موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (83-85)

ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ

غَريبُ الكَلِماتِ:


فَوْجًا: أي: زُمْرةً وجماعةً، والفَوجُ: الجماعةُ مِن الناسِ، وأصلُ (فوج): يدُلُّ على تجمُّعٍ [1138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/129)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 365)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/458)، ((المفردات)) للراغب (ص: 646)، ((تفسير القرطبي)) (13/238)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 419). .
يُوزَعُونَ: أي: يُدفَعونَ، ويُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم، وأصلُ (الوَزْع): الكفُّ والمنعُ [1139] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 323)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 535)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/106)، ((المفردات)) للراغب (ص: 868)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 273)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 991). قال الشنقيطيُّ: (فَهُمْ يُوزَعُونَ أي: يُرَدُّ أوَّلُهم إلى آخِرِهم، ويلحقُ آخِرُهم بأوَّلِهم، حتَّى يجتمِعوا جميعًا، ثمَّ يُدفَعون في النَّارِ، وهو مِن قولِ العربِ: وَزَعْتُ الجَيشَ؛ إذا حبسْتَ أوَّلَه على آخِرِه حتَّى يَجتمِعَ. وأصلُ الوَزْعِ: الكَفُّ، تقولُ العربُ: وَزَعَه يَزَعُه وَزْعًا فهو وازِعٌ له؛ إذا كفَّه عن الأمرِ... وبما ذكَرْنا تَعلَمُ أنَّ أصلَ معنَى يُوزَعُونَ أي: يُكَفُّ أوَّلُهم عن التَّقدُّمِ، وآخِرُهم عن التَّأخُّرِ حتَّى يَجتمِعوا جميعًا. وذلك يدُلُّ على أنَّهم يُساقُون سَوقًا عنيفًا، يُجمَعُ به أوَّلُهم مع آخِرِهم). ((أضواء البيان)) (7/25). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ تعالى مُبَيِّنًا بعضَ أهوالِ يومِ القيامةِ: واذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ نجمَعُ من كلِّ أمةٍ جماعةً كثيرةً ممَّن يُكذِّبُ بآياتِ القُرآنِ وحُجَجِه، فيُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم حتَّى يجتَمِعوا جَميعًا، فلمَّا جاؤوا قال اللهُ لهم مُوبِّخًا: أكذَّبتُم بآياتي وأنتم جاهِلونَ بها لم تَعرِفوها حقَّ مَعرفتِها، أم ما الَّذي كنتُم تَعملونَه؟!
ونزَل عذابُ اللهِ وغضَبُه يومَ القيامةِ على أولئك المكَذِّبينَ؛ بسَبَبِ ظُلمِهم، فهم لا يَنطِقونَ بحُجَّةٍ أو عُذرٍ!

تَفسيرُ الآياتِ:


وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان مِن فِعلِ الدَّابَّةِ التَّمييزُ بيْنَ المؤمِنِ والكافِرِ بما لا يَستطيعون دَفْعَه، تلاه بتمييزِ كُلِّ فَريقٍ منهما عن صاحِبِه بجَمعِهم يومَ القيامةِ في ناحيةٍ، وسَوقِهم مِن غيرِ اختلاطٍ بالفريقِ الآخَرِ، فقال عاطفًا على العامِلِ في وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ [1140] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/218). :
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا .
أي: واذكُرْ [1141] قال الشوكاني: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا العاملُ في الظَّرفِ، فِعلٌ محذوفٌ خُوطِب به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ...، ومعنَى الآيةِ: واذكُرْ -يا محمَّدُ- يومَ نجمعُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ...). ((تفسير الشوكاني)) (4/177). يومَ نَجمَعُ مِن كُلِّ أمَّةٍ مِن الأُمَمِ جماعةً كثيرةً مِمَّن [1142] قيل مِنْ هنا بيانيَّةٌ، فيكونُ فَوجُ كُلِّ أمةٍ هو جماعةَ المكذِّبينَ منها، أي: يُحشَرُ مِن الأمَّةِ كُفَّارُها، ويبقَى صالحوها. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/40)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 467). وقيل: يجوزُ جَعْلُ (مِن) تبعيضيَّةً؛ بأن يكونَ المعنى إخراجَ فَوجٍ مِن المكذِّبينَ مِن كُلِّ أمَّةٍ، وهذا الفَوجُ هو زُعَماءُ المكَذِّبين وأئمَّتُهم، فيكونون في الرَّعيلِ الأوَّلِ إلى العذابِ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/40). يُكذِّبُ بآياتِ القُرآنِ وحُجَجِنا الدَّالَّةِ على الحَقِّ [1143] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/128)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 810)، ((تفسير القرطبي)) (13/238)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/218، 219)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/39، 40)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 467). .
فَهُمْ يُوزَعُونَ.
أي: فيُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم، فيَجتَمِعونَ جميعًا [1144] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/128)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 810)، ((تفسير القرطبي)) (13/238)، ((تفسير ابن كثير)) (6/215)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610). قيل: المرادُ: يُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم لِيَجتَمِعوا ثُمَّ يُساقون إلى النَّارِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، والثعلبي، ومكِّي، والبغوي، والرازي، والعليمي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/128)، ((تفسير الثعلبي)) (7/226)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5471)، ((تفسير البغوي)) (3/517)، ((تفسير الرازي)) (24/573)، ((تفسير العليمي)) (5/163)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/25). وقيل: إنَّما يُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم حتَّى يَجتمِعوا ثُمَّ يُساقون إلى مَوضِعِ الحِسابِ لِيَعُمَّهم السُّؤالُ والتَّوبيخُ واللَّومُ. وممَّن اختار هذا المعنى في الجملةِ: القرطبيُّ، والنسفي، وأبو السعود، والألوسي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/238)، ((تفسير النسفي)) (2/622)، ((تفسير أبي السعود)) (6/302)، ((تفسير الألوسي)) (10/236)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610). .
 حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84).
حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا.
أي: فلمَّا جاؤوا إلى الموضِعِ الذي أراده اللهُ لِتَبكيتِهم، قال لهم مُوبِّخًا: أكذَّبتُم بآياتِ كِتابي وحُجَجي، والحالُ أنَّكم جاهِلونَ بها لم تَعرِفوها حقَّ مَعرِفتِها [1145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/130)، ((تفسير القرطبي)) (13/238)، ((تفسير ابن كثير)) (6/215)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/219)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/41)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 469). ؟!
أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
أي: أم ما الَّذي كنتُم تَعمَلونَه [1146] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/130)، ((تفسير القرطبي)) (13/238)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/219)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 470، 471). ؟!
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85).
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا.
أي: ووجَبَ عذابُ اللهِ وغَضَبُه يومَ القيامةِ على أولئك المكَذِّبينَ؛ بسَبَبِ ظُلمِهم أنفُسَهم في الدُّنيا بتكذيبِهم آياتِ اللهِ سُبحانَه [1147] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/130)، ((تفسير القرطبي)) (13/239)، ((تفسير ابن كثير)) (6/215)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/42)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/143)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 474). .
فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ.
أي: فلا يَستطيعُ أولئك المكَذِّبونَ أن يَنطِقوا بحُجَّةٍ أو عُذرٍ يَدفَعُ عنهم العَذابَ [1148] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/130)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 810)، ((تفسير القرطبي)) (13/239)، ((تفسير السعدي)) (ص: 610)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/42). .
كما قال تعالى: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [المرسلات: 35 - 37].

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذه الآيةُ تُوجِبُ أنَّ الإنسانَ لا يُكذِّبُ إلَّا بخبرٍ يعلَمُ ويَعرِفُ أنَّه كَذِبٌ، والخبَرُ المجهولُ يَسكُتُ عنه، كقَولِه تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: 6] ، فلا يُكذِّبُ به ولا يَقْفُوه ويَتْبَعُه، كما أمَر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فيما حدَّثَنا أهلُ الكِتابِ [1149] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيميَّة (8/288). ويُنظر ما أخرجه البخاري (4485) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا سؤالٌ: هذه الآيةُ يدُلُّ ظاهرُها على أنَّ الحشرَ خاصٌّ بهؤلاءِ الأفواجِ المكَذِّبةِ، وقولُه بعدَ هذا بقليلٍ: وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: 87] يدُلُّ على أنَّ الحشرَ عامٌّ، كما صرَّحتْ به الآياتُ القرآنيةُ عن كثرةٍ؟
الجوابُ: أنَّ قولَه: وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ [النمل: 87] يُرادُ به الحشرُ العامُّ، وقولَه: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أي: بعْدَ الحشرِ العامِّ يَجمَعُ اللهُ المكذِّبِين للرُّسُلِ مِن كلِّ أُمَّةٍ؛ لأجْلِ التَّوبيخِ المنصوصِ عليه بقَولِه: أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، فالمرادُ بالفَوجِ مِن كلِّ أُمَّةٍ: الفَوجُ المكذِّبُ للرُّسلِ يُحشَرُ للتَّوبيخِ حَشرًا خاصًّا؛ فلا يُنافي حشرَ الكلِّ لفَصلِ القَضاءِ [1150] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 175). .
2- في قَولِه تعالى: نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا عِظَمُ الإمامةِ في السُّوءِ، كما أنَّها أيضًا عَظيمةٌ في الخيرِ؛ فالإمامُ في الخَيرِ له أجرُ مَنِ اتَّبَعَه، والإمامُ في الشَّرِّ عليه وِزرُ مَنِ اتَّبعَه؛ فالإمامةُ في الخَيرِ أو في الشَّرِّ هي أمرٌ عَظيمٌ، وخيرُ النَّاسِ مَن دَلَّهم إلى الخَيرِ، وشَرُّ النَّاسِ مَن دَلَّهم على الشَّرِّ [1151] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 472). ، وذلك على أحدِ الأقوالِ في التَّفسيرِ.
3- قولُه تعالى: فَهُمْ يُوزَعُونَ فيه مِن الدَّلالةِ على كَثرةِ عَدَدِهم وتَباعُدِ أطْرافِهم ما لا يَخْفى [1152] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/302). .
4- في قَولِ الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إثباتُ الكلامِ للهِ عزَّ وجلَّ؛ لِقَولِه: قَالَ أَكَذَّبْتُمْ، وأنَّه بحَرفٍ؛ لأنَّ الجُمَلَ الَّتي هي مَقولُ القولِ حُروفٌ، وأنَّه بصوتٍ؛ لأنَّهم لولا أنَّهم يَسمَعونَ لم يكُنْ لهذا فائدةٌ، ولا سماعَ إلَّا بصَوتٍ [1153] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 472). .
5- في قَولِه تعالى: أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا ذَمٌّ لِمَن كذَّبَ بما لم يُحِطْ بعِلمِه [1154] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (17/403). ، والتَّكذيب يزدادُ قُبْحُه إذا لم يُحِطِ الإنسانُ علمًا بما كَذَّبَ به [1155] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 472). .
6- قَولُه تعالى: بِمَا ظَلَمُوا فيه إثباتُ السَّبَبِ؛ لأنَّ الباءَ هنا للسَّببيَّةِ، وإثباتُ الأسبابِ هو مذهبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، وأنَّ الأمورَ مَقرونةٌ بأسبابِها [1156] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 476). .
7- قولُه تعالَى في هذه الآيةِ الكريمةِ: فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ ظاهرُه أنَّ الكفَّارَ لا يَنطقونَ يومَ القيامةِ، كما يُفهَمُ ذلك مِن قولِه تعالَى: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ * وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: 35-36]، وقولِه تعالَى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا الآيةَ [الإسراء: 97] ، مع أنَّه بَيَّنَتْ آياتٌ أُخَرُ مِن كتابِ اللهِ أنَّهم يَنطِقونَ يومَ القيامةِ ويَعتذِرونَ؛ كقولِه تعالَى عنهم: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: 23] ، وقولِه تعالَى عنهم: فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ [النحل: 28] ، وقولِه: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا الآيةَ [السجدة: 12] ، وقولِه تعالَى عنهم: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: 106، 107]، وقولِه تعالَى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ [الزخرف: 77]؟
 فالجوابُ عن ذلك: أنَّ القيامةَ مواطِنُ؛ ففي بعضِها يَنطِقونَ، وفي بعضِها لا يَنطِقونَ، فإثباتُ النُّطقِ لهم ونفْيُه عنهم كِلاهما منزَّلٌ على حالٍ ووقتٍ غيرِ حالِ الآخَرِ ووقتِه.
وقيل: إنَّ نُطقَهم المُثبَتَ لهم خاصٌّ بما لا فائدةَ لهم فيه، والنُّطْقَ المَنفِيَّ عنهم خاصٌّ بما لهم فيه فائدةٌ [1157] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/143، 144)، ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 249). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ بَيانٌ إجماليٌّ لحالِ المُكذِّبينَ عندَ قِيامِ السَّاعةِ بعدَ بَيانِ بعضِ مَبادِيها [1158] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/302). . وتَوجيهُ الأمْرِ بالذِّكرِ إلى الوقتِ -مع أنَّ المقصودَ تَذكيرُ ما وقَعَ فيه مِن الحوادثِ-؛ لِمَا أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوقتِ إيجابٌ لذِكْرِ ما وقَعَ فيه بالطَّريقِ البُرهانيِّ، ولأنَّ الوقتَ مُشتمِلٌ عليها، فإذا استُحضِرَ كانت حاضرةً بتَفاصيلِها كأنَّها مُشاهَدةٌ عِيانًا [1159] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/302). .
- قولُه: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا على وَجْهِ انتصابِ (يَوْمَ) على أنَّه ظرفٌ مُتعلِّقٌ بقولِه: قَالَ أَكَذَّبْتُمْ [النمل: 84] ؛ فيكونُ مُقدَّمًا عليه للاهتمامِ به [1160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/39). .
2- قوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
- قولُه: حَتَّى إِذَا جَاءُوا لم يُذكَرِ المَوضِعُ الذي جاؤوه؛ لِظُهورِه، وهو مكانُ العذابِ، أي: جهنَّم، كما قال في الآيةِ: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا [1161] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/40). [فصلت: 20] .
- قولُه: قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي فيه التِفاتٌ مِنَ التَّكلُّمِ إلى الغَيبةِ؛ لتَربيةِ المَهابةِ [1162] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/302). .
- يجوزُ أنْ يكونَ الاستفهامُ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي تَوبيخيًّا مُستعمَلًا في لازِمِه، وهو الإلجاءُ إلى الاعترافِ بأنَّ المُستفهَمَ عنه واقعٌ منهم تَبْكيتًا لهم، ولهذا عُطِفَ عليه قولُه: أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ فحَرْفُ (أَمْ) فيه بمَعنى (بلْ) للانتقالِ، ومُعادِلُ همْزةِ الاستفهامِ المُقدَّرةِ مَحذوفٌ؛ دلَّ عليه قولُه: أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، والتَّقديرُ: أكذَّبْتُم بآياتي أمْ لم تُكذِّبوا، فماذا كُنتم تَعمَلون إنْ لم تُكذِّبوا؛ فإنَّكم لم تُوقِنوا، فماذا كُنتم تَعمَلون في مدَّةِ تَكريرِ دَعوتِكم إلى الإسلامِ؟ ومِن هنا حصَلَ الإلجاءُ إلى الاعترافِ بأنَّهم كذَّبوا. ومِن لطائفِ البلاغةِ أنَّه جاء بالمُعادِلِ الأوَّلِ مُصرَّحًا به؛ لأنَّه المُحقَّقُ منهم، فقال: أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي، وحُذِفَ مُعادِلُه الآخَرُ؛ تَنبيهًا على انتفائِه، كأنَّه قيل: أهوَ ما عُهِدَ منكم مِن التَّكذيبِ أمْ حدَثَ حادثٌ آخَرُ؟ فجُعِلَ هذا المُعادِلُ مُتردَّدًا فيه، وانتَقَلَ الكلامُ إلى استفهامٍ، وهذا تبْكيتٌ لهم. ويجوزُ أنْ يكونَ الاستفهامُ تَقْريريًّا، وتكونَ (أَمْ) مُتَّصِلةً، وما بعْدَها هو مَعادِلَ الاستفهامِ باعتبارِ المعنى، كأنَّه قيل: أكذَّبْتم أمْ لم تُكَذِّبوا، فماذا كُنتم تَعمَلون إنْ لم تُكذِّبوا؛ فإنَّكم لم تَتَّبِعوا آياتي [1163] يُنظر: ((أمالي ابن الشجري)) (1/403)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/40). ؟!
- وفِعلُ قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي هو صَدرُ الجُملةِ في التَّقديرِ، وما قبْلَه حَتَّى إِذَا جَاءُوا مُقدَّمٌ مِن تأخيرٍ للاهتمامِ، والتَّقديرُ: وقال: أكذَّبْتُم بآياتي يومَ نَحشُرُ مِن كلِّ أُمَّةٍ فوجًا، وحين جاؤوا... [1164] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/40). .
- قولُه: وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أي: لم يُحِطْ عِلْمُكم بها؛ فعُدِلَ عن إسنادِ الإحاطةِ إلى العلْمِ إلى إسنادِها إلى ذواتِ المُخاطَبينَ؛ لِيَقَعَ تأكيدُ الكلامِ بالإجمالِ في الإسنادِ، ثمَّ التَّفصيلِ بالتَّمييزِ. وإحاطةُ العِلْمِ بالآياتِ مُستعمَلةٌ في تَمكُّنِ العِلمِ، حتَّى كأنَّه ظَرفٌ مُحِيطٌ بها، وهذا تَعييرٌ لهم وتَوبيخٌ بأنَّهم كذَّبوا بالآياتِ قبْلَ التَّدبُّرِ فيها [1165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/41). .
- وأيضًا جُملةُ وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا جُملةٌ حاليَّةٌ، مُفِيدةٌ لزِيادةِ شَناعةِ التَّكذيبِ وغايةِ قُبْحهِ، ومُؤكِّدةٌ للإنكارِ والتَّوبيخِ [1166] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/302). .
3- قولُه تعالى: وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ يجوزُ أنْ تكونَ الواوُ للحالِ، والمعنى: يُقال لهم: أكذَّبْتم بآياتي وقد وقَعَ القولُ عليهم. وهذا القولُ هو القولُ السَّابقُ في آيةِ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ [النمل: 82] ؛ فإنَّ ذلك القولَ مُشتمِلٌ على حوادثَ كثيرةٍ، فكُلَّمَا تحقَّق شَيءٌ منها فقد وقَعَ القولُ، والتَّعبيرُ بالماضي وَقَعَ هنا على حَقيقتِه، وأُعِيدَ ذِكْرُه تَعظيمًا لِهَولِه. ويجوزُ أنْ تكونَ الواوُ عاطفةً، والقولُ هو القولَ الأوَّلَ، وعُطِفَت الجُملةُ على الجُملةِ المُماثِلةِ لها؛ لِيُبْنَى عليها سبَبُ وُقوعِ القولِ، وهو أنَّه بسَببِ ظُلْمِهم، ولِيُفرَّعَ عليه قولُه: فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ. والتَّعبيرُ بفِعلِ المُضِيِّ على هذا الوجْهِ؛ لأنَّه مُحقَّقُ الحصولِ في المُستقبَلِ، فجُعِلَ كأنَّه حصَلَ ومَضى [1167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/42). .
- وجُملةُ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ مُفرَّعةٌ على وَقَعَ الْقَوْلُ، أي: وقَعَ عليهم وُقوعًا يَمنَعُهم الكلامَ [1168] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/42). .