موسوعة التفسير

سُورةُ النِّساءِ
الآيات (77- 79)

ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ

غريبُ الكَلِمات:


كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ: أي: اقبِضوها، فأَمسِكوها عن قِتال المشركين وحربِهم، وأصْل الكَفِّ: يدلُّ على قبْضٍ وانقباض، ومنه الكفُّ للإنسان؛ سُمِّيتْ بذلك لأنَّها تقبضُ الشَّيء يُنظر: ((تفسير الطبري)) (7/230)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 713). .
بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ: أي: قُصورٍ عاليةٍ، أو حُصونٍ مُطوَّلة، أو البيوتِ الَّتي فوقَ الحُصونِ، أو قصورٍ في السَّماء بأعيانها، وأصل (برج): من الظُّهور والبروزِ مِن بَرجَتِ المرأة، إذا ظهَرت وبرَزت يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 114)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 128)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/238)، ((المفردات)) للراغب (ص: 115)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140). .
يَفْقَهُونَ: يفهَمون حقَّ الفَهْم، والفِقْه: هو التَّوصُّل إلى عِلمٍ غائبٍ بعِلم شاهدٍ، وأصل (فقه): يدلُّ على إدراكِ الشَّيء والعِلمِ به يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 505), ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/442)، ((المفردات)) للراغب (ص: 642)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 140). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
كَخَشْيَةِ اللَّهِ: الجارُّ والمجرورُ في محلِّ نَصْبٍ، نَعتٌ لمصدرٍ مَحذوفٍ، أي: خشيةً كخشيةِ اللهِ، أو في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الواو فييَخْشَوْنَ، أي: مُشْبِهينَ لأَهْلِ خَشيةِ اللهِ.
أَشَدَّ خَشْيَةً: أَشَدَّ منصوبٌ عطفًا على محلِّ كَخَشْيَةِ اللهِ، وخَشْيَةً تمييزٌ منصوبٌ، ويجوز اعتبارُ خَشْيَةً مؤخَّرةً مِن تقديمٍ، والأصلُ: يَخْشونَ النَّاسَ مِثلَ خشيةِ اللهِ أو خَشيةً أشدَّ منها؛ وعليه فهي منصوبةٌ بالعطفِ على محلِّ كَخَشْيَةِ اللهِ، وينتصِبُ أَشَدَّ على الحالِ مِن خَشْيَةً الذي كان في الأصلِ نعتًا لها، فلمَّا قُدِّم عليها صارَ حالًا منها؛ كقول القائلِ: لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ، فلو تأخَّرَ (مُوحِشًا) لكان: لِمَيَّةَ طَلَلٌ مُوحِشٌ، ولكان نعتًا للطَّللِ، ولكن لَمَّا تقدَّم أصبحَ حالًا، وعلى هذا الوجهِ فلا ينتصبُ خَشْيَةً على التَّمييزِ. وقيل غير ذلك في إعرابِ هذه الآيةِ [1229] ينظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) (1/374) ((الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)) (4/41-42)   .

المَعْنى الإجماليُّ:


يخاطِبُ اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم قائلًا له: ألَا تعجَبُ- يا محمَّدُ- من هؤلاء الَّذين قيل لهم: أمسِكوا عن قتال المشركين، وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة- وكان بعضٌ ممَّن مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد سألوا أن يُفرَض عليهم القتالُ- فلمَّا فرَض الله عليهم القتال إذا جماعةٌ منهم يخافونَ من النَّاس كخوفِهم مِن اللهِ أو أشدَّ من ذلك، وقالوا: ربَّنا لِمَ فرضْتَ علينا القتالَ؟! هلَّا أخَّرتَ فرضه إلى وقتٍ آخرَ غيرِ هذا الوقت، فأمر الله نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقولَ لهم: إنَّ ما في الدُّنيا إنَّما هو متاعٌ قليل زائل، وما في الآخرة من نعيمٍ للمتَّقين هو خيرٌ وأفضلُ ممَّا في هذه الدُّنيا، ولا يُظلَمَون شيئًا.
ثمَّ يخبِر تعالى أنَّ الموتَ سيُدرك الجميع في أيِّ بقعةٍ كانوا، ولو كانوا محصَّنين في حصونٍ منيعةٍ وعاليةٍ، ويبيِّن تعالى أنَّ المكذِّبين لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إنْ أصابهم خيرٌ يقولون: هذا جاء من عند الله تعالى، وإنْ أصابهم سوءٌ وشرٌّ قالوا: إنَّ ما أصابهم هو بسبب ما جاء به محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأمَرَ اللهُ نبيَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أنْ يقول لهم: إنَّ جميعَ ما أصابهم مِن خيرٍ أو شرٍّ هو بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه؛ فما لِهؤلاءِ القومِ الصَّادرِ منهم هذا القولُ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يفهمون حديثًا بالكلِّيَّة ولا يقرُبون من فهمِه؟!
ثمَّ يخاطب اللهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم: أنَّ ما أصابه من خير هو من عند الله تعالى، وما ناله من أذًى ومكروه هو بسبب ذنبٍ صدَر منه، ويخبره تعالى أنَّه بعَثه للناس رسولًا بينه وبين الخَلق يبلِّغُهم شَرْعَه سبحانه، وكفى بالله شهيدًا.

تفسير الآيات:


أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)
سَببُ النُّزول:
عن ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما أنَّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ وأصحابًا له رضِي اللهُ عنهم أتَوُا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقالوا: يا نبي الله، كنَّا في عزٍّ ونحن مشركونَ، فلمَّا آمنَّا صِرنا أذلَّة، قال: إنِّي أُمرتُ بالعَفْوِ، فلا تقاتلوا القَوْمَ، فلمَّا حوَّله الله إلى المدينة أمَرَه بالقتالِ، فكَفُّوا، فأنزل الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ الآية رواه النسائي (3086)، والطبري في ((تفسيره)) (8/549)، وابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (5630)، والحاكم (2/76).  صحَّح إسنادَه الألبانيُّ في ((صحيح سنن النسائي)) (3086)، وصحَّحه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (633) وقال: رجالُه رجالُ الصَّحيح. .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُم
أي: ألَا تعجَبُ- يا محمَّدُ- من هؤلاء الَّذين أُمِرُوا بإمساك أيديهم عن حرْبِ أعدائهم المشركين، والامتناع عن قتالهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/230)، ((تفسير ابن كثير)) (2/359)، ((تفسير السعدي)) (ص: 187-188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/541-542). .
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ
أي: وعليكم بأداء الصَّلاة بحدودِها وفروضها تامَّةً كما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ، وإيتاءِ الزَّكاة أهلَها المستحقِّين كما شُرِعت يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/542-543).
كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [النِّساء: 66].
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ
أي: فلمَّا فُرِض عليهم القتالُ- الَّذي كانوا قد سألوا أن يُفرَضَ عليهم- في وقتِه المناسبِ لذلك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/230-231)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/543). .
إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً
أي: إذا جماعةٌ منهم قد خافوا من مواجهةِ النَّاس لقتالِهم، خوفًا شديدًا مِثل خوفِهم من اللهِ تعالى أو أشدَّ خوفًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/231)، ((تفسير ابن كثير)) (2/359)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/544-545). .
وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ
أي: لِمَ فرَضْتَ علينا القتالَ يا أللهُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/231)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/544-545). ؟
لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
أي: هلَّا أخَّرتَ فرضَ القتال مدَّةً أخرى متأخِّرةً عن الوقتِ الحاضر، قيل: يعنونَ بذلك تأخيرَه إلى أن يموتوا على فُرُشِهم وفي بيوتهم يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/231)، ((تفسير ابن كثير)) (2/359)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/547). .
قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ
أي: قُلْ لهم- يا محمَّدُ- ردًّا عليهم: ما في الدُّنيا من نِعَمٍ قليلة كيفًا وكمًّا ووقتًا، فهي محدودةٌ وفانية يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/233-234)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/548). .
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى
أي: وما في الآخِرة من نعيمٍ أعدَّه الله تعالى للمتَّقين خيرٌ وأفضلُ ممَّا في الدُّنيا كيفًا وكمًّا ووقتًا؛ فنعيمُ الآخرة عظيمٌ، وكثيرٌ لا يُعَدُّ، وباقٍ لا يزولُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/234)، ((تفسير ابن كثير)) (2/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/548-549). .
وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
أي: إنَّ سعيَكم للآخِرةِ ستَجِدون أجْرَه كاملًا موفَّرًا غيرَ منقوصٍ منه شيئًا يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/234)، ((تفسير ابن كثير)) (2/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/549). .
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
أي: في أيِّ مكانٍ كنتم، فإنَّ الموتَ آتِيكم لا مَحالةَ، لا يَنجو منه أحدٌ منكم، سواءٌ في ذلك مَن خرَج للجِهاد في سبيلِ الله تعالى، ومَن قعَدَ عنه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/234)، ((تفسير ابن كثير)) (2/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/557). .
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
أي: إنَّ الموتَ واصلٌ إليكم حتمًا، ولو تَحصَّنتم منه بالحُصونِ المنيعة العاليةِ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/234)، ((تفسير ابن كثير)) (2/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/557-558). .
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي: وإنْ ينَلِ المكذِّبين لمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، رخاءٌ وخصبٌ ورزقٌ وأولادٌ وعافيةٌ وظفَرٌ وفتحٌ وغنائمُ، وغيرُ ذلك من الخيرات؛ فإنَّهم يقولون: هذا قدْ جاء من قِبَل اللهِ تعالى ومِن تَقديرِه، وليس لك علينا في ذلك فَضلٌ يا محمَّدُ يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/238)، ((تفسير ابن كثير)) (2/361)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/558). .
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ
أي: وإنْ تنَلْهم شِدَّةٌ؛ كضيقٍ في الرِّزق وقحطٍ وجدبٍ ونقصٍ في الثَّمرات وموتِ أولاد وأحباب، وهزيمةٍ من عدوٍّ، وإصابةٍ بجراحٍ وآلام، وغير ذلك من شدائدَ ومِحَنٍ، فإنَّهم يقولون: إنَّما أصابَنا ما أصابنا من بلايا بسببِ ما جئتَنا به يا محمَّدُ يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/362)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/558-559). .
كما أخبر الله عن قوم فرعونَ في قولهم مثل ذلك لموسى عليه السلام؛ حيث قال سبحانه: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ [الأعراف: 131].
وكما قال قومُ صالحٍ عليه السَّلام له: قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [النمل: 47].
قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أي: قُلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاء القومِ: جميعُ ما أصابكم من حَسنةٍ أو سيِّئة، فهو بقضاءِ الله تعالى وقَدَرِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/239)، ((تفسير ابن كثير)) (2/362)، ((تفسير السعدي)) (ص: 188)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/559). .
فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا
أي: عجبًا لهؤلاء القومِ؛ ما شأنُهم لا يفهمونَ حديثًا بالكلِّيَّة ولا يَقرُبون من فَهمِه! ومن ذلك حقيقةُ أنَّ كلَّ ما أصابهم فمِن عندِ الله تعالى، بتَقديرِه ومَشيئته, لا يَقدِرُ على ذلك أحدٌ غيرُه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/240-241)، ((منهاج السنة)) لابن تيمية (5/142)، ((تفسير ابن كثير)) (2/362)، ((تفسير السعدي)) (ص: 189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/559). ؟!
مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)
مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
أي: ما تُؤتاه- يا محمَّدُ- من نِعَم الدِّين والدُّنيا، فهو من فضلِ الله تعالى ورحمتِه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/241)، ((تفسير ابن كثير)) (2/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/563). .
وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
أي: وما ينالُكَ من أذًى ومكروهٍ؛ فبسببِ ذنبٍ صَدَر منك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/241)، ((تفسير ابن كثير)) (2/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/563-564). .
كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30].
وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا
أي: إنَّما بعثناك- يا محمَّدُ- رسولًا بَينَنا وبين النَّاس عامَّةً، تُبلِّغهم شرائعَ الله تعالى، وما يُحبُّه ويرضاه، وما يكرَهُه ويأباه يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/245)، ((تفسير ابن كثير)) (2/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/564). .
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
أي: وحَسْبُك اللهُ عزَّ وجلَّ شاهدًا على أنَّه أرسَلك، وشاهدًا على إبلاغِك رِسالتَه، وشاهدًا على مَن أُرسلتَ إليهم في قَبولهم أو رَفْضِهم رسالتَك يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/245)، ((تفسير ابن كثير)) (2/363)، ((تفسير السعدي)) (ص: 189)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/564). .

الفوائد التربوية:


1- في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ... أنَّ الإنسانَ قد يتعجَّلُ الشَّيءَ فإذا نزَل به نكَص عنه، وهؤلاء تعجَّلوا القتالَ، فلمَّا أُمِروا به نكَص بعضُهم عنه؛ ولهذا قال النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: ((لا تتمنَّوْا لقاءَ العدوِّ، واسأَلوا اللهَ العافيةَ، فإذا لقيتموهم فاصبِروا؛ فإنَّ الجنَّةَ تحت ظلال السُّيوفِ )) رواه البخاري (3024)، ومسلم (1742) من حديث عبد الله بن أبي أوفى. .
ويتفرَّعُ من هذه الفائدةِ: أنَّه لا يَنبغي للإنسانِ أنْ يَتدخَّل في أمرٍ يَعجِزُ عن الخروجِ منه؛ لأنَّ فيه إذلالًا للنَّفْس، ووجهُه أنَّ الإنسانَ إذا شرَعَ في الشَّيء ثمَّ عجَز عنه وتأخَّر، نزَلتْ قيمتُه عند النَّاس، وقالوا: هذا رجلٌ مُتسرِّع، مُتعجِّل؛ كيف يَدخُلُ في أمرٍ وهو لا يَعرِفُ كيف يخرُجُ منه يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/550). ؟!
2- أنَّ الإنسانَ إذا كان لا يستطيعُ أن يقومَ بالجِهاد، فليُحسِن الأعمالَ أو العباداتِ الخاصَّةَ؛ لأنَّه أُمِر بها؛ لقوله: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/551). .
3- التَّزهيد في الدُّنيا؛ لقوله: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/555). .
4- أنَّه يجبُ على الإنسانِ أنْ يَستعدَّ للموتِ؛ لأنَّه لا مفرَّ له منه، وإذا كان لا مفرَّ فلْنستعدَّ له، ولْنعمَلْ، قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/560). .
5- ذمُّ مَن لا فِقهَ عنده؛ لقوله: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، ويتفرَّعُ على ذلك: مدحُ مَن وفَّقه اللهُ للفِقه في دِين الله يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/562). .
6- في قوله تعالى: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا أنَّه يجبُ على العاقلِ الرَّشيد أن يطلُبَ فِقهَ القول دون الظَّواهر الحرفيَّة، فمن اعتاد الأخذَ بما يطفو مِن الظَّواهرِ دون ما رسب في أعماقِ الكلامِ، وما تغلغل في أنحائِه وأحنائِه، يبقى جاهلًا غبيًّا طول عمره يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/217). .
7- أنَّه يجبُ على الإنسانِ إذا أصابتْه الحسنةُ أن يُولِيَها شكرًا لله عزَّ وجلَّ؛ لأنَّها منه تفضُّلًا وإحسانًا، وإذا أصابته السَّيِّئة فلْينظُرْ في نفسِه حتَّى يُحاسِبَها، ويستعتبَ فترتفعَ السَّيِّئةُ، قال تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/564). .
8- في قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ  نفيُ الشُّؤم والتَّطيُّر وإبطالُهما؛ ليعلَمَ النَّاسُ أنَّ ما يُصيبهم من السَّيِّئات لا يصيبهم بشؤمِ أحدٍ يكونُ فيهم، وكانوا يتشاءمون ويتطيَّرون في الجاهليَّة، ولا يزال التَّطيُّر والتَّشاؤمُ فاشيًا في الجاهلين من جميع الشُّعوب، وهو مِن الخرافات الَّتي يرُدُّها العقلُ، وقد أبطلها دِينُ الفِطرة؛ قال تعالى في آلِ فرعون: فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [الأعراف: 131]، فقد جعَل التَّطيُّر من الجهلِ، وفقدِ العِلم بالحقائق يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (5/219). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:


1- الدَّعوة إلى التَّعجُّبِ لِمَا يكونُ محَلَّ تعجُّبٍ؛ لأنَّ الاستفهامَ في الآية للتَّعجيب، كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ... يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/550). .
2- قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ... دلَّت الآيةُ على أنَّ إيجاب الصَّلاة والزَّكاة كان مقدَّمًا على إيجابِ الجهاد، وهذا التَّرتيبُ هو المُطابِق لِما في العقول؛ لأنَّ الصَّلاةَ عبارةٌ عن التَّعظيمِ لأمر اللهِ، والزَّكاةَ عبارةٌ عن الشَّفقة على خَلْقِ الله، ولا شكَّ أنَّهما متقدِّمان على الجهاد يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/713). .
3- ذمُّ مَن خَشِي النَّاسَ كخشيةِ اللهِ أو أشدَّ؛ لقوله: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وعلامةُ ذلك: أنَّ الإنسانَ يترُكُ ما أوجَب اللهُ عليه خوفًا مِن النَّاس، أو يفعَلُ المحرَّم خوفًا من النَّاس، فإنَّ هذا مذمومٌ، وقد يصِلُ أحيانًا إلى الشِّركِ بالله عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/553). .
4- في قوله تعالى: كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً قد يُتوهَّمُ مِن ظاهرِ العَطفِ بـ(أو) الشَّكُّ، وذلك محالٌ على علَّام الغيوبِ سُبحانه؛ وجوابُ ذلك مِن وجوه:
الأوَّل: أنَّ المرادَ منه الإبهامُ على المخاطَب، بمعنى أنَّهم على إحدى الصِّفتين من المساواةِ والشِّدَّة؛ وذلك لأنَّ كلَّ خوفينِ فأحدُهما بالنِّسبة إلى الآخَرَ إمَّا أن يكونَ أنقصَ أو مساويًا أو أزيدَ، فبيَّن تعالى بهذه الآيةِ أنَّ خوفَهم مِن النَّاس ليس أنقصَ مِن خوفِهم من الله، بل بقِي، إمَّا أن يكونَ مساويًا أو أزيدَ، فهذا لا يوجِبُ كونَه تعالى شاكًّا فيه، بل يوجِبُ إبقاءَ الإبهام في هذين القِسمينِ على المخاطَبِ.
الثَّاني: أنْ يكون أو بمعنى الواو، والتَّقدير: يَخشونهم كخشيةِ اللهِ وأشدَّ خشية، وليس بين هذينِ القِسمينِ منافاةٌ؛ لأنَّ مَن هو أشدُّ خشيةً فمعه من الخشيةِ مِثلُ خشيتِه من الله وزيادةٌ.
الثَّالث: أنَّ هذا نظيرُ قوله: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147]، يعني أنَّ مَن يُبصِرُهم يقولُ هذا الكلام، فكذا ها هنا، واللهُ أعلم يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/143- 144). وقيل: (أو) على بابها من الشك في حق المخاطب، وقيل: للتخيير. وقيل: بمعنى بل. وقيل إنها للتنويه، بمعنى: أن منهم من يخشى الناس كخشية الله، ومنهم من يخشاهم خشية تزيد على خشيتهم الله. ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/715). .
5- قال تعالى: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى [النساء: 77]، وإنَّما كانتْ الآخِرةُ خَيرًا مِن الدُّنيا لوجوهٍ:
الأوَّل: أنَّ نِعَمَ الدُّنيا قليلةٌ، ونِعَمَ الآخرة كثيرة. والثَّاني: أنَّ نِعَم الدُّنيا منقطعة، ونِعَم الآخرة مؤبَّدة. والثَّالث: أنَّ نِعَم الدُّنيا مَشُوبة بالهموم والغُموم والمكارهِ، ونِعَم الآخرة صافيةٌ عن الكدرات. والرابع: أنَّ نِعَم الدُّنيا مشكوكةٌ؛ فإنَّ أعظمَ النَّاس تنعُّمًا لا يعرِفُ أنَّه كيف يكون عاقبتُه في اليوم الثَّاني، ونِعَم الآخرة يقينيَّة، وكلُّ هذه الوجوهِ توجِبُ رجحانَ الآخرةِ على الدُّنيا، إلَّا أنَّ هذه الخيريَّةَ إنَّما تحصُلُ للمؤمنين المتَّقين؛ فلهذا المعنى ذكَر تعالى هذا الشَّرطَ، وهو قوله: لِمَنِ اتَّقَى يُنظر: ((تفسير الرازي)) (10/144). .
6- ذمُّ مَن اعترَض على أحكامِ الله الشَّرعيَّة، كما في هذه الآية: لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ، والكونيَّةِ؛ لقوله: لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ؛ فإنَّ هذا يشمل الحُكمَ الكونيَّ والحُكم الشَّرعيَّ، فلا يجوز أن يعترضَ الإنسانُ على أحكام الله الشَّرعيَّة، ولا على أحكام اللهِ الكونيَّة، بل عليه أن يستسلمَ، أمَّا الشَّرعيَّة فمن النَّاس مَن يستسلمُ، ومنهم مَن لا يستسلمُ، وأمَّا الكونيَّةُ فالجميعُ مستسلِمون؛ كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [الرعد: 15]، فهذا السُّجودُ الكونيُّ، كلُّ إنسانٍ ذليلٌ خاضعٌ لحُكم اللهِ الكونيِّ، ولا يمكِنُ أن يُدافِعَه أبدًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/554). .
7- جوازُ التَّفضيلِ بين شَيئينِ مُتباينينِ غايةَ التَّبايُنِ؛ لقوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى؛ لأنَّه لا نسبةَ بين الدُّنيا والآخرة، لكن لَمَّا كانت الدُّنيا عاجلةً، والنَّفسُ مُولَعةٌ بحبِّ العاجلِ، صار التَّفضيلُ بينهما مستحسَنًا؛ فالآخرةُ خيرٌ لِمَن اتَّقى يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/555) وينظر: أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (3/722). .
8- في قوله تعالى: يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ إسنادُ الإدراكِ إلى الموتِ، ويَتفرَّعُ عليها أنَّ الأسبابَ يصحُّ أن يُسنَدَ إليها الشَّيءُ، لكنْ بشرط أن يعتقدَ أنَّ هذه الأسبابَ لا تؤثِّرُ بنفسِها، وإنَّما هي من الله عزَّ وجلَّ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/560). .
9- جوازُ حَذْفِ ما يُعلَم، ولا يُعدُّ ذلك خلَلًا في الكلام؛ لقوله: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ، أي: لأدركَكُم الموتُ، ويَتفرَّعُ مِن هذه الفائدةِ ما يكونُ في عُقودِ البيعِ والإجارةِ والرَّهنِ والوقفِ وما أشبَهَها؛ فمثلًا: إذا قال الإنسانُ: وقفتُ هذا على فلانٍ ولو كان غنيًّا، المعنى: ولو كان غنيًّا فهو وقْفٌ عليه، وعلى هذا فيكونُ الوقفُ ثابتًا لهذا الموقوفِ عليه على كلِّ تقديرٍ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/560). .
10- تَلبيسُ أعداءِ الرُّسل على العامَّة بما يقدِّر اللهُ سبحانه من البلاء والامتحان؛ كالجدبِ والفَقْر والمَرَض إذا بعَث الرُّسل، فيكون لله الحِكمةُ فيما قدَّره ليبتليَ العبادَ، أيقبَلون أم لا؟ لكنْ يتَّخذُ أعداءُ الرُّسل مِن هذا ذريعةً للتَّنفير من الرُّسل، قال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/561). .
11- إقرارُ المكذِّبين للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتوحيدِ الرُّبوبيَّة، وتؤخَذُ من قولهم: فَمِنَ اللَّهِ، فهم يُقرُّون بالله عزَّ وجلَّ، ويُقرُّون بأنَّ ما يحدُثُ في الكونِ فمِنَ الله، وأنَّ اللهَ هو الرَّزَّاق، وأنَّه المحيي المميتُ، يُقرُّون بهذا كلِّه، لكن لا يُقرُّون بلازمِه، وهو توحيدُ الألوهيَّةِ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/561). .
12- بيانُ أنَّ ما يُصيبُنا من الحسناتِ فهو محضُ فضلٍ من الله؛ لقوله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ويدلُّ لذلك: أنَّ الحسنةَ الَّتي تصيبُك إمَّا أن تكونَ ابتداءً، وإمَّا أن تكونَ ثوابًا، فإن كانت ابتداءً فكونُها فضلًا واضحٌ، وإن كانت ثوابًا على عمَلٍ فإنَّ توفيقَنا للعمل الَّذي كانت هذه الحَسنةُ ثوابًا له مِن الله عزَّ وجلَّ، إذًا: فهي مِن اللهِ، سواءٌ كانت ابتداءً أم ثوابًا يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/564). .
13- جوازُ إضافةِ الشَّيءِ إلى سَببِه؛ لقوله: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (1/564). .
14- في قوله تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أنَّ الرُّسلَ عليهم الصَّلاة والسَّلامُ لا يكونون سببًا لشرٍّ يحدُثُ، هم ولا ما جاؤوا به؛ لأنَّهم بُعِثوا بصلاح الدُّنيا والآخرةِ والدِّين يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 189). .

بَلاغةُ الآياتِ:


1- قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ الاستفهامُ هنا معناه التَّعجُّب يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/722)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/126). ، وهو تعجيبٌ لرسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن إحجامِهم عن القِتالِ مَع أنَّهم كانوا قَبلَ ذلكَ راغبِينَ فيه، حِراصًا عليه، بحيثُ كادوا يُباشرونه كما يُنبئُ عنه الأمرُ بكفِّ الأيدي؛ فإنَّ ذلك مُشعِرٌ بكونِهم بصَددِ بَسْطِها إلى العَدوِّ بحيثُ يَكادون يَسطُونَ بهم يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/203). .
2- قال تعالى: إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً:
- دلَّت إِذَا الفُجائيَّة على أنَّ هذا الفريقَ لم يكُنْ تُترقَّب منهم هذه الحالةُ؛ لأنَّهم كانوا يظهَرون من الحريصينَ على القتال يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/125). .
- وقوله: كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً مسُوقٌ مساقَ التَّوبيخِ لهم؛ حيث رغِبوا تأخيرَ العمل بأمر الله بالجهاد؛ لخوفِهم من بأس المشركين؛ فالتَّشبيهُ جارٍ على طريقة المبالَغة؛ لأنَّ حملَ هذا الكلامِ على ظاهر الإخبار لا يلائمُ حالَهم من فضيلةِ الإيمان والهجرة يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/722)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/125). .
- وفي قوله: كَخَشْيَةِ اللَّهِ تشبيهٌ، أي: يخشَوْنهم مشبِهين لأهلِ خشيةِ الله تعالى يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/203). .
3- قوله: وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا: وقَع موقعَ زيادة التَّوبيخ الَّذي اقتضاه قوله: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، أي: ولا تُنقصون شيئًا من أعمارِكم المكتوبة؛ فلا وجهَ للخوفِ وطلبِ تأخير فرْض القتال. وقيل: معنى نفي الظُّلم هنا أنَّهم لا يُظلَمون بنقصِ ثوابِ جهادهم، فيكون موقعُه موقعَ التَّشجيعِ؛ لإزالة الخوف يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/127). .
4- قال تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ:
- قوله: وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ فيه حذفُ جوابِ لو؛ اعتمادًا على دَلالةِ ما قبلَهُ عليهِ، والتقدير: (وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مشيدةٍ يُدرككم الموتُ)، وجملةُ وَلَوْ كُنْتُمْ... معطوفةٌ على أُخرى مِثلِها محذوفة، والتقدير: لو لم تكونوا في بُروج مُشيَّدةٍ ولو كُنتُم...إلخ، وقد اطَّردَ حذفُ الجملةِ الأولى المعطوفِ عليها؛ لدِلالة المذكورِ -أي: الجملة الثانية جملة المعطوف وَلَوْ كُنْتُمْ- عليها دَلالةً واضحةً؛ فإنَّ الشَّيءَ إذا تَحقَّقَ عِندَ المانِعِ، فلَأَنْ يَتحقَّقَ عِندَ عَدمِه أَوْلَى، وعلى هذِه النُّكتةِ يَدورُ ما في (لو) الوصليَّةِ من التأكيدِ والمبالغةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/205). .
5- قوله: فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا هذا استفهامٌ معناه التَّعجُّب من هذه المقالة، وهذا النَّوعُ مِن الاستفهامِ يَتضمَّنُ إنكارَ ما استُفْهِم عن عِلَّتِه، وأنَّه يَنبغي أنْ يوجَدَ مُقابِلُه يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (3/718). .
- وهو كلامٌ مُعترِضٌ بين المبيَّن وبيانِه، مسُوقٌ من جِهتِه تعالى؛ لتعييرِهم بالجهل، وتقبيحِ حالهم، والتَّعجُّبِ مِن كمال غَباوَتِهم، والفاء لترتيبِه على ما قبله يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/205). .
6- قوله: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ... بيانٌ للجوابِ المُجْملِ المأمورِ به في قوله: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وإجراؤُه على لِسان النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ثمَّ سَوْقُ البَيانِ من جهتِه عزَّ وجلَّ بطَريقِ تلوينِ الخطابِ وتوجيهِه إلى كلِّ واحدٍ من النَّاسِ، والالتفاتُ لمزيدِ الاعتناءِ به، والاهتمامِ بردِّ مقالتِهم الباطلةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/205-206). .
7- قوله: وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا رَسُولًا حالٌ قُصِد بها التأكيدُ أو التَّعميمُ؛ فالتَّأكيدُ إنْ عُلِّق الجارُّ في لِلنَّاسِ بالفِعل أَرْسَلْنَاكَ، والتَّعميمُ، إنْ علِّق الجارُّ بها، أي: رسولًا للنَّاس جميعًا، كقوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: 28] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/86). .
8- قوله: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا: اعتراضٌ تذييليٌّ، وفيه التفاتٌ من الخِطابِ إلى الغَيبة-حيث لم يقل: (وكفى بإلهك أو بربِّك شهيدًا)-؛ لتربيةِ المهابةِ، وتَقويةِ الشَّهادةِ يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/206). .