موسوعة التفسير

سُورةُ الحُجُراتِ
الآيات (6-8)

ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ

 غريب الكلمات:

فَاسِقٌ وَالْفُسُوقَ: الفِسقُ: الخروجُ عن طاعةِ الله، وقد يكونُ بأعظَمِ أنواعِ الخروجِ، وهو الكفرُ، أو بما هو دونَ ذلك مِن المعاصي، وأصلُ الفِسقِ: الخروجُ عن الشَّيءِ، يُقالُ منه: فَسَقتِ الرُّطَبةُ، إذا خَرَجتْ مِن قِشْرِها [125] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/434)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 368)، ((تفسير السمعاني)) (1/61)، ((المفردات)) للراغب (ص: 636، 819)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 117)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 693)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/59). .
بِنَبَأٍ: النَّبأُ: خبَرٌ فيه خطَرٌ، أو: خبَرٌ ذو فائدةٍ عظيمةٍ يَحصُلُ به عِلمٌ أو غَلَبةُ ظَنٍّ، وأصلُ (نبأ): الإتيانُ مِن مكانٍ إلى مكانٍ، والخبرُ يَأْتي مِن مكانٍ إلى مكانٍ [126] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 142)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 461)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/385)، ((المفردات)) للراغب (ص: 788)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 157)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 200). .
لَعَنِتُّمْ: أي: لَوقَعْتُم في ضَررٍ وفسادٍ، ولَنالَكُم مَشقَّةٌ وشِدَّةٌ وإثمٌ، وأصْلُ (عنت): يدُلُّ على مَشقَّةٍ [127] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/354)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/150)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 364)، ((تفسير القرطبي)) (16/314). .

مشكل الإعراب:

1- قَولُه: فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ
قَولُه: أَنْ تُصِيبُوا مَفعولٌ مِن أجْلِه، أي: مَخافةَ أنْ تُصِيبوا، أو لئلَّا تُصِيبوا [128] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/680)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1170)، ((الدر المصون)) للسمين (10/7). .
2- قولُه: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
 قولُه: فَضْلًا يَجوزُ أنْ يَنتصِبَ على المفعولِ مِن أجْلِه، وناصبُه قولُه: حَبَّبَ، وقولُه: أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ اعتِراضٌ بيْنَهما. ويَجوزُ أنْ يَنتصِبَ بفِعلٍ مُقدَّرٍ، أي: جَرى ذلك. ويَجوزُ أنْ يَنتصِبَ على المصدَرِ المؤكِّدِ لمَضمونِ الجُملةِ السَّابِقةِ؛ لأنَّها فضْلٌ أيضًا، أي: تَفضَّلَ فضْلًا [129] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1171)، ((الدر المصون)) للسمين (10/8)، ((المجتبى من مشكل إعراب القرآن)) للخراط (7/1218). .

المعنى الإجمالي:

يَأمُرُ اللهُ تعالى عِبادَه المؤمنينَ أنْ يَتبيَّنوا إنْ جاءهم فاسقٌ بأيِّ خبَرٍ؛ لئلَّا يُصِيبوا قومًا جهْلًا منهم وخطَأً بسَببِ تَصديقِهم لِخبَرِه بدونِ تَثبُّتٍ، فيَندَموا على ذلك.
ويأمُرُ اللهُ عزَّ وجلَّ أصحابَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنْ يَعلَموا أنَّ فيهم رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، لو يُطِيعهم ويَعمَلُ بآرائِهم في كثيرٍ مِن الأمورِ، لَوقَعوا في شِدَّةٍ ومَشقَّةٍ، ولكنَّ اللهَ حبَّبَ إليهمُ الإيمانَ، وحسَّنَه في قُلوبِهم، وبغَّضَ إليهم الكفْرَ والفُسوقَ وارتكابَ المعاصي، فلْيَشكروا اللهَ على ذلك، ولا يَتقدَّموا اللهَ ورسولَه بأمرٍ؛ إذ يَكفيهم الاتِّباعُ والالتِزامُ، وأولئك هم أُولو الرُّشدِ والاستِقامةِ. فعَلَ اللهُ ذلك بهم تَفضُّلًا منه عليهم ونِعمةً منه، واللهُ عليمٌ حكيمٌ.

تفسير الآيات:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6).
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا.
أي: يا أيُّها الَّذين آمَنوا إنْ جاءكم أيُّ فاسِقٍ كان بأيِّ خبَرٍ، فتَمهَّلوا وتوَقَّفوا عن قَبولِ خَبرِه، حتَّى تَتيقَّنوا منه، فتَتبيَّنوا صِدقَه أو كَذِبَه، وتَظهَرَ لكم الحقيقةُ [130] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/348)، ((تفسير الرازي)) (28/99)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/363، 364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/231)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/411). قال ابنُ عطيَّة: (الفِسقُ: الخُروجُ عن نهْجِ الحَقِّ، وهو مراتِبُ مُتبايِنةٌ، كُلُّها مَظِنَّةٌ للكَذِبِ، ومَوضِعُ تثَبُّتٍ وتبَيُّنٍ). ((تفسير ابن عطية)) (5/147). وقال ابنُ عاشور: (الفاسِقُ: المتَّصِفُ بالفُسوقِ، وهو فِعْلُ ما يُحرِّمُه الشَّرعُ مِنَ الكبائِرِ). ((تفسير ابن عاشور)) (26/229). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (ولا خِلافَ بيْنَ أهلِ العِلمِ بتأويلِ القُرآنِ فيما عَلِمتُ أنَّ قولَه عزَّ وجَلَّ: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ نزَلت في الوليدِ بنِ عُقْبةَ، وذلك أنَّه بعَثه رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بني الْمُصْطَلِق مصدِّقًا [أي: عاملًا على الزكاةِ]، فأخبَر عنهم أنَّهم ارتدوا، وأبَوْا مِن أداءِ الصَّدقةِ، وذلك أنَّهم خرَجوا إليه فهابهم، ولم يعرِفْ مَا عندَهم، فانصَرَف عنهم، وأخبَر بما ذكَرْنا). ((الاستيعاب في معرفة الأصحاب)) (4/1553). ويُنظر: ((الإصابة)) لابن حجر (6/ 481، 482). وقال النيسابوري: (وقد أجمَع المفسِّرونَ على أنَّها نزَلتْ في الوليدِ بنِ عُقبةَ). ((تفسير النيسابوري)) (6/ 160). قال البِقاعي: (الفاسِقُ المذكورُ في الآيةِ المرادُ به الجِنسُ، والَّذي نزَل ذلك بسَبَبِه هو الوليدُ بنُ عُقْبةَ). ((نظم الدرر)) (18/365، 366). وقال الألوسي: (ليس مُرادُنا مِن كَونِ الصَّحابةِ -رضيَ الله تعالى عنهم- جميعِهم عُدولًا أنَّهم لم يَصدُرْ عن أحدٍ منهم مُفَسِّقٌ أصلًا، ولا ارتكَب ذنْبًا قَطُّ؛ فإنَّ دُونَ إثباتِ ذلك خَرْطَ القَتادِ، فقد كانت تَصدُرُ منهم الهَفَواتُ، ويَرتَكِبونَ ما يُحَدُّون عليه، وإنكارُ ذلك مُكابَرةٌ صِرفةٌ، وعِنادٌ مَحْضٌ، وجهلٌ بمَوارِدِ الآياتِ والأحاديثِ؛ بل مُرادُنا أنَّهم لم يَنتَقِلوا مِن هذه الدَّارِ إلى دارِ القَرارِ إلَّا وهم طاهِرونَ مُطَهَّرونَ، تائِبونَ آيِبونَ بِبَرَكةِ صُحبتِهم لِلنَّبيِّ صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم، ونُصرتِهم إيَّاه، وبَذْلِ أنفُسِهم وأموالِهم في محَبَّتِه، وتعظيمِهم له أشدَّ التَّعظيمِ سرًّا وعلانيةً، كما يدُلُّ على ذلك الكِتابُ، وتَشهَدُ له الآثارُ). ((الأجوبة العراقية على الأسئلة اللاهورية)) (ص: 22). وقال ابن عاشور: (اعلَمْ أنْ ليس في الآيةِ ما يَقتَضي وصْفَ الوَليدِ بالفاسِقِ تصريحًا ولا تلويحًا. وقد اتَّفَق المفسِّرون على أنَّ الوليدَ ظنَّ ذلك، كما في «الإصابة» عن ابنِ عبدِ البَرِّ، وليس في الرِّواياتِ ما يَقتضي أنَّه تعمَّد الكذِبَ. قال الفخرُ: «إنَّ إطلاقَ لَفظِ «الفاسق» على الوليدِ شَيءٌ بعيدٌ؛ لأنَّه توهَّمَ وظنَّ فأخطأَ، والمُخطِئُ لا يُسمَّى فاسِقًا». قلتُ: ولو كان الوليدُ فاسقًا لَما ترَك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَعنيفَه واستتابتَه... وقد اتَّفَق مَن ترجموا للوليدِ بنِ عُقْبةَ على أنَّه كان شُجاعًا جَوَادًا، وكان ذا خُلُقٍ ومُروءةٍ. واعلَمْ أنَّ جُمهورَ أهلِ السُّنَّةِ على اعتبارِ أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عُدولًا، وأنَّ كلَّ مَن رأى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وآمَنَ به فهو مِن أصحابِه... وعلى تَسليمِ أن تكون الآيةُ إشارةً إلى فاسِقٍ مُعَيَّنٍ فلماذا لا يُحمَلُ على إرادةِ الَّذي أعلَمَ الوليدَ بأنَّ القَومَ خرَجوا له لِيَصُدُّوه عن الوُصولِ إلى دِيارهِم؛ قصْدًا لإرجاعِه؟!). ((تفسير ابن عاشور)) (26/229، 230). وينظر: ((تفسير الرازي)) (28/ 98). وذكر ابنُ العربي أنَّ القصَّةَ فيها اختلافٌ، ثمَّ قال: (وبهذا الاختلافِ يُسقِطُ العُلماءُ الأحاديثَ القَويَّةَ. وكيف يُفسَّقُ رجُلٌ بمِثلِ هذا الكلامِ؟ فكيف برَجُلٍ مِن أصحابِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؟!). ((العواصم من القواصم)) (ص: 92). وقال محبُّ الدِّينِ الخطيب بعدَ أن سرَد الرِّواياتِ الواردةَ في نُزولِ الآيةِ في الوليدِ بنِ عُقْبةَ، قال: (كلُّ هذه الأخبارِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لا يجوزُ أن يؤاخَذَ بها مُجاهِدٌ كان مَوضِعَ ثِقةِ أبي بكرٍ وعُمَرَ، وقام بخِدْماتٍ للإسلامِ يُرجى له بها أعظَمُ المَثوبةِ إن شاء الله. أضِفْ إلى كلِّ ما تقدَّم أنَّه في الوقتِ الَّذي حدثَتْ فيه لِبَني المُصْطَلِقِ الحادِثةُ الَّتي نزلَتْ فيها الآيةُ كان الوليدُ صغيرَ السِّنِّ). مِن تعليقِه على ((العواصم من القواصم)) لابن العربي (ص: 90). .
أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ.
أي: إنْ جاءكم فاسقٌ بنَبأٍ فتَبيَّنوا؛ لئلَّا تُصِيبوا -خطَأً وجهْلًا منكم- قومًا بُرآءَ ممَّا قُذِفوا به بسَببِ تَصديقِكم الفاسِقَ في خبَرِه الكاذِبِ [131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/353)، ((تفسير القرطبي)) (16/312)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/364، 365)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/232)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/411). قال الشنقيطي: (قولُه: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا، أي: لئلَّا تُصيبوا قومًا، أو كراهةَ أن تُصيبوا قومًا بجهالةٍ، أي: لِظَنِّكم النَّبأَ الَّذي جاء به الفاسِقُ حقًّا). ((أضواء البيان)) (7/411). .
فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
أي: فتَنْدَموا -أيُّها المؤمنونَ- على إصابتِكم القَومَ البُرآءَ بأذًى وضَررٍ؛ بسَببِ تَعجُّلِكم في قَبولِ خبَرِ الفاسِقِ، وتَرْكِكم التَّبيُّنَ والتَّثبُّتَ [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/353)، ((تفسير القرطبي)) (16/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/232)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/411). .
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7).
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ.
أي: واعْلَموا -يا أصحابَ النَّبيِّ- أنَّ رسولَ اللهِ بيْنَ أظْهُرِكم [133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/354)، ((الوسيط)) للواحدي (4/153)، ((تفسير ابن عطية)) (5/147)، ((تفسير الرازي)) (28/101)، ((تفسير ابن كثير)) (7/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800). قيل: المقصودُ: اتَّقُوا أن تَكذِبوا أو تقولوا باطلًا؛ فإنَّ اللهَ تعالى يُخبِرُه بأنبائِكم، ويُعرِّفُه أحوالَكم. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير، ومكِّي، والواحدي، والبغوي، وابنُ عطية، وابنُ الجوزي، والقرطبيُّ، والخازن، وأبو حيَّان، وجلال الدين المحلِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/354)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (11/6996)، ((الوسيط)) للواحدي (4/ 153)، ((تفسير البغوي)) (4/258)، ((تفسير ابن عطية)) (5/147)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/146)، ((تفسير القرطبي)) (16/314)، ((تفسير الخازن)) (4/178)، ((تفسير أبي حيان)) (9/513)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 686). وقيل: إنَّ الله تعالى لَمَّا قال: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا قال بَعْدَه: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ، أي: الكشْفُ سهْلٌ عليكم بالرُّجوعِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّه فيكم مُبَيِّنٌ مُرشِدٌ. قاله الرَّازيُّ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/101). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/366). وقيل: المعنى: اعلَموا أنَّ بيْنَ أظهُرِكم رسولَ الله؛ فعظِّموه ووقِّروه، وتأدَّبوا معه، وانقادوا لأمْرِه؛ فإنَّه أعلَمُ بمَصالِحِكم، وأشفَقُ عليكم منكم، ورأيُه فيكم أتَمُّ مِن رأيِكم لأنفُسِكم. قاله ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/372). قال ابنُ عاشور: (فالمقصودُ تعليمُ المُسلِمينَ باتِّباعِ ما شرَعَ لهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الأحكامِ، ولو كانت غيرَ مُوافِقةٍ لرَغَباتِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (26/234). وقال ابنُ عُثيمين: (سَبَبُ ما سبَق أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بلَغَه عن قَومٍ ما ليس فيهم، فأمَر اللهُ تعالى بالتَّأكُّدِ مِن الأخبارِ إذا جاء بها مَن لا تُعرَفُ عدالتُه، وكأنَّ بعضَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أرادوا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُعاقِبَ هؤلاء الَّذين بلَغه عنهم ما بلَغه، ولكِنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يَفعَلْ بعدَ أن نزَلَت عليه الآيةُ: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا). ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات - الحديد)) (ص: 28). .
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ.
أي: لو أنَّ رسولَ اللهِ يَعمَلُ بآرائِكم -أيُّها المؤمنونَ- في كثيرٍ مِن الأمورِ، لَوقَعْتُم في مَشقَّةٍ وشِدَّةٍ [134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/354)، ((تفسير ابن عطية)) (5/147)، ((تفسير ابن كثير)) (7/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/235). قال ابن جرير: (كما لو قَبِلَ مِنَ الوَليدِ بنِ عُقْبةَ قَولَه في بَني المُصْطَلِقِ: إنَّهم قد ارتَدُّوا، ومَنَعوا الصَّدَقةَ، وجَمَعوا الجُموعَ لغزْوِ المُسلِمينَ، فغزاهم فقتَلَ منهم، وأصاب مِن دمائِهم وأموالِهم؛ كان قد قتَلَ وقتَلْتُم مَن لا يحِلُّ له ولكم قتْلُه، وأخَذَ وأخَذْتُم مِن المالِ ما لا يَحِلُّ له ولكم أخْذُه مِن أموالِ قَومٍ مُسلِمينَ، فنالَكُم مِنَ اللهِ بذلك عَنَتٌ!). ((تفسير ابن جرير)) (21/354). .
عن أبي هُريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خطَبَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فقال: أيُّها النَّاسُ، قد فرَضَ اللهُ عليكم الحجَّ، فحُجُّوا، فقال رجُلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسَكَتَ حتَّى قالَها ثلاثًا، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لو قلْتُ: نعمْ، لَوجَبَتْ، ولَما استطَعْتُم، ثمَّ قال: ذَرُوني ما ترَكْتُكم؛ فإنَّما هلَكَ مَن كان قبْلَكم بكَثرةِ سُؤالِهم، واختِلافِهم على أنْبيائِهم، فإذا أمَرْتُكم بشَيءٍ فأْتُوا منه ما استطَعْتُم، وإذا نهَيْتُكم عن شَيءٍ فدَعُوه )) [135] رواه مسلم (1337). .
وعن أبي ذَرٍّ رضِيَ اللهُ عنه، قال: ((صُمْنا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رمضانَ، فلم يَقُمْ بنا النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتَّى بقِيَ سبْعٌ مِن الشَّهرِ، فقام بنا حتَّى ذهَبَ نحْوٌ مِن ثُلُثِ اللَّيلِ، ثمَّ كانت سادسةٌ فلم يَقُمْ بنا، فلمَّا كانت الخامسةُ قام بنا حتَّى ذهَبَ نحْوٌ مِن شَطرِ اللَّيلِ، قُلْنا: يا رسولَ الله، لو نفَّلْتَنا [136] نَفَّلْتَنا: أي: زِدْتَنا مِن صَلاةِ النَّافِلةِ. يُنظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (4/1234). قِيامَ هذه اللَّيلةِ، قال: إنَّ الرَّجُلَ إذا صلَّى مع الإمامِ حتَّى يَنصرِفَ حُسِب له قِيامُ لَيلةٍ )) [137] أخرجه أبو داودَ (1375)، والترمذيُّ (806)، والنسائيُّ (1364) واللَّفظُ له، وابنُ ماجه (1327)، وأحمد (21447). قال الترمذي: (حَسَنٌ صحيحٌ). وصَحَّحه الطَّحاويُّ في ((شرح معاني الآثار)) (1/349)، وابنُ حِبَّان في ((الصحيح)) (2547)، وابنُ باز في ((مجموع الفتاوى)) (25/178)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن النسائي)) (1364). .
وعن عائشةَ رضي الله عنها: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، خَرَج مِن جوفِ اللَّيلِ فصلَّى في المسجدِ، فصلَّى رجالٌ بصلاتِه، فأصْبَح النَّاسُ يتحَدَّثونَ بذلك، فاجْتَمَع أكثرُ منهم، فخَرَج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في اللَّيلةِ الثَّانيةِ، فصَلَّوْا بصلاتِه، فأصْبَح النَّاسُ يَذْكُرونَ ذلك، فكَثُر أهلُ المسجدِ مِن اللَّيلةِ الثَّالثةِ، فخَرَج فصَلَّوْا بصلاتِه، فلمَّا كانت اللَّيلةُ الرَّابعةُ عَجَز المسجدُ عن أهلِه، فلم يَخْرُجْ إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فطَفِق رِجالٌ منهم يقولونَ: الصَّلاةَ، فلم يخرُجْ إليهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم حَتَّى خَرَج لصلاةِ الفجرِ، فلمَّا قضَى الفجرَ أقْبَل على النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّد، فقال: أمَّا بعدُ، فإنَّه لم يَخْفَ علَيَّ شَأْنُكم اللَّيلةَ، ولكنِّي خَشيتُ أنْ تُفْرَضَ عليكم صلاةُ اللَّيلِ فتَعْجِزوا عنها )) [138] أخرجه البخاري (924)، مسلم (761) واللفظ له. .
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ.
أي: ولكنَّ اللهَ هو الَّذي حبَّب إليكم -يا أصحابَ النَّبيِّ- الإيمانَ، فآثَرْتُموه ورَضِيتُموه، فأنتم تُطِيعون اللهَ ورسولَه، ولا تُقدِّمونَ بيْنَ يدَيِ اللهِ ورَسولِه وإنْ خالَفَ رأْيَكم، فيَقيكم الله بذلك مِن الشِّدَّةِ والمَشقَّةِ [139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/355)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيميَّة (9/26)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/236)، ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات - الحديد)) (ص: 29، 30). .
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ.
أي: وحسَّن اللهُ في قُلوبِكم الإيمانَ؛ فهو وحْدَه مَن وفَّقَكم إليه، وحبَّبه إلى نُفوسِكم [140] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/355)، ((تفسير الرازي)) (28/102)، ((تفسير ابن كثير)) (7/372)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800). قال ابنُ القيِّمِ: (تَحبِيبُه سُبحانَه الإيمانَ إلى عبادِه المؤمنينَ هو إلقاءُ محبَّتِه في قُلوبِهم، وهذا لا يَقدِرُ عليه سِواه، وأمَّا تَحبيبُ العبدِ الشَّيءَ إلى غيرِه فإنَّما هو بتَزْيينِه، وذِكْرِ أوصافِه، وما يَدعو إلى محبَّتِه؛ فأخبَرَ سُبحانَه أنَّه جعَل في قُلوبِ عبادِه المؤمِنينَ الأمْرَينِ: حُبَّه، وحُسْنَه الدَّاعيَ إلى حُبِّه). ((شفاء العليل)) (ص: 57). وقال أيضًا: (ولا تَظُنُّوا أنَّ نُفوسَكم تُريدُ لكم الرُّشدَ والصَّلاحَ كلَّما أرَدْتُم الإيمانَ؛ فلولا أنِّي حبَّبْتُه إليكم وزيَّنْتُه في قُلوبِكم، وكرَّهتُ إليكم ضِدَّه؛ لَما وقَعَ منكم، ولا سمَحَتْ به أنفُسُكم). ((مدارج السالكين)) (1/416). .
وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.
أي: وبغَّض اللهُ إليكم الكفْرَ به وبرَسولِه، والخُروجَ عن طاعتِهما، وارتِكابَ المعاصي [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/355)، ((تفسير القرطبي)) (16/314)، ((تفسير ابن كثير)) (7/372، 373)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات - الحديد)) (ص: 30). قال ابن عثيمين: (الكفرُ أعظَمُ مِن الفِسقِ، والفِسقُ أعظَمُ مِن العِصيانِ؛ فالكفرُ هو الخروجُ مِن الإسلامِ بالكُلِّيَّةِ...، وأمَّا الفِسقُ فهو دونَ الكفرِ، لكنَّه فِعلُ كبيرةٍ، ... ولم يَتُبْ منها؛ كالزِّنا، وشُربِ الخَمرِ، والسَّرِقةِ، والقَذفِ، وما أشْبَهَ ذلك، والعِصيانُ: هو الصَّغائرُ الَّتي تُكَفَّرُ بالأعمالِ الصَّالِحةِ). ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات - الحديد)) (ص: 30). وقال الشوكاني: (أصلُ الفِسقِ الخروجُ على الطَّاعةِ، والعِصيانُ جِنْسُ ما يُعصَى اللهُ به. وقيلَ: أراد بذلك الكذِبَ خاصَّةً. والأوَّلُ أوْلَى). ((تفسير الشوكاني)) (5/ 71). .
عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن سَرَّتْه حسَنَتُه وساءَتْه سَيِّئتُه، فهو مُؤمِنٌ)) [142] أخرجه الترمذيُّ (2165)، والنسائيُّ في ((السنن الكبرى)) (9225)، وأحمدُ (114) مطَوَّلًا. قال الترمذي: (حسَنٌ صحيحٌ غريبٌ مِن هذا الوجهِ). وصَحَّحه ابنُ حِبَّانَ في ((الصحيح)) (7254)، وابنُ عبدِ البَرِّ في ((الاستذكار)) (4/92)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (2165)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((العواصم والقواصم)) (9/47)، وقال ابن كثير في ((مسند الفاروق)) (2/554): (رُوِيت هذه الخُطبةُ عن عُمَرَ مِن وُجوهٍ عديدةٍ إذا تُتُبِّعَت بلَغَت حَدَّ التَّواتُرِ). .
أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ.
أي: الَّذين حبَّبَ اللهُ إليهم الإيمانَ، وزيَّنَه في قُلوبِهم، وكَرَّه إليهم الكفْرَ والفُسوقَ والعِصيانَ؛ أولئك هم السَّالِكون طَريقَ الحقِّ، المستَقِيمون عليه، الموفَّقونَ للصَّوابِ [143] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/355)، ((تفسير القرطبي)) (16/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800). .
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ذكَرَ التَّحبيبَ والتَّزيينَ والتَّكريهَ، وما أنتَجَه مِن الرَّشادِ- ذكَرَ عِلَّتَه؛ إعلامًا بأنَّه تعالى لا يَجِبُ عليه شَيءٌ؛ حثًّا على الشُّكرِ [144] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/369). .
فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً.
أي: فعَلَ اللهُ بهم ذلك تفَضُّلًا منه عليهم، ونِعمةً أنعَمَ بها عليهم؛ حيثُ حبَّبَ إليهم الإيمانَ، وزيَّنَه في قُلوبِهم، وكرَّه إليهم الكفْرَ والفُسوقَ والعِصيانَ، فلمْ يَكِلْهم إلى أنفُسِهم، بلْ تولَّى سُبحانَه ذلك مِن غيرِ حَولٍ منهم ولا قوَّةٍ [145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/355)، ((تفسير القرطبي)) (16/315)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 57، 168)، ((تفسير ابن كثير)) (7/373)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات - الحديد)) (ص: 31، 32). قال الرازي: (فَضْلُ اللهِ إشارةٌ إلى ما عِندَه مِنَ الخَيرِ وهو مُستَغنٍ عنه، والنِّعمةُ إشارةٌ إلى ما يَصِلُ إلى العبدِ وهو محتاجٌ إليه؛ لأنَّ الفَضلَ في الأصلِ يُنبِئُ عن الزِّيادةِ، وعندَه خزائنُ مِنَ الرَّحمةِ لا لِحاجةٍ إليها، ويُرسِلُ منها على عبادِه ما لا يَبْقَونَ معه في ورْطةِ الحاجةِ بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ، والنِّعمةُ تُنبئُ عن الرَّأفةِ والرَّحمةِ، وهو مِن جانبِ العبدِ، وفيه معنًى لطيفٌ، وهو تأكيدُ الإعطاءِ...، فإذَنْ قَولُه: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ إشارةٌ إلى ما هو مِن جانبِ اللهِ الغَنيِّ، والنِّعمةُ إشارةٌ إلى ما هو مِن جانبِ العبدِ مِنِ اندِفاعِ الحاجةِ، وهذا ممَّا يؤكِّدُ قَولَنا: فَضْلًا مَنصوبٌ بفِعْلٍ مُضمَرٍ، وهو الابتِغاءُ والطَّلَبُ). ((تفسير الرازي)) (28/103، 104). .
كما قال تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النور: 21].
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
ختْمُ الآيةِ بقولِه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فيه مُناسَباتٌ عِدَّةٌ:
منها: أنَّه تعالى لَمَّا ذكَرَ نَبأَ الفاسِقِ، قال: إنْ يَشتبِهْ على المؤمِنِ كذِبُ الفاسِقِ، فلا تَعتمِدوا على تَرويجِه عليكم الزُّورَ؛ فإنَّ اللهَ عليمٌ، ولا تَقولوا -كما كان عادةُ المنافِقِ-: لولا يُعذِّبُنا اللهُ بما نقولُ؛ فإنَّ اللهَ حكيمٌ لا يَفعَلُ إلَّا على وَفْقِ حِكمتِه.
وثانيها: لَمَّا قال اللهُ تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ [الحجرات: 7] ، بمعْنى: لا يُطِيعكم، بل يتَّبِعُ الوحْيَ، قال: فإنَّ اللهَ مِن كَونِه عَليمًا يُعلِّمُه، ومِن كَونِه حَكيمًا يَأمُرُه بما تَقتضِيه الحِكمةُ؛ فاتَّبِعوه.
ثالثُها: المُناسَبةُ الَّتي بيْنَ قولِه تعالى: عَلِيمٌ حَكِيمٌ وبيْنَ قولِه: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ، أي: حبَّبَ بعِلمِه الإيمانَ لأهلِ الإيمانِ، واختارَ له مَن يَشاءُ بحِكمتِه.
رابعُها: أنَّه سُبحانه وتعالى قال: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً، ولَمَّا كان الفضْلُ هو ما عندَ الله مِن الخَيرِ المسْتَغنَى عنه، قال تعالى: هو عليمٌ بما في خَزائنِ رحْمتهِ مِن الخَيرِ، وكانت النِّعمةُ هو ما يُدفَعُ به حاجةُ العبْدِ، قال: هو حَكيمٌ يُنزِلُ الخَيرَ بقَدَرٍ ما يَشاءُ على وَفْقِ الحِكمةِ [146] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/104). .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ بالِغُ العِلمِ بكلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلْمُه التَّامُّ بالمحْسِنينَ مِن المسيئينَ، ومَن همْ أهلٌ لفضْلِ اللهِ ونِعمتِه ممَّن لا يَصلُحُ لذلك، وهو بالغُ الحِكمةِ؛ فيَضَعُ كلَّ شَيءٍ في مَوضعِه اللَّائقِ به، ومِن ذلك إيتاؤُه فضْلَه لِمَن يَصلُحُ له [147] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (21/355)، ((تفسير القرطبي)) (16/315)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/236)، ((تفسير ابن كثير)) (7/373)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/369، 370)، ((تفسير السعدي)) (ص: 800)، ((تفسير ابن عثيمين: سورة الحجرات - الحديد)) (ص: 32، 33). .

الفوائد التربوية:

1- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، هذا مِن الآدابِ الَّتي على أُولي الألبابِ التَّأدُّبُ بها واستِعمالُها؛ وهو أنَّه إذا أخبَرَهم فاسقٌ بخبَرٍ أنْ يَتثبَّتوا في خبَرِه، ولا يأْخُذوه مُجرَّدًا؛ فإنَّ في ذلك خطَرًا كبيرًا، ووُقوعًا في الإثمِ؛ فإنَّ خبَرَه إذا جُعِلَ بمَنزِلةِ خبَرِ الصَّادِقِ العدْلِ، حُكِمَ بمُوجَبِ ذلك ومُقتضاهُ، فحصَلَ مِن تلَفِ النُّفوسِ والأموالِ بغيرِ حقٍّ بسَببِ ذلك الخبَرِ ما يكونُ سَببًا للنَّدامةِ، بلْ الواجبُ عندَ خبَرِ الفاسِقِ التَّثبُّتُ والتَّبيُّنُ، فإنْ دلَّت الدَّلائلُ والقرائنُ على صِدقِه عُمِلَ به وصُدِّقَ، وإنْ دلَّت على كذِبِه كُذِّبَ ولم يُعمَلْ به [148] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 799). .
2- قولُ اللهِ تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، فيه تَحذيرٌ مِن الوُقوعِ فيما يُوجِبُ النَّدَمَ شرْعًا [149] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/234). .
3- ليس حُسنُ النِّيَّةِ بالرَّعيَّةِ والإحسانُ إليهم: أنْ يَفعَلَ ما يَهْوَوْنه، ويَترُكَ ما يَكرَهونَه؛ فقد قال اللهُ تعالى: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [المؤمنون: 71] ، وقال تعالى للصَّحابةِ: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ، وإنَّما الإحسانُ إليهم فِعْلُ ما يَنفَعُهم في الدِّينِ والدُّنيا ولو كَرِهَه مَن كَرِهَه؛ لكنْ يَنْبغي له أنْ يَرفُقَ بهم فيما يَكرَهونه؛ ففي الصَّحيحِ [150] أخرجه مسلم (2594) من حديثِ عائشةَ رَضيَ الله عنها. عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلَّا زانَه، ولا يُنزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَه )) [151] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيميَّة (28/364). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فيه إشارةٌ إلى لَطيفةٍ؛ وهي أنَّ المؤمنَ كان مَوصوفًا بأنَّه شَديدٌ على الكافرِ، غليظٌ عليه، فلا يَتمكَّنُ الفاسِقُ مِن أنْ يُخبِرَه بنَبأٍ، فإنْ تَمكَّنَ منه يكونُ نادرًا، فقال: إِنْ جَاءَكُمْ بحرْفِ الشَّرطِ الَّذي لا يُذكَرُ إلَّا مع التَّوقُّعِ؛ إذ لا يَحسُنُ أنْ يُقالَ: (إنِ احمَرَّ البُسرُ)، و(إنْ طلَعَتِ الشَّمسُ) [152] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/98). .
2- قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا في هذه الآيةِ دَليلٌ على قَبولِ خبَرِ الواحدِ إذا كان عدْلًا؛ لأنَّه إنَّما أمَرَ فيها بالتَّثبُّتِ عندَ نقْلِ خبَرِ الفاسِقِ [153] يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (5/ 329)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (4/ 147)، ((تفسير القرطبي)) (16/312). ، فقولُه تعالَى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا يدُلُّ بدَليلِ خِطابِه -أي: مفهومِ مخالَفَتِه- أنَّ الجائِيَ بنَبأٍ إنْ كان غيرَ فاسِقٍ بل عدلًا لا يَلزَمُ التَّبَيُّنُ في نَبَئِه [154] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/411). ، والسِّياقُ مُرشِدٌ إلى أنَّ خبَرَ العدْلِ لا وَقفةَ فيه، وإلَّا لَاسْتوى مع الفاسِقِ، فالتَّثبُّتُ مُعلَّلٌ بالفِسقِ، فإذا انْتَفَى ولم تُوجَدْ عِلَّةٌ أُخرى تُوجِبُ التَّثبُّتَ؛ وجَبَ القَبولُ [155] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/364). .
3- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فيه أنَّ شَهادةَ الفاسِقِ لا تُقبَلُ؛ فإنَّ اللهَ تعالَى أمَر بالتَّبَيُّنِ في الخَبرِ والنَّبأِ، وبابُ الشَّهادةِ أضيَقُ مِن بابِ الخَبرِ [156] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/99). وقال ابن القيِّم: (مَدارُ قَبولِ الشَّهادةِ ورَدِّها على غَلَبةِ ظنِّ الصِّدقِ وعدَمِه. والصَّوابُ المقطوعُ به أنَّ العدالةَ تَتبعَّضُ؛ فيكونُ الرَّجُلُ عدْلًا في شَيءٍ، فاسِقًا في شَيءٍ، فإذا تبيَّنَ للحاكمِ أنَّه عدْلٌ فيما شهِدَ به، قَبِلَ شَهادتَه، ولم يَضُرَّه فِسقُه في غَيرِه). ((الطرق الحكمية)) (ص: 148). .
4- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فيه دَليلٌ على أنَّ خبَرَ الصَّادِقِ مَقبولٌ، وخبَرَ الكاذبِ مَردودٌ، وخبَرَ الفاسِقِ مُتوقَّفٌ فيه؛ ولهذا كان السَّلفُ يَقبَلون رِواياتِ كثيرٍ مِن الخَوارِجِ المعْروفينَ بالصِّدقِ، ولو كانوا فُسَّاقًا [157] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 799). . فنَبأُ الفاسِقِ ليس بمَردودٍ، بل هو مُوجِبٌ للتَّبيُّنِ والتَّثبُّتِ، كما قال تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا، وفي القِراءةِ الأُخرى: فَتَثَبَّتُوا [158] قَرَأها حَمْزَةُ وَالكِسائِيُّ وخَلَفٌ فَتَثَبَّتُوا مِن التَّثَبُّتِ، وقَرَأها الباقونَ فَتَبَيَّنُوا مِن التَّبَيُّنِ. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/ 251). ، فعلَينا التَّبيُّنُ والتَّثبُّتُ عندَ خبَرِ الفاسِقِ الواحدِ، ولم نُؤمَرْ به عندَ خبَرِ الفاسِقينَ؛ وذلك أنَّ خبَرَ الاثنَينِ يُوجِبُ مِن الاعتقادِ ما لا يُوجِبُه خبَرُ الواحدُ، أمَّا إذا عُلِمَ أنَّهما لم يَتواطَآ فهذا قد يَحصُلُ به العِلمُ [159] يُنظر: ((المستدرك على مجموع الفتاوى لابن تيمية)) (5/204). ، وقولُه تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا يَتناوَلُ خبَرَ كلِّ فاسقٍ وإنْ كان كافرًا لا يَجوزُ تَكذيبُه إلَّا ببَيِّنةٍ، كما لا يَجوزُ تَصديقُه إلَّا ببَيِّنةٍ [160] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (6/461). .
5- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فيه وُجوبُ البَحثِ عن عَدالةِ مَن كان مَجهولَ الحالِ في قَبولِ الشَّهادةِ، أو الرِّوايةِ عندَ القاضي وعندَ الرُّواةِ [161] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/233). ، وفي الآيةِ دَليلٌ على فَسادِ قَولِ مَن قال: إنَّ المسلِمينَ كلَّهم عُدولٌ حتَّى تَثبُتَ الجرْحةُ [162] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (16/313). ؛ فالمجهولُ الحالِ يحتَمِلُ أن يكونَ فاسِقًا، فالاحتياطُ لازِمٌ [163] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/513). .
6- قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا هاهنا فائدةٌ لَطيفةٌ؛ وهي أنَّه سُبحانه لم يَأمُرْ برَدِّ خبَرِ الفاسِقِ وتَكذيبِه ورَدِّ شَهادتِه جُملةً، وإنَّما أمَرَ بالتَّبيُّنِ، فإنْ قامت قَرائنُ وأدِلَّةٌ مِن خارجٍ تدُلُّ على صِدقِه، عُمِلَ بدَليلِ الصِّدقِ، ولو أخبَرَ به مَن أخبَرَ، فهكذا يَنْبغي الاعتِمادُ في رِوايةِ الفاسِقِ وشَهادتِه، وكثيرٌ مِن الفاسِقينَ يَصدُقون في أخبارِهم ورِواياتِهم وشَهاداتِهم، بل كثيرٌ منهم يَتحرَّى الصِّدقَ غايةَ التَّحرِّي، وفِسقُه مِن جِهاتٍ أُخَرَ، فمِثلُ هذا لا يُرَدُّ خبَرُه ولا شَهادتُه، ولو رُدَّتْ شَهادةُ مِثلِ هذا ورِوايتُه، لَتَعطَّلَت أكثرُ الحُقوقِ، وبطَلَ كثيرٌ مِن الأخبارِ الصَّحيحةِ، ولا سيَّما مَن فِسقُه مِن جِهةِ الاعتِقادِ والرَّأيِ، وهو مُتحَرٍّ للصِّدقِ، فهذا لا يُرَدُّ خبَرُه ولا شَهادتُه. وأمَّا مَن فِسقُه مِن جِهةِ الكذِبِ؛ فإنْ كثُرَ منه وتَكرَّرَ، بحيث يَغلِبُ كذِبُه على صِدقِه، فهذا لا يُقبَلُ خَبرُه ولا شَهادتُه، وإنْ نَدَرَ منه مرَّةً ومرَّتَينِ، ففي رَدِّ شَهادتِه وخبَرِه بذلك قَولانِ للعُلماءِ [164] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/368). .
7- قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا يَأمُرُ تعالى بالتَّثبُّتِ في خبَرِ الفاسِقِ ليُحتاطَ له؛ لئلَّا يُحكَمَ بقولِه فيَكون -في نفْسِ الأمرِ- كاذبًا أو مُخطئًا، فيَكونَ الحاكمُ بقولِه قدِ اقتَفى وَراءَه، وقدْ نَهَى اللهُ عن اتِّباعِ سَبيلِ المفسِدين، ومِن هاهنا امتنَعَ طوائفُ مِن العُلماءِ مِن قَبولِ رِوايةِ مَجهولِ الحالِ؛ لاحتِمالِ فِسقِه في نفْسِ الأمْرِ، وقَبِلَها آخَرونَ؛ لأنَّا إنَّما أُمِرْنا بالتَّثبُّتِ عندَ خبَرِ الفاسِقِ، وهذا ليس بمُحقَّقِ الفِسقِ؛ لأنَّه مَجهولُ الحالِ [165] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/370). .
8- قولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، أصْلٌ عَظيمٌ في تَصرُّفاتِ وُلاةِ الأُمورِ، وفي تَعامُلِ النَّاسِ بَعضِهم مع بَعضٍ؛ مِن عدَمِ الإصغاءِ إلى كلِّ ما يُرْوَى ويُخبَرُ به [166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/230، 231). .
9- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا الأمْرُ بالتَّبيُّنِ أصلٌ عَظيمٌ في وُجوبِ التَّثبُّتِ في القضاءِ، وألَّا يَتتبَّعَ الحاكمُ القِيلَ والقالَ، ولا يَنصاعَ إلى الجَوَلانِ في الخَواطِرِ مِن الظُّنونِ والأوهامِ [167] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/231). .
10- قولُ اللهِ تعالى: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ، فيه لَطيفةٌ؛ وهي أنَّ الإصابةَ تُستعمَلُ في السَّيِّئةِ والحَسَنةِ، كما في قولِه تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [168] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/99). [النساء: 79] .
11- قولُ اللهِ تعالى: فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، أي: فتَصِيروا، ولكنَّه عبَّرَ بذلك؛ لأنَّ أشنَعَ النَّدَمِ ما استقبَلَ الإنسانَ صباحًا، وقْتَ انتباهِه وفَراغِه، وإقبالِه على لَذَّاتِه [169] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (18/365). .
12- قولُ اللهِ تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ، عبَّرَ بـ كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ؛ ليُعلَمَ أنَّه قدْ يُوافِقُهم، ويَفعَلُ بمُقْتضَى مَصلحتِهم؛ تَحقيقًا لفائدةِ قولِه تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [170] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/102). [آل عمران: 159] .
13- قولُ اللهِ تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، استدلَّ به عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ في الرَّدِّ على القدَريَّةِ [171] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 241). والأثرُ الواردُ عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيزِ في ذلك أخرجه أبو نُعَيمٍ في ((الحلية)) (5/346). .
14- يَجِبُ على المسلمِ أنْ يَتبرَّأَ مِن كلِّ عمَلٍ لا يُرْضي اللهَ ورسولَه وإنْ لم يكُنْ كُفْرًا، كالفُسوقِ والعِصيانِ، كما قال سُبحانه: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [172] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (3/11). .
15- قولُه تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ إلى قولِه سُبحانه: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً، يُبيِّنُ أنَّ ما يَحْصُلُ في القلوبِ مِن الإيمانِ هو مِن اللهِ تعالى بفضْلِه ورَحمتِه [173] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (7/459). .
16- الفُسوقُ في عُرْفِ الشَّرْعِ أشدُّ مِن العِصيانِ؛ قال تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [174] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (1/112). .
17- قولُه تعالى: أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فيه معنًى لَطيفٌ؛ وهو أنَّ اللهَ تعالى في أوَّلِ الأمْرِ قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ، أي: هو مُرشِدٌ لكم، فخِطابُ المؤمنينَ للتَّنبيهِ على شَفَقتِه بالمؤمنينَ، فقال في الأوَّلِ: كفَى النَّبيُّ مُرشِدًا لكم ما تَستَرشِدونَه، فأشفَقَ عليهم وأرشَدَهم، وعلى هذا قولُه: الرَّاشِدُونَ أي: الموافِقونَ للرُّشدِ؛ يأْخُذونَ ما يأْتِيهم، ويَنتهونَ عمَّا يَنهاهُم [175] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/103). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ هذا نِداءٌ ثالثٌ ابتُدِئَ به غرَضٌ آخَرُ، وهو آدابُ جماعاتِ المؤمنينَ بَعضِهم معَ بعضٍ، وإعادةُ الخِطابِ بقولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا، وفَصْلُه بدونِ عاطفٍ؛ لتَخْصيصِ هذا الغرَضِ بالاهتِمامِ؛ فالجُملةُ مُستأنَفةٌ استِئنافًا ابتدائيًّا [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/228، 229). .
- وأفاد حرْفُ التَّنبيهِ (يا)، وإيقاعُ آَمَنُوا صِلةً للمَوصولِ، وجَعْلُها سببًا لِمَا بعْدَه مِن الحرْفِ الموضوعِ لنِداءِ البعيدِ، وقد نُوديَ به القريبُ المُقاطِنُ- أنَّ على المؤمنينَ أنْ يَكونوا على تثبُّتٍ مِن الأمرِ؛ لئلَّا يطمَعَ فاسقٌ في مخاطبَتِهم بكلمةِ زُورٍ [177] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/360)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/467). .
- قولُه: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أُوثرَ في الشَّرطِ حرْفُ (إنْ) الَّذي الأصلُ فيه أنْ يكونَ للشَّرطِ المشكوكِ في وُقوعِه؛ للتَّنبيهِ على أنَّ شأنَ فِعلِ الشَّرطِ أنْ يكونَ نادرَ الوُقوعِ، لا يُقدِمُ عليه المسلِمونَ [178] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/229). .
- وتَنكيرُ (فاسقٍ) و(نَبأٍ) في سِياقِ الشَّرطِ يُفيدُ العُمومَ في الفُسَّاقِ بأيِّ فِسقٍ اتَّصَفوا، وفي الأنباءِ كيف كانتْ، كأنَّه قِيل: أيُّ فاسقٍ جاءَكم بأيِّ نبأٍ، فتَوقَّفوا فيه، وتَطَلَّبوا بَيانَ الأمْرِ وانكشافَه [179] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/360)، ((تفسير البيضاوي)) (5/134)، ((تفسير أبي السعود)) (8/118)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/231)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (9/264). . والتَّبيُّنُ: قُوَّةُ الإبانةِ، وهو مُتعدٍّ إلى مَفعولٍ بمعْنى أبانَ، أي: تأمَّلوا وأبِينوا. والمَفعولُ مَحذوفٌ دلَّ عليه قولُه: بِنَبَأٍ، أي: تَبيَّنوا ما جاء به [180] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/231). .
- والجَهالةُ: تُطلَقُ بمعنى ضِدِّ العِلمِ، وتُطلَقُ بمعنى ضِدِّ الحِلمِ، مِثلُ قولِهم: جَهْلٌ كجَهلِ السَّيفِ؛ فعلَى الأوَّلِ -أنَّ الجهالةَ ضِدُّ العِلمِ- فالباءُ في بِجَهَالَةٍ للمُلابَسةِ، وهو ظَرفٌ مُستقَرٌّ [181] الظَّرْفُ المُستقَرُّ -بفتحِ القافِ-: سُمِّيَ بذلك؛ لاستِقرارِ الضَّميرِ فيه بَعْدَ حذْفِ عامِلِه، وهو الفِعلُ «استقرَّ»، ولأنَّه حينَ يصيرُ خبَرًا مثلًا يَنتقِلُ إليه الضَّميرُ مِن عامِلِه المحذوفِ ويَستقِرُّ فيه؛ وبسببِ هذَينِ الأمْرَينِ استحقَّ عاملُه الحذفَ وُجوبًا. فإذا أُلغِيَ الضَّميرُ فيه سُمِّيَ ظرفًا لَغوًا؛ لأنَّه فَضلةٌ لا يُهتَمُّ به، وسُمِّيَ أيضًا «اللَّغوُ» لَغوًا؛ لأنَّ وُجودَه ضئيلٌ. فقولُك: كان في الدَّارِ زَيدٌ، أي: كان مُستقِرًّا في الدَّارِ زَيدٌ؛ فالظَّرفُ مُستقَرٌّ فيه، ثمَّ حُذِف الجارُّ، كما يُقالُ: المحصولُ للمَحصولِ عليه، ولم يُستحسَنْ تقديمُ الظَّرفِ اللَّغوِ، وهو ما ناصِبُه ظاهِرٌ؛ لأنَّه -إذَنْ- فَضلةٌ؛ فلا يُهتمُّ به، نحو: كان زَيدٌ جالسًا عندَك. يُنظر: ((شرح الرضي على الكافية)) (4/210)، ((موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب)) لخالد الأزهري (ص: 82)، ((النحو الوافي)) لعباس حسن (2/ 446، 447). في مَوضعِ الحالِ، أي: مُتلبِّسينَ أنتُم بعدَمِ العِلمِ بالواقعِ؛ لتَصديقِكم الكاذِبَ، ومُتعلَّقُ تُصِيبُوا على هذا الوجْهِ مَحذوفٌ دلَّ عليه السِّياقُ سابِقًا ولاحِقًا، أي: أنْ تُصيبوهم بضُرٍّ، وأكثرُ إطلاقِ الإصابةِ على إيصالِ الضُّرِّ. وعلى الإطلاقِ الثَّاني -أنَّ الجهالةَ ضِدُّ الحِلْمِ- فالباءُ للتَّعديةِ، أي: أنْ تُصيبوا قومًا بفِعلٍ مِن أثَرِ الجَهالةِ، أي: بفِعلٍ مِن الشِّدَّةِ والإضرارِ [182] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/232). .
- ودلَّ قولُه: فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ أنَّه تَحذيرٌ مِن الوُقوعِ فيما يُوجِبُ التَّوبةَ مِن تلك الإصابةِ؛ فكان هذا كِنايةً عن الإثمِ في تلك الإصابةِ [183] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/234). .
- وتَقديمُ المَجرورِ على مُتعلَّقِه في قَولِه: عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ؛ للاهتِمامِ بذلك الفِعلِ -وهو الإصابةُ بدُونِ تثبُّتٍ-، والتَّنبيهِ على خطَرِ أمْرِه [184] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/234). .
- وقدَّمَ اللهُ في هذه السُّورةِ الكريمةِ ما هو الأهمُّ على ما دُونَه؛ فذكَرَ جانبَ اللهِ، ثمَّ ذكَرَ جانبَ الرَّسولِ، ثمَّ ذكَرَ ما يُفْضي إلى الاقتِتالِ بيْنَ طوائفِ المسلِمينَ بسَببِ الإصغاءِ إلى كَلامِ الفاسِقِ والاعتِمادِ عليه؛ فإنَّه يَذكُرُ كلَّ ما كان أشدَّ نِفارًا للصُّدورِ. وأمَّا المؤمنُ الحاضرُ أو الغائبُ، فلا يُؤذِي المؤمنَ إلى حدٍّ يُفْضي إلى القتْلِ، ولذا لمْ يَذكُرِ المؤمنَ قبْلَ الفاسقِ [185] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (28/98). .
2- قولُه تعالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ
- قولُه: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ عطْفٌ على جُملةِ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ [الحجرات: 6] عطْفَ تَشريعٍ على تَشريعٍ، وليس مَضمونُها تَكملةً لِمَضمونِ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ ... إلخ، بلْ هي جُملةٌ مُستقِلَّةٌ. وابتداءُ الجُملةِ بقولِه: وَاعْلَمُوا؛ للاهتِمامِ [186] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/234). .
- قولُه: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ تَوبيخٌ لِمَن يُكذِّبُ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووعيدٌ بالفضيحةِ، ولا يَصدُرُ ذلك إلَّا ممَّن هو شاكٌّ في الرِّسالةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يَترُكُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعتمِدُ على خبَرِ الفاسِقِ، بل بيَّنَ له ذلك. وقولُه: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ قيل: هو كلامٌ تامٌّ، أمَرَهم بأنْ يَعلَموا أنَّ الَّذي هو بيْنَ ظَهرانَيْكم هو رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلا تُخبِروه بما لا يَصِحُّ؛ فإنَّه رسولُ اللهِ يُطلِعُه على ذلك [187] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/513). .
- قولُه: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ خبَرٌ مُستعمَلٌ في الإيقاظِ والتَّحذيرِ على وجْهِ الكِنايةِ؛ فإنَّ كَونَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيْنَ ظَهرانَيْهم أمْرٌ مَعلومٌ لا يُخبَرُ عنه، فالمَقصودُ تَعليمُ المسلمينَ اتِّباعَ ما شَرَعَ لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن الأحكامِ، ولو كانت غيرَ مُوافِقةٍ لرغَباتِهم [188] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/234). .
- وتَقديمُ خبَرِ (إنَّ) على اسمِها في قولِه: أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ؛ للاهتِمامِ بهذا الكَونِ فيهم، وتنْبيهًا على أنَّ واجِبَهم الاغتِباطُ به، والإخلاصُ له؛ لأنَّ كَونَه فيهم شرَفٌ عظيمٌ لِجَماعتِهم، وصَلاحٌ لهم. وأيضًا القصدُ مِن تَقديمِ الخبَرِ على الاسمِ: التَّوبيخُ والتَّشدُّدُ على بعضِ المؤمنينَ؛ لِتَحاشِي ما استهجَنَه اللهُ مِن مُحاوَلتِهم استِتْباعَ رأيِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لآرائِهم؛ فوجَبَ تَقديمُه لانصِبابِ الغرَضِ إليه [189] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/361)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/235)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (9/264). .
- وجُملةُ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ يَجوزُ أنْ تكونَ استِئنافًا ابتدائيًّا؛ فضَميرَا الجمْعِ في قولِه: يُطِيعُكُمْ وقولِه: لَعَنِتُّمْ عائدانِ إلى الَّذين آمَنوا على تَوزيعِ الفعلِ على الأفرادِ؛ فالمُطاعُ بعضُ الَّذين آمنوا، وهم الَّذين يَبتَغون أنْ يَعمَلَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما يَطلُبونَ منه، والعانتُ بعضٌ آخَرُ، وهم جُمهورُ المؤمنينَ الَّذين يَجري عليهم قَضاءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحسَبِ رَغبةِ غَيرِهم. ويجوزُ أنْ تكونَ الجُملةُ في مَوضعِ الحالِ مِن ضَميرِ فِيكُمْ؛ لأنَّ مَضمونَ الجُملةِ يَتعلَّقُ بأحوالِ المخاطَبينَ، مِن جِهةِ أنَّ مَضمونَ جوابِ (لو) عَنَتٌ يَحصُلُ للمُخاطَبينَ. ومآلُ الاعتِبارَينِ في مَوقعِ الجُملةِ واحدٌ، والكلامُ على كِلَا التَّقديرَينِ مُنتظِمٌ أحسَنَ انتِظامٍ [190] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/234، 235). .
- وصِيغةُ المُضارِعِ في قولِه: لَوْ يُطِيعُكُمْ مُستعمَلةٌ في الماضي؛ لأنَّ حرْفَ (لو) يُفيدُ تَعليقَ الشَّرطِ في الماضي، وإنَّما عُدِلَ إلى صِيغةِ المُضارِعِ؛ للدَّلالةِ على أنَّه كان في إرادتِهم استِمرارُ عمَلِه على ما يَستَصوِبونَه، وأنَّه كلَّما عَنَّ لهم رأيٌ في أمْرٍ كان مَعمولًا عليه؛ بدليلِ قولِه: فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ، كقولِك: فلانٌ يَقْري الضَّيفَ، ويَحمي الحريمَ، تُريدُ أنَّه ممَّا اعتادَه ووُجِدَ منه مُستمِرًّا، والمعْنى: لو أطاعَكم في قَضيَّةٍ مُعيَّنةٍ، ولو أطاعكم كُلَّما رَغِبتُم منه أو أشَرْتُم عليه، لَعَنِتُّم؛ لأنَّ بعضَ ما يَطلُبونه مُضِرٌّ بالغَيرِ أو بالرَّاغبِ نفْسِه؛ فإنَّه قد يُحِبُّ عاجِلَ النَّفعِ العائدَ عليه بالضُّرِّ [191] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/361، 362)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/235)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (9/264). .
- والتَّعريفُ في الْأَمْرِ تَعريفُ الجنسِ شامِلٌ لجميعِ الأمورِ؛ ولذلك جِيءَ معه بلفظِ كَثِيرٍ مِنَ، أي: في أحداثٍ كثيرةٍ ممَّا لكم رَغبةٌ في تَحصيلِ شَيءٍ منها فيه مُخالَفةٌ لِما شرَعَه، وهذا احترازٌ عن طاعتِه إيَّاهم في بَعضِ الأمْرِ ممَّا هو غيرُ شُؤونِ التَّشريعِ، كما أطاعَهم في نُزولِ الجيشِ يومَ بَدْرٍ على جِهةٍ يَستأثِرونَ فيها بماءِ بدْرٍ [192] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/235). .
- قولُه: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ الاستِدراكُ المُستفادُ من حرْفِ (لكنَّ) ناشئٌ عن قولِه: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ؛ لأنَّه اقتَضَى أنَّ لِبَعضِهم رغبةً في أنْ يُطيعَهم الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما يَرغَبونَ أنْ يَفعلَه ممَّا يَبتَغون ممَّا يَخالونَه صالحًا بهم في أشياءَ كثيرةٍ تَعرِضُ لهم. وفي هذا تَحريضٌ على التَّسليمِ لِمَا يأمُرُ به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ ولذا فكَونُه حبَّبَ إليهم الإيمانَ إدماجٌ [193] الإدماجُ: أن يُدمِجَ المتكلِّمُ غرَضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ، بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضَينِ أو أحدُ البَديعَينِ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الَّذي سِيق لِمَعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضَمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70] ؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ. وقيل: أُدمِجَتِ المُبالَغةُ في المطابَقةِ؛ لأنَّ انفِرادَه تعالى بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالَغةٌ في الوَصفِ تعالى بالانفرادِ بالحَمدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). وإيجازٌ، والتَّقديرُ: ولكنَّ اللهَ شرَعَ لكم الإسلامَ، وحبَّبَه إليكم، أي: دَعاكم إلى حُبِّه والرِّضا به فامْتَثَلْتُم [194] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/236). .
- وذِكرُ اسمِ اللهِ في صَدْرِ جُملةِ الاستِدراكِ وَلَكِنَّ اللَّهَ دونَ ضَميرِ المتكلِّمِ (وَلَكِنِّي)؛ لِمَا يُشعِرُ به اسمُ الجَلالةِ مِن المَهابةِ والرَّوعةِ، وما يَقتضيهِ مِن واجبِ اقتِبالِ ما حَبَّبَ إليه، ونبْذِ ما كَرَّهَ إليه [195] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/237). .
- في قولِه: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ تَعريضٌ بأنَّ الَّذين لا يُطيعون الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيهم بَقيَّةٌ مِن الكُفرِ والفُسوقِ، والمقصودُ مِن هذا أنْ يَترُكوا ما ليس مِن أحكامِ الإيمانِ؛ تَحذيرًا لهم مِن الحِيادِ عن طريقِ الإيمانِ، وتجْنيبًا لهم عمَّا هو مِن شأنِ أهلِ الكُفرِ؛ فالخبَرُ في قولِه: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ إلى قولِه: وَالْعِصْيَانَ مُستعمَلٌ في الإلهابِ، وتَحريكِ الهِمَمِ لمُراعاةِ مَحبَّةِ الإيمانِ، وكراهةِ الكُفرِ والفُسوقِ والعِصيانِ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ الاندِفاعَ إلى تَحصيلِ المَرغوبِ مِن الهوى دونَ تَمييزٍ بيْنَ ما يُرضي اللهَ وما لا يُرضيه؛ أثَرٌ مِن آثارِ الجاهليَّةِ مِن آثارِ الكُفرِ والفُسوقِ والعِصيانِ [196] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/236، 237). .
- وعُدِّي فِعلَا حَبَّبَ وَكَرَّهَ بحرْفِ (إلى)؛ لتَضْمينِهما معْنى (بلَّغَ)، أي: بلَّغَ إليكم حُبَّ الإيمانِ وكُرْهَ الكُفرِ، ولم يُعَدَّ فِعلُ وَزَيَّنَهُ بحرْفِ (إلى) مِثلَ فِعلَيْ حَبَّبَ وَكَرَّهَ؛ للإيماءِ إلى أنَّه لَمَّا رغَّبَهم في الإيمانِ وكرَّهَهم الكُفرَ، امتَثَلوا فأحَبُّوا الإيمانَ وزانَ في قُلوبِهم [197] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (14/471). ويُنظر أيضًا: ((تفسير أبي السعود)) (8/ 120)، ((تفسير ابن عاشور)) (26/237). .
- وجمَعَ بيْنَ الفِسقِ والعِصيانِ في قولِه: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ؛ قيل: لأنَّ الفِسقَ هو الكذِبُ، والعِصيانَ بقيَّةُ المَعاصي، وإنَّما أفرَدَ الكَذِبَ بالذِّكرِ؛ لأنَّه سَببُ نُزولِ الآيةِ. وقيلَ: الفُسوقُ الكبيرةُ، والعِصيانُ: الصَّغيرةُ [198] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 529). .
- وجُملةُ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ مُعترِضةٌ للمَدحِ [199] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/237). .
- وأفادَ ضَميرُ الفَصلِ (هُم) القَصرَ، وهو قصْرُ إفرادٍ؛ إشارةً إلى أنَّ بيْنَهم فَريقًا ليسوا براشِدينَ، وهم الَّذين تَلبَّسوا بالفِسقِ حينَ تلبُّسِهم به، فإنْ أقْلَعوا عنه الْتَحَقوا بالرَّاشِدينَ [200] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/237). .
- قولُه: أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فيه الْتِفاتٌ مِن الخِطابِ إلى الغَيبةِ، وفي تَغييرِ النَّظمِ الكريمِ والالتِفاتِ مِن الجَزالةِ ما لا يَخفَى [201] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/62، 8/120). .
3- قولُه تعالَى: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
- انتصَبَ قولُه: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً على المفعولِ المُطلَقِ المبيِّنِ للنَّوعِ مِن أفعالِ (حبَّبَ) و(زَيَّنَ) و(كرَّهَ)؛ لأنَّ ذلك التَّحبيبَ والتَّزيينَ والتَّكريهَ مِن نَوعِ الفَضلِ والنِّعمةِ [202] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/238). . وقيلَ: فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً، أيْ: وإنعامًا، تَعليلٌ لـ (حبَّبَ) أو (كرَّه)، وما بيْنَهما اعتِراضٌ. وقيل: نَصبُهما بفِعلٍ مُضمَرٍ، أيْ: جَرَى ذلكَ فضْلًا. وقيل: يَبتغونَ فضْلًا [203] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (8/120). .
- وجُملةُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تَذييلٌ لجُملةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ... إلى آخِرِها؛ إشارةً إلى أنَّ ما ذُكِرَ فيها مِن آثارِ عِلْمِ اللهِ وحِكمتِه، والواوُ اعتِراضيَّةٌ [204] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (26/238). .