موسوعة التفسير

سورةُ طه
الآيات (131-135)

ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ

غريب الكلمات:


وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ: أي: لا تُطِلْ نظرَ عينَيْك، ومدُّ العينينِ هو تطويلُ النظرِ، وأصلُ المَدِّ: الجرُّ، ومنه: المُدَّةُ للوقتِ الممتدِّ [1163] يُنظر: ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 763)، ((تفسير ابن جزي)) (2/17)، ((تفسير الشوكاني)) (3/465). .
أَزْوَاجًا: أي: أصنافًا، وقيل: أشباهًا وأقرانًا، وأصلُ (زوج): يَدُلُّ على مُقارنةِ شيءٍ لشيءٍ [1164] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 239)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/35)، ((البسيط)) للواحدي (14/561)، ((تفسير السمعاني)) (3/151)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 385)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 230). .
زَهْرَةَ: أي: بَهْجَةَ وبُهرُجَ وزينةَ، وأصلُ (زهر): يدُلُّ على حُسنٍ وضِياءٍ وصَفاءٍ [1165] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 253)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/31)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 292)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 493). .
بَيِّنَةُ: أي: بيانُ وبرهانُ، والبيِّنةُ: الدلالةُ الواضحةُ؛ يُقال: بان الشيءُ وأبان، إذا اتَّضح وانكَشف [1166] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/278)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/328)، ((المفردات)) للراغب (ص: 157)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 234)، ((تفسير ابن كثير)) (3/454). .
الصُّحُفِ الْأُولَى: أي: التوراةِ والإنجيلِ والكُتُبِ المتقَدِّمةِ، وأصلُ (صحف): يدُلُّ على انبِساطٍ في شَيءٍ وسَعَةٍ [1167] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/334)، ((المفردات)) للراغب (ص: 476)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 234)، ((تفسير القرطبي)) (11/264)، ((تفسير ابن كثير)) (5/329). .
نَذِلَّ: الذِّلَّةُ: الصَّغارُ، وأصلُ الذُّلِّ: الخُضوعُ والاستكانةُ [1168] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 314)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/345)، ((المفردات)) للراغب (ص: 330)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 90). .
وَنَخْزَى: أي: نَهلِك ونَبعَد، والخِزيُ: النَّكالُ والفَضيحةُ، وأصلُه: يدُلُّ على الإبعادِ [1169] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 53)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/179)، ((المفردات)) للراغب (ص: 281)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 56)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 134)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 65، 432). .
السَّوِيِّ: أي: المستقيمِ المستوي، والسَّوِيُّ يقال فيما يُصانُ عن الإفراطِ والتَّفريطِ من حيثُ القدرُ، والكيفيَّةُ، وأصلُ (سوي): يدُلُّ على استقامةٍ، واعتدالٍ بينَ شيئينِ [1170] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/550)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/112)، ((المفردات)) للراغب (ص: 440)، ((تفسير ابن كثير)) (5/234). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
قَولُه: زَهْرَةَ منصوبٌ، وفي نَصبِه أوجُهٌ:
أحَدُها: أنَّه مفعولٌ به ثانٍ بتضمينِ مَتَّعْنَا معنى (أعطينا)، وأَزْوَاجًا هو المفعولُ به الأوَّلُ.
الثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ مِن مَا الموصولةِ.
الثالثُ: أنَّه حالٌ من الهاء في بِهِ.
الرَّابعُ: أنَّه منصوبٌ على الذَّمِّ. وقيل غيرُ ذلك [1171] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/380)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (2/474)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1568)، ((التبيان)) للعكبري (2/909)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/122)، ((تفسير الألوسي)) (8/591). .

المعنى الإجمالي:


ينهَى الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإعجابِ بالدنيا وزينتِها، فيقولُ: ولا تنظُرْ -يا محمَّدُ- إلى ما مَتَّعْنا به هؤلاء المُشرِكينَ مِن أنواعِ المُتَعِ والمَباهِجِ؛ فإنَّها زينةٌ زائِلةٌ في هذه الحياةِ الدُّنيا، مَتَّعناهم بها؛ لنبتَلِيَهم بها، ورِزقُ رَبِّك وثوابُه خَيرٌ لك مِن زينةِ الدُّنيا وأدوَمُ.
وأْمُرْ -يا محمَّدُ- أهلَك بالصَّلاةِ، واصطَبِرْ على أدائِها، لا نسألُك رِزقًا، نحن نَرزُقُك ونعطيك، والعاقِبةُ الصَّالحةُ في الدُّنيا والآخرةِ لأهلِ التَّقوى.
ثمَّ يذكرُ الله تعالى بعضَ الشبهاتِ التي أثارها المشركون حولَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويُبيِّنَ بطلانَها فيقولُ: وقال المُشرِكونَ: هلَّا يأتينا محمَّدٌ بمُعجِزةٍ مِن رَبِّه تدلُّ على صِدقِه. أولَمْ يأتِهم هذا القرآنُ المصدِّقُ لِما في الكُتُبِ السَّابِقةِ مِن الحقِّ؟!
ولو أنَّا أهلَكْنا هؤلاء المُشرِكينَ بعذابٍ مِن قَبلِ أن نُرسِلَ إليهم رسولًا وننَزِّلَ عليهم كِتابًا، لقالوا: ربَّنا، هلَّا أرسَلْتَ إلينا رسولًا مِن عِندِك فنُصَدِّقَه ونتَّبِعَ آياتِك مِن قَبلِ أن نَذِلَّ ونَخزى بعَذابِك.
ثمَّ يأمرُ الله رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يهدِّدَهم بسوءِ العاقبةِ، إذا ما استمرُّوا في طغيانِهم، ويقولُ له: قل لهؤلاء المشركينَ بالله: كلٌّ مِنَّا ومنكم مُنتَظِرٌ دوائِرَ الزمانِ بالآخَرِ، ولِمَن يكونُ النَّصرُ والفَلاحُ، فستَعلَمون -أيُّها المُشرِكونَ: مَن أهلُ الطَّريقِ المُستقيمِ، ومَن المهتدي للحَقِّ منَّا ومنكم!

تفسير الآيات:


وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ الله تعالى أعقَبَ أمرَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالصَّبرِ على ما يقولونَه بنَهيِه عن الإعجابِ بما يُنَعَّمُ به مَن تنعَّمَ مِن المشركينَ بأموالٍ وبنينَ في حينِ كُفرِهم باللهِ، بأنَّ ذلك لحِكَمٍ يَعلَمُها الله تعالى، منها إقامةُ الحُجَّةِ عليهم، كما قال تعالى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ [1172] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/339-340). [المؤمنون: 55، 56].
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ.
أي: ولا تُطِلِ النَّظَرَ [1173] قال الزمخشري: (مدُّ النظرِ: تطويلُه، وأن لا يكادَ يردُّه؛ استحسانًا للمنظورِ إليه وإعجابًا به، وتمنيًا أن يكونَ له). ((تفسير الزمخشري)) (3/97، 98). -يا محمَّدُ- بإعجابٍ ورَغبةٍ وتمنٍّ إلى ما أعطَيناه للأغنياءِ المُترَفينَ من هؤلاءِ المُعرِضينَ عن آياتِ رَبِّهم من نِعَمٍ ومَباهِجَ زائلةٍ، يتمتَّعونَ بها مِن زينةِ الدُّنيا الفانيةِ؛ فإنَّما جعلناها لهم لنبتَلِيَهم ونختَبِرَهم بذلك [1174] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/213)، ((تفسير السمرقندي)) (2/417)، ((تفسير ابن كثير)) (5/326)، ((تفسير الشوكاني)) (3/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 516). وممن اختار أنَّ الفتنةَ في قولِه تعالى: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ تعني الابتلاءَ والاختبارَ: مقاتلُ بنُ سليمان، وابنُ جريرٍ، والرسعني، والقرطبي، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/46)، ((تفسير ابن جرير)) (16/213)، ((تفسير الرسعني)) (4/585)، ((تفسير القرطبي)) (11/262)، ((تفسير ابن كثير)) (5/327)، ((تفسير السعدي)) (ص: 516). وقيل: المرادُ بقولِه سبحانه: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ: أي: ليكونَ ذلك فتنةً لهم، وزيادةً في طغيانِهم وكفرِهم. وممن قال بذلك في الجملة: البغوي، والمحلي. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/281)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 419). وقال الشوكاني: (لِنَجعلَ ذلك فِتنةً لهم وضَلالةً؛ ابتلاءً منَّا لهم). ((تفسير الشوكاني)) (3/465). وقال ابنُ عاشور: (ذَكَرَ الأزواجَ هنا لدَلالتِه على العائلاتِ والبيوتِ، أي: إلى ما متَّعْناهم وأزواجَهم به من المُتَع؛ فكُلُّ زوجٍ مُمَتَّعٌ بمتعةٍ في زوجِه ممَّا يَحسُنُ في نَظَرِ كُلٍّ مِن محاسِنِ قَرينِه، وما يقارِنُ ذلك من محاسِنَ مُشتَرَكةٍ بين الزوجينِ، كالبنينَ والرِّياشِ، والمنازِلِ والخَدَمِ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/340). .
عن عُمَرَ رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال: ((ادعُ اللهَ يا رسولَ اللهِ أن يوسِّعَ على أمَّتِك؛ فقد وسَّعَ على فارسَ والرُّومِ، وهم لا يَعبُدونَ الله. فاستوى جالسًا، ثمَّ قال: أفي شكٍّ أنت يا ابنَ الخطَّابِ؟! أولئك قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيِّباتُهم في الحياةِ الدُّنيا)) [1175] رواه البخاري (2468)، ومسلم (1479) واللفظ له. .
وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
أي: وثوابُ الله لك -يا محمَّدُ- في الآخرةِ خَيرٌ مِن زينةِ الدُّنيا وأدوَمُ؛ لأنَّه ثوابٌ لا ينقَطِعُ [1176] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/213)، ((تفسير السمرقندي)) (2/417)، ((تفسير الشوكاني)) (3/465)، ((تفسير القنوجي)) (8/296). .
كما قال تعالى: إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل: 95، 96].
وقال سُبحانَه: وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: 17].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: 4، 5].
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لمَّا أمر الله تعالى بتزكيةِ النَّفسِ؛ أتبَعَه الإعلامَ بأنَّ منها تزكيةَ الغَيرِ؛ لأنَّ ذلك أدَلُّ على الإخلاصِ، وأجدَرُ بالخلاصِ، فقال [1177] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/371). :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا.
أي: وأْمُرْ -يا محمَّدُ- أهلَك بإقامةِ الصَّلاةِ، وحُثَّهم على المحافظةِ عليها، واصبِرْ على القيامِ بها، وأدائِها في أوقاتِها بحُدودِها وأركانِها، وآدابِها وخُشوعِها [1178] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/216)، ((تفسير الخازن)) (3/218)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517). قال القرطبي: (هذا الخطابُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويدخُلُ في عمومه جميعُ أمته، وأهلُ بيتِه على التخصيصِ). ((تفسير القرطبي)) (11/263). .
كما قال تعالى عن إسماعيلَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم: 55].
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ الله عنهما، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مُرُوا أولادَكم بالصَّلاةِ وهم أبناءُ سَبعِ سِنينَ، واضرِبوهم عليها وهم أبناءُ عَشرٍ)) [1179] أخرجه أبو داود (495) واللفظ له، وأحمد (6689). صحَّحه ابن القطَّان في ((أحكام النظر)) (275)، وحسَّن إسناده النووي في ((المجموع)) (3/10)، وصححه ابن الملقن في ((البدر المنير)) (3/238) وذكر أن له طرقًا (10/166)، وابن باز في ((مجموع الفتاوى)) (7/184)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (495)، وصحَّح إسناده أحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (10/166) و(11/36). .
لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ.
أي: لا نُكَلِّفُك -يا محمَّدُ- رِزقًا، بل نكَلِّفُك بإقامةِ الصَّلاةِ وقد تكَفَّلْنا برِزْقِك ورِزقِ جَميعِ الخَلقِ؛ فلا تَنشَغِلْ بطَلَبِ الرِّزقِ عن أداءِ الصَّلاةِ [1180] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/216)، ((تفسير البغوي)) (3/281)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/183)، ((تفسير القرطبي)) (11/263)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517). .
قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56 - 58].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إنَّ الله تعالى يقولُ: يا ابنَ آدَمَ، تفَرَّغْ لعبادتي أملأْ صَدْرَك غِنًى، وأسُدَّ فَقْرَك، وإلَّا تفعَلْ ملأتُ يديك شُغلًا، ولم أسُدَّ فَقْرَك)) [1181] أخرجه الترمذي (2466) واللفظ له، وابن ماجه (4107)، وأحمد (8696). قال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (393)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (16/284)، وصحح الحديث الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4107). .
وعن زيدِ بنِ ثابتٍ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((مَن كانت الدُّنيا هَمَّه، فرَّق اللَّهُ عليه أمرَه، وجَعَل فقرَه بينَ عينَيْه، ولم يأْتِهِ مِن الدُّنيا إِلَّا ما كُتِب له. ومَن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جَمَع له أمرَه، وجَعَل غِناهُ في قلبِه، وأتَتْه الدُّنيا وهي راغمةٌ)) [1182] أخرجه ابن ماجه (4105) واللفظ له، وأحمد (21590) مطولًا. ذكَر ثبوتَه ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) (21/276)، ووثق رواته المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (4/56)، وجوَّد إسنادَه العراقي في ((تخريج الإحياء)) (4/271)، وصحَّح الحديثَ الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (4105). .
وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى.
أي: والعاقبةُ المحمودةُ في الدُّنيا والآخرةِ لأهلِ التَّقوى [1183] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/216)، ((تفسير القرطبي)) (11/263)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517). .
كما قال تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: 128].
وقال سُبحانَه: تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 83].
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ سبحانه بعد الوصيَّةِ بالصَّلاةِ، حكى عن المُشرِكينَ شُبهَتَهم، فكأنَّه من تمامِ قَولِه: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [1184] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/116). [طه: 130].
وأيضًا فإنَّه رجوعٌ إلى التَّنويهِ بشأنِ القُرآنِ، وبأنَّه أعظَمُ المعجِزاتِ، وهو الغَرَضُ الذي انتَقَل منه إلى أغراضٍ مُناسِبةٍ مِن قَولِه: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه: 113]، والمناسَبةُ في الانتِقالِ هو ما تضَمَّنه قَولُه: فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [طه: 130]؛ فجيءَ هنا بشُنْعٍ مِن أقوالِهم التي أمَرَ اللهُ رَسولَه بأن يَصبِرَ عليها؛ فمِن أقوالِهم التي يَقصِدونَ منها التعَنُّتَ والمكابَرةَ أن قالوا: لولا يأتينا بآيةٍ مِن عندِ رَبِّه فنُؤمِنَ برِسالتِه [1185] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/344). .
وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ.
أي: وقال المُشرِكونَ: هلَّا يأتينا محمَّدٌ بمُعجِزةٍ مِن رَبِّه، كمعجزاتِ الأنبياءِ مِن قَبْلِه [1186] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/218)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/130). قال القرطبي: (قوله تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ يريد كفَّارَ مكةَ، أي: لولا يأتينا محمَّدٌ بآيةٍ تُوجِبُ العلمَ الضروريَّ، أو بآيةٍ ظاهرةٍ كالنَّاقةِ والعصا. أو هلَّا يأتينا بالآياتِ التي نقتَرِحُها نحن كما أتى الأنبياءُ مِن قبله). ((تفسير القرطبي)) (11/264). وممن قال بأنَّ المرادَ: معجزاتُ الأنبياءِ: ابنُ جرير، والبقاعي، واستظهره الشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/218)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/374)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/130). وممَّن قال بأنَّ المرادَ: الآياتُ التي يقترحونها: الزجاج، والسمعاني، والبغوي، وأبو حيان، والسعدي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/381)، ((تفسير السمعاني)) (3/365)، ((تفسير البغوي)) (3/281)، ((تفسير أبي حيان)) (7/401)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517). قال أبو حيان: (وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ هذه عادتُهم في اقتراحِ الآياتِ، كأنَّهم جعلوا ما ظهَرَ مِن الآياتِ ليس بآياتٍ، فاقتَرَحوا هم ما يختارونَ؛ على دَيدنِهم في التعنُّتِ!). ((تفسير أبي حيان)) (7/401). ؟
أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى.
مُناسَبتُها لما قَبلَها:
لَمَّا تضَمَّنَ قَولُهم السَّابِقُ أنَّهم لم يَعُدُّوا شيئًا من هذه البيِّناتِ -التي أدلَى بها على مَن تقَدَّمَه- آيةً؛ مكابرةً- استحَقُّوا الإنكارَ، فقال [1187] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/374). :
أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى.
أي: أولمْ يأتِ المشركينَ الذين يَطلُبونَ الآياتِ، القرآنُ الذي يخبِرُهم بما في كتُبِ الأنبياءِ السَّابِقينَ، كالبِشارةِ بمحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، الذي جاء مصَدِّقًا لها، ومطابقًا لأخبارِها، ومِن ذلك أخبارُ الأُمَمِ الذين سألوا أنبياءَهم الآياتِ، فلم يؤمِنوا بها فأهلَكْناهم؟ فماذا يُؤمِّنُ هؤلاء المُشرِكينَ إن أتَتْهم آيةٌ أن يكونَ حالُهم كحالِ أولئك فيَهلِكوا مِثلَهم [1188] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/218)، ((تفسير البيضاوي)) (4/43)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/130). قال القرطبي: (قال اللهُ تعالى: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى يريدُ التوراةَ والإنجيلَ والكُتُبَ المتقَدِّمةَ، وذلك أعظَمُ آيةٍ؛ إذ أخبَرَ بما فيها... وقيل: أولَمْ تأتهم الآيةُ الدالَّةُ على نبُوَّتِه بما وجَدوه في الكتُبِ المتقَدِّمة من البشارةِ. وقيل: أولم يأتِهم إهلاكُنا الأُمَمَ الذين كَفَروا واقترحوا الآياتِ، فما يُؤَمِّنُهم إن أتَتْهم الآياتُ أن يكونَ حالُهم حالَ أولئك؟!). ((تفسير القرطبي)) (11/264). وقال ابن عاشور: (وهذه البيِّنةُ هي محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم وكتابُه القرآن؛ لأنَّ الرَّسولَ موعودٌ به في الكُتُبِ السَّالفة، ولأنَّ في القرآنِ تصديقًا لِما في تلك الكُتُبِ مِن أخبارِ الأنبياء، ومن المواعِظِ وأصولِ التَّشريعِ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/345). ؟
كما قال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [النمل: 76].
وقال سُبحانه: وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: 50، 51].
وقال عزَّ وجَلَّ: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [الإسراء: 59].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ما من الأنبياءِ نبيٌّ إلَّا أُعطِيَ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنما كان الذي أُوتيتُ وَحيًا أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابِعًا يومَ القيامةِ )) [1189] رواه البخاري (4981) واللفظ له، ومسلم (152). .
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا تَبيَّنَ بما سبق أنَّ المُشرِكينَ يَطعَنونَ بما لا شُبهةَ لهم فيه أصلًا؛ أتبعه ما كان لهم فيه نوعُ شُبهةٍ لو وقَعَ، فقال [1190] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/375). :
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ.
أي: ولو أنَّا أهلَكْنا هؤلاء المُشرِكينَ المُكَذِّبينَ بالقرآنِ بعَذابٍ مِن قَبلِ نُزولِ القُرآنِ عليهم، وإرسالِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم؛ لقالوا يومَ القيامةِ محتَجِّينَ على اللهِ: رَبَّنا، هلَّا أرسَلْتَ إلينا رسولًا فنُؤمِنَ ونَعمَلَ بما جاء به مِن آياتِ كِتابِك [1191] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/219)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/183)، ((تفسير القرطبي)) (11/264)، ((تفسير ابن جزي)) (2/17). !
كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15].
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى.
أي: مِن قَبلِ أن نَذِلَّ بالعذابِ، ونَخزَى في النَّارِ [1192] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/219)، ((الوسيط)) للواحدي (3/228)، ((تفسير القرطبي)) (11/265)، ((تفسير ابن جزي)) (2/17). .
كما قال تعالى: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ [آل عمران: 192].
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا عَلِمَ الله تعالى أنَّ إيمانَ هؤلاء المشركينَ كالمُمتَنِعِ، وجدالَهم لا ينقَطِعُ، بل إنْ جاءهم الهُدى طعنوا فيه، وإنْ عُذِّبوا قبله تظَلَّموا، كان كأنَّه قيل: فما الذي أفعَلُ معهم؟ فقال [1193] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/376). :
قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا.
أي: قُلْ لهم -يا محمَّدُ: كلٌّ منا ومنكم مُنتَظِرٌ دوائِرَ الزَّمانِ بالآخَرِ، ولِمَن يكون النَّصرُ؛ فداوِموا على انتظارِكم [1194] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/220)، ((الوسيط)) للواحدي (3/228)، ((تفسير القرطبي)) (11/265)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517). .
كما قال تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [التوبة: 52].
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى.
أي: فستَعلَمونَ -أيُّها المُشرِكونَ- مَن هم أهلُ الطَّريقِ المُستَقيمِ المُعتَدِلِ الذي لا اعوِجاجَ فيه أنحن أم أنتم، وستَعلَمونَ مَن كان مُهتَديًا إلى الحَقِّ، ومَنِ الحائِدُ عنه [1195] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/220)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/381)، ((تفسير القرطبي)) (11/265)، ((تفسير السعدي)) (ص: 517). قيل: المرادُ: ستعلمون ذلك يومَ القيامةِ. وممن قال به: ابنُ جرير، والواحدي، والبغوي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/220)، ((الوسيط)) للواحدي (3/228)، ((تفسير البغوي)) (3/282). وقيل: المرادُ: إذا وقع النَّصرُ. وممن قال به: القرطبي، وابن عجيبة، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (11/265)، ((تفسير ابن عجيبة)) (3/438)، ((تفسير القاسمي)) (7/171). قال البقاعي: (ولقد عَلِموا يقينًا ذلك يومَ فَتحِ مكة المشَرَّفة، واشتد اغتباطُهم بالإسلام). ((نظم الدرر)) (12/377). وجمع الشنقيطيُّ بين القولينِ السَّابقينِ، فقال: (والمعنى: سيتَّضِحُ لكم أنَّا مُهتَدونَ، وأنَّا على صراطٍ مُستقيمٍ، وأنَّكم على ضلالٍ وباطلٍ، وهذا يظهَرُ لهم يومَ القيامةِ إذا عايَنوا الحقيقةَ، ويظهَرُ لهم في الدُّنيا؛ لِما يرَونَه من نَصرِ اللهِ لنبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم). ((أضواء البيان)) (4/131). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فيه النَّهيُ عن التشَوُّفِ إلى ما في أيدي النَّاسِ [1196] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 177-178). .
2- قولُه تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ فيه أنَّه ينبغي للمُوَفَّقِ ألَّا ينظُرَ إلى زينةِ الدُّنيا نَظرةَ المُعجَبِ المَفتونِ، وأن يقنَعَ برِزقِ رَبِّه، وأن يتعَوَّضَ ممَّا مُنِعَ منه من الدُّنيا بزادِ التقوى الذي هو عبادةُ اللهِ، واللَّهَجُ بذِكرِه [1197] يُنظر: ((فتح الرحيم الملك العلام)) للسعدي (ص: 211). .
3- قال الله تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ لقد شَدَّدَ المتَّقونَ في وجوبِ غَضِّ البَصَرِ عن أبنيةِ الظَّلَمةِ وعُدَدِ الفَسَقةِ في اللِّباسِ والمركوبِ وغيرِ ذلك؛ لأنَّهم اتَّخَذوا هذه الأشياءَ لِعُيونَ النظَّارةِ؛ فالنَّاظِرُ إليها مُحَصِّلٌ لغَرَضِهم،؛ وكالمقَوِّي لهم على اتخاذِها [1198] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/114). .
4- في قَولِه تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: لا تنظُرْ إلى أهلِ الدنيا، وما مُتِّعُوا به مِن النعيمِ، ومِن المراكبِ، والملابسِ، والمساكنِ.. وغير ذلك؛ فكلُّ هذا زهرةُ الدنيا، والزهرةُ آخرُ مآلِها الذُّبولُ واليَبَسُ والزَّوالُ، وهي أسرعُ أوراقِ الشجرةِ ذُبولًا وزوالًا؛ ولهذا قال: زَهْرَةَ، وهي زهرةٌ حسنةٌ في رونقِها وجمالها وريحِها -إنْ كانت ذاتَ ريحٍ- لكنها سريعةُ الذُّبول، وهكذا الدنيا؛ زهرةٌ تَذْبُلُ سريعًا، نسأل الله أن يجعل لنا حظًّا ونصيبًا في الآخرةِ [1199] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (3/45). .
5- مجالسةُ المساكينِ تُوجِبُ رضا من يجالِسُهم برِزقِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وتُعظِّمُ عنده نِعمةَ الله عزَّ وجَلَّ عليه بنَظَرِه في الدُّنيا إلى مَن دُونَه، ومجالسةُ الأغنياءِ تُوجِبُ التسَخُّطَ بالرِّزقِ، ومدَّ العَينِ إلى زينَتِهم وما هم فيه، وقد نهى الله عزَّ وجَلَّ نَبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذلك، فقال تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [1200] يُنظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (4/63). .
6- قال أُبَيُّ بنُ كَعبٍ رَضِيَ الله عنه في هذه الآيةِ: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ...: (فمَن لم يتَعزَّ بعزاءِ اللهِ تقَطَّعَت نفسُه حَسَراتٍ على الدُّنيا، ومَن يُتبِعْ بَصرَه ما في أيدي النَّاسِ يَطُلْ حُزنُه، ولا يَشْفِ غَيظَه، ومَن لم يَرَ للهِ عليه نِعمةً إلَّا في مَطعَمِه ومَشرَبِه، نَقَص عِلمُه، وحَضَر عذابُه) [1201] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (14/561). .
7- عن هشامِ بنِ عروةَ، قال: (كان عُروةُ إذا رأَى ما عندَ السَّلاطينِ دَخَل دارَه، فقالَ: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى، ثُمَّ يُنادي: الصَّلاةَ الصَّلاةَ، يرحَمُكمُ اللَّهُ) [1202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (16/217). .
8- قَولُ الله تعالى: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى في هذه الآيةِ إشارةٌ إلى أنَّ العَبدَ إذا رأى مِن نَفسِه طُموحًا إلى زينةِ الدُّنيا، وإقبالًا عليها، أن يذكِّرَها ما أمامَها مِن رِزقِ رَبِّه، وأن يوازِنَ بين هذا وهذا [1203] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 516). .
9- قولُ الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ فيه أنَّه يجِبُ على الإنسانِ أمرُ أهلِه مِن زَوجةٍ ووَلَدٍ وسائِرِ عِيالِه بالتقوى والطَّاعةِ، خُصوصًا الصَّلاةَ [1204] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 178). .
10- قَولُ الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا المراد: كما تأمُرُهم فحافظْ عليها فِعلًا؛ فإنَّ الوَعظَ بلِسانِ الفِعلِ أتَمُّ منه بلسانِ القَولِ [1205] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/115). .
11- قال الله تعالى: نَحْنُ نَرْزُقُكَ أي: رزقُك علينا قد تكفَّلْنا به، كما تكفَّلْنا بأرزاقِ الخلائقِ كلِّهم، فكيف بمن قام بأمرِنا، واشتغَل بذكرِنا؟! ورزقُ الله عامٌّ للمتقي وغيرِه، فينبغي الاهتمامُ بما يجلبُ السعادةَ الأبديةَ، وهو: التقوَى؛ ولهذا قال: وَالْعَاقِبَةُ في الدُّنيا والآخرةِ لِلتَّقْوَى التي هي فعلُ المأمورِ وتركُ المنهيِّ، فمَن قام بها، كان له العاقبةُ، كما قال تعالى وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [1206] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 517). [الأعراف: 128].

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ فيه أنَّ النَّظَرَ غَيرَ الممدودِ مَعفُوٌّ عنه، وذلك كما إذا نظَرَ الإنسانُ إلى شيءٍ مَرَّةً ثمَّ غَضَّ [1207] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (22/114). .
2- الصلاةُ جالبةٌ للرزقِ [1208] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم ( 4/192). ، وفي قولِه تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى إشارةٌ إلى أنَّها تجلِبُ الرزقَ، وإيضاحُ ذلك: أنَّ العبد إذا قام بين يَدَي رَبِّه يناجيه، ويتلو كتابَه، هان عليه كلُّ ما في الدُّنيا؛ رغبةً فيما عندَ اللهِ ورَهبةً منه، فيتباعَدُ عن كلِّ ما لا يُرضي اللهَ، فيَرزُقُه اللهُ ويهديه [1209] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/35). ، فقولُه: لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ يعني: إذا أقمتَ الصلاةَ أتاك الرزقُ مِن حيثُ لا تحتسبُ [1210] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/327). . وكان بكرُ بنُ عبدِ الله المُزَنيُّ إذا أصاب أهلَه خَصاصةٌ يقولُ: قوموا فصلُّوا، ثم يقولُ: بهذا أمَر الله رسولَه، ويتلو هذه الآيةَ [1211] يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (6/267). .
3- قول الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ فيه إشارةٌ إلى أنَّ الأمرَ بها، إنما هو لفلاحِ المأمورِ ومنفعتِه، ولا يعودُ على الآمرِ بها نفعٌ ما؛ لتعاليه وتنزهِه بقولِه: لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ أي: لا نسألُك مالًا، بل نكلفُك عملًا ببدنِك، نؤتيك عليه أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا [1212] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (7/167-168). .
4- قَولُ الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى فيه دليلٌ على أنَّ التقوى هي مِلاكُ الأمرِ [1213] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (3/465). .
5- قولُه تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ... قالوهُ تَعنُّتًا وعِنادًا، فألْزَمَهم بإتيانِه بالقُرآنِ الَّذي هو أُمُّ المُعجِزاتِ، وأعْظمُها وأبقاها؛ لأنَّ حَقيقةَ المُعجِزةِ اختصاصُ مُدَّعِي النُّبوَّةِ بنَوعٍ من العِلْمِ أو العمَلِ على وجْهٍ خارقٍ للعادةِ، ولا شكَّ أنَّ العِلْمَ أصْلُ العمَلِ، وأعْلى منه قدْرًا، وأبقى أثرًا، فكذا ما كان من هذا القَبِيلِ، ونَبَّهَهم أيضًا على وجْهٍ أبينَ من وُجوهِ الإعجازِ المُختصَّةِ بهذا البابِ، فقال: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى من التَّوراةِ والإنجيلِ وسائرِ الكُتبِ السَّماويَّةِ؛ فإنَّ اشتمالَها على زُبدةِ ما فيها من العقائدِ والأحكامِ الكُلِّيَّةِ، مع أنَّ الآتِيَ بها أُمِّيٌّ لم يَرَها، ولم يتعلَّمْ ممَّن عَلِمَها: إعجازٌ بَيِّنٌ، وفيه إشعارٌ بأنَّه -كما يدُلُّ على نُبوَّتِه- بُرهانٌ لِمَا تقدَّمَه من الكُتبِ من حيث إنَّه مُعجِزٌ، وتلك ليست كذلك، بل هي مُفتقِرةٌ إلى ما يَشهَدُ على صِحَّتِها [1214] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/43). .
6- قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى دلَّ ذلك على أنَّ المقتضيَ لِعَذابِهم قائمٌ، ولكِنَّ شَرطَ العذابِ هو بلوغُ الرِّسالةِ؛ ولهذا قال: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [1215] يُنظر: ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/314). [النساء: 165].
7- قَولُ الله تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى في هذه الآيةِ دَليلٌ على أنَّ الله لا يُؤاخِذُ أهلَ الفترةِ على الإشراكِ حتى يبعثَ إليهم رسولًا [1216] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/346). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
- وقولُه: وَلَا تَمُدَّنَّ أقْوى من (لا تنظُرْ)؛ لأنَّ مَدَّ البصرِ يَقْتضي الإدامةَ والاستحسانَ، بخِلافِ النَّظرِ، فإنَّه قد لا يكونُ ذلك معه، والعينُ لا تُمَدُّ، فهو على حذْفِ مُضافٍ، أي: لا تمُدَّنَّ نظَرَ عينَيْك [1217] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/399). .
- قولُه: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ مُتعلِّقٌ بـ مَتَّعْنَا؛ جِيءَ به للتَّنفيرِ عنه ببَيانِ سُوءِ عاقبتِه مآلًا، إثْرَ إظْهارِ بَهجتِه حالًا [1218] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/51). .
- وجُملةُ: وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى تَذييلٌ؛ لأنَّ قولَه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى آخرِه، يُفِيدُ أنَّ ما يَبْدو للنَّاظرِ مِن حُسْنِ هيئتِهم مَشوبٌ ومُبطَّنٌ بفِتْنةٍ في النَّفسِ، وشَقاءٍ في العيشِ، وعِقابٍ عليه في الآخرةِ؛ فذُيِّلَ بأنَّ الرِّزقَ المُيسَّرَ من اللهِ للمُؤمِنينَ خيرٌ من ذلك وأبْقى في الدُّنيا، ومَنفعتُه باقيةٌ في الآخرةِ لِمَا يُقارِنُه في الدُّنيا من الشُّكرِ؛ فالإضافةُ في (رِزْقُ رَبِّكَ) إضافةُ تَشريفٍ، وإلَّا فإنَّ الرِّزقَ كلَّه من اللهِ، ولكنَّ رِزْقَ الكافرينَ لَمَّا خالَطَه وحَفَّ به حالُ أصحابِه من غضَبِ اللهِ عليهم، ولِمَا فيه من التَّبِعَةِ على أصحابِه في الدُّنيا والآخرةِ لكُفْرانِهم النِّعمةَ: جُعِلَ كالمَنكورِ انتسابُه إلى اللهِ، وجُعِلَ رِزْقُ اللهِ هو السَّالِمَ من مُلابَسةِ الكُفْرانِ، ومن تَبِعاتِ ذلك السَّيِّئةِ؛ فتَفضيلُ الخَيريَّةِ جاء مُجْمَلًا يظهَرُ بالتَّدبُّرِ [1219] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/341- 342). .
2- قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى
- قولُه: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ذِكْرُ الأهْلِ هنا مُقابِلٌ لذِكْرِ الأزواجِ في قولِه: إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ [طه: 131]؛ فإنَّ مِن أهْلِ الرَّجلِ أزواجَه، أي: مُتْعَتُك ومُتْعَةُ أهْلِك الصَّلاةُ؛ فلا تَلْتَفِتوا إلى زَخارفِ الدُّنيا. وأهْلُ الرَّجلِ يَكونونَ أمثَلَ مَن يَنْتَمون إليه [1220] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/342). .
- وقولُه: وَاصْطَبِرْ أبلغُ مِن الأمرِ بالصَّبرِ بأن يُقالَ مثلًا: (اصبِرْ)؛ لأنَّ الألفاظَ أدلَّةٌ على المعاني، فإذا زيدَتْ في الألفاظِ وَجَب زيادةُ المعاني ضرورةً [1221] يُنظر: ((البرهان)) للزركشي (3/34). .
- وجُملةُ: لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا مُعترِضةٌ بين الَّتي قبْلَها وبين جُملةِ نَحْنُ نَرْزُقُكَ، جُعِلَت تَمهيدًا لِهَاتِه الأخيرةِ [1222] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/343). .
- وجُملةُ: نَحْنُ نَرْزُقُكَ مُبيِّنةٌ لجُملةِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 131]، أي: إنَّ رِزْقَ ربِّك خيرٌ، وهو مَسوقٌ إليك. والمقصودُ من هذا الخِطابِ ابتداءً هو النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويَشمَلُ أهْلَه والمُؤمِنين؛ لأنَّ المُعلَّلَ به هذه الجُملةُ مُشترِكٌ في حُكْمِه جميعُ المُسلِمين [1223] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/343). .
- قولُه: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى، أي: لأهْلِ التَّقوى، على حذْفِ المُضافِ وإقامةِ المُضافِ إليه مُقامَه؛ تَنبيهًا على أنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو التَّقوى [1224] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/51). .
- وجُملةُ: وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى تَذييلٌ؛ لِمَا فيها من معنى العُمومِ، أي: لا تكونُ العاقبةُ إلَّا للتَّقوى؛ فهذه الجُملةُ أُرْسِلَت مَجْرى المثَلِ [1225] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/344). .
3- قوله تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى
- قولُه: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى في إيرادِه بعُنوانِ كونِه بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى من التَّوراةِ والإنجيلِ وسائرِ الكُتبِ السَّماويَّةِ ما لا يَخْفى من تَنويهِ شأْنِه، وإنارةِ بُرهانِه، ومَزيدُ تَقريرٍ وتَحقيقٍ لإتيانِه [1226] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/51). .
- وإسنادُ الإتيانِ إليه مع جعْلِهم إيَّاهُ مأْتيًّا به؛ للتَّنبيهِ على أصالتِه فيه، مع ما فيه من المُناسَبةِ للبيِّنةِ. والهمزةُ في أَوَلَمْ لإنكارِ الوُقوعِ، والواوُ للعطْفِ على مُقدَّرٍ يَقْتضيهِ المقامُ؛ كأنَّه قِيلَ: ألَمْ تأْتِهم سائرُ الآياتِ؟ ولم تأْتِهم خاصَّةً بيِّنةُ ما في الصُّحفِ الأُولى؛ تَقريرًا لإتيانِه، وإيذانًا بأنَّه من الوُضوحِ بحيث لا يتأَتَّى منهم إنكارُه أصْلًا، وإنِ اجْتَرؤوا على إنكارِ سائرِ الآياتِ مُكابَرةً وعِنادًا [1227] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/51). .
- وفي هذا الاستفهامِ تَوبيخٌ لهم وإنكارٌ؛ أنكَرَ به نفْيَ إتيانِ آيةٍ لهم، الَّذي اقتضاهُ تَحضيضُهم على الإتيانِ بآيةٍ [1228] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/401)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/344). .
- ووجْهُ اختيارِ (الصُّحف) هنا على (الكُتب): أنَّ في كلِّ صَحيفةٍ من الكُتبِ عِلْمًا، وأنَّ جَميعَه حَواهُ القُرآنُ؛ فكان كلُّ جُزءٍ من القُرآنِ آيةً ودَليلًا [1229] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/345). .
4- قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى
- جُملةٌ مُستأنَفةٌ سِيقَتْ لتَقريرِ ما قبْلَها، من كونِ القُرآنِ آيةً بَيِّنةً لا يُمكِنُ إنكارُها، ببَيانِ أنَّهم يَعترِفونَ بها يومَ القيامةِ [1230] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/52). . أو معطوفةٌ على جُملةِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى [1231] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/346). [طه: 133].
5- قولُه تعالى: قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى جوابٌ عن قولِهم: لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ [طه: 133]، وما بينهما اعتراضٌ [1232] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/347). ، وصِيغَةُ الأمْرِ فيه قُلْ مُستعمَلةٌ في الإنذارِ، ويُسمَّى المُتارَكةَ، أي: نَتْركُكم وتَربُّصَكم؛ لأنَّا مُؤمِنونَ بسُوءِ مَصيرِكم [1233] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/402)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/348). .
- وأُفْرِدَ الخبرُ -وهو مُتَرَبِّصٌ- حمْلًا على لفْظِ كُلٌّ، كقولِه: قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ [1234] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/402). [الإسراء: 84].
- قولُه: فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى جمَعَ بين هذين، مع أنَّ أحدهما يُغْني عن الآخرِ؛ إذ المُرادُ بالأوَّلِ: السَّالِكون لِزامًا، وبالثَّاني: الواصِلونَ. أو بالأوَّلِ: الَّذين ما زالوا على الصِّراطِ المُستقيمِ، وبالثَّاني: الَّذين لم يَكونوا على الصِّراطِ المُستقيمِ، ثمَّ صاروا عليه. أو بالأوَّلِ: أهْلُ دِينِ الحقِّ في الدُّنيا، وبالثَّاني: المُهتَدونَ إلى طَريقِ الجنَّةِ في العُقْبى؛ فكأنَّه قِيلَ: ستَعْلمون مَن النَّاجي في الدُّنيا، والفائزُ في الآخرةِ [1235] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 370). .
- وفيه تَعريضٌ بأنَّ المُؤمِنينَ هم أصحابُ الصِّراطِ المُستقيمِ المُهتَدونَ؛ لأنَّ مِثْلَ هذا الكلامِ لا يَقولُه في مَقامِ المُحاجَّةِ والمُتارَكةِ إلَّا المُوقِنُ بأنَّه المُحِقُّ [1236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/348). .
- وقد جاءت خاتِمةُ هذه السُّورةِ كأبلَغِ خواتمِ الكلامِ؛ لإيذانِها بانتهاءِ المُحاجَّةِ وانطواءِ بِساطِ المُقارَعةِ. ومن مَحاسِنِها: أنَّ فيها شَبيهَ رَدِّ العجُزِ على الصَّدرِ؛ لأنَّها تنظُرُ إلى فاتحةِ السُّورةِ، وهي قولُه: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى [طه: 2- 3]؛ لأنَّ الخاتِمةَ تدُلُّ على أنَّه قد بلَّغَ كلَّ ما بُعِثَ به من الإرشادِ والاستدلالِ، فإذا لم يَهْتَدوا به، فكَفاهُ -انثلاجَ صَدْرِه- أنَّه أدَّى الرِّسالةَ والتَّذكرةَ، فلم يَكونوا من أهْلِ الخشيةِ؛ فترَكَهم وضَلالَهم حتَّى يتبيَّنَ لهم أنَّه الحقُّ [1237] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/349). .
والآية معناها أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ومَن اتبعه هم السعداءُ الأغنياءُ الراضون في الدُّنيا والآخرةِ، وهو عينُ قولِه تعالى: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى؛ فقد انطبق الآخرُ على الأوَّلِ [1238] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/377). .