موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (79-80)

ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ

غريب الكلمات:


جُهْدَهُمْ: أي: طاقَتَهم ووُسعَهم، وأصلُ (جهد): يدلُّ على مَشقَّةٍ [1363] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 190)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/486)، ((المفردات)) للراغب (ص: 208)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 227). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الَّذِينَ: اسمٌ مَوصولٌ مَبنيٌّ في محلِّ رفعٍ مُبتدأٌ، فِي الصَّدَقَاتِ جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بـ يَلْمِزُونَ، وَالَّذِينَ في محلِّ نصبٍ عطفًا على الْمُطَّوِّعِينَ [1364] وليس في محلِّ جرٍّ عطفًا على الْمُؤْمِنِينَ كما يُتوهَّمُ؛ لأنه يُفهِمُ أنَّ الذين لا يَجِدونَ ليسُوا مُؤمِنينَ؛ لأنَّ أصلَ العطفِ الدَّلالةُ على المغايرةِ. يُنظر: ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/89). ، أي: يلمِزونَ المطَّوِّعينَ، ويَلمِزونَ الذين لا يَجِدونَ، وجملةُ فَيَسْخَرُونَ معطوفةٌ على جملةِ يَلْمِزُونَ، وجُملة: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ في محلِّ رفْعٍ خبرُ المُبتدأِ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ، وقيلَ غيرُ ذلك [1365] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/652)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/88-90)، ((الجدول في إعراب القرآن)) (10/401). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّ المُنافِقينَ الذين يَعيبونَ المُتطَوِّعينَ مِن المؤمِنينَ الأغنياءِ، ويَعيبونَ الفُقَراءَ الذين لا يجِدونَ إلَّا شيئًا يسيرًا بحسَبِ طاقَتِهم يتصَدَّقونَ به، فيَسخَرونَ منهم- أنَّه سُبحانه سَخِرَ منهم مقابلَ ذلك، ولهم عذابٌ مُوجِعٌ في نارِ جَهنَّمَ.
ثمَّ يُخاطِبُ تعالى نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قائلًا له: استغفِرْ لهم- يا مُحمَّدُ- أوْ لا تستغفِرْ لهم، فلن يَغفِرَ اللهُ لهم، حتى وإن استغَفَرْتَ لهم سبعينَ مرَّةً، فلن يغفِرَ اللهُ لهم؛ ذلك بسبَبِ كُفرِهم باللهِ ورَسولِه، واللهُ لا يهدي القَومَ الفاسِقينَ.

تفسير الآيتين:


الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أخبَرَ الله تعالى أنَّه لم يكْفِ المُنافقينَ كُفرانُ نِعمةِ الغنى من غيرِ مُعاهدةٍ، حتى ارتكَبوا الكُفرانَ بمَنعِ الواجِبِ مع المعاهَدةِ؛ أخبَرَ أنَّه لم يَكفِهم أيضًا ذلك، حتى تعَدَّوه إلى عيبِ الكُرَماءِ الباذِلينَ بصِفةِ حُبِّهم لرَبِّهم ما لم يُوجِبْه عليهم [1366] ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/555). ، فقال تعالى:
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ.
سبَبُ النُّزولِ:
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ.
عن أبي مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((لَمَّا أُمِرْنا بالصَّدقةِ كنَّا نتحامَلُ، فجاء أبو عَقيلٍ بنِصفِ صاعٍ، وجاء إنسانٌ بأكثَرَ منه، فقال المُنافِقونَ: إنَّ اللهَ لَغنِيٌّ عن صدقةِ هذا، وما فعَلَ هذا الآخَرُ إلَّا رِئاءً، فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُم ... الآية)) [1367] رواه البخاري (4668) واللفظ له، ومسلم (1018). .
وعن كعبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه- في حديثِ الثَّلاثةِ الذين خُلِّفوا- قال: ((بينما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ذلك، رأى رجلًا مُبَيِّضًا [1368] مُبَيِّضًا: أَي: عليه ثِيابٌ بِيضٌ. يُنظر: ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (2/125). ، يزولُ به السَّرابُ [1369] يَزولُ به السَّرابُ: أي: يتحَرَّكُ ويَنهَضُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/90). ، فقال: كنْ أبا خيثمةَ، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصَدَّقَ بصاعِ التَّمرِ حين لَمَزه المُنافِقونَ)) [1370] رواه مسلم (2769). .
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ.
أي: المُنافِقونَ الذين يَعيبونَ المُتطوِّعينَ مِن المؤمِنينَ الأغنياءِ في صَدَقاتِهم الكبيرةِ، فيَزعُمونَ أنَّهم يُراؤونَ بها [1371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/588، 597)، ((البسيط)) للواحدي (10/567)، ((تفسير ابن عطية)) (3/63)، ((تفسير ابن كثير)) (4/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 346). .
وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ.
أي: ويَعيبونَ أيضًا المتطَوِّعينَ مِن المُؤمِنينَ الفُقَراءِ، الذين لا يجِدونَ ما يتصدَّقونَ به إلَّا شيئًا يَسيرًا بِقَدرِ طاقَتِهم، فيَستَهِزئُون بهم [1372] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/588)، ((البسيط)) للواحدي (10/569)، ((تفسير ابن عطية)) (3/63)، ((تفسير القاسمي)) (5/461)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/486)، ((تفسير السعدي)) (ص: 346)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/275). .
سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ.
أي: سَخِرَ اللهُ مِن هؤلاء المُنافِقينَ، في مُقابِلِ سُخرِيَتِهم من المؤمِنينَ [1373] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/374)، ((تفسير ابن كثير)) (4/188)، ((تفسير الشوكاني)) (2/439)، ((تفسير القاسمي)) (5/461)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/487). قال ابن تيمية: (وكذلك ما ادَّعوا أنَّه مجازٌ في القرآنِ كلَفظِ «المكر» و «الاستهزاء» و «السُّخرية» المضافِ إلى الله، وزَعَموا أنَّه مُسمًّى باسمِ ما يقابِلُه على طريقِ المجازِ، وليس كذلك، بل مُسمَّياتُ هذه الأسماءِ إذا فُعِلَت بمن لا يستحِقُّ العقوبةَ كانت ظُلمًا له، وأمَّا إذا فُعِلَت بمن فعَلَها بالمجنيِّ عليه عقوبةً له بمِثلِ فِعلِه، كانت عدلًا، كما قال تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: 76]، فكاد له كما كادت إخوتُه، لَمَّا قال له أبوه: لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف: 5]، وقال تعالى: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: 15، 16]، وقال تعالى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 50]، فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ [النمل: 51]، وقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ؛ ولهذا كان الاستهزاءُ بهم فِعلًا يستحِقُّ هذا الاسمَ .. وعن مقاتلٍ: إذا ضُرِبَ بينهم وبين المؤمنينَ بسُورٍ له بابٌ، باطِنُه فيه الرَّحمةُ، وظاهِرُه مِن قِبَلِه العذابُ، فيَبقَونَ في الظُّلمةِ، فيُقال لهم: ارجِعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا. وقال بعضُهم: استهزاؤُه: استدراجُه لهم. وقيل: إيقاعُ استهزائِهم ورَدُّ خداعِهم ومكرِهم عليهم. وقيل: إنَّه يُظهِرُ لهم في الدُّنيا خلافَ ما أبطنَ في الآخرةِ. وقيل: هو تجهيلُهم وتخطِئَتُهم فيما فعلوه؛ وهذا كلُّه حَقٌّ، وهو استهزاءٌ بهم حقيقةً). ((مجموع الفتاوى)) (7/111، 112). ويُنظر: ((صفاتُ الله عزَّ وجلَّ الواردةُ في الكتابِ والسنَّة)) لعَلَوي السَّقَّاف (ص: 61). .
كما قال تعالى عن المُنافقينَ: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 14-15].
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
أي: وللمُنافِقينَ يومَ القِيامةِ عَذابٌ مُؤلمٌ في نارِ جهنَّمَ [1374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/588)، ((تفسير ابن عطية)) (3/63)، ((تفسير الشوكاني)) (2/439)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/276). .
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80).
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.
أي: سواءٌ طلَبْتَ- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُنافِقينَ المغفِرةَ، أو لم تطلُبْها لهم، فلَن يغفِرَ اللهُ لهم [1375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/598)، ((تفسير ابن عطية)) (3/64)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/284)، ((تفسير أبي السعود)) (4/87)، ((تفسير الشوكاني)) (2/441)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/276). قال ابن جرير: (هذا كلامٌ خرج مخرَجَ الأمرِ وتأويلُه الخبَرُ، ومعناه: إنِ استَغفَرْتَ لهم- يا محمَّدُ- أو لم تستغفِرْ لهم؛ فلن يغفِرَ اللهُ لهم). ((تفسير ابن جرير)) (11/598). وقال ابن عاشور: (الذي يظهرُ لي أنَّ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا أُوحِيَ إليه بآيةِ سُورةِ المُنافقين، وفيها أنَّ استغفارَه وعَدَمَه سواءٌ في حَقِّهم؛ تأوَّلَ ذلك على الاستغفارِ غيرِ المؤكَّدِ، وبعَثَتْه رحمَتُه بالنَّاسِ، وحِرصُه على هداهم، وتكَدُّرُه من اعتراضِهم عن الإيمانِ، أن يستغفِرَ للمُنافقينَ استغفارًا مُكَرَّرًا مُؤكَّدًا؛ عسى أن يغفِرَ اللهُ لهم، ويزولَ عنهم غضبُه تعالى، فيَهديَهم إلى الإيمانِ الحَقِّ، بما أنَّ مُخالَطتَهم لأحوالِ الإيمانِ- ولو في ظاهِرِ الحالِ- قد تجرُّ إلى تعلُّقِ هَدْيِه بقلوبِهم بأقلِّ سَببٍ، فيكونُ نزولُ هذه الآيةِ تأييسًا مِن رضا اللهِ عنهم، أي: عن البقيَّةِ الباقيةِ منهم، تأييسًا لهم ولِمَن كان على شاكِلَتِهم ممَّن اطَّلعَ على دخائِلِهم، فاغتَبَطَ بحالِهم؛ بأنَّهم انتَفَعوا بصحبةِ المُسلِمينَ والكُفَّار، فالآيةُ تأييسٌ مِن غَيرِ تَعيينٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (10/277). .
عن ابنِ عبَّاسٍ، عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنهم، أنَّه قال: ((لَمَّا مات عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلولَ، دُعِيَ له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليُصلِّيَ عليه، فلمَّا قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وثَبْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أتصلِّي على ابنِ أُبيٍّ، وقد قال يومَ كذا وكذا: كذا وكذا؟! أُعدِّدُ عليه قَولَه، فتبسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وقال: أخِّرْ عني يا عُمَرُ، فلمَّا أكثَرْتُ عليه، قال: إنِّي خُيِّرتُ فاختَرْتُ، لو أعلَمُ أنِّي إن زِدتُ على السَّبعينَ يُغفَرْ له، لَزِدْتُ عليها، قال: فصلَّى عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ انصَرَف، فلم يمكُثْ إلَّا يسيرًا، حتى نزَلَت الآيتانِ مِن براءةَ: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة: 84] قال: فعَجِبْتُ بعدُ مِن جُرأتي على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَئذٍ، واللهُ ورسولُه أعلَمُ )) [1376] رواه البخاري (1366). .
إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ.
أي: إنْ تسألِ اللهَ المَغفِرةَ- يا مُحمَّدُ- لذنوبِ هؤلاءِ المُنافِقينَ سَبعينَ مَرَّةً، فلَن يستُرَها اللهُ عليهم، ولن يتجاوَزَ عن مؤاخَذتِهم بها [1377] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/598)، ((البسيط)) للواحدي (10/572)، ((تفسير ابن عطية)) (3/64)، ((تفسير ابن كثير)) (4/188)، ((فتح الباري)) لابن رجب (1/35)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/278). قال الرازي: (العلَّةُ التي لأجْلِها لا ينفَعُهم استغفارُ الرَّسولِ وإن بلغ سبعينَ مَرَّةً؛ كُفرُهم وفِسقُهم، وهذا المعنى قائمٌ في الزيادةِ على السَّبعينَ، فصار هذا التَّعليلُ شاهدًا بأنَّ المرادَ إزالةُ الطَّمعِ في أن ينفَعَهم استغفارُ الرَّسولِ عليه السَّلامُ، مع إصرارِهم على الكُفرِ). ((تفسير الرازي)) (16/112). .
كما قال تعالى: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [المنافقون: 6].
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ.
أي: عدمُ مَغفرةِ اللهِ ذنوبَ المُنافِقينَ، بسبَبِ كُفرِهم باللهِ سُبحانه وتعالى وبرَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [1378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/598)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 346). .
وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
أي: واللهُ لا يُوفِّقُ للإيمانِ به وبِرَسولِه القَومَ الخارِجينَ عن طاعتِه، المُؤْثِرينَ للكُفرِ به، المصرِّينَ على فِسْقِهم [1379] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/599)، ((تفسير الشوكاني)) (2/441)، ((تفسير السعدي)) (ص: 346)، ((تفسير ابن عاشور)) (10/280). .

الفوائد التربوية:


قال اللهُ تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَن أطاعَ اللهَ وتطَوَّعَ بخَصلةٍ مِن خِصالِ الخَيرِ؛ فإنَّ الذي ينبغي هو إعانَتُه، وتنشيطُه على عَملِه، وهؤلاء قصَدوا تثبيطَهم بما قالوا فيهم، وعابُوهم عليه [1380] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:345). .
قال الله تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ في هذه الآيةِ دَلالةٌ على أنَّ لَمْزَ المؤمِنِ والسُّخريةَ منه، مِن الكبائِرِ؛ لِما يَعقُبُهما من الوَعيدِ [1381] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/470). .

الفوائد العلمية واللطائف:


النكتةُ في عَطْفِ الخاصِّ، وهو قَولُه تعالى: الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ على العامِّ، وهو قَولُه تعالى: الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هي: التَّنويهُ بهذا الخاصِّ؛ لأنَّ السُّخريةَ مِن المُقِلِّ أشدُّ مِن المُكْثِرِ غالبًا [1382] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/332). .
قَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين فيه دليلٌ على أنَّ جاحِدَ نبوَّةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يُطلَقُ عليه كافرٌ [1383] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/279). .
الكافِرُ لا ينفَعُه الاستغفارُ ولا العمَلُ ما دام كافرًا؛ يُبيِّنُ ذلك قَولُ الله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [1384] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:346). .
قوله تعالى: سَبْعِينَ مَرَّةً غيرُ مُرادٍ به المقدارُ من العَدَدِ، بل هذا الاسمُ مِن أسماءِ العَدَد التي تُستعمَلُ في معنى الكَثرةِ [1385] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/278). .
في قولِه تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ دلالةٌ على أنَّ الاستغفارَ للناس نافعُهم ولاحِقٌ بهم؛ لأنَّ الذي حالَ بينَ أهلِ هذه الآيةِ وبينَ استغفارِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لهم هو كُفْرُهم لا غيرُه [1386] يُنظر: ((النُّكتُ الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/563). .
جَرَت سنَّةُ الله تعالى في الرَّاسِخينَ في فُسوقِهم وتمرُّدِهم- المُصِرِّينَ على نِفاقِهم، الذين أحاطت بهم خطاياهم- أن يَفقِدوا الاستعدادَ للتَّوبةِ والإيمانِ، فلا يَهتَدونَ إليهما سبيلًا؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [1387] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (10/489). .

بلاغة الآيتين:


قَولُه تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
اخْتيرَ المضارعُ في قولِه: يَلْمِزُونَ، وقولِه: فَيَسْخَرُونَ؛ للدَّلالةِ على تَكرُّر هذا منهم [1388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (10/275). .
قولُه: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ إيرادُ الجُمْلةِ اسْميَّةً؛ للدَّلالةِ على الاسْتِمرارِ، وتَنوينُ العذابِ وصِفتِه عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ للتَّهويلِ والتَّفخيمِ [1389] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/87). .
قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
قولُه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الأَمْرُ فيه مُبالَغةٌ في الإياسِ [1390] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/471). ، وتصويرُهُ بصورةِ الأَمْرِ للمُبالَغةِ في بيانِ اسْتِوائهِما، كأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُمِرَ بامْتِحانِ الحالِ بأنْ يَسْتغفِرَ تارةً، ويَتْرُكَ أُخْرى؛ ليَظْهَرَ له جليةُ الأَمْرِ، كما في قولِه تعالى: قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [1391] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/87). [التوبة: 53].
وقولُه: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ... بيانٌ للعِلَّةِ التي لأجْلِها لا يَنْفَعُهم اسْتِغفارُ الرَّسولِ لهم، وإنْ بَلَغَ سَبْعينَ مَرَّةً، وهي كُفْرُهم وفِسْقُهم [1392] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/472). .
قولُه: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ تَذييلٌ مُؤكِّدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الحُكْمِ؛ فإنَّ مَغْفرةَ الكافِرِ إنَّما هي بالإقلاعِ عَنِ الكُفْرِ، والإقبالِ إلى الحَقِّ، والمُنْهمِكُ فيه المطبوعُ عليه بمَعْزِلٍ مِن ذلك [1393] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/87). .