه الحُجَّةِ الباطِلةِ بقَولِه: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [1022] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 156). [الأنبياء: 101].
3- قال الله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فإن قيل: لِمَ قُرِنوا بآلهَتِهم؟
فالجوابُ: لأنَّهم لا يَزالونَ لِمُقارَنتِهم في زيادةِ غَمٍّ وحَسرةٍ؛ حيث أصابَهم ما أصابَهم بسَبَبِهم، والنَّظَرُ إلى وَجهِ العَدُوِّ بابٌ مِن العَذابِ، ولأنَّهم قَدَّروا أنَّهم يَستَشفِعونَ بهم في الآخِرةِ، ويَستَنفِعونَ بشَفاعَتِهم، فإذا صادَفوا الأمرَ على عَكسِ ما قَدَّروا، لم يكُنْ شَيءٌ أبغَضَ إليهم مِنهم [1023] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/136). .
4- قال تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ والحكمةُ في دخولِ الأصنامِ النارَ -وهي جمادٌ؛ لا تعقِلُ، وليس عليها ذنبٌ- بيانُ كذبِ مَن اتَّخَذها آلهةً، وليزدادَ عذابُهم؛ فلهذا قال: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا [1024] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 531). .
5- قولُه تعالى: وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ، ذكَر -جلَّ وعلا- في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ أهلَ النارِ لا يسمعونَ فيها، وبيَّن في غيرِ هذا الموضعِ أنَّهم لا يتكلمونَ، ولا يبصرونَ؛ كقولِه: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء: 97]، وقولِه: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه: 124]، وقولِه: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [النمل: 85] معَ أنَّه -جلَّ وعلا- ذكَر في آياتٍ أُخرَ ما يدلُّ على أنَّهم يسمعونَ ويبصرونَ ويتكلمونَ؛ كقولِه تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [مريم: 38]، وقولِه: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا [السجدة: 12]، وقولِه: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ [الكهف: 53]؟
والجوابُ عن هذا مِنْ أوجُهٍ:
الوجهُ الأوَّلُ: كونُ المرادِ مِمَّا ذُكِر -مِن العمَى، والصممِ، والبكمِ- حقيقتَه، ويكونُ ذلك في مبدَأِ الأمرِ، ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ تعالَى إليهم أبصارَهم ونُطْقَهم وسَمْعَهم، فيرونَ النَّارَ، ويسمعونَ زَفيرَها، وينطِقُونَ بما حَكَى اللَّهُ تعالَى عنهم في غيرِ موضِعٍ.
الوجهُ الثَّاني: أَنَّهم لا يرونَ شيئًا يَسُرُّهم، ولا يسمعونَ كذلك، ولا يَنْطِقونَ بِحُجَّةٍ، كما أَنَّهم كانوا في الدُّنْيا لا يَسْتَبْصِرونَ، ولا يَنْطِقونَ بالحقِّ، ولا يَسْمَعونَه، فنُزِّلَ ما يَقولونَه ويَسْمَعونَه ويُبْصِرونَه منزلةَ العَدَمِ؛ لعَدَم الانتفاعِ به، والعربُ في كلامِها تُطلِقُ الصممَ على السماعِ الذي لا فائدةَ فيه. وكذلك الكلامُ الذي لا فائدةَ فيه، والرُّؤيةُ التي لا فائدةَ فيها.
الوجهُ الثَّالثُ: أنَّ اللَّهَ إذا قال لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]، وَقَع بهم ذاك العمَى والصَّممُ والبَكَمُ مِنْ شِدَّةِ الكربِ واليأْسِ مِنَ الفرجِ، قال تعالَى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ [1025] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/128، 247)، ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 143). [النمل: 85].

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ
- قولُه: أَهْلَكْنَاهَا إدْماجٌ للوعيدِ بعَذابِ الدُّنيا قبْلَ عَذابِ الآخرةِ [1026] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/145). .
- قولُه: أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ يحتمِلُ أنَّ المُرادَ رُجوعُهم عنِ الكُفْرِ، فيَتعيَّنُ أنَّ تَكونَ (لا) في قولِه: لَا يَرْجِعُونَ زائدةً للتَّوكيدِ، والمعنى: مُنِعَ على قَريةٍ قَدَّرْنا هَلاكَها أنْ يَرجِعوا عن ضَلالِهم. وهذا إعلامٌ بسُنَّةِ اللهِ تعالى في تَصرُّفِه في الأُمَمِ الخاليةِ، مَقصودٌ منه التَّعريضُ بتأْييسِ فَريقٍ مِن المُشرِكين مِن المصيرِ إلى الإيمانِ، وتَهديدُهم بالهَلاكِ. ويجوزُ أنْ يُرادَ رُجوعُهم إلى الآخرةِ بالبعْثِ، وهو المُناسِبُ لتَفريعِه على قولِه تعالى: كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [الأنبياء: 93]، فتكونَ (لا) نافيةً، والمعنى: مَمنوعٌ عدَمُ رُجوعِهم إلى الآخرةِ الَّذي يَزعُمونَه، أي: دَعْواهم باطِلةٌ، أي: فهمْ راجِعونَ إلينا، فمُجازَونَ على كُفْرِهم، فيكونُ إثباتًا للبَعْثِ بنَفْيِ ضِدِّه، وهو أبلَغُ مِن صَريحِ الإثباتِ؛ لأنَّه إثباتٌ بطَريقِ المُلازَمةِ، فكأنَّه إثباتُ الشَّيءِ بحُجَّةٍ، ويُفِيدُ تأْكيدًا لقولِه تعالى: كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [الأنبياء: 93]. ويحتملُ أنْ يكونَ قولُه: أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ تَعْليلًا، ويكونُ التَّقديرُ: وحَرامٌ على قَريةٍ أهْلَكناها العمَلُ الصَّالِحُ والسَّعيُ المَشكورُ غيرُ المَكفورِ؛ لأنَّهم لا يَرجِعونَ عن الكُفرِ [1027] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/134)، ((تفسير أبي السعود)) (6/84، 85)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 379)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/145). .
2- قوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ
- قولُه: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ حَتَّى ابتدائيَّةٌ، والجُملةُ بعْدَها: إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ... كَلامٌ مُستأْنفٌ [1028] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/147). ، والمُرادُ بفَتحِها: فَتْحُ سَدِّها، على حَذْفِ المُضافِ وإقامةِ المُضافِ إليه مُقامَه [1029] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/467)، ((تفسير أبي السعود)) (6/85)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/149). .
3- قوله تعالى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ
- في قولِه: فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا مُثِّلَت حالةُ الكافرينَ في ذلك الحينِ بأبلَغِ تَمثيلٍ وأشَدِّه وَقْعًا في نَفْسِ السَّامعِ؛ إذ جُعِلَت مُفرَّعةً على فَتْحِ يأْجوجَ ومأْجوجَ واقترابِ الوعْدِ الحقِّ؛ للإشارةِ إلى سُرعةِ حُصولِ تلك الحالةِ لهم، ثمَّ بتَصديرِ الجُملةِ بحَرْفِ المُفاجأةِ والمُجازاةِ الَّذي يُفِيدُ الحُصولَ دَفعةً بلا تَدرُّجٍ ولا مُهْلةٍ، ثمَّ بالإتيانِ بضَميرِ القِصَّةِ؛ لِيَحصُلَ للسَّامعِ عِلْمٌ مُجمَلٌ يُفصِّلُه ما يُفسِّرُ ضَميرَ القِصَّةِ، فقال تعالى: فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى آخِرِه [1030] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/151). .
- قولُه: يَا وَيْلَنَا فيه إيجازٌ بالحَذْفِ، تَقديرُه: يقولونَ: يا وَيْلنا [1031] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/135)، ((تفسير البيضاوي)) (4/60)، ((تفسير أبي حيان)) (7/468)، ((تفسير أبي السعود)) (6/85)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/151). .
- قولُهم: قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا دَلَّت (في) الظَّرفيَّةُ على تَمكُّنِ الغَفلةِ منهم، حتَّى كأنَّها مُحيطةٌ بهم إحاطةَ الظَّرفِ بالمظروفِ، أي: كانت لنا غَفلةٌ عَظيمةٌ، وهي غَفلةُ الإعراضِ عن أدِلَّةِ الجزاءِ والبَعْثِ [1032] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/151). .
- قولُهم: بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ إضرابٌ إبطاليٌّ عمَّا قبْلَه مِن وَصْفِ أنفُسِهم بالغَفلةِ، أي: لم نكُنْ غافلينَ عنه؛ حيث نُبِّهنا عليه بالآياتِ والنُّذرِ، بل كنَّا ظالمينَ [1033] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/468)، ((تفسير أبي السعود)) (6/85)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/152). .
4- قولُه تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ جَوابٌ عن قولِهم: يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا ... [الأنبياء: 97] إلى آخِرِه؛ فهي مَقولُ قَولٍ مَحذوفٍ على طَريقةِ المُحاوَراتِ، فالتَّقديرُ: يُقالُ لهم: إنَّكم وما تَعْبُدون من دونِ اللهِ حصَبُ جهنَّمَ... [1034] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/152). . وقيل: هي خِطابٌ لكُفَّارِ مكَّةَ، وتَصريحٌ بمآلِ أمْرِهم، مع كونِه مَعلومًا ممَّا سبَقَ على وَجْهِ الإجمالِ؛ مُبالَغةً في الإنذارِ، وإزاحةِ الاعتذارِ [1035] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/85). .
- قولُه: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أكَّدَ الخَبَرَ بحَرْفِ التَّأكيدِ (إنَّ)؛ لأنَّهم كانوا بحيث يُنكِرونَ ذلك [1036] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/152). .
- قولُه: أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ استِئنافٌ، واللَّامُ عِوَضٌ مِن (على)؛ للدَّلالةِ على الاختصاصِ، وأنَّ وُرودَهم لأجْلِها. وقيل: بدَلٌ من حَصَبُ جَهَنَّمَ [1037] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/61)، ((تفسير أبي السعود)) (6/86). . وهذه الجُمْلةُ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ بَيانٌ لجُملةِ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، والمقصودُ منه: تَقريبُ الحصْبِ بهم في جهنَّمَ؛ لِمَا يدُلُّ عليه قولُه: وَارِدُونَ من الاتِّصافِ بوُرودِ النَّارِ في الحالِ [1038] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/153). .
- وفي قولِه: أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ الْتِفاتٌ مِن الخِطابِ إلى الغَيبةِ [1039] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/409). .
5- قوله تعالى: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ
- قولُه: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا اعتراضٌ؛ تَجهيلًا للكَفرةِ، واحتِجاجًا عليهم، وعُطِفَ قولُه: وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ على قولِه: أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ؛ تَوكيدًا لشُمولِ الأشخاصِ والأزمانِ على سَبيلِ الالْتِفاتِ [1040] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (10/409). .
- قولُه: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا زِيادةٌ في نِكايتِهم بإظهارِ خَطَئِهم في عِبادتِهم تلك الأصنامَ بأنْ أُشْهِدوا إيرادَها النَّارَ، وقِيلَ لهم: لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا، وذُيِّلَ ذلك بقولِه تعالى: وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ، أي: هم وأصنامُهم [1041] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/86)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/153)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/364). .
6- قوله تعالى: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ
- على القولِ بأنَّ المُرادَ بـ (مَا تَعْبُدُونَ) الأصنامُ؛ فيكونُ قولُه: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ مع كونِه مِن أفْعالِ العَبَدةِ، أُضِيفَ إلى الكلِّ؛ للتَّغليبِ. ويَجوزُ أنْ يكونَ الضَّميرُ للعَبَدةِ؛ لعدَمِ الإلباسِ [1042] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/136)، ((تفسير البيضاوي)) (4/61)، ((تفسير أبي السعود)) (6/86، 87). . وقيل: لا تَغليبَ هاهنا، والمُرادُ مِن ضَميرِ وَهُمْ: المُخاطَبونَ في قولِه: إِنَّكُمْ، فالالْتِفاتُ مِن الخِطابِ إلى الغَيبةِ [1043] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/86)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/153)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/364). .
- وعَطْفُ جُملةِ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ اقتضاهُ قولُه: لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ؛ لأنَّ شَأْنَ الزَّفيرِ أنْ يُسمَعَ، فأخبَرَ اللهُ بأنَّهم مِن شِدَّةِ العذابِ يَفقِدونَ السَّمعَ بهذه المُناسَبةِ [1044] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/153). ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ.