موسوعة التفسير

سورةُ مَريمَ
الآيات (37-40)

ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ

غريب الكلمات:


الْأَحْزَابُ: أي: اليهودُ والنَّصارى، والحزبُ: الجماعةُ مِن الناسِ، أو: جماعةٌ فيها غِلَظٌ، والطَّائفةُ مِن كلِّ شيءٍ حزبٌ، وأصلُ (حزب): يدُلُّ على تَجَمُّعِ الشَّيءِ [374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/541)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/55)، ((المفردات)) للراغب (ص: 231)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 223)، ((تفسير القرطبي)) (11/108). .
مَشْهَدِ: أَيْ: شُهودِ، والشَّهادةُ: الحضورُ مع المشاهدةِ، إمَّا بالبصرِ، أو بالبصيرةِ، وأصلُ (شهد): يدلُّ على حضورٍ وعِلْمٍ وإعلامٍ [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/542)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/221)، ((المفردات)) للراغب (ص: 465)، ((تفسير القرطبي)) (11/108). .
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ: أي: ما أشَدَّ سَمْعَهم، وما أنفَذَ بَصَرَهم! وأصلُ (سمع): يدُلُّ على إيناسِ الشَّيءِ بالأُذُنِ، وأصلُ (بصر): يدُلُّ على إبصارِ الشَّيءِ، والعِلمِ به [376] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/253) (3/102)، ((البسيط)) للواحدي (14/249)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 223)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/199). .

المعنى الإجمالي:


يبيِّنُ الله سبحانه موقفَ أهلِ الكتابِ مِن عيسى عليه السلامُ، فيقول تعالى: فاختَلَفت اليهودُ والنَّصارى في أمرِ عيسى عليه السَّلامُ؛ فمنهم غالٍ فيه وهم النَّصارى، ومنهم جافٍ عنه وهم اليهودُ، قالوا: إنَّه -حاشاه- ابنُ زنا؛ فوَيلٌ للَّذينَ كَفَروا مِن شُهودِ يومِ القيامةِ العَظيمِ الهَولِ، ما أشدَّ سَمعَهم وبصَرَهم يومَ القيامةِ! لكنِ الظَّالِمونَ اليومَ في هذه الدُّنيا في ضلالٍ واضحٍ عن الحَقِّ.
 ثم يأمرُ الله تعالى نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بأن يخوِّفَ المشركينَ مِن أهوالِ يومِ القيامةِ، فيقول تعالى: وأنذِرْ -يا مُحمَّدُ- النَّاسَ يومَ النَّدامةِ حينَ يُقضى الأمرُ، ويُحكَمُ بينَ العبادِ، وهم اليومَ في هذه الدُّنيا في غَفلةٍ عمَّا أُنذِروا به، وهم لا يُؤمِنونَ باللهِ ولا بالبَعثِ والجَزاءِ في الآخرةِ.
 ثم يذكرُ سبحانه ما يدلُّ على كمالِ قدرتِه، وشمولِ مُلكِه، فيقولُ: إنَّا نحن الوارِثونَ للأرضِ ومَن عليها، وإلينا مَصيرُهم، فنُجازيهم على أعمالِهم.

تفسير الآيات:


فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37).
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ.
أي: فاختلف اليهودُ والنَّصارى في أمرِ عيسى، فزعم اليَهودُ أنَّه ابنُ زِنا، وزعم بعضُ النَّصارى أنَّه ابنُ اللهِ، وزعم بعضُهم أنَّه ثالِثُ ثلاثةٍ، وزعَمَ بَعضُهم أنَّه اللهُ -تعالى اللهُ عمَّا يَقولونَ عُلُوًّا كبيرًا- وقال آخَرونَ في شأنِه القَولَ الحَقَّ: أنَّه عبدُ اللهِ ورَسولُه [377] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/16)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/165)، ((تفسير ابن كثير)) (5/231)، (تفسير الشوكاني)) (3/394)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/420). وممَّن قال بأنَّ المُختَلِفينَ هنا هم اليهودُ والنصارى في الجملةِ: ابنُ عطية، وابنُ تيمية، وابنُ كثير، والشوكاني، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المرادُ: اختلافُ فِرَق النصارى خاصَّةً. وممن ذهب إلى ذلك: الواحدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (14/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/106). ويُنظر أيضًا: ((الفِصَل)) لابن حزم (1/47، 48)، ((المِلل والنِّحَل)) للشهرستاني (2/27). قال ابنُ عطية: (قولُه: مِنْ بَيْنِهِمْ معناه أنَّ الاختلافَ لم يخرجْ عنهم، بل كانوا المختلفينَ). ((تفسير ابن عطية)) (4/16). .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
أي: فوَيلٌ [378] قيل: الويلُ: كلمةٌ تعني الهلاكَ والعذابَ والشِّدَّة. وقيل: وادٍ في جهنَّمَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/163)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/169). للكافرينَ الذين اعتَقَدوا في عيسى مُعتَقَدًا باطِلًا، ولِغَيرِهم من الكُفَّارِ، مِن حُضورِهم وشُهودِهم يومَ القيامةِ المُمتَلئَ بالشدائدِ والأهوالِ، المُشتَمِلَ على الجَزاءِ بالأعمالِ، وما سيُلاقونَه فيه مِن العَذابِ والنَّكالِ [379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/542)، ((البسيط)) للواحدي (14/248، 249)، ((تفسير ابن كثير)) (5/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/420). قال الواحدي: (مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي: مِن حُضورِ ذلك اليومِ... ويجوزُ أن يكونَ الحُضورُ لهم، وأُضيفَ إلى الظَّرفِ؛ لِوقوعِه فيه، كما تقولُ: وَيلٌ لفُلانٍ مِن قتالِ يومِ كذا، والمعنى: ويلٌ لهم حُضورُهم ذلك وشُهودُهم إيَّاه للجزاءِ والحِسابِ). ((البسيط)) (14/248-249). .
كما قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: 63 - 65].
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38).
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا.
أي: ما أسمَعَ الكافرينَ، وما أبصَرَهم للحَقِّ الذي كانوا يُنكِرونَه، يومَ قُدومِهم علينا يومَ القيامةِ [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/543)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/166)، ((تفسير ابن كثير)) (5/232)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/420). !
كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [السجدة: 12].
لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ.
أي: لكِنِ الكافِرونَ الذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكَذِبِ والافتراءِ على اللهِ: هم اليومَ في الدُّنيا في ضَلالٍ واضحٍ عن الحَقِّ، لا يَسمَعونَه ولا يُبصِرونَه ولا يَعقِلونَه [381] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/544)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/166)، ((تفسير ابن كثير)) (5/232)، ((تفسير الشوكاني)) (3/394)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/421). !
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه عقَّب تَحذيرَهم من عذابِ الآخرةِ، والنِّداءَ على سُوءِ ضَلالِهم في الدُّنيا، بالأمرِ بإنذارِهم؛ استِقصاءً في الإعذارِ لهم [382] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/108). .
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ.
أي: وخوِّفِ النَّاسَ يومَ القيامةِ -يا مُحمَّدُ- يومَ يَندَمُ الظَّالِمونَ على تَفريطِهم في الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وعلى ما فاتهم مِن الثَّوابِ، وعلى ما يُصيبُهم مِن العذابِ [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/544)، ((تفسير السمرقندي)) (2/375)، ((تفسير ابن عطية)) (4/17)، ((تفسير ابن كثير)) (5/233)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/108، 109)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/422). .
كما قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة: 166- 167].
وقال سُبحانَه: وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء: 46].
وقال عزَّ وجلَّ: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ: 33].
وقال سُبحانه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر: 56].
إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ.
أي: حينَ فُرغَ مِن الحسابِ والحُكمِ بينَ العبادِ، فيَدخُلُ المُؤمِنونَ الجنَّةَ، ويَدخُلُ الكافِرونَ النَّارَ، ويُذبَحُ الموتُ بين الفَريقَينِ [384] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/547)، ((البسيط)) للواحدي (14/251، 252)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 681)، ((تفسير القرطبي)) (11/109)، ((تفسير ابن كثير)) (5/233). .
عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يُؤتَى بالموتِ كهَيئةِ كَبشٍ أملَحَ، فيُنادي مُنادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ، فيَشرَئِبُّونَ [385] فَيَشْرَئِبُّونَ: أي: يَرفَعونَ رُؤوسَهم إلى المنادي. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/185). ويَنظُرونَ، فيقولُ: هل تَعرِفونَ هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموتُ، وكُلُّهم قد رآه، ثمَّ ينادي: يا أهلَ النَّارِ، فيَشرَئِبُّونَ ويَنظُرونَ، فيقولُ: وهل تَعرِفونَ هذا؟ فيقولونَ: نعم، هذا الموتُ، وكُلُّهم قد رآه، فيُذبَحُ، ثُمَّ يقولُ: يا أهلَ الجنَّةِ خُلودٌ فلا مَوتَ، ويا أهلَ النَّارِ خُلودٌ فلا موتَ، ثمَّ قرأ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، وهؤلاء في غَفلةِ أهلِ الدُّنيا وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)) [386] رواه البخاري (4730) واللفظ له، ومسلم (2849). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ رَضِي الله عنهما، أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا صار أهلُ الجنَّةِ إلى الجنَّةِ، وصار أهلُ النَّارِ إلى النَّارِ، أُتيَ بالموتِ حتى يُجعَلَ بين الجنَّةِ والنَّارِ، ثمَّ يُذبَحُ، ثم يُنادي مُنادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ لا موتَ، ويا أهلَ النَّارِ لا موتَ، فيزدادُ أهلُ الجنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحِهم، ويزدادُ أهلُ النَّارِ حُزنًا إلى حُزنِهم)) [387] رواه البخاري (6548) ومسلم (2850) واللفظ له. قال ابنُ القيِّم: (هذا الكَبشُ والإضجاعُ والذَّبحُ ومُعاينةُ الفَريقَينِ: ذلك حقيقةٌ لا خيالٌ ولا تمثيلٌ، كما أخطأ فيه بعضُ النَّاسِ خطأً قبيحًا! وقال: الموتُ عَرَضٌ، والعَرَضُ لا يتجَسَّمُ، فَضلًا عن أن يُذبَح، وهذا لا يصِحُّ؛ فإنَّ اللهَ سبحانه ينشئُ مِن الموتِ صُورةَ كَبشٍ يُذبَحُ، كما يُنشِئُ مِن الأعمالِ صُورًا مُعايَنةً يُثابُ بها ويُعاقَبُ، واللهُ تعالى ينشئُ مِن الأعراضِ أجسامًا تكونُ الأعراضُ مادَّةً لها، ويُنشِئُ مِن الأجسامِ أعراضًا، كما ينشئُ سُبحانه وتعالى من الأعراضِ أعراضًا، ومن الأجسامِ أجسامًا، فالأقسامُ الأربعةُ مُمكِنةٌ مَقدورةٌ للرَّبِّ تعالى، ولا يستلزمُ جَمعًا بين النَّقيضَينِ، ولا شيئًا مِن المحال... اللهُ سُبحانَه يُنشِئُ مِن الأعراضِ أجسامًا ويجعَلُها مادَّةً لها، كما في الصَّحيحِ عنه: «تجيءُ البَقَرةُ وآلُ عِمرانَ يومَ القيامةِ كأنَّهما غَمامتانِ...» الحديث). ((حادي الأرواح)) (ص: 401، 402). .
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ.
أي: والحالُ أنَّ الكافرينَ في الدُّنيا في غَفلةٍ وذُهولٍ عَمَّا أُنذِروا به، وعمَّا ينتَظِرُهم مِن العذابِ يومَ القيامةِ، فهم مُنشَغِلونَ بدُنياهم، مُعرِضونَ عَمَّا يُرادُ منهم [388] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/547)، ((تفسير ابن كثير)) (5/233)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/200)، ((تفسير الشوكاني)) (3/394)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/422). قال الشنقيطي: (قَولُه في هذه الآيةِ الكريمةِ: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، أي: في غفلةِ الدُّنيا مُعرِضونَ عن الآخرةِ، وجملةُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ حاليةٌ، والعامِلُ فيها (أَنْذِرْهُمْ) أي: أنذِرْهم في حالِ غَفلتِهم غيرَ مُؤمِنينَ، خلافًا لِمن قال: إنَّ العامِلَ في الجملة الحاليةِ قَولُه قبلَ هذا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [مريم: 38]). ((أضواء البيان)) (3/422). .
كما قال تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ [الأنبياء: 1 - 3].
وقال سُبحانَه: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء: 97].
وقال عزَّ وجلَّ: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق: 22].
وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
أي: وهم في الدُّنيا لا يُؤمِنونَ باللهِ، ولا بالبَعثِ والجَزاءِ في الآخرةِ [389] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/547)، ((تفسير ابن كثير)) (5/233)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493). قال ابنُ عاشور: (ومعنى وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ: استِمرارُ عَدَمِ إيمانِهم إلى حُلولِ قَضاءِ الأمرِ يومَ الحَسرةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/109). .
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40).
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.
أي: قال اللهُ تعالى: إنِّي أرِثُ وَحدي الأرضَ وكُلَّ ما عليها بعدَ مَوتِ الخلائِقِ، ولا يَملِكُها أحدٌ سواي [390] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/548)، ((البسيط)) للواحدي (14/252، 253)، ((تفسير ابن كثير)) (5/234)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/423). قال ابنُ جرير: (يقول تعالى ذِكرُه لنبيِّه محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا يَحزُنْك تكذيبُ هؤلاء المُشرِكينَ لك -يا مُحمَّدُ- فيما أتيتَهم به من الحَقِّ؛ فإنَّ إلينا مَرجِعَهم ومَصيرَهم ومصيرَ جَميعِ الخَلقِ غَيرِهم، ونحن وارِثو الأرضِ ومَن عليها من النَّاسِ، بفَنائِهم منها، وبقائِها لا مالِكَ لها غيرُنا). ((تفسير ابن جرير)) (15/548). .
كما قال تعالى: وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ [الحجر: 23].
وقال سُبحانَه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر: 16].
وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ.
أي: وإلينا لا إلى غَيرِنا يُرَدُّ العِبادُ يومَ القيامةِ فيُبعَثونَ، وبأعمالِهم يُجازَونَ [391] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/548)، ((البسيط)) للواحدي (14/253)، ((تفسير الشوكاني)) (3/394)، ((تفسير السعدي)) (ص: 493). .

الفوائد التربوية:


قال الله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ والإنذارُ هو الإعلامُ بالمَخُوفِ على وَجهِ التَّرهيبِ، والإخبارُ بصِفاتِه، وأحقُّ ما يُنذَرُ به ويُخَوَّفُ به العِبادُ يومَ الحَسرةِ حينَ يُقضى الأمرُ، فيُجمَعُ الأوَّلونَ والآخِرونَ في مَوقِفٍ واحدٍ، ويُسأَلونَ عن أعمالِهم، فمَن آمنَ باللهِ واتَّبَع رُسُلَه؛ سَعِدَ سَعادةً لا يشقى بعدَها، ومَن لم يؤمِنْ باللهِ ويتَّبِعْ رُسُلَه؛ شَقِيَ شَقاوةً لا سعادةَ بَعدَها، وخَسِرَ نَفسَه وأهلَه، فحينئذٍ يتحَسَّرُ ويندَمُ ندامةً تتقَطَّعُ منها القُلوبُ، وتنصَدِعُ منها الأفئدةُ، وأيُّ حسرةٍ أعظمُ مِن فواتِ رضا الله وجنَّتِه، واستحقاقِ سخطِه والنارِ، على وجهٍ لا يتمكَّنُ مِن الرُّجوعِ؛ ليَستأنفَ العملَ، ولا سبيلَ له إلى تغييرِ حالِه بالعودِ إلى الدُّنيا [392] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: ٤٩٣). ؟!

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال اللهُ تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بعدَ قَولِه: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ولم يقُلْ: (فويلٌ لهم) ليعودَ الضَّميرُ إلى الأحزابِ؛ لأنَّ مِن الأحزابِ المُختَلِفينَ طائفةً أصابت الصَّوابَ، ووافَقَت الحَقَّ، فقالت في عيسى: إنَّه عبدُ اللهِ ورَسولُه، فآمَنوا به واتَّبَعوه، فهؤلاء مُؤمِنونَ غيرُ داخِلينَ في هذا الوَعيدِ؛ فلهذا خَصَّ اللهُ بالوعيدِ الكافرينَ [393] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: ٤٩٣). .
2- قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ تهديدٌ ووعيدٌ شديدٌ لِمَن كَذَب على اللهِ وافترى، وزعَم أنَّ له وَلدًا، ولكِنْ أنظَرَهم تعالى إلى يومِ القيامةِ وأجَّلَهم؛ حِلمًا وثِقةً بقُدرتِه عليهم؛ فإنَّه الذي لا يَعجَلُ على مَن عصاه، كما جاء في الصَّحيحينِ: ((إنَّ اللهَ لَيُمْلي للظَّالمِ حتى إذا أخَذه لم يُفلِتْه. ثمَّ قرأ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: 102])) [394] أخرجه البخاري (4686) ومسلم (2583) من حديث أبي موسى رضي الله عنه. . وفي الصَّحيحَينِ [395] أخرجه البخاري (7378) واللفظ له، ومسلم (2804) من حديث أبي موسى رضي الله عنه. أيضًا عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((ما أحدٌ أصبَرَ على أذًى سَمِعه مِنَ الله؛ يَدَّعونَ له الولدَ، ثمَّ يُعافيهم ويرزُقُهم! )) [396] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/232). . وما أشار اللهُ إليه مِن أنَّه لم يُعاجِلْهم بالعذابِ، وأنَّه يُؤخِّرُ عذابَهم إلى الوَقتِ المَحدَّدِ لذلك؛ أشار له في مواضِعَ أُخَرَ، كقولِه تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم: 42]، وقَولِه تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود: 104]، وقَولِه تعالى: وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [397] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/420). [العنكبوت: 53].

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
- الفاءُ في قولِه: فَاخْتَلَفَ لترتيبِ ما بعدَها على ما قبْلَها؛ تَنبيهًا على سُوءِ صنيعِهم بجعْلِهم ما يُوجِبُ الاتِّفاقَ منشَأً للاختلافِ؛ فإنَّ ما حُكِيَ مِن مقالاتِ عيسى عليه السَّلامُ مع كونِها نُصوصًا قاطعةً في كونِه عبدَه تعالى ورسولَه، قدِ اختلفَتِ اليهودُ والنَّصارى بالتَّفريطِ والإفراطِ [398] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/265)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/105). .
- وقولُه: مِنْ بَيْنِهِمْ مُتعلِّقٌ بـ (اخْتَلَفَ)، ومِنْ حرفُ توكيدٍ، أي: اخْتَلفوا بينهم [399] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16 /106). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، وفي سُورةِ (الزُّخرفِ) قال: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف: ٦٥]؛ فخَصَّ الأُولى بلفظِ (كَفَروا) والثَّانيةَ (ظَلَموا)، وكِلْتا الآيتينِ في قصَّةِ عيسى عليه السَّلامُ وتوعُّدِ مَن أثبَتَ للهِ تعالى ولدًا؛ ووجْهُ ذلك: أنَّ الكفرَ أَبلغُ مِن الظُّلمِ، وأشدُّ قُبحًا، وقصةُ عيسى في هذه السُّورةِ مشروحةٌ، وفيها ذِكرُ نسبتِهم إِيَّاه إلى الله تعالى، حينَ قال: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ، فذُكِر بلفظِ الكفرِ، وأما قصتُه فى سورةِ الزُّخرفِ فمجمَلةٌ، فوصَفهم بلفظٍ دونَه، وهو الظُّلمُ، فكان وصْفُ مَن ذُكِرَ بالكُفرِ في المَحلِّ الَّذي اسْتُوفِيَ فيه قصَّةُ عيسى، أنسَبَ بالمحلِّ الَّذي أُجْمِلَ فيه قصَّتُه [400] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 886)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:١٧٣)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/308)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 355). .
2- قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
- قولُه: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ تعجُّبٌ من حِدَّةِ سمْعِهم وأبصارِهم يومئذٍ، ومعناه: أنَّ أسماعَهم وأبصارَهم يومَ القيامةِ جديرٌ بأنْ يُتعجَّبَ منها بعدَ أنْ كانوا في الدُّنيا صُمًّا عُميًا [401] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/17)، ((تفسير البيضاوي)) (4/11)، ((تفسير أبي حيان)) (7/263)، ((تفسير أبي السعود)) (5/265). ، فقولُه: أَسْمِعْ وقولُه: وَأَبْصِرْ صِيغتَا تعجُّبٍ [402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/107). .
- ومعمولُ السَّمعِ والبصرِ محذوفٌ؛ لقصدِ التَّعميمِ؛ ليشمَلَ كلَّ ما يصِحُّ أنْ يُسْمَعَ وأنْ يُبْصَرَ، وهذا كنايةٌ عن التَّهديدِ [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/107). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال هنا: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ، وعكَسَ في (الكهفِ) فقال: أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ [الكهف: 26]؛ لأنَّ معناه هنا: أنَّه تعالى ذكَرَ قصصَ الأنبياءِ، فاسْمَعْها وتدبَّرْها، واستعمِلِ النَّظرَ فيها ببصيرتِك، ومعناه في (الكهفِ): أنَّه تعالى له غيبُ السَّمواتِ والأرضِ، فاجعَلْ بصيرتَك في الفكرِ في مَخلوقاتِه، وتدبَّرْها بحيثُ تصِلُ إلى معرفتِه، واسمَعْ لصفاتِه ووحِّدْهُ، فناسَبَ تَقديمُ السَّمعِ هنا، والبصرِ ثَمَّ [404] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: ٣٥٦). .
- والاستدراكُ الَّذي أفادهُ قولُه: لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ راجِعٌ إلى ما يُفيدُه التَّقييدُ بالظَّرفِ في قولِه: يَوْمَ يَأْتُونَنَا من ترقُّبِ سُوءِ حالِهم يومَ القيامةِ الَّذي يَقْتضي الظَّنَّ بأنَّهم الآنَ في سَعةٍ مِن الحالِ؛ فأُفيدَ أنَّهم مُتلبِّسونَ بالضَّلالِ المُبينِ، وهو من سُوءِ الحالِ لهم؛ لِما يَتْبَعُه من اضطرابِ الرَّأيِ، والْتِباسِ الحالِ على صاحبِه، وتلك نُكتةُ التَّقييدِ بالظَّرفِ في قولِه: الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [405] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/108). .
- قولُه: لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فيه إظهارٌ في موضعِ الإضمارِ؛ إشعارًا بأنَّهم ظَلَموا أنفُسَهم أشَدَّ الظُّلمِ؛ حيث أغْفَلوا الاستماعَ والنَّظرَ حينَ ينفَعُهم [406] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/17)، ((تفسير البيضاوي)) (4/11)، ((تفسير أبي حيان)) (7/263)، ((تفسير أبي السعود)) (5/266). ، وتنبيهًا على الوصفِ الذي أحلَّهم ذلك المحلَّ [407] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/200). . ونُكتتُه: التَّخلُّصُ إلى خُصوصِ المُشرِكين؛ لأنَّ اصطلاحَ القُرآنِ إطلاقُ الظَّالمينَ على عبدةِ الأصنامِ، وإطلاقُ الظُّلمِ على عبادةِ الأصنامِ [408] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/108). . وقيل: الظَّالِمُونَ عُمومٌ يَندرِجُ فيه هؤلاء الأحزابُ الكفَّارُ وغيرُهم من الظَّالمينَ [409] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/263). . وسجَّلَ على إغفالِهم بأنَّه ضَلالٌ بيِّنٌ [410] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/11). .
3- قوله تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
- قولُه: يَوْمَ الْحَسْرَةِ أُضيفَ اليومُ إلى الحسرةِ؛ لكثرةِ ما يحدُثُ فيه من تحسُّرِ المُجرِمين على ما فرَّطوا فيه من أسبابِ النَّجاةِ؛ فكان ذلك اليومُ كأنَّه ممَّا اختَصَّتْ به الحسرةُ، فهو يومُ حَسرةٍ بالنِّسبةِ إليهم، وإنْ كان يومَ فرحٍ بالنِّسبةِ إلى الصَّالحينَ [411] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/108-109). . وقيل: يتحسَّرُ المُسِيءُ على إساءتِه، والمُحسِنُ على قِلِّةِ إحسانِه [412] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/11)، ((تفسير أبي السعود)) (5/266). . وقيل: اللَّامُ في يَوْمَ الْحَسْرَةِ للجنسِ؛ لأنَّ هذه حسراتٌ كثيرةٌ في مواطنَ عدَّةٍ، ومنها يومُ الموتِ، ومنها وقتُ أخْذِ الكتابِ بالشِّمالِ، وغيرُ ذلك [413] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/263). .
- قولُه: إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ على احتمالِ أنَّ معناه: تُمِّمَ أمْرُ اللهِ بزَجِّهِم في العذابِ، فلا مُعَقِّبَ له؛ فهو كِنايةٌ عن سُرعةِ صُدورِ الأمْرِ بتعذيبِهم، أي: قُضِيَ أمْرُهم على حينِ أنَّهم في غفْلةٍ، أي: بَهْتٍ [414] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/109). .
- قولُه: وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فيه اختيارُ صِيغَةِ المُضارعِ دونَ صِيغَةِ اسمِ الفاعلِ (غيرُ مُؤمِنين)؛ لِما يدُلُّ عليه المُضارِعُ من استمرارِ الفعلِ وقتًا فوقتًا؛ استحضارًا لذلك الاستمرارِ العجيبِ في طُولِه وتمكُّنِه [415] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/109). .
4- قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ
- قولُه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ تذييلٌ لخَتْمِ القصَّةِ على عادةِ القُرآنِ في تَذييلِ الأغراضِ عندَ الانتقالِ منها إلى غيرِها، وأفاد هذا التَّذييلُ التَّعريفَ بتَهديدِ المُشرِكين، بأنَّهم لا مفَرَّ لهم من الكونِ في قبْضةِ الرَّبِّ الواحدِ الَّذي أشْرَكوا بعبادتِه بعضَ ما على الأرضِ، وأنَّ آلهتَهم ليست بمَرجُوَّةٍ لنفْعِهم؛ إذ ما هي إلَّا ممَّا يرِثُه اللهُ [416] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/110-111). .
- وفي قولِه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ تأكيدٌ بحرْفِ التَّوكيدِ (إِنَّ)؛ لدفْعِ الشَّكِّ؛ لأنَّ المُشرِكين يُنكِرون الجزاءَ، فهم يُنكِرون أنَّ اللهَ يرِثُ الأرضَ ومَن عليها بهذا المعنى، وكذلك ضميرُ الفصلِ نَحْنُ يُفيدُ التَّأكيدَ [417] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/110). .
- قولُه: وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ فيه تَقديمُ وَإِلَيْنَا على قولِه: يُرْجَعُونَ؛ لإفادةِ قصْرِ الرُّجوعِ إليه سُبحانه وحدَه، أي: لا يَرجِعون إلى غيرِنا. ومَحملُ هذا التَّقديمِ بالنِّسبةِ إلى المُسلِمين الاهتمامُ، ومَحملُه بالنِّسبةِ إلى المُشرِكين القصْرُ [418] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/111). .