موسوعة التفسير

سورةُ الإسراءِ
الآيات (53-57)

ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ

غريب الكلمات:


يَنْزَغُ: أي: يُفسِدُ ويُهيِّجُ، وأصلُ (نزغ): يدلُّ على إفسادٍ بينَ اثنينِ [719] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/624)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 512)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/416)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 266).   .
الْوَسِيلَةَ: أي: المَنزِلةَ والقُربةَ بالأعمالِ الصَّالحةِ، وأصلُ (وسل): يدُلُّ على التَّوصُّلِ إلى الشَّيءِ برَغبةٍ [720] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 257)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/110)، ((المفردات)) للراغب (ص: 871)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 182)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/450).   .

مشكل الإعراب:


قَولُه تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
قَولُه: أُولَئِكَ مُبتدأٌ في محَلِّ رَفعٍ، والَّذِينَ بدَلٌ منه، ويَدْعُونَ صلةُ المَوصولِ لا محلَّ لها مِن الإعرابِ، ويَبْتَغُونَ خبَرُ المُبتدأِ في محَلِّ رَفعٍ. أَيُّهُمْ فيها وجهانِ: أحدُهما: أنَّها اسمُ مَوصولٍ مَبنيٌّ على الضَّمِّ في محلِّ رَفعٍ بدَلُ بَعضٍ مِن كُلٍّ مِن الواوِ في يَبْتَغُونَ، أَقْرَبُ خبَرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ تَقديرُه (هو)، وجملةُ: (هو أقرَبُ) لا محلَّ لها صِلةُ الموصولِ (أيُّ)، والمعنى: أولئك المَعبودونَ يبتغي مَن هو أقرَبُ منهم الوَسيلةَ إلى اللهِ تعالى بطاعتِه، فكيف بالأبعَدِ؟! والثاني: أَيُّهُمْ استِفهاميَّةٌ مرفوعةٌ على الابتداءِ، وأَقْرَبُ خَبَرُها، والجملةُ الاسميَّةُ في محَلِّ نَصبٍ على إسقاطِ الخافِضِ بـ يَبْتَغُونَ المُضَمَّنِ معنى (يَحرِصونَ)، فكأنَّه قيل: يَحرِصونَ أيُّهم يكونُ أقرَبَ إلى اللهِ تعالى، وذلك بالطَّاعةِ وازديادِ الخَيرِ والصَّلاحِ [721] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/246)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/432)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1394)، ((تفسير أبي حيان)) (7/70)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/372).   .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: وقُلْ -يا مُحمَّدُ- لعِبادي المُؤمِنينَ يقولُوا في تَحاوُرِهم وتَخاطُبِهم الكلامَ الأحسنَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يفسِدُ بينهم، ويُهيِّجُ العَداوةَ والخِصامَ بينهم؛ إنَّ الشَّيطانَ كان للإنسانِ عدُوًّا مُظهِرًا لشدَّةِ عَداوتِه. ربُّكم أعلَمُ بكم، إنْ يَشَأْ يَرحَمْكم بتوفيقِكم لأسبابِ الرَّحمةِ، أو إن يَشأْ يعذِّبْكم بخِذلانِكم عن أسبابِ الرَّحمةِ، وما أرسَلْناك -يا مُحمَّدُ- عليهم وكيلًا تُجازيهم على أفعالِهم، ورَبُّك أعلَمُ بمَن في السَّمَواتِ والأرضِ، ولقد فَضَّلْنا بعضَ النبيِّينَ على بَعضٍ، كتفضيلِهم بالمُعجِزاتِ، والكُتُبِ، وكَثرةِ الأتباعِ، وغَيرِ ذلك، وأعطَينا داودَ الزَّبورَ.
 ثمَّ يأمرُ الله تعالى نبيَّه أن يقولَ لِلمُشركين: ادعُوا الذين زعَمتُموهم آلِهةً مِن دُونِ اللهِ لكَشْفِ الضُّرِّ عنكم؛ فإنَّهم لا يستطيعون ذلك، ولا أن يُحوِّلوا الضرَّ عنكم إلى غَيرِكم، ولا أن يُغيِّروا صفتَه أو قدرَه؛ فالقادِرُ على ذلك اللهُ وَحدَه. أولئك الذين يَزعمونَ أنَّهم آلهةٌ مِن دونِ الله، مِن الأنبياءِ والملائكةِ والصَّالحينَ، يُسارِعون في القُربِ مِن رَبِّهم بما يستطيعونَه مِن طاعةِ اللهِ، ويرجونَ رَحمتَه ويخافونَ عَذابَه؛ إنَّ عذابَ ربِّك كان مَخُوفًا ينبغي الحذَرُ منه؛ فكيف يَعبُدُهم المُشرِكونَ، وتلك هي حالُهم؟!

تفسير الآيات:


وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
بعد أن أقام سُبحانَه الحُجَجَ على إبطالِ الشِّركِ، فقال: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: 42] وذكَرَ الأدِلَّةَ على صِحَّةِ البَعثِ والجزاءِ، فقال: قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء: 51] ؛ أمرَ رَسولَه أن يأمُرَ عِبادَه المؤمنين بأن يحاجُّوا مُخالِفيهم، ويجادِلوهم باللِّينِ، ولا يُغلِظوا لهم في القَولِ، ولا يَشتُموهم ولا يسبُّوهم؛ فإنَّ الكَلِمةَ الطيِّبةَ تجذِبُ النفوسَ، وتَميلُ بها إلى الاقتِناعِ [722] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (15/58).   .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا أعقَبَ ما أُمرَ النبيُّ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- بتبليغِه إلى المُشرِكين من أقوالٍ تَعِظُهم وتزجُرُهم، مِن قَولِه تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ [الإسراء: 42] ، وقَولِه: قُلْ كُونُوا حِجَارَةً [الإسراء: 50] ، وقَولِه: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا [الإسراء: 51] - ثَنَى العِنانَ إلى الأمرِ بإبلاغِ المؤمنين تأديبًا ينفَعُهم في هذا المقامِ، على عادةِ القُرآنِ في تلوينِ الأغراضِ، وتعقيبِ بَعضِها ببعضِ أضدادِها؛ استِقصاءً لأصنافِ الهُدى ومختَلِفِ أساليبِه، ونَفْع مُختَلفِ النَّاسِ، ولَمَّا كان ما سبَقَ مِن حكايةِ أقوالِ المُشرِكين ينبئُ عن ضلالِ اعتقادٍ، نقلَ الكلامَ إلى أمرِ المُؤمِنين بأن يقولوا أقوالًا تُعرِبُ عن حُسنِ النيَّةِ، وعن نُفوسٍ زكيَّةٍ، وأوتوا في ذلك كَلِمةً جامِعةً، وهي: يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [723] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/131).   .
وأيضًا لَمَّا أمَرَ اللهُ سُبحانَه نَبيَّه بإبلاغِ الكافِرينَ هذا الكَلامَ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا...، وفيه من التهَكُّمِ بهم والتَّبكيتِ لهم والاستِخفافِ بعُقولِهم ما لا يعلَمُ مِقدارَه إلَّا مِثلُهم مِنَ البُلَغاءِ والعَرَبِ العَرْباءِ، وكان -لكَونِه كلامَ العَليمِ بالعواقِبِ، الخَبيرِ بما تَجُنُّ الضَّمائِرُ- رُبَّما استَنَّ به المُؤمِنونَ فخاطبوهم بنَحوِه مِن عندِ أنفُسِهم؛ نهاهم عن ذلك لئلَّا يقولوا ما يُهَيِّجُ شَرًّا أو يُثيرُ ضُرًّا، فقال تعالى [724] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/441).   :
وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
أي: وقُلْ -يا مُحمَّدُ- آمِرًا عبادي المُؤمِنينَ بأن يَقولَ بَعضُهم لِبَعضٍ في مُحاوراتِهم ومُخاطباتِهم الكَلامَ الأحسَنَ؛ مِن الكَلِماتِ الطَّيِّبةِ اللَّيِّنةِ اللَّطيفةِ، التي هي أحسَنُ مِمَّا سِواها [725] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/623)، ((تفسير ابن جزي)) (1/448)، ((تفسير ابن كثير)) (5/86، 87).   .
قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت: 34- 35] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((الكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صَدَقةٌ )) [726] رواه البخاري (2891)، ومسلم (1009).   .
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ.
أي: قُلْ لهم يَقولوا التي هي أحسَنُ؛ لأنَّ الشَّيطانَ البَعيدَ مِن الرَّحمةِ وكُلِّ خَيرٍ يقومُ بالإفسادِ بينهم، وتَهييجِ العَداواتِ والشُّرورِ، مِن المُخاصَمةِ والمُقاتَلةِ وغَيرِ ذلك [727] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/624)، ((تفسير القرطبي)) (10/277)، ((تفسير ابن كثير)) (5/87)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/441-442)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/132).   .
عن جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: سَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ الشَّيطانَ قد أَيِسَ أن يَعبُدَه المصَلُّونَ في جزيرةِ العَرَبِ، ولكِنْ في التَّحريشِ بينهم )) [728] رواه مسلم (2812).   .
إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا.
أي: إنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بينهم؛ لأنَّه كان لآدَمَ وذُرِّيَّتِه عَدُوًّا مُظهِرًا لشدَّةِ عَداوتِه، مِن حينِ امتِناعِه مِن السُّجودِ لآدَمَ وحَسَدِه له حتى أخرَجَه مِن الجنَّةِ [729] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/624)، ((تفسير القرطبي)) (10/277)، ((تفسير ابن كثير)) (5/87).   .
كما قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [الكهف: 50] .
وعن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ إبليسَ يَضَعُ عَرشَه على الماءِ، ثمَّ يَبعَثُ سَراياه، فأدْناهم منه مَنزِلةً أعظَمُهم فِتنةً، يجيءُ أحَدُهم فيَقولُ: فعَلْتُ كذا وكذا، فيقولُ: ما صنعْتَ شَيئًا! قال: ثم يجيءُ أحَدُهم فيقولُ: ما تركْتُه حتى فَرَّقتُ بينه وبين امرأتِه، قال: فيُدنيه منه ويَقولُ: نِعْمَ أنتَ! ! )) [730] رواه مسلم (2813).   .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ هذا الكَلامَ مُتَّصِلٌ بقَولِه: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلى قَولِه: فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء: 47-48] ؛ فإنَّ ذلك يَنطوي على ما هو شَأنُ نَجواهم من التَّصميمِ على العِنادِ، والإصرارِ على الكُفرِ، وذلك يَسُوءُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويَحزُنُه أن لا يَهتَدوا، فوَجَّه هذا الكلامَ إليه تسليةً له، ويدُلُّ لذلك تَعقيبُه بقَولِه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [731] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/133).   .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ.
أي: ربُّكم [732] قيل: الخِطابُ لِمُشركي قُرَيشٍ الذين قالوا: أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء: 49] . وممَّن قال بذلك: ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/624). وممن قال به مِن السلفِ: عبدُ الملك بنُ جريج، ومقاتلٌ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/536)، ((تفسير ابن جرير)) (14/624)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/31). وقيل: الخِطابُ للنَّاسِ. وممَّن قال بذلك: ابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/87). أعلَمُ بمَن يَستَحِقُّ منكم الرَّحمةَ والهِدايةَ، ومَن لا يَستَحِقُّها، إنْ يَشَأْ رَحْمَتَكم بأنْ يُوَفِّقَكم لأسبابِها، تَهْتَدوا، أو إنْ يَشَأْ تَعذيبَكم بأنْ يَخذُلَكم عن أسبابِ الرَّحمةِ، تَضِلُّوا [733] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/87)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/134).   .
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا.
أي: وما أرسلناك -يا محمدُ- على مَن أرسلناك إليه؛ حافظًا وكفيلًا، فما وُكِل إليك إيمانُهم ولا مجازاتُهم، إنَّما أرْسَلناك إليهم؛ لتُبلِّغَهم رسالاتِنا، واللهُ تعالى إن شاء هداهم ورحِمهم، وإن شاء خَذَلهم وعذَّبهم [734] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/625)، ((البسيط)) للواحدي (13/366، 367)، ((تفسير القرطبي)) (10/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/135).   .
كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 272] .
وقال سُبحانَه: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: 45] .
وقال عزَّ وجَلَّ: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: 21- 22].
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بأن يَنسُبوا الأعلميَّةَ بهم إليه سُبحانَه، أخبَرَ بما هو أعَمُّ مِن ذلك، فقال تعالى عاطِفًا على رَبُّكُمْ إعلامًا بأنَّ عِلمَه ليس مَقصورًا عليهم بل هو مُحيطٌ، قاصِرًا الخِطابَ على أعلَمِ الخَلقِ به سُبحانَه؛ إشارةً إلى أنَّه لا يعلَمُ هذا حَقَّ عِلمِه غَيرُه [735] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/443).   ، فقال تعالى:
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: وربُّك -يا مُحَمَّدُ- أعلَمُ بمَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرضِ مِن خَلْقِه، فيَعلَمُ نِيَّاتِهم، وأحوالَهم وأعمالَهم، وآجالَهم، وما يُصلِحُهم، ويَعلَمُ مَن يَستَحِقُّ الرَّحمةَ منهم فيَهديه، ومَن يَستَحِقُّ منهم العَذابَ فيُضِلُّه ويُشقِيه، وذلك بحسَبِ ما تَقتَضيه حِكمَتُه سُبحانَه [736] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/625)، ((تفسير السمعاني)) (3/250)، ((تفسير ابن كثير)) (5/87)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/443)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460).   .
قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [الأنعام: 117] .
وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ.
أي: ولقد فضَّلْنا بعضَ الأنبياءِ على بَعضٍ، كتَفضيلِهم بالعِلمِ والكُتُبِ، والشَّرائِعِ والمُعجِزاتِ والخَصائِصِ [737] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/625)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (5/133)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460). قال الواحدي: (كلامُ المفسِّرين في هذا يدُلُّ على أنَّ المعنى فيه: أنَّ كلَّ واحدٍ منهم خُصَّ بفضيلة؛ فقال قتادة: نعم، فضَّل الله بعض النبيين على بعضٍ، فاتخذ إبراهيمَ خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، وجعل عيسى كلمتَه ورُوحَه، وآتى سليمانَ مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وآتى داود زبورًا، وغفر لمحمدٍ ما تقدمَ من ذنبِه وما تأخَّر). ((البسيط)) (13/367). وقال ابن عطية: (تفضيلُ بعض الرسل هو إمَّا بهذا الإخبار المجمَلِ دون أن يسمَّى المفضول، وعلى هذا يتَّجِه لنا أن نقولَ: محمد أفضلُ البشر، وقد نهى عليه السلامُ عن تعيين أحدٍ منهم في قصَّةِ موسى ويونس، وإمَّا أن يكون التفضيلُ مقسَّمًا فيهم: أُعطيَ هذا التكليمَ، وأُعطي هذا الخُلَّة، ومحمَّدٌ الخُمُسَ، وعيسى الإحياءَ، فكلُّهم مفضولٌ على وجه فاضِلٌ على الإطلاق). ((تفسير ابن عطية)) (3/464-465). وقال ابنُ تيميَّةَ: (معلومٌ أنَّ المُرسَلينَ يتفاضَلونَ، تارةً في الكتُبِ المُنَزَّلةِ عليهم، وتارةً في الآياتِ والمُعجِزاتِ الدَّالَّةِ على صِدقِهم، وتارةً في الشَّرائِعِ وما جاؤوا به مِن العِلمِ والعَمَلِ، وتارةً في أُمَمِهم). ((الجواب الصحيح)) (5/133). وقال ابنُ كثير: (هذا لا ينافي ما ثَبَت في الصَّحيحَينِ عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: «لا تُفَضِّلوا بينَ الأنبياءِ»؛ فإنَّ المرادَ مِن ذلك هو التَّفضيلُ بمُجَرَّدِ التشَهِّي والعَصَبيَّة، لا بمُقتَضى الدَّليلِ؛ فإنَّه إذا دَلَّ الدَّليلُ على شيءٍ وَجَب اتِّباعُه... ولا خِلافَ أنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضَلُهم، ثمَّ بَعدَه إبراهيمُ، ثمَّ موسى، على المَشهورِ). ((تفسير ابن كثير)) (5/87-88). ويُنظر أيضًا: ((شرح النووي على مسلم)) (15/37)، فقد ذكَر في الجوابِ عن هذا الحديثِ خمسةَ أوجهٍ أُخرَى. .
كما قال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة: 253] .
وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا.
أي: وأعطَيْنا نَبِيَّنا داوُدَ كِتابَ الزَّبورِ [738] قال القرطبي: (الزَّبورُ: كِتابٌ ليس فيه حَلالٌ ولا حَرامٌ، ولا فرائِضُ ولا حُدودٌ، وإنَّما هو دُعاءٌ وتحميدٌ وتَمجيدٌ). ((تفسير القرطبي)) (10/278). وقال ابن عاشور: (الزبورُ:... وهو المعروفُ اليومَ بكتابِ المزاميرِ مِن كُتبِ العهدِ القديمِ [على ما دخَلها مِن تحريفٍ]). ((تفسير ابن عاشور)) (15/138).   وفضَّلْناه به؛ فليس للمُكَذِّبينَ بمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُنكِروا تَفضِيلَنا له بالنبُوَّةِ والقُرآنِ [739] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/245)، ((تفسير القرطبي)) (10/278)، ((تفسير الشوكاني)) (3/280)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460). قال القرطبيُّ: (أيْ: كما آتَيْنا داودَ الزَّبورَ فلا تُنْكِروا أنْ يُؤْتَى مُحَمَّدٌ القرآنَ. وهو في مُحاجَّةِ اليَهودِ). ((تفسير القرطبي)) (10/278).   .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ: 10].
وقال سُبحانَه: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص: 17-20] .
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا جَرى ذِكْرُ الأفضَلِينَ من الأنبياءِ في أثناءِ آيةِ الرَّدِّ على المُشركينَ مقالتَهم في اصطفاءِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرِّسالةِ، واصطفاءِ أتباعِه لولايتِه ودِينِه، وهي آيةُ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ... إلى آخرِها [الإسراء: 55] - جاءتِ المُناسَبةُ لرَدِّ مقالةٍ أُخرى من مقالاتِهم الباطلةِ، وهي اعتذارُهم عن عِبادةِ الأصنامِ بأنَّهم ما يَعْبدونَهم إلَّا ليُقرِّبوهم إلى اللهِ زُلْفى، فجَعلوهم عِبادًا مُقَرَّبينَ ووسائِلَ لهم إلى اللهِ، فلمَّا جَرى ذِكرُ المُقرَّبينَ حقًّا؛ انتُهِزَت مُناسَبةُ ذِكرِهم؛ لِتَكونَ مَخلَصًا إلى إبطالِ ما ادَّعَوه من وسيلةِ أصنامِهم، فهذه الآيةُ متَّصِلةُ المعنى بآيةِ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: 42] فبعد أن أبطلَ أن يكونَ مع اللهِ آلهةٌ ببُرهانِ العَقلِ، عاد إلى إبطالِ إلهيَّتِهم المزعومةِ ببُرهانِ الحِسِّ، وهو مُشاهَدةُ أنَّها لا تُغني عنهم كَشفَ الضُّرِّ؛ فأصلُ ارتباطِ الكلامِ هكذا: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا [الإسراء: 55] أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ... [الإسراء: 57] الآية. فبمُناسبةِ الثَّناءِ عليهم بابتهالِهم إلى ربِّهم ذكَرَ ضِدَّ ذلك مِن دُعاءِ المُشرِكين آلهتَهم، وقَدَّم ذلك على الكلامِ الذي أثارَ المُناسَبةَ؛ اهتمامًا بإبطالِ فِعلِهم؛ ليكونَ إبطالُه كالغَرَضِ المقصودِ، ويكونَ ذِكرُ مُقابِلِه كالاستدلالِ على ذلك الغَرَضِ [740] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/136-137).   .
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56).
أي: قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للمُشرِكينَ: ادعُوا الذينَ زَعَمتُم أنَّهم آلهةٌ مِن دُونِ اللهِ عندَ حُلولِ الشَّدائِدِ بكم، فانظُروا هل يَقدِرونَ على أن يُزيلُوا الضُّرَّ عنكم بالكُلِّيَّةِ، أو يُحَوِّلوه مِن حالٍ إلى حالٍ، فيُغيِّروا صفتَه أو قدرَه، أو يُحَوِّلوه إلى غَيرِكم [741] وممَّن فسَّر قولَه تعالى: تَحْوِيلًا: بأنَّه تحويلُ الضرِّ مِن شخصٍ إلى آخرَ: ابنُ جرير، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/626)، ((تفسير ابن كثير)) (5/88). وممَّن فسَّره بأنَّه تحويلُ حالِ الشخصِ إلى حالٍ أُخرَى، كتحويلِ المرضِ إلى الصحَّةِ، والفقرِ إلى الغنَى: القرطبي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/279). وممن جمَع بينَ المعنيينِ السابقينِ: ابنُ تيميةَ، والشنقيطي. قال ابنُ تيميَّةَ: (بَيَّنَ أنَّهم لا يَملِكونَ كَشْفَ الضُّرِّ عن الدَّاعِينَ ولا تَحويلَه؛ لا يَرفَعونَه بالكُلِّيَّةِ، ولا يُحَوِّلونَه مِن مَوضعٍ إلى موضعٍ، أو مِن حالٍ إلى حالٍ، كتَغييرِ صِفتِه أو قَدْرِه؛ ولهذا قال: وَلَا تَحْوِيلًا فذُكِرَ نَكِرةً تَعُمُّ أنواعَ التَّحويلِ). ((مجموع الفتاوى)) (15/226). وقال الشنقيطي: (وَلَا تَحْوِيلًا، أي: تحويلَه من إنسانٍ إلى آخرَ، أو تحويلَ المرضِ إلى الصحَّةِ، والفَقرِ إلى الغنى، والقحطِ إلى الجدبِ، ونحو ذلك). ((أضواء البيان)) (3/162). ؛ فإنَّهم لا يَقدِرونَ على ذلك، وإنَّما يَقدِرُ عليه اللهُ وَحدَه، فإذا كانوا بهذه الصِّفةِ فلأيِّ شَيءٍ تَدعونَهم مِن دُونِ اللهِ [742] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/626)، ((تفسير ابن عطية)) (3/465)، ((تفسير ابن كثير)) (5/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 460)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/139)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/162).   ؟!
كما قال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ [الزمر: 38] .
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57).
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ.
 أي: أولئك الذين يَزعُمُ المُشرِكونَ أنَّهم آلِهةٌ مِن دُونِ اللهِ، مِن المَلائِكةِ والأنبياءِ، والصَّالحينَ مِن الإنسِ والجِنِّ، هم أنفُسُهم يَطلُبُونَ التقَرُّبَ إلى اللهِ بطاعَتِه مِن الواجِباتِ والمُستَحَبَّاتِ، ويَدْعونَه ويَستَعيذونَ به وَحْدَه؛ فلماذا يَعبُدُهم المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ [743] يُنظر: ((الرد على المنطقيين)) لابن تيمية (ص: 528، 529)، ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (2/312)، ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 203)، ((تفسير ابن كثير)) (5/88، 89)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461). قال ابنُ عطيةَ: (والضَّميرُ في رَبِّهِمُ للمتَّبَعينَ أو للجَميعِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/465-466).   ؟!
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال في قَولِه عزَّ وجلَّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ قال: (كان نَفَرٌ مِنَ الجنِّ أسلَمُوا، وكانوا يُعبَدونَ، فبَقِيَ الذين كانوا يَعْبُدونَ على عِبادتِهم، وقد أسلَمَ النَّفَرُ مِن الجِنِّ) [744] رواه البخاري (4715)، ومسلم (3030) واللفظ له.   .
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ.
أي: يَتنافَسونَ في عبادةِ اللهِ والاجتهادِ في طاعتِه مُنافَسةَ مَن يَطلُبُ أن يكونَ إليه أقرَبَ مِن الآخَرينَ [745] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/627)، ((البسيط)) للواحدي (13/371)، ((تفسير ابن عطية)) (3/466)، ((تفسير القرطبي)) (10/280)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/450)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461).   .
وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.
أي: ويَرجُونَ بعِبادتِهم اللهَ رَحمَتَه، فيَبذُلونَ ما يَقدِرونَ عليه مِن الأعمالِ الصَّالحةِ المُقَرِّبةِ إلى اللهِ تعالى وإلى رَحمتِه، ويخافونَ عَذابَه، فيَجتَنِبونَ كُلَّ ما يُوصِلُ إلى عذابِه، فكيف يَعبُدُهم المُشرِكونَ، وتلك هي حالُهم [746] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/627)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (35/369)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461). قال ابنُ تيميَّةَ: (ورَحْمَتَهُ اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ خَيرٍ. وَعَذَابَهُ اسمٌ جامِعٌ لكُلِّ شَرٍّ. ودارُ الرَّحمةِ الخالِصةِ هي الجنَّةُ، ودارُ العذابِ الخالِصِ هي النَّارُ، وأمَّا الدُّنيا فدارُ امتزاجٍ). ((مجموع الفتاوى)) (10/62).   ؟!
كما قال تعالى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 49 - 50] .
وقال سُبحانَه: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90] .
ثم علَّل خوفَهم بأمرٍ عامٍّ، فقال تعالى [747] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/451).   :
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا.
أي: إنَّ عذابَ ربِّك -يا مُحمَّدُ- كان مُتَّقًى مَخُوفًا، لا أمانَ لأحدٍ منه؛ فمُلازَمةُ الحَذَرِ مِن الوُقوعِ في أسبابِه تنبغي لكُلِّ أحَدٍ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، ونَبيٍّ مُرسَلٍ، فضلًا عن غَيرِهم [748] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/627)، ((تفسير القرطبي)) (10/280)، ((تفسير ابن كثير)) (5/89)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/451)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461).   .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ [المعارج: 27-28].

الفوائد التربوية:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فيه الأمرُ بحُسنِ العِشرةِ بين المُؤمِنينَ، وخَفضِ الجَناحِ ولِينِ الجانِبِ [749] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 167-168).   .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذا أمرٌ بكُلِّ كَلامٍ يُقَرِّبُ إلى اللهِ؛ مِن قراءةٍ وذِكرٍ وعِلمٍ، وأمرٍ بمَعروفٍ ونَهيٍ عن مُنكَرٍ، وكلامٍ حَسَنٍ لطيفٍ مع الخَلقِ على اختلافِ مراتِبِهم ومَنازِلِهم [750] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 460).   .
3- إذا دار الأمرُ بينَ أمرَينِ حَسَنينِ؛ فإنَّه يُؤمَرُ بإيثارِ أحسَنِهما إن لم يُمكِنِ الجَمعُ بينهما؛ نستفيدُ ذلك مِن قَولِ الله تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [751] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 460) .   .
4- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هذا تأديبٌ عَظيمٌ في مُراقَبةِ اللِّسانِ وما يَصدُرُ منه [752] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/131).   .
5- قال تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ فالشَّيطانُ يَنزَغُ بينهم إذا كَلَّمَ بَعضُهم بعضًا بغيرِ التي هي أحسَنُ، فرُبَّ حَربٍ وَقُودُها جُثَثٌ وهامٌ [753] هامٌ: جمعُ هامةٍ، وهي الرأسُ. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 330).   ، أهاجَها القَبيحُ مِن الكلامِ [754] يُنظر: ((الطرق الحكمية)) لابن القيم (ص: 41).   .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا لَمَّا كان ضَميرُ بَيْنَهُمْ عائِدًا إلى عِبَادِي، كان المعنى فيه التَّحذيرَ مِن إلقاءِ الشَّيطانِ العَداوةَ بين المُؤمِنينَ؛ تحقيقًا لمَقصِدِ الشَّريعةِ مِن بَثِّ الأُخُوَّةِ الإسلاميَّةِ [755] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/133).   .
7- قَولُه تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ذِكرُ الحُجَّةِ ينبغي ألَّا يكونَ مَخلوطًا بالشَّتمِ والسَّبِّ، ونظيرُ هذه الآيةِ قَولُه تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: 125] ، وقَولُه: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [العنكبوت: 46] ؛ وذلك لأنَّ ذِكرَ الحُجَّةِ لو اختلَطَ به شَيءٌ مِن السَّبِّ والشَّتمِ، لحصَلَت المقابلةُ بمِثلِه، كما قال: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: 108] ويزدادُ الغَضَبُ وتتكامَلُ النُّفرةُ ويمتَنِعُ حُصولُ المقصود، أمَّا إذا وقع الاقتصارُ على ذِكرِ الحُجَّةِ بالطَّريقِ الأحسَنِ الخالي عن الشَّتمِ والإيذاءِ، أثَّرَ في القلبِ تأثيرًا شديدًا [756] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/355).   .
8- قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وعلامةُ المحبَّةِ ما ذكَرَه اللهُ: أن يجتَهِدَ العَبدُ في كُلِّ عَملٍ يقَرِّبُه إلى الله، ويُنافِسَ في قُربِه بإخلاصِ الأعمالِ كُلِّها لله، والنُّصحِ فيها وإيقاعِها على أكمَلِ الوجوهِ المقدورِ عليها، فمَن زعَمَ أنَّه يحِبُّ اللهَ بغيرِ ذلك فهو كاذِبٌ [757] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/128)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461).   .
9- الحُبُّ والخَوفُ والرَّجاءُ: هذه الثَّلاثةُ هي التي تَبعَثُ على عِمَارةِ الوَقتِ بما هو الأَوْلى لصاحِبِه والأنفَعُ له، وهي أساسُ السُّلوكِ والسَّيرِ إلى اللهِ، وقد جَمَعَ اللهُ سُبحانَه الثَّلاثةَ في قَولِه تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا فابتغاءُ الوَسيلةِ هو مَحَبَّتُه الدَّاعيةُ إلى التقَرُّبِ إليه، ثمَّ ذكَرَ بَعدَها الرَّجاءَ والخَوفَ، وهذه الثَّلاثةُ هي قُطبُ رَحَى العُبوديَّةِ، وعليها دارَتْ رَحَى الأعمالِ، وهي الأصلُ والمادةُ في كلِّ خيرٍ، فمَن تمَّت له تمَّت له أمورُه، وإذا خلا القلبُ منها ترحَّلت عنه الخيراتُ، وأحاطَتْ به الشرورُ، قال بَعضُ السَّلَفِ: (مَن عَبَدَ اللهَ تعالى بالحُبِّ وَحْدَه فهو زِنديقٌ، ومَن عَبَدَه بالخَوفِ وَحْدَه فهو حَرُوريٌّ، ومَن عبَدَه بالرَّجاءِ وَحْدَه فهو مُرْجئٌ، ومَن عبَدَه بالحُبِّ والخَوفِ والرَّجاءِ فهو مُؤمِنٌ) [758] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/128)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (3/11)، ((تفسير السعدي)) (ص: 461).   .
10- قَولُ اللهِ تعالى: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ لا تَتِمُّ العِبادةُ إلَّا بالخَوفِ والرَّجاءِ؛ فبالخَوفِ يَنكَفُّ عن المناهي، وبالرَّجاءِ يَنبَعِثُ على الطَّاعاتِ [759] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/89).   .
11- قال الله تعالى: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، قال سَهلُ بنُ عبدِ اللهِ: (الرَّجاءُ والخَوفُ مِيزانانِ على الإنسانِ، فإذا استوَيَا استقامَت أحوالُه، وإن رجَحَ أحَدُهما بطَلَ الآخَرُ) [760] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/280).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ عَلَّقَ سُبحانَه وتعالى الرَّحمةَ بالمَشيئةِ كما عَلَّقَ التَّعذيبَ، وما تعلَّقَ بالمشيئةِ مِمَّا يتَّصِفُ به الرَّبُّ فهو مِن «الصِّفاتِ الاختياريَّةِ» [761] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/262).   .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا فيه سؤالٌ: ما السَّبَبُ في تخصيصِ داودَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في هذا المقامِ بالذِّكرِ؟
الجوابُ مِن وجوهٍ:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ الله تعالى ذكَرَ أنَّه فضَّلَ بعضَ النبيِّينَ على بعضٍ، ثمَّ قال: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، يعني: أنَّ داود كان مَلِكًا عَظيمًا، ثمَّ إنَّه تعالى لم يذكُرْ ما آتاه مِن المُلكِ وذكَرَ ما آتاه مِن الكِتابِ؛ تنبيهًا على أنَّ التَّفضيلَ الذي ذكَرَه قبل ذلك المرادُ منه التَّفضيلُ بالعِلمِ والدِّينِ لا بالمالِ.
الوجه الثاني: أنَّ السَّبَبَ في تخصيصِه بالذِّكرِ أنَّه تعالى كتَبَ في الزَّبورِ أنَّ مُحمَّدًا خاتَمُ النبيِّين، وأنَّ أمَّتَه خَيرُ الأمَمِ؛ قال تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: 105] ، وهم مُحمَّد وأمَّتُه.
الوجه الثالث: أنَّ السَّببَ فيه أنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ ما كانوا أهلَ نظَرٍ وجَدَلٍ، بل كانوا يرجِعون إلى اليهودِ في استِخراجِ الشُّبُهاتِ، واليهودُ كانوا يقولون: إنَّه لا نبيَّ بعد موسى ولا كِتابَ بعد التَّوراةِ، فنقَضَ اللهُ تعالى عليهم كلامَهم بإنزالِ الزَّبورِ على داودَ [762] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/356).   .
الوجه الرابع: أنَّه اجتمَعَ له ما لم يجتَمِعْ لِغَيرِه من الأنبياءِ، وهو الرِّسالةُ والكتابةُ والخَطابةُ، والخِلافةُ والمُلك والقَضاءُ، في زمَنٍ واحدٍ؛ قال تعالى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ص: 20] ، وقال: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [763] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 327).   [ص: 26] .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا فيه سؤالٌ: لمَ نَكَّر الزَّبورَ هنا، وعَرَّفه في قَولِه: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ [الأنبياء: 105] ؟
الجوابُ مِن وجوهٍ:
الوجهُ الأوَّلُ: أنَّ التنكيرَ هاهنا يدُلُّ على تعظيمِ حالِه؛ لأنَّ الزَّبورَ عِبارةٌ عن المزبورِ، فكان معناه الكِتابَ، فكان معنى التنكيرِ أنَّه كامِلٌ في كونِه كِتابًا [764] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (20/356).   .
الوجه الثاني: أنَّه يجوزُ أن يكونَ الزَّبورُ مِن الأعلامِ التي يُستعمَلُ بـ «أل» وبدونِها، كـ (العبَّاس)، و(الفضل).
الوجه الثالث: يجوزُ أن يكونَ نكَّرَه في موضِعِ تنكيرِه، بمعنى: آتيناه بعضَ الزُّبُرِ وهي الكُتُبُ، أو أراد به ما فيه ذِكرُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الزَّبورِ، فسمَّى بعضَ الزَّبورِ زَبورًا، كما سَمَّى بعضَ القُرآنِ قُرآنًا في قَولِه تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ [765] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 327-328).   [الإسراء: 106] .
4- وقال: مِنْ دُونِهِ في قولِه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ مع أنَّ المُشركينَ ما زَعَموا غيرَ اللهِ إلهًا دونَ اللهِ، بلْ مع اللهِ على وجْهِ الشَّركةِ؛ لأنَّ في الكلامِ تَقديمًا وتأخيرًا، تَقديرُه: (قُلِ ادْعوا الَّذين من دونِ اللهِ زَعْمتم أنَّهم شُركاءُ) [766] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 328).   .
5- قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا فذِكْرُ المقاماتِ الثَّلاثةِ: الحُبُّ -وهو ابتِغاءُ القُربِ إليه، والتوسُّلُ إليه بالأعمالِ الصَّالحةِ-، والرَّجاءُ والخَوفُ؛ يدُلُّ على أنَّ ابتغاءَ الوَسيلةِ أمرٌ زائِدٌ على رجاءِ الرَّحمةِ وخَوفِ العَذابِ، ومِن المعلومِ قَطعًا أنَّك لا تتنافَسُ إلَّا في قُربِ من تحِبُّ قُربَه، وحُبُّ قُربِه تَبَعٌ لمحبَّةِ ذاتِه، بل محبَّةُ ذاتِه أوجبت محبَّةَ القُربِ منه. وعند الجهميَّةِ والمُعطِّلة: ما من ذلك كُلِّه شَيءٌ! فإنَّه عندهم لا تَقرُبُ ذاتُه مِن شَيءٍ، ولا يَقرُبُ مِن ذاتِه شيءٌ، ولا يُحَبُّ لِذاتِه، ولا يحِبُّ! فأنكروا حياةَ القلوبِ، ونعيمَ الأرواحِ، وبَهجةَ النُّفوسِ، وقُرَّةَ العيونِ، وأعلى نعيمِ الدُّنيا والآخرةِ؛ ولذلك ضُرِبَت قلوبُهم بالقَسوةِ، وضُرِبَت دونَهم ودونَ الله حُجُبٌ على معرفتِه ومحبَّتِه، فلا يَعرِفونَه ولا يحبُّونَه، ولا يذكرونَه إلَّا عند تعطيلِ أسمائِه وصفاتِه [767] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/23).   !

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا
- قولُه: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ تَعليلٌ للأمْرِ بقولِ الَّتي هي أحسَنُ، والمقصودُ من التَّعليلِ: ألَّا يَستَخِفُّوا بفاسدِ الأقوالِ؛ فإنَّها تُثِيرُ مفاسدَ من عمَلِ الشَّيطانِ [768] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/132).   .
- وجُملةُ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا تَعليلٌ لجُملةِ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ، وعِلَّةُ العلَّةِ علَّةٌ [769] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/133).   .
2- قَولُه تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
- قولُه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ أُتِيَ بالمُسنَدِ إليه بلفْظِ الرَّبِّ رَبُّكُمْ مُضافًا إلى ضَميرِ المُؤمنينَ الشَّاملِ للرَّسولِ؛ تَذكيرًا بأنَّ الاصطفاءَ للخيرِ شأْنٌ مِن معنى الرُّبوبيَّةِ الَّتي هي تَدبيرُ شُؤونِ المرْبوبينَ بما يَليقُ بحالِهم؛ ليكونَ لإيقاعِ المُسنَدِ على المُسنَدِ إليه بعدَ ذلك بقولِه: أَعْلَمُ بِكُمْ وقْعٌ بَديعٌ؛ لأنَّ الَّذي هو الرَّبُّ هو الَّذي يكونُ أعلَمَ بدَخائلِ النُّفوسِ وقابليَّتِها للاصطفاءِ [770] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/134).   .
- وجُملةُ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ مُبيِّنةٌ للمقصودِ من جُملةِ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، والرَّحمةُ والتَّعذيبُ مُكنًّى بهما عن الاهتداءِ والضَّلالِ؛ بقرينةِ مُقارنتِه لقولِه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ الَّذي هو كالمُقدِّمةِ، وسلَكَ سبيلَ الكِنايةِ بهما لإفادةِ فائدتينِ: صَريحِهما وكِنايتِهما، ولإظهارِ أنَّه لا يُسْأَلُ عمَّا يفعَلُ؛ لأنَّه أعلَمُ بما يَليقُ بأحوالِ مَخلوقاتِه [771] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/134).   .
- وفائدةُ ذِكْرِ شرْطِ المشيئةِ هنا إِنْ يَشَأْ: التَّعليمُ بأنَّه تَعالى لا مُكرِهَ له، فجمَعَتِ الآيةُ الإشارةَ إلى صِفَةِ العلمِ والحكمةِ، وإلى صِفَةِ الإرادةِ والاختيارِ. وإعادةُ شرْطِ المشيئةِ في الجُملةِ المعطوفةِ -أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ-؛ لتأكيدِ تَسلُّطِ المشيئةِ على الحالتينِ [772] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/135).   .
- وفي قولِه: أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ جِيءَ بالعطفِ بحرْفِ (أو) الدَّالَّةِ على أحَدِ الشَّيئينِ؛ لأنَّ الرَّحمةَ والتَّعذيبَ لا يَجتمعانِ؛ فـ(أو) للتَّقسيمِ [773] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/134).   .
- قولُه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا زِيادةٌ لبيانِ أنَّ الهِدايةَ والضَّلالَ من جعْلِ اللهِ تَعالى، وأنَّ النَّبيَّ غيرُ مَسؤولٍ عن استمرارِ مَن استمَرَّ في الضَّلالةِ؛ إزالةً للحرَجِ عنه فيما يجِدُه من عدَمِ اهتداءِ مَن يَدْعوهم، أي: ما أرسَلْناك لتُجْبِرَهم على الإيمانِ، وإنَّما أرسلناك داعيًا، والمعنى: أرسَلْناك نَذيرًا وداعيًا لهم، وما أرسلناك عليهم وكيلًا، فيُفيدُ معنى القصْرِ؛ لأنَّ كونَه داعيًا ونذيرًا معلومٌ بالمُشاهَدةِ، فإذا نُفِيَ عنه أنْ يكونَ وكيلًا ومُلْجِئًا آلَ إلى معنى: ما أنت إلَّا نَذيرٌ [774] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/135).   .
- قولُه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا عَلَيْهِمْ مُتعلِّقٌ بـ وَكِيلًا، وقُدِّمَ على مُتعلَّقِه؛ للاهتمامِ، وللرِّعايةِ على الفاصلةِ [775] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/135).   .
3- قَولُه تعالى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا هذا انتقالٌ من الخُصوصِ إلى العُمومِ؛ بعدما ذكَرَ تعالى أنَّه أعلَمُ بمَن خاطَبَهم بقولِه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، فقال مُخاطِبًا لرسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ...؛ ليُبيِّنَ أنَّ علْمَه غيرُ مقصورٍ عليكم، بلْ علْمُه مُتعلِّقٌ بجميعِ مَن في السَّمواتِ والأرضِ؛ بأحوالِهم ومقاديرِهم، وما يستأهِلُ كلَّ واحدٍ منهم [776] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/68).   . وقولُه: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كالمُقدِّمةِ لقوِله: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ الآيةَ؛ أعاد تَذكيرَهم بأنَّ اللهَ أعلَمُ منهم بالمُستأهِلِ للرِّسالةِ بحسَبِ ما أعدَّه اللهُ فيه مِن الصِّفاتِ القابلةِ لذلك. وكان الحكمُ في هذه المُقدِّمةِ على عُمومِ الموجوداتِ؛ لتكونَ بمنزلةِ الكُليَّةِ الَّتي يُؤْخَذُ منها كلُّ حُكمٍ لجُزئيَّاتِها؛ لأنَّ المقصودَ بالإبطالِ مِن أقوالِ المُشركينَ جامعٌ لصُورٍ كثيرةٍ من أحوالِ الموجوداتِ مِن البشرِ والملائكةِ وأحوالِهم؛ لأنَّ بعضَ المُشركينَ أحالوا إرسالَ رسولٍ من البشَرِ، وبعضَهم أحالوا إرسالَ رسولٍ ليس من عُظمائِهم، وبعضَهم أحالوا إرسالَ مَن لا يأتي بمثْلِ ما جاء به مُوسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذلك يثيرُ أحوالًا جمَّةً من العُصورِ والرِّجالِ والأُمَمِ أحياءً وأمواتًا؛ فلا جرَمَ كان للتَّعميمِ موقعٌ عظيمٌ في قولِه: بِمَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وهو أيضًا كالمُقدِّمةِ لجُملةِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ، مُشيرًا إلى أنَّ تفاضُلَ الأنبياءِ ناشئٌ على ما أودَعَه اللهُ فيهم من مُوجِباتِ التَّفاضُلِ، وهذا إيجازٌ تضمَّنَ إثباتَ النُّبوَّةِ وتَقرُّرَها فيما مَضى ممَّا لا قِبَلَ لهم بإنكارِه [777] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/136).   .
- وفي تَغييرِ أُسلوبِ الخطابِ أيضًا في قولِه: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بعدَ قولِه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ: إيماءٌ إلى أنَّ الغرضَ من هذه الجُملةِ عائدٌ إلى شأْنٍ من شُؤونِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الَّتي لها مَزيدُ اختصاصٍ به، تَقفيةً على إبطالِ أقوالِ المُشركينَ في شُؤونِ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ، بإبطالِ أقوالِهم في أحوالِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [778] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/136).   .
4- قَولُه تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
- قولُه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فيه مُناسبةٌ حَسنةٌ، حيث قال هنا: مِنْ دُونِهِ، وقال في سُورةِ (سبَأٍ): قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: 22] ؛ فورَدَ اسمُ الجَلالةِ مُضمرًا في قولِه: مِنْ دُونِهِ في سُورةِ (الإسراءِ)، ومُظهَرًا في قولِه: مِنْ دُونِ اللَّهِ في السُّورةِ الأُخرى؛ ووجْهُ ذلك: أنَّه لمَّا قرُبَ مرجِعُه هنا في سُورةِ (الإسراءِ)، وهو الرَّبُّ في قولِه المُتقدِّمِ ذِكْرُه في الآيةِ الأُولى: وَرَبُّكَ أَعْلَمُ؛ عُبِّرَ عنه مُضمَرًا مُناسبةً، ولم يكُنْ ليُناسِبَ الظَّاهِرُ هنا، ولمَّا بَعُدَ مرجِعُ الضَّميرِ في سُورةِ (سبَأٍ) لو أُتِيَ به، أُتِيَ بالاسمِ الظَّاهرِ؛ فآيةُ سبَأٍ تقدَّمَ قبلَها قولُه تَعالى مُخبِرًا عن الكافرينَ: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ [سبأ: 20] ، ثمَّ قال بعدَ آيةٍ من تَمامِ الآيةِ الَّتي قبلَها: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [سبأ: 22] ؛ فجِيءَ بالاسمِ الظَّاهرِ؛ ليكونَ أبعَدَ على إيهامِ عودةِ الضَّميرِ ورُجوعِه إلى المُتَّبَعِ لهم في الآيةِ المُتقدِّمةِ، فجاء كلٌّ على ما يُناسِبُ [779] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 166)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/312-313)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 328).   .
- ومن المُناسبةِ الحَسنةِ أيضًا: وُرودُ قولِه: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ قبلَ قولِه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ، بينما ورَدَ قبلَ آيةِ (سبأٍ) قولُه تعالى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20] ؛ فخُصَّت آيةُ (سبَأٍ) بعودةِ الاسمِ ظاهرًا دونَ آيةِ (الإسراءِ)؛ ووجْهُ ذلك: أنَّه ورَدَ ذِكْرُه في (الإسراءِ) مُحذَّرًا منه موصوفًا بنَزغِه وعداوتِه، مع أنَّ الآيةَ خِطابٌ بأمْرِ المُؤمنين بقولِه: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الإسراء: 53] ، والإضافةُ في قولِه: وَقُلْ لِعِبَادِي إضافةُ تَخصيصٍ، والأمْرُ أمْرٌ بما هو أوْلى، وليس يُواجَهُ ولا يُخاطَبُ بها إلَّا المُؤمنون، ثمَّ إنَّها أُتْبِعَت بما يُلائِمُ الآيةَ المُتكلَّمَ فيها أجَلَّ مُلاءمةٍ. وأمَّا وُرودُ ذكْرِ إبليسَ في سُورةِ (سبَأٍ) فمُتَّصلٌ بالآيةِ، وإبليسُ فيها موصوفٌ بأنَّه اتُّبِعَ، وأنَّه صدَّقَ ظنَّه على المذكورينَ، والآيةُ إخبارٌ عن الكُفَّارِ، والكلامُ كلُّه إعلامٌ بحالِهم إلى قولِه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ [سبأ: 22] ، فهذا الاعتراضُ غيرُ لازمٍ، ووُرودُ كلٍّ من الآيتينِ على أعلى تناسُبٍ وأجَلِّ مُلاءمةٍ، ولو قُدِّرَ عكْسُ الواردِ لَمَا صَحَّ على الجاري المُطَّردِ في نظْمِ الكتابِ العزيزِ [780] يُنظر: ((ملاك التأويل)) (2/312-313).   .
5- قَولُه تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا
- قولُه: وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ذُكِرَ خوفُ العذابِ بعدَ رجاءِ الرَّحمةِ؛ للإشارةِ إلى أنَّهم في موقفِ الأدبِ مع ربِّهم، فلا يَزيدُهم القُربُ من رِضاهُ إلَّا إجلالًا له، وخوفًا من غضَبِه. وهو تَعريضٌ بالمُشركين الَّذين رَكِبوا رُؤوسَهم، وتوغَّلوا في الغُرورِ، فزَعموا أنَّ شُركاءَهم شُفعاؤُهم عند اللهِ [781] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/140).   .
- وجُملةُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا تَذييلٌ [782] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/141).   .