موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (69-77)

ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ

غريب الكلمات:


آوَى: أي: ضَمَّ، والمأْوى: المَكَانُ الَّذي يُرْجَعُ إليه ليلًا أو نهارًا، وأصْلُ (أوي): يدلُّ على تجمُّعٍ [817] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 65)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/151)، ((المفردات)) للراغب (ص: 103)، ((تفسير القرطبي)) (4/223)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 209).
تَبْتَئِسْ: أي: تحزَنْ وتَغتمَّ؛ مِن البُؤسِ: وهو الضُّرُّ والشِّدَّةُ [818] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((تفسير ابن جرير)) (12/390)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 144)، ((البسيط)) للواحدي (12/177)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 162). .
السِّقَايَةَ: أي: الصُّواعَ الذي كان يشربُ فيه الملِكُ، ويكيلُ به الطَّعامَ، وأصْلُ (سقي): يدلُّ على إشرابِ الشَّيءِ الماءَ، وما أشبَهَه [819] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((تفسير ابن جرير)) (13/244)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/84، 85)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 174). .
الْعِيرُ: أي: الإبِلُ التي عليها الأحمالُ؛ سُمِّيَت بذلك لأنَّها تَعيرُ، أي: تذهبُ وتجيءُ، وأصْلُ (عير): يدلُّ على مجيءٍ وذَهابٍ [820] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 345)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/191)، ((تفسير الزمخشري)) (1/1211). .
صُوَاعَ: الصُّواعُ: السِّقايَةُ، وكان يُسقَى بها المَلِكُ، ثم جُعِلَت صاعًا يُكالُ به [821] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 309)، ((المفردات)) للراغب (ص: 499)، ((البسيط)) للواحدي (12/182)، ((تفسير الزمخشري))، (1/1210)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 567). .
زَعِيمٌ: أي: كَفيلٌ وضَمينٌ، وأصْلُ (زعم): يدلُّ على تكفُّلٍ بالشَّيءِ [822] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 220)، ((تفسير ابن جرير)) (13/253)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 252)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/10)، ((المفردات)) للراغب (ص: 380)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 174). .
بِأَوْعِيَتِهِمْ: أي: برِحالِهم، وأصْلُ (وعي): يدلُّ على ضمِّ شيءٍ [823] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/259)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/124)، ((تفسير القرطبي)) (9/235). .
دِينِ الْمَلِكِ: أي: حُكمِه وقَضائِه، أو: سلطانِه [824]  قال ابنُ جريرٍ:  (وهذه الأقوالُ ... مُتقارِبَةُ المعاني، لأنَّ مَن أخَذه في سلطانِ الملكِ عامَلَه بعَمَلِه، فبرِضاه أخَذَه إِذًا لا بغيرِه، وذلك منه حكمٌ عليه، وحكمُه عليه قضاؤُه). ((تفسير ابن  جرير)) (13/266). ، وأصلُ (دين): يدلُّ على الانقيادِ والذُّلِّ [825]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 220)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/319)، ((البسيط)) للواحدي (12/189)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 174). .
تَصِفُونَ: أي: تكذِبونَ وتقولونَ، والوصْفُ: ذِكْرُ الشَّيءِ بحِلْيتِه ونعْتِه، وأصْلُ (وصف): تحْليةُ الشَّيءِ [826] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/42)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/115)، ((المفردات)) للراغب (ص: 873)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 298). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
جَزَاؤُهُ مُبتدأٌ، ومَنْ اسمٌ موصولٌ مبنيٌّ في محلِّ رفعٍ، خبرٌ على نيَّةِ حَذفِ مُضافٍ، والتَّقديرُ: جزاؤُه استِرقاقُ مَن وُجِدَ في رَحْلِه، وفَهُوَ جَزَاؤُهُ مُبتدأٌ وخبَرٌ، مُستأنَفٌ مُؤكِّدٌ لمعنى الأوَّلِ ومُقَرِّرٌ لحُكمِه، أي: فاستِرقاقُه جزاؤُه؛ كقولِك: حقُّ الضَّيفِ أن يُكْرَمَ، فهو حَقُّه. ويجوزُ أن يكونَ جَزَاؤُهُ مُبتدأً، والجملةُ الشَّرطيَّةُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ خبرًا له، على إقامةِ الظَّاهرِ جَزَاؤُهُ مَقامَ المُضمَرِ (هو)، والأصلُ: جزاؤُه مَن وُجِدَ في رحْلِه فهو هو، أي: فهو الجزاءُ [827] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/389، 390)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/739)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/529، 532)، ((تفسير الألوسي)) (7/27). .

المعنى الإجمالي:


يقول الله تعالى: ولَمَّا دخلَ إخوةُ يوسُفَ عليه في مَنزلِ ضِيافتِه ومعهم شَقيقُه، ضمَّ يوسُفُ إليه شقيقَه، وقال له سِرًّا: إنِّي أنا أخوك فلا تحزَنْ، ولا تغتمَّ بما صنَعوه بي وبك فيما مضى، وأمَرَه بكتمانِ ذلك عنهم، فلَمَّا جهَّزهم يوسُفُ، وحمَّلَ إبِلَهم بالطَّعامِ، جعَلَ الإناءَ- الَّذي يشرَبُ فيه المَلِكُ ويكيلُ للنَّاسِ به- في متاعِ أخيه الشَّقيقِ مِن حيثُ لا يشعُرُ أحَدٌ، ولَمَّا رَكِبوا ليَسيروا نادى مُنادٍ قائلًا: يا أصحابَ هذه العِيرِ المُحمَّلةِ بالطَّعامِ، إنَّكم لسارِقونَ، فقال أولادُ يعقوبَ مُقبِلينَ على المُنادي: ما الَّذي تَفقِدونَه؟ قال المُنادي ومَن بحَضرتِه: نَفقِدُ الإناءَ الَّذي يشرَبُ فيه المَلِكُ، ويكيلُ به الطَّعامَ، ومُكافأةُ مَن يُحضِرُه مِقدارُ حِمْلِ بعيرٍ مِن الطَّعامِ، وقال المنادي: وأنا بحِمْلِ البَعيرِ مِن الطَّعامِ ضامِنٌ وكَفيلٌ.
قال إخوةُ يوسُفَ: لقد تحقَّقتُم ممَّا شاهَدتُموه منَّا أنَّنا ما جِئنا أرضَ مصرَ مِن أجلِ الإفسادِ فيها، وليست السرقةُ مِن صِفاتِنا ، قال المُنادي ومَن معه لإخوةِ يوسُفَ: فما عُقوبةُ السَّارِقِ عِندَكم إن كُنتُم كاذبينَ في قَولِكم؟ قال إخوةُ يوسُفَ: جزاءُ السَّارِقِ أن يُسلَّمَ إلى مَن سرَقَ منه؛ حتَّى يكون عبدًا عندَه، مثلَ هذا الجزاءِ- وهو الاستِرقاقُ- نَجزي الظَّالِمينَ بالسَّرِقةِ، وهذا دينُنا وسُنَّتُنا في أهلِ السَّرِقةِ، ورَجَعوا بإخوةِ يوسُفَ إليه، فقام يوسُفُ بنَفسِه يُفتِّشُ أمتِعتَهم، فبدَأَ بأمتِعَتهم قبل مَتاعِ شَقيقِه؛ إحكامًا لِما دبَّرَه لاستبقاءِ أخيه معه، ثمَّ انتهى بوعاءِ أخيه، فاستخرجَ الإناءَ منه، كذلك يسَّرْنا لِيوسُفَ هذا التَّدبيرَ الَّذي توصَّلَ به لأخْذِ أخيه، وما كان له أن يأخُذَ أخاه في حُكمِ مَلِكِ مصرَ- لأنَّه ليس مِن دينِه أن يتمَلَّكَ السَّارِقَ- إلَّا بمَشيئةَ اللَّهِ، فقد كادَ لِيوسُفَ، حتَّى تمكَّنَ مِن أخْذِ شقيقِه مِن إخوتِه، بناءً على شريعتِهم، وإقرارِهم بأنفُسِهم.
نرفَعُ مَن نشاءُ مَنازِلَ في الدُّنيا على غيرِه، كما رفَعْنا منزلةَ يوسُفَ، وفوقَ كُلِّ ذي علمٍ مَن هو أعلَمُ منه، حتَّى ينتهيَ العِلمُ إلى اللَّهِ تعالى عالمِ الغَيبِ والشَّهادةِ.
ولَمَّا استُخرِجَ الصُّواعُ مِن رَحلِ أخيهم قال إخوةُ يوسُفَ: إنْ سرَقَ هذا فقد سرَقَ أخٌ شقيقٌ له مِن قَبلُ- يقصِدونَ يوسُفَ عليه السَّلامُ- فأخفَى يوسُفُ في نفسِه كلمةً حدَّثَ نفسَه بها قائلًا: أنتم أسوأُ مَنزلةً ممَّن ذكَرْتُم؛ حيثُ دبَّرتُم لي ما كان منكم، واللَّهُ أعلَمُ بما تَصِفونَ مِن الكَذِبِ والافتراءِ.

تفسير الآيات:


وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69).
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ.
أي: ولَمَّا دخَلَ أولادُ يعقوبَ على يوسُفَ، ضمَّ يوسُفُ إليه أخاه الشَّقيقَ [828] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/241)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: قال يوسُفُ لأخيه مُخبِرًا بحقيقتِه: إنِّي أنا أخوك، فلا تحزَنْ بما كان إخوتُك يفعَلون بي وبك مِن قبْلُ [829] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/244)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70).
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ.
أي: فلَمَّا أوفى يوسُفُ إخوتَه الطَّعامَ، وحمَّلَ لكلِّ واحدٍ منهم بعيرَه؛ جعَلَ الإناءَ- الَّذي يشرَبُ فيه الملِكُ ويُكالُ به الطَّعامُ- في مَتاعِ أخيه الشَّقيقِ [830] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/244، 246)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). قال ابنُ عطيَّةَ: (والسِّقايَةُ: الإناءُ الَّذي به يشرَبُ الملِكُ، وبه كان يكيلُ الطَّعامَ للنَّاسِ، هكذا نصَّ جُمهورُ المُفسِّرينَ: ابنُ عبَّاسٍ، والحسنُ، ومُجاهدٌ، والضَّحَّاكُ، وابنُ زيدٍ). ((تفسير ابن عطية)) (3/263). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/229). .
ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ.
أي: ثمَّ نادى منادٍ: يا أصحابَ القافِلَةِ المُحمَّلةِ بالطَّعامِ، إنَّكم لسارِقونَ [831] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/247)، ((تفسير النسفي)) (2/125)، ((تفسير القرطبي)) (9/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). قال ابنُ جريرٍ: (إنَّ قولَه: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ إنَّما هو خبَرٌ مِن اللهِ عن مؤذِّنٍ أذَّنَ به، لا خبَرٌ عن يُوسفَ، وجائِزٌ أنْ يكونَ المُؤذِّنُ أذَّنَ بذلك: أنْ فُقِدَ الصُّواعُ، ولا يعلَمُ بصنيعِ يُوسفَ، وجائزٌ أنْ يكونَ كان أذَّنَ المؤذِّنُ بذلك عن أمْرِ يُوسفَ). ((تفسير ابن جرير)) (13/271). وقال ابنُ عاشورٍ: (العيرُ: اسمٌ للحُمولةِ مِن إبلٍ وحميرٍ وما عليها مِن أحمالٍ وما معها مِن رِكابِها، فهو اسمٌ لمجموعِ هذه الثَّلاثةِ، وأُسْنِدت السَّرقةُ إلى جميعِهم؛ جريًا على المُعتادِ مِن مؤاخذةِ الجماعةِ بجُرمِ الواحدِ منهم). ((تفسير ابن عاشور)) (13/28). .
قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71).
أي: قال إخوةُ يوسفَ وقد أقبلوا على المُنادي ومَن معه: ما الَّذي ضاعَ منكم [832] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/248)، ((تفسير البيضاوي)) (3/171)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). وممَّنِ اختار أنَّ مرجعَ ضميرِ وَأَقْبَلُوا عائدٌ على إخوةِ يُوسفَ: ابنُ جريرٍ، والسَّعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/248)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). وممَّن قال بأنَّ مرجعَ الضَّميرِ عائدٌ إلى فتيانِ يُوسفَ: ابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/28، 29). وقال الواحديُّ: (قولُه تعالى: قَالُوا هو يعني أصحابُ العيرِ، وهم إخوةُ يُوسفَ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ قال ابن عباس: يُريدُ: أقبَلَ هذه الرُّفقةُ على غِلمانِ يُوسفَ. فعلى هذا المعنى قال إخوةُ يُوسفَ، وقد أقبَلوا على المُؤذِّنِ ومَن معه، والمُؤذِّنُ كان معه قومٌ يقولون بقولِه ويُصحِّحون دعواه. قاله أبو بكرٍ. قال: ويجوزُ أن يكونَ المعنى: قال إخوةُ يُوسفَ وقد أقبَلَ المُنادي ومَن معه بالدَّعوى والمُطالبةِ؛ لأنَّه قد تقدَّمَ ذِكْرُ الفريقينِ، وصلَحَ صَرْفُ الإقبالِ إلى كلِّ فريقٍ منهما). ((البسيط)) (12/182). ؟
قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (72).
قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ.
أي: قال المُنادي ومَن معه: نفقِدُ الإناءَ الَّذي يشرَبُ فيه الملِكُ، ويكيلُ به الطَّعامَ [833] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/248، 249)، ((تفسير ابن عطية)) (3/264)، ((تفسير ابن كثير)) (4/401). .
وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ.
أي: ولمِن جاء بصُواعِ الملِكِ حِمْلُ بعيرٍ مِن الطَّعامِ [834] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/252)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). قال القرطبي: (البعيرُ هنا الجملُ في قولِ أكثرِ المفسِّرين. وقيل: إنَّه الحمارُ، وهي لغةٌ لبعضِ العربِ، قاله مجاهدٌ واختارَه). ((تفسير القرطبي)) (9/231). .
وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ.
أي: قال المُنادي لإخوةِ يوسُفَ: وأنا بأنْ أُوفيَ مَن قامَ بذلك حِمْلَ بعيرٍ مِن الطَّعامِ، ضامِنٌ وكفيلٌ [835] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/253)، ((تفسير البغوي)) (2/504)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73).
أي: قال إخوةُ يوسُفَ: واللَّهِ لقد علِمْتم أنَّنا ما جئْنا لنعصِيَ اللَّهَ في أرضِكم، ولم نكُنْ سارِقينَ مِن قبْلُ قطُّ، فليستِ السَّرِقةُ مِن خِصالِنا [836] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/253)، ((تفسير البغوي)) (2/504)، ((تفسير الزمخشري)) (2/490)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74).
أي: قال المُنادي ومَن معه: فما عُقوبةُ سارِقِ الصُّواعِ إنْ كنتم كاذِبينَ في تَبْرئةِ أنفُسِكم، ووجَدْنا الصُّواعَ في رِحالِكم [837] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/257)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/172)، ((تفسير ابن كثير)) (4/401)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/30). ؟
قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75).
قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ.
أي: قال إخوةُ يوسُفَ: عُقوبةُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ في مَتاعِه أنْ يكونَ هو نفْسُه رقيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ [838] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/257)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/172)، ((تفسير ابن كثير)) (4/401)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ.
أي: كذلك نُعاقِبُ الظَّالمينَ للنَّاسِ بسَرِقةِ أمْتعتِهم؛ أنْ يكونَ السَّارِقُ مِلْكًا لصاحِبِ المالِ المَسروقِ [839] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/257)، ((تفسير الشوكاني)) (3/51)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). قال القُرطبيُّ: (وكان هذا مِن دِينِ يعقوبَ عليه السَّلامُ وحُكْمِه). ((تفسير القرطبي)) (9/234). .
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76).
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ.
أي: فبدَأَ يوسُفُ بتفتيشِ أمتِعةِ إخوتِه قبلَ تفتيشِ مَتاعِ أخيه الشَّقيقِ، ثمَّ استخرَجَ الصُّواعَ [840] قال الواحديُّ: (قولُه تعالى: ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ إنْ شئْتَ رَدَدْتَ الكِنايةَ إلى السِّقايةِ، وإنْ شئْتَ إلى الصُّواعِ، على لُغةِ مَن يُؤنِّثُ. وإنْ شئْتَ على السَّرقةِ؛ لأنَّ فيما تقدَّمَ دليلًا عليها، قاله الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ وابنُ الأنباريِّ). ((البسيط)) (12/188). مِن مَتاعِ شقيقِه؛ ليصِحَّ له بذلك إمساكُه عنده [841] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/259)، ((البسيط)) للواحدي (12/188)، ((تفسير ابن جزي)) (1/392)، ((تفسير ابن كثير)) (4/401). .
كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ.
أي: مِثْلَ ذلك الكيدِ العجيبِ دبَّرنا ليوسفَ؛ ليتوصلَ إلى مقصودِه بألطفِ حيلةٍ [842]  ينظر: ((تفسير الرسعني)) (3/386)، ((تفسير الشوكاني)) (3/51)، ((تفسير القاسمي)) (6/204). وقال السمعاني: (كَمَا كَادُوا فِي أَمر يُوسُف أَخَذُوهُ من أَبِيه بحيلة وألقوه فِي الْجب: كدنا ليوسف فِي أَمرهم). ((تفسير السمعاني)) (3/52). ويُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/505). ؛ بأن ألهمناه أن يجعلَ السقايةَ في رحلِ أخيه؛ ليتوصَّلَ به إلى حبسِه [843]  ينظر: ((الوسيط)) للواحدي  (2/624). قال ابن تيمية: (إنَّما كادَ لِيُوسُفَ كيدًا جَزاءً منه على صَبرِه، وإحسانِه وذَكَره في مَعْرِضِ المِنَّةِ عليه فلو لم يَكُنْ ليوسُفَ - عليه السَّلامُ - اختصاصٌ بذلك الكيدِ لم يكُنْ في مجرَّدِ عملِ الإنسانِ أمرٌ مُباحٌ له ولغيرِه مِنَّةٌ عليه في مثلِ هذا المقامِ فَعُلِم أنَّ المنَّةَ كانت عليه في أنْ أُلهِم العملَ بِما كان مُباحًا قبلَ ذلك فإنَّه قد يُلهمُ العبدَ ما لا يُلهمُه غيرَه، ولهذا قالَ بعضُ المفسِّرينَ في قوله تعالَى: كِدْنَا: صنَعْنا، وبعضُهم قَال: ألهمْنا يُوسفَ). ((الفتاوى الكبرى)) (6/133). .
مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ.
أي: ما كان يوسُفُ ليقْدِرَ على أنْ يأخُذَ أخاه الشَّقيقَ وَفقًا لشريعةِ ملِكِ مصرَ- فليس في حُكْمِه أنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ- إلَّا بمشيئةِ الله [844] قال السمينُ الحلبي: (قولُه: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ فيه وجهانِ: أحدُهما: أنَّه استثناءٌ منقطعٌ تقديرُه: ولكن بمشيئة اللَّه أَخَذه في دينِ غيرِ الملكِ، وهو دينُ آلِ يعقوبَ: أنَّ الاسترقاقَ جزاءُ السارقِ. الثاني: أنَّه مفرغٌ مِن الأحوالِ العامةِ، والتقديرُ: ما كان ليأخذَه في كلِّ حالٍ إلَّا في حالِ التباسِه بمشيئةِ اللَّه، أي: إذنِه في ذلك). ((الدر المصون)) (6/533)، وينظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/306). قال ابن عاشور: (والاستثناءُ مِن عمومِ أسبابِ أخذِ أخيه المنفيةِ، وفي الكلامِ حرفُ جرٍّ محذوفٌ قبلَ «أن» المصدريةِ، وهو باءُ السببيةِ التي يدلُّ عليها نفيُ الأخذِ، أي أسبابِه. فالتقديرُ: إلا بأن يشاءَ الله، أي يُلهمَ تصويرَ حالتِه، ويأذنَ ليوسفَ عليه السلامُ في عملِه باعتبارِ ما فيه مِن المصالحِ الجمةِ ليوسفَ وإخوتِه في الحالِ والاستقبالِ لهم ولذريتِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (13/32)، ويُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/122). وقال ابنُ القيِّمِ: (قولُه: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ استثناءٌ مُنقطعٌ، أي: لكن إنْ شاء اللهُ أخَذَه بطريقٍ آخَرَ، ويجوزُ أن يكون مُتَّصلًا، والمعنى: إلَّا أنْ يُهيِّئَ اللهُ سببًا آخَرَ يُؤخَذُ به في دِينِ الملِكِ غيرَ السَّرقةِ). ((إغاثة اللهفان)) (2/118). ؛ فقد كادَ لِيوسُفَ، حتَّى تمكَّنَ مِن أخْذِ شقيقِه مِن إخوتِه، بناءً على شريعتِهم، وإقرارِهم بأنفُسِهم، فجعَلَ الحُكمَ منهم؛ ليتِمَّ له ما أرادَ [845] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/262)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 555)، ((تفسير الرازي)) (18/489)، ((تفسير ابن كثير)) (4/401)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). قال ابنُ تيمية: (وقدْ كانَ مِن دينِ ملكِ مصرَ- فيما ذَكَره المفسِّرونَ- أنَّ السَّارقَ يُضرَبُ ويغرمُ قيمةَ المسروقِ مرَّتينِ). ((الفتاوى الكبرى)) (6/131). .
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء.
القراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ دَرَجَاتٍ بالتَّنوينٍ، بمعنى: نرفَعُ مَن نشاءُ درجاتٍ في العِلْمِ على غيرِه، كما رفَعْنا يوسُفَ، فيكونُ في الآيةِ تقْديمٌ وتأْخيرٌ، كأنَّه قال: نرفَعُ مَن نشاءُ درجاتٍ [846] قرأ بها عاصمٌ، وحمزةُ، والكِسائيُّ، وخلفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/260). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (13/262)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 144). .
2- قِراءةُ دَرَجَاتِ بالإضافةِ بلا تنوينٍ، بمعنى: نرفَعُ درجاتِ مَن نشاءُ في الدُّنيا بالعِلْمِ، كما رفَعْنا منزِلةَ يوسُفَ، فيكونُ الرَّفعُ للدَّرجاتِ [847] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/260). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (13/262)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 258، 259). .
نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء.
أي: نرفَعُ مَن نشاءُ درجاتٍ بالعلْمِ النَّافِعِ، ومعرفةِ الطرقِ الموصلةِ إلى المقاصِدِ الحَسَنةِ، كما رفَعْنا يوسُفَ [848] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/267)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/149، 173)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
كما قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ المجادلة: 11.
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
أي: وفوقَ كلِّ عالِمٍ مَن هو أعلَمُ منه، حتَّى ينتهِيَ العلْمُ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ عالِمِ الغيبِ والشَّهادةِ [849] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/267)، ((تفسير ابن كثير)) (4/401)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ (77).
قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ.
أي: قال إخوةُ يوسُفَ بعدما استُخرِجَ الصُّواعُ مِن رَحْلِ أخيهم؛ تنصُّلًا مِن التَّشبُّهِ به، وتبْرئةً لأنفُسِهم مِن هذه التُّهمةِ التي تُحرِجُهم: إنْ يسرِقْ هذا فليس بغريبٍ منه؛ فقد سرَقَ شقيقُه يوسُفُ مِن قبلُ [850] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/272)، ((تفسير ابن كثير)) (4/402)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403) . واختُلف في السرقةِ التي رَمَوا بها يوسفَ عليه السلامُ على أقوالٍ ذكَرها المفسِّرون، حاصلُها أنَّه وقعَت بعضُ أمورٍ في صغرِه فُهِم منها أنَّه سرَق، بينما هو في حقيقةِ الأمرِ لم يسرقْ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/267)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/459)، ((تفسير ابن جزي)) (1/393). وقيل: بل كَذَبوا عليه فيما نَسَبوه إليه فليس ليُوسفَ عليه السَّلامُ سرقَةٌ مِن قبلُ. قال الشوكاني: (وهذا أولَى، فما هذه الكذبةُ بأوَّلِ كذباتِهم). ((تفسير الشوكاني)) (3/54). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/34). .
فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ.
أي: فأضمَرَ يوسُفُ في نفْسِه كَلِمةً، ولم يُظهرها لهم [851] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/346)، ((تفسير ابن جرير)) (13/275)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/123)، ((تفسير البغوي)) (2/506)، ((تفسير الزمخشري)) (2/493)، ((تفسير ابن كثير)) (4/403). وممَّنِ اختار أنَّ المراد مِن الكلمةِ التي أسرَّها هي قولُه: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا: مقاتلُ بنُ سليمانَ، وابنُ جريرٍ، والزَّجَّاجُ، والبغَويُّ، والزَّمخشريُّ، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه، وقتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (7/2179)، ((تفسير ابن جرير)) (13/276). وقيل المعنى: فأضمَرَ يُوسفُ في نفْسِه اتِّهامَهم له بالسَّرقةِ، وكظَمَ غَيْظَه، ولم يُظهِرْ لإخوانِه كَذِبَهم عليه. وممَّن اختار هذا المعنى المذكورَ: الواحديُّ، وأبو حيَّان، والشَّوكانيُّ، والسعديُّ. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (2/624، 625)، ((تفسير أبي حيان)) (6/308)، ((تفسير الشوكاني)) (3/54)، ((تفسير السعدي)) (ص: 403). وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/460). قال ابنُ الجوزيِّ: (قولُه تعالى: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ في (هاء) الكنايةِ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدُها: أنَّها ترجِعُ إلى الكلمةِ الَّتي ذُكِرَت بعد هذا، وهي قولُه تعالى: أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا روى هذا المعنى العوفيُّ عنِ ابنِ عبَّاسٍ. والثَّاني: أنَّها ترجِعُ إلى الكلمةِ الَّتي قالوها في حقِّه، وهي قولُهم: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ وهذا معنى قولِ أبي صالحٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ، فعلى هذا يكونُ المعنى: أسرَّ جوابَ الكلمةِ فلم يُجِبْهم عليها. والثَّالثُ: أنَّها ترجِعُ إلى الحُجَّةِ، المعنى: فأسرَّ الاحتجاجَ عليهم في ادِّعائهم عليه السَّرقةَ، ذكَرَه ابن الأنباريُّ). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/460). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/490). .
وهذه الكلمةُ التي أسرَّها في نفْسِه، بعد أنْ وصَفَه إخوتُه بالسَّرقةِ كَذِبًا عليه؛ هي قولُه:
قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا.
أي: قال: أنتم شرٌّ منزِلةً عند اللَّهِ ممَّن نسبْتُموه إلى السَّرقةِ؛ لِصنيعِكم الظَّالِمِ بي، وعُقوقِ أبيكم، ثمَّ بعد تلك المُدَّةِ الطَّويلةِ لم يَزُلِ الحِقْدُ عن قُلوبِكم، فرميتُموني بالسَّرقةِ [852] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/506)، ((تفسير الرازي)) (18/491). .
وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ.
أي: واللَّهُ أعلَمُ بما تذكرونَ من الكَذِبِ [853] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/277)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 555)، ((تفسير القرطبي)) (9/240)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/36). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ اللَّهِ تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ تضمَّنتِ الآيةُ البَيانَ عمَّا يوجِبُه التَّلطُّفُ في بُلوغِ المُرادِ مِن إيقاعِ الأسبابِ الَّتي تُؤدِّي إليه، وتبعَثُ عليه بظاهِرٍ جميلٍ وباطِنٍ حقٍّ، ممَّا يخْفَى على كثيرٍ مِن النَّاسِ موقِعُه، ويُشْكِلُ عليه وجْهُه؛ لأنَّه أنفَذُ له، وأنجَحُ للمطلوبِ منه [854] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/169). .
2- قولُ اللَّهِ تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ فيه أنَّه ينبَغي لمَن أرادَ أنْ يُوهِمَ غيرَه بأمْرٍ لا يُحِبُّ أنْ يطَّلِعَ عليه أنْ يستعمِلَ المعاريضَ القوليَّةَ والفِعليَّةَ المانِعةَ له مِن الكَذِبِ، كما فعَلَ يُوسفُ؛ حيث ألقى الصُّواعَ في رَحْلِ أخيه، ثمَّ استخْرَجها منه مُوهِمًا أنَّه سارقٌ، وليس فيه إلَّا القَرينةُ الموهِمَةُ لإخوتِه، وقال بعد ذلك: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ولم يقُلْ: (مَن سرَقَ مَتاعَنا)، وكذلك لم يقُلْ: (إنَّا وجَدْنا مَتاعَنا عنده)، بل أتى بكلامٍ عامٍّ يصلُحُ له ولغيرِه، وليس في ذلك محذورٌ، وإنَّما فيه إيهامٌ أنَّه سارقٌ؛ ليحصُلَ المقصودُ الحاضِرُ، وأنَّه يبقى عند أخيه، وقد زالَ عنِ الأخِ هذا الإيهامُ بعدما تبيَّنتِ الحالُ [855] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
3- العمَلُ بالشَّريعةِ فيه إصلاحُ الأرضِ والبلادِ، واستقامةُ الأمورِ، والعَملُ بالمعاصي- مِن سَرِقةٍ وغَيرِها- فيه فسادُ ذلك؛ لِقَولِهم: تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ، وكم في القُرآنِ مِن التَّصريحِ أنَّ العملَ بالمعاصي ومُخالفةَ الرُّسُلِ، فسادٌ للأرضِ، ومُتابعة الرُّسُلِ هو الصَّلاحُ المُطلَقُ؛ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنيا [856] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 47). .
4- قال اللَّهُ تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ في قِصَّةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ تنْبيهٌ على: أنَّ مَن كادَ غيرَه كيدًا مُحرَّمًا فإنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى لا بُدَّ أنْ يَكيدَه، وأنَّه لا بُدَّ أنْ يَكيدَ للمظلومِ إذا صبَرَ على كيدِ كائدِه وتلطَّفَ به؛ فالمُؤمنُ المُتوكِّلُ على اللَّهِ إذا كادَه الخلْقُ فإنَّ اللَّهَ تعالى يَكيدُ له، وينتصِرُ له بغيرِ حولٍ منه ولا قوَّةٍ [857] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/132). .
5- قولُ اللَّهِ تعالى: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ العلْمَ أشرَفُ المَقاماتِ وأعلى الدَّرجاتِ؛ لأنَّه تعالى لَمَّا هدى يوسُفَ إلى هذه الحيلةِ والفِكرةِ، مدَحَه لأجْلِ ذلك، فقال: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [858] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/489). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- حُذِفَ المفعولُ في قولِه: إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ليصِحَّ أنْ يُضَمَّنَ سرِقتَهم لِيوسُفَ، فيتِمَّ التَّعريضُ، ويكونَ الكلامُ صِدقًا، وذُكِرَ المفعولُ في قولِه: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وهو صادِقٌ في ذلك، فصدَقَ في الجُملتينِ معًا تعريضًا وتصريحًا [859] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/169). ، هذا على القولِ بأنَّ يوسفَ عليه السلامُ هو الذي أمَرهم بالنِّداءِ.
2- قولُ اللَّهِ تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ كيف رَضِيَ يوسُفُ أن ينسُبَ إليهم السَّرقةَ ولم يفعَلوها؟
والجوابُ عن ذلك من وجوهٍ:
أحدُها: أنَّهم طلَبوا السقايةَ، فلم يَجِدوها، وغلَب على ظنِّهم أنَّهم هم الذين أخَذوها، فقالوا ذلك بناءً على غلبةِ ظنِّهم، وليس في القرآنِ ما يدلُّ على أنَّهم قالوا ذلك بأمْرِ يوسُفَ عليه السَّلامُ.
الثَّاني: أنَّه مِن بابِ المعاريضِ، وأنَّ يُوسفَ نَوَى بذلك أنَّهم سرَقوه مِن أبيه، حيثُ غَيَّبوه عنه بالحيلةِ الَّتي احْتالوها عليه، وخانوه فيه، والخائِنُ يُسمَّى سارقًا.
الثَّالثُ: أنَّه أرادَ: أيَّتُها العيرُ حالُكم حالُ السُّرَّاقِ. فالمعنى: إنَّ شيئًا لغيرِكم صار عندكم مِن غيرِ رِضا الملِكِ ولا علْمِه.
الرابعُ: أنَّ هذا كان حِيلةً لاجتماعِ شَمْلِه بأخيه، وفصْلِه عنه إليه، وهو ضررٌ دفَعَه بأقلَّ منه، وقيل غيرُ ذلك [860] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/230)، ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/127)، ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (3/168)، ((تفسير الخازن)) (2/543)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 280). .
3- في قولِه تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ إلى قولِه: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ حُجَّةٌ في جوازِ المعاريضِ، بل في إباحةِ الكذِبِ فيما دعا إلى الصَّلاحِ والخيرِ، ودفْعِ الحرَجِ فيه، وزَوالِ المأْثَمِ في تكْريرِه [861] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/622). .
4- في قولِه تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ إلى قولِه: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ فيه دليلٌ على أنَّ الوصولَ إلى الحُقوقِ وصَلاحِ ذاتِ البَيْنِ مُباحٌ بالحِيَلِ [862] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (1/622). ، وأنَّ التَّوصُّلَ إلى الأغراضِ بالحِيَلِ جائزٌ إذا لم تُخالِفْ شريعةً، ولا هدَمَت أصلًا [863] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/236). .
5- قولُ اللَّهِ تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أصلٌ لِمشروعيَّةِ الجعالةِ [864] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/29). والجعالة- بتثليث الجيم- لغةً: ما يُجعلُ للإنسانِ على شيءٍ يعملُه، وهو أعمُّ مِن الأجرِ والثوابِ. وشرعًا: التزامُ مالٍ معلومٍ في مقابلةِ عملٍ معلومٍ لا على وجهِ الإجارةِ. يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/460)،  ((شمس العلوم)) للحميري (2/1108)،  ((التوقيف على مهمات التعاريف)) للمناوي (ص: 127). .
6- قولُ اللَّهِ تعالى: وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أصلٌ في الضمانِ والكفالةِ [865] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 156). ، ففيه جوازُ الكَفالةِ على الرَّجلِ؛ لأنَّ المُؤذِّنَ الضَّامِنَ هو غيرُ يوسُفَ عليه السَّلامُ [866] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/233). .
7- قولُه: لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ استَشْهَدوا بعِلْمِهم على بَراءةِ أنْفُسِهم؛ لِمَا عَرَفوا منهم في كَرَّتَيْ مَجيئِهم، ودُخولِهم أرضَهم، ممَّا يدلُّ على فَرْطِ أمانتِهم، كردِّ البضاعةِ التي جُعِلت في رحالِهم [867] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/490)، ((تفسير البيضاوي)) (3/171). ، وأيضًا حَكَموا بعِلْمِهم ذلك؛ لأنَّ العِلْمَ بأحوالِهم الشَّاهدةِ يستلزِمُ العِلْمَ بأحوالِهم الغائبةِ [868] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/295). .
8- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ لَمَّا كانت العِبرةُ بنَفْسِ الوِجْدانِ بَنَوا للمفعولِ قولَهم: وُجِدَ فِي رَحْلِهِ [869] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/171). .
9- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ لِتحقُّقِهم البَراءةَ علَّقوا الحُكمَ على مُجرَّدِ الوِجْدانِ لا السَّرقةِ [870] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/171). .
10- قال اللَّهُ تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ فيه أنَّ القرائنَ يُعْمَلُ بها عند الاشتباهِ؛ لأنَّه استدلَّ بوُجودِ الصُّواعِ في رَحْلِ أخيه على الحُكمِ عليه بالسَّرقةِ مِن غيرِ بيِّنةِ شَهادةٍ ولا إقرارٍ، فعلى هذا إذا وُجِدَ المسروقُ في يَدِ السَّارقِ- خصوصًا إذا كان معروفًا بالسَّرقةِ- فإنَّه يُحكَمُ عليه بالسَّرقةِ، وهذا أبلَغُ مِن الشَّهادةِ [871] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
11- فَبَدَأَ المُفتِّشُ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ؛ وذلك لِتَزولَ الرِّيبةُ الَّتي يُظَنُّ أنَّها فُعِلَت بالقصْدِ، فلَمَّا لم يجِدْ في أوعيتِهم شيئًا اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ [872] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 403). .
12- قولُ الله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ يُستدَلُّ به على جوازِ تسميةِ قوانينِ مِلَلِ الكُفرِ (دينًا) لها [873] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/204). .
13- قال اللَّهُ تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مِن لَطيفِ الكيدِ في ذلك: أنَّه لَمَّا أرادَ أخْذَ أخيه توصَّلَ إلى أخْذِه بما يُقِرُّ إخوتُه أنَّه حقٌّ وعدْلٌ، ولو أخَذَه بحُكمِ قُدرتِه وسُلطانِه لنُسِبَ إلى الظُّلمِ والجَورِ، ولم يكُنْ له طريقٌ في دِينِ الملِكِ يأخُذُه بها، فتوصَّلَ إلى أخْذِه بطريقٍ يعترِفُ إخوتُه أنَّها ليست ظُلمًا، فوضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِ أخيه بمُواطأَةٍ منه له على ذلك، ولهذا قال: فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يوسف: 69.
ومِن لَطيفِ الكيدِ: أنَّه لم يُفَتِّشْ رِحالَهم وهم عنده، بل أمْهَلَهم حتَّى جهَّزَهم بجَهازِهم وخرَجوا، ثمَّ أرسَلَ في آثارِهم لذلك، والسِّياقُ يقْتَضي ذلك؛ إذ لو كان هذا وهم بحضْرَتِه لم يحتَجْ إلى الأذانِ، وإنَّما يكونُ الأذانُ نِداءً لبعيدٍ يُطْلَبُ وُقوفُه وحبْسُه. فكان في هذا مِن لَطيفِ الكيدِ: أنَّه أبعدُ مِن التُّهمةِ للطَّالِبِ بالمُواطأَةِ والمُوافقَةِ، وأنَّه لا يشعُرُ بما فُقِدَ له، فكأنَّه لَمَّا خرَجَ القومُ وارتَحَلوا، احتاجَ الملِكُ إلى صُواعِه لبعضِ حاجَتِه إليه، فالتمَسَه فلم يجِدْه، فسأَلَ عنه الحاضرين فلم يجِدُوه، فأرسَلوا في أثَرِ القومِ، فهذا أحْسنُ وأبعدُ مِن التَّفطُّنِ للحِيلَةِ مِن التَّفتيشِ في الحالِ قبل انفصالِهم عنه، بل كلَّما ازدادوا بُعدًا عنه كان أبلَغَ في هذا المعنى.
ومِن لَطيفِ الكيدِ: أنَّه أذَّنَ فيهم بصوتٍ عالٍ رفيعٍ يسمَعُه جميعُهم، ولم يقُلْ لواحدٍ واحدٍ منهم؛ إعلامًا بأنَّ ذَهابَ الصُّواعِ أمْرٌ قد اشتَهَر، ولم يبْقَ فيه خَفاءٌ، وأنتم قد اشتُهِرْتُم بأخْذِه، ولم يُتَّهَمْ به سِواكم.
ومِن لَطيفِ الكيدِ: قولُ المُؤذِّنِ وأصحابِه لإخوةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ: قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ أي: ما عُقوبةُ مَن ظهَرَ عليه أنَّه سرَقَه منكم ووُجِد معه؟ أي: ما عُقوبتُه عندكم وفي دِينِكم؟ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ فأخَذوهم بما حكَموا به على نُفوسِهم، لا بحُكمِ الملِكِ وقومِه.
ومِن لَطيفِ الكيدِ: أنَّ الطَّالِبَ لَمَّا همَّ بتفتيشِ رَواحِلِهم بدَأَ بأَوعيتِهم يفتِّشُها قبلَ وِعاءِ مَن هو معه؛ تطمينًا لهم، وبُعدًا عن تُهمةِ المَواطأَةِ؛ فإنَّه لو بدَأَ بوِعاءِ مَن هو فيه لقالوا: وما يُدْريه أنَّه في هذا الوِعاءِ دون غيرِه مِن أوعيتِنا؟ فأزالَ هذه التُّهمةَ بأنْ بدَأَ بأوعيتِهم أوَّلًا [874] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/109، 110، 111). .
14- في قولِه تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تنبيهٌ على أنَّ العِلْمَ الدَّقيقَ بلطيفِ الحِيَلِ المُوصلةِ إلى المقصودِ الشَّرعيِّ الَّذي يُحِبُّه اللَّهُ تعالى ورسولُه- مِن نَصْرِ دينِه وكَسْرِ أعدائِه، ونَصْرِ المُحِقِّ وقَمْعِ المُبْطِلِ- صفةُ مَدْحٍ يرفَعُ اللَّهُ تعالى بها درجةَ العبدِ، كما أنَّ العِلْمَ الَّذي يُخْصَمُ به المُبْطِلُ وتُدْحَضُ حُجَّتَهُ، صفةُ مَدْحٍ يرفَعُ بها درجةَ عبدِه [875] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) (2/119). .كما قال اللَّهُ تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ الأنعام: 83، وقد ذكَرَ اللَّهُ أنَّه يرفَعُ دَرَجاتِ مَنْ يشاءُ في قِصَّةِ مُنَاظَرَةِ إبْراهيمَ وفي قِصَّةِ احتِيالِ يوسُفَ، ولهذا قال السَّلفُ: بالعِلْمِ؛ فإنَّ سِياقَ الآياتِ يدُلُّ عليه، فقِصَّةُ إبراهيمَ في العِلْمِ بالحُجَّةِ والمُنَاظَرَةِ؛ لدَفْعِ ضَرَرِ الخَصمِ عنِ الدِّينِ، وقِصَّةُ يوسُفَ في العِلْمِ بالسِّياسةِ والتَّدبيرِ؛ لتَحصُلَ مَنْفعةُ المَطلوبِ؛ فالأوَّلُ عِلْمٌ بما يدفَعُ المَضَارَّ في الدِّينِ، والثَّاني عِلْمٌ بما يَجْلِبُ المَنافِعَ. أو يقال: الأوَّلُ: هو العِلْمُ الَّذي يدفَعُ المَضَرَّةَ عنِ الدِّينِ، ويجلِبُ مَنْفعَتَه، والثَّاني: عِلْمٌ بما يدفَعُ المَضَرَّةَ عنِ الدُّنيا، ويجلِبُ مَنفعَتَها. أو يقال: قِصَّةُ إبراهيمَ في عِلْمِ الأقْوالِ النَّافِعَةِ عند الحاجَةِ إليها، وقِصَّةُ يوسُفَ في عِلْمِ الأفْعالِ النَّافِعَةِ عند الحاجَةِ إليها؛ فالحاجَةُ في جَلْبِ المَنْفعَةِ ودَفْعِ المَضَرَّةِ قد تكونُ إلى القولِ، وقد تكونُ إلى الفِعْلِ [876] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/493). .
15- في قولِه تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ أنَّ مِن الكيدِ ما هو مشروعٌ، إلَّا أنَّه لا يجوزُ أنْ يُرادَ به الكيدُ الَّذي تُستحَلُّ به المُحرَّماتُ، أو تُسقَطُ به الواجِباتُ؛ فإنَّ هذا كيدٌ للَّهِ، واللَّهُ هو المَكيدُ في مِثْلِ هذا، فمُحالٌ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ أنْ يُكادَ دِينُه. وأيضًا فإنَّ هذا الكيدَ لا يتِمُّ إلَّا بفعْلٍ يُقْصَدُ به غيرُ مقصودِه الشَّرعيِّ، ومُحالٌ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ لعبْدٍ أنْ يقصِدَ بفعْلِه ما لم يَشْرَعِ اللَّهُ ذلك الفعْلَ له [877] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/132). .
16- في قولِه تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ دلالةٌ على أنَّ الكيدَ إنْ كان جزاءً للمُعتدي بمِثْلِ فِعْلِهِ كان عدلًا حَسَنًا [878] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/471). .
17- قولُ اللَّهِ تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فيه شاهِدٌ لتَفاوُتِ النَّاسِ في العلْمِ المُؤْذِنِ بأنَّ علْمَ الَّذي خلَقَ لهم العلْمَ لا ينحصِرُ مداهُ، وأنَّه فوقَ كلِّ نهايةٍ مِن علْمِ النَّاسِ [879] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/33). .
18- قال تعالى: فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قوله: فَأَسَرَّهَا أي: الكلمةَ، فكَنَّى عَنِ الكلمةِ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ متقدِّمٌ، والعربُ تفعلُ ذلكَ كثيرًا، إِذا كان مفهومًا المعنَى المرادُ عندَ سامِعي الكلامِ [880]  يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/275). .
19- إن قِيل: كيفَ صبَر يوسفُ عليه السلامُ عن أبيه بعدَ أنْ صارَ ملِكًا، مع أنَّ البرَّ به يَقْتَضي أن يبادرَ إليه ويَسْتدْعيه؟
فالجوابُ: أنَّ ذلك كان عن أمرِ الله تعالى وبوحيٍ منه؛ ليرفعَ درجةَ يعقوبَ عليه السلامُ بالصبرِ على البلاءِ، ويَكملَ أجرُه، وتتفسَّر الرُّؤْيا الأُولَى، وكان يوسفُ عليه السلامُ يُلاقي مِن الحزنِ لأجلِ حزنِ أبيه عظيمًا، ولا يقدرُ على دفعِ سببِه [881]  يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/465)، ((تفسير ابن عطية)) (3/258). قال ابن تيمية: (ولم يكنْ قصدُ يوسفَ باحتباسِ أخيه الانتقامَ مِن إخوتِه، فإنَّه كان أكرمَ مِن هذا، وكان في ذلك مِن الإيذاءِ لأبيه أعظمُ ممَّا فيه مِن إيذاءِ إخوتِه، وإنما هو أمرٌ أمَره الله به؛ ليبلغَ الكتابُ أجلَه، ويتمَّ البلاءُ الذي استحقَّ به يعقوبُ ويوسفُ كمالَ الجزاءِ، وتبلغَ حكمةُ الله التي قَضاها لهم نهايتَها). ((المستدرك على مجموع الفتاوى)) (1/184). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- قولُه: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ كلَّمَه بكلمةٍ مُخْتَصَرةٍ بليغَةٍ؛ إذْ أفادَه أنَّه هو أخوه الَّذي ظنَّه أكَلَه الذِّئبُ؛ فأكَّدَ الخبرَ بـ (إنَّ)، وبالجُملةِ الاسميَّةِ، وبالقَصْرِ الَّذي أفادَه ضميرُ الفَصْلِ أَنَا أي: أنا مَقْصورٌ على الكَوْنِ أخاك لا أجْنَبِيٌّ عنك؛ فهو قصرُ قَلْبٍ؛ لاعتقادِه أنَّ الَّذي كلَّمَه لا قَرابةَ بينه وبينه [882] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/26). .
- قولُه: بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أفادَ فِعْلُ الكَوْنِ في المُضِيِّ أنَّ المُرادَ ما عَمِلوه فيما مضى، وأفادَ صَوْغُ يَعْمَلُونَ بصيغةِ المُضارعِ أنَّه أعمالٌ مُتَكرِّرةٌ مِنَ الأذى، وفي هذا تهيئةٌ لنَفْسِ أخيه لِتلقِّي حادِثِ الصُّواعِ باطْمِئنانٍ؛ حتَّى لا يَخْشى أنْ يكونَ بمحَلِّ الرِّيبةِ مِن يوسُفَ عليه السَّلامُ [883] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/27). .
2- قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ
- قولُه: أذَّنَ؛ للتَّكثيرِ، فكأنَّه نادى مِرارًا [884] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/230). .
- قولُه: ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ فيه إسنادُ السَّرقةِ إلى جميعِهم؛ جَرْيًا على المُعْتادِ مِن مُؤاخَذَةِ الجَماعةِ بجُرْمِ الواحِدِ منهم، وتأْنيثُ اسمِ الإشارةِ وهو (أيَّتُها)؛ لتأْويلِ العِيرِ بمعنى الجَماعةِ؛ لأنَّ الرُّكَّابَ همُ الأهمُّ [885] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/28). .
3- قوله تعالى: قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ
- قولُه: وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ جُملةٌ حالِيَّةٌ مِن ضميرِ قولِه: قَالُوا جيءَ بها للدَّلالةِ على انزعاجِهم ممَّا سَمِعوه؛ لمُبايَنَتِه لحالِهم [886] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/295). .
- وصيغةُ المُستقبَلِ في قولِه: تَفْقِدُونَ؛ لاستحضارِ الصُّورةِ [887] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/295). .
- قولُهم: مَاذَا تَفْقِدُونَ فيه العُدولُ عمَّا يقْتَضيه الظَّاهرُ مِن قولِهم: (ماذا سُرِقَ منكم)؛ لبَيانِ كَمالِ نزاهَتِهم بإظهارِ أنَّه لم يُسْرَقْ منهم شيءٌ، فَضْلًا أنْ يكونوا همُ السَّارقينَ له، وإنَّما المُمْكِنُ أنْ يضيعَ منهم شيءٌ، فيسْأَلونَهم أنَّه ماذا، وفيه إرشادٌ لهم إلى مُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ، والاحترازِ عنِ المُجازَفَةِ، ونِسْبَةِ البُرآءِ إلى ما لا خيرَ فيه، لا سيَّما بطريقِ التَّوكيدِ؛ فلذلك غيَّروا كلامَهم حيث قالوا في جوابِهم: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ ولم يقولوا: (سَرَقْتُموه) أو (سُرِقَ) [888] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/295). .
4- قوله تعالى: قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ فيه إضافةُ الصُّواعِ إلى الملِكِ؛ لتَشْريفِه، وتهويلِ سَرِقَتِه على وجهِ الحقيقةِ؛ لأنَّ شُؤونَ الدَّولةِ كلَّها للملِكِ. ويجوزُ أنْ يكونَ أُطْلِقَ الملِكُ على يوسُفَ عليه السَّلامُ؛ تَعْظيمًا له [889] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/28). .
5- قوله تعالى: قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ
- قولُه: قَالُوا تَاللَّهِ قَسَمٌ فيه مَعْنى التَّعجُّبِ ممَّا أُضيفَ إليهم؛ حيث أقْسَموا بالتَّاءِ مِن حُروفِ القَسَمِ، كأنَّهم عَجِبوا مِن رَمْيِهم بهذا الأمْرِ؛ لأنَّها تكونُ فيها التَّعجُّبُ غالِبًا؛ وذلك لأنَّ المُقْسَمَ عليه بالتَّاءِ يكونُ نادِرَ الوُقوعِ؛ لأنَّ الشَّيءَ المُتَعَجَّبَ منه لا يكْثُرُ وُقوعُه، ومِن ثَمَّ قلَّ استعمالُ التَّاءِ إلَّا مع اسمِ الجَلالَةِ؛ لأنَّ القَسَمَ باسمِ الجَلالَةِ أقْوى القَسَمِ [890] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/490)، ((تفسير البيضاوي)) (3/171)، ((تفسير أبي حيان)) (6/304)، ((تفسير أبي السعود)) (4/295)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/43، 44). .
- وقولُهم: تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ أكَّدوا ذلك بالقَسَمِ، ونَفَوا عن أنفُسِهم الاتِّصافَ بالسَّرقةِ بأبْلغَ ممَّا نَفَوا به الإفسادَ عنهم، وذلك بنَفْيِ الكَوْنِ سارقينَ دون أنْ يقولوا: (وما جِئْنا لِنسرِقَ)؛ لأنَّ السَّرقةَ وَصْفٌ يُتَعَيَّرُ به [891] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/29). .
- قولُه: مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ونَفْيُ المَجيءِ للإفسادِ -وإنْ لم يكُنْ مُستلزِمًا لِمَا هو مُقْتَضى المَقامِ مِن نَفْيِ الإفسادِ مُطلقًا، لكنَّهم جَعَلوا المجيءَ الَّذي يترتَّبُ عليه ذلك، ولو بطَريقِ الاتِّفاقِ، مجيئًا لغَرَضِ الإفسادِ مفعولًا لأجْلِه ادِّعاءً- إظهارٌ لكَمالِ قُبْحِه عندهم، وتربيةٌ لاستحالةِ صُدورِه عنهم، فكأنَّهم قالوا: إنْ صدَرَ عنَّا إفسادٌ كان مَجيئُنا لذلك؛ مُريدينَ به تَقْبيحَ حالِه، وإظهارَ كمالِ نَزاهتِهم عنه [892] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/295). .
- قولُه: تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ، إنَّما لم يكْتَفوا بنَفْيِ الأمْرَينِ المَذْكورينِ، بل استَشْهدوا بعِلْمِهم بذلك؛ إلزامًا للحُجَّةِ عليهم، وتحقيقًا للتَّعجُّبِ المفهومِ مِن تاءِ القَسَمِ [893] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/295). .
6- قوله تعالى: قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
- قولُه: قَالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ علَّقوا الحُكْمَ على وِجْدَانِ الصَّاعِ لا على سَرِقتِه؛ لاعتِقادِهمُ البَراءةَ، فكأنَّهم يقولون: لا يُمكِنُ أنْ نسرِقَ [894] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/304). .
فاختاروا عنوانَ الوِجْدانِ في الرحلِ دونَ السرقةِ، معَ أنَّه المرادُ؛ لأنَّ كونَ الأخذِ والاسترقاقِ سنةٌ عندَهم، ومِن شريعةِ أبيهم عليه السلامُ إنَّما هو بالنسبةِ إلى السارقِ، دونَ مَن وُجد عندَه مالُ غيرِه كيفما كان، إشارةً إلى كمالِ نزاهتِهم، حتى كأنَّ أنفسَهم لا تطاوعُهم وألسنتُهم لا تساعدُهم على التلفُّظِ به مثبتًا لأحدِهم بأيِّ وجهٍ كان، وكأنَّهم تأكيدًا لتلك الإشارةِ عدَلوا عن: (مَن وُجِد عندَه) إلى مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ [895] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (7/26). .
- قولُه: فَهُوَ جَزاؤُهُ تقريرٌ لذلك الحُكْمِ، أي: فأَخْذُ السَّارقِ نفْسِه هو جزاؤه لا غيرُ [896] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/491)، ((تفسير أبي السعود)) (4/296). ؛ فجُملةُ فَهُوَ جَزاؤُهُ توكيدٌ لَفْظيٌّ لجُملةِ جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ؛ لتقريرِ الحُكْمِ وعَدَمِ الانفلاتِ منه، وتكونُ الفاءُ للتَّفْريعِ؛ تفريعِ التَّأكيدِ على المُؤَكَّدِ [897] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/30). .
- قولُه: كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ تأْكيدٌ للحُكْمِ المَذْكورِ بعدَ تأْكيدٍ، وفيه بيانٌ لقُبْحِ السَّرقةِ [898] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/296). .
7- قوله تعالى: فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
- قولُه: ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ذَكَّرَ ضميرَ الصُّواعِ مرَّاتٍ ثُمَّ أنَّثَه؛ على رُجوعٍ بالتَّأنيثِ على السِّقايةِ، أو أنَّثَ الصُّواعَ؛ لأنَّه يُذكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ولعلَّ يوسُفَ كان يُسمِّيه سِقايةً، وعَبيدُه صُواعًا؛ فقد وقَعَ فيما يتَّصِلُ به مِن الكلامِ سِقايةً، وفيما يتَّصِلُ بهم منه صُواعًا [899] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/491). ، وهذا التَّأنيثُ في تَمامِ الرَّشاقةِ؛ إذْ كانتِ الحقيقةُ أنَّها سِقايةٌ جُعِلَت صُواعًا؛ فهو كَرَدِّ العَجُزِ على الصَّدْرِ [900] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/31). ورَدُّ العَجُز على الصَّدر- ويُعرَف أيضًا بالتصديرِ- هو: أنْ تكونَ اللَّفظةُ بعينِها تقدَّمتْ في أوَّلِ الكَلامِ، ثُمَّ تُعادُ في آخِرِه، أو: هو أنْ يُجعَلَ أحدُ اللَّفظينِ المُكرَّرينِ، أو المتجانسَينِ، أو المُلحقَينِ بهما في أوَّل الفِقرةِ، ثُمَّ تُعادُ في آخِرِها، وهو على ثلاثةِ أقسامِ؛ الأوَّل: أن يُوافِقَ آخِرُ الفاصلةِ آخِرَ كَلمةٍ في الصَّدرِ، كقوله تعالى: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: 166]، والثاني: أنْ يُوافِقَ أوَّلُ كَلمةٍ منه، كقولِه: وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران: 8]، والثالث: أنْ يُوافِقَ بعضَ كَلماتِه، كقولِه: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام: 10]. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (3/461)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/354)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 333)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/514). .
- قولُه: وِعَاءِ أَخِيهِ فيه إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، حيث لم يقُلْ: (منه) على رَجْعِ الضَّميرِ إلى الوِعاءِ، أو (مِن وِعائِه) على رَجْعِه إلى أخيه؛ قَصْدًا إلى زيادةِ كَشْفٍ وبيانٍ [901] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/296). .
- قولُه: كَذَلِكَ في إدْخالِ الكافِ على اسمِ الإشارةِ (ذلك) دلالةٌ على فَخامةِ المُشارِ إليه، وكذا ما في (ذلك) مِن مَعْنى البُعدِ، أي: مثلَ ذلك الكَيدِ العَجيبِ [902] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/296). .
- قولُه: مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ استئنافٌ وتعليلٌ لذلك الكَيدِ وصُنْعِه، لا تفسيرٌ وبيانٌ له- كما قيل- كأنَّه قيل: لماذا فعَلَ ذلك؟ فقيل: لأنَّه لم يكُنْ ليأْخُذَ أخاه بما فعَلَه في دِينِ الملِكِ في أمْرِ السَّارقِ، أي: في سُلطانِه، أو في حُكْمِه وقَضائِه [903] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/296، 297). . وقيل: هي تفسيرٌ للكَيدِ وبيانٌ له؛ لأنَّه كان في دِينِ ملِكِ مصرَ [904] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/491)، (( تفسير أبي حيان)) (6/306)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/32). .
- قولُه: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ الجُملةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وإيثارُ صِيغةِ الاستقبالِ؛ للإشعارِ بأنَّ ذلك سُنَّةٌ مُستمِرَّةٌ، غيرُ مُخْتَصَّةٍ بهذه المادَّةِ [905] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/297). .
- وجُملةُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ تذييلٌ لقِصَّةِ أخْذِ يوسُفَ عليه السَّلامُ أخاه؛ لأنَّ فيها رَفْعَ درجةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ في الحالِ بالتَّدبيرِ الحَكيمِ، مِن وقتِ مُناجاتِه أخاه إلى وقتِ استخراجِ السِّقايةِ مِن رَحْلِه، ورَفْعَ درجةِ أخيه في الحالِ بإلحاقِه لِيوسُفَ عليه السَّلامُ في العَيْشِ الرَّفيهِ، والكَمالِ بتلقِّي الحكمةِ مِن فيه، ورَفْعَ درجاتِ إخوتِه وأبيه في الاستقبالِ؛ بسببِ رَفْعِ درجةِ يوسُفَ عليه السَّلامُ، وحُنُوِّه عليهم [906] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/32، 33)، وينظر أيضًا: ((تفسير أبي السعود)) (4/298). .
- قولُه تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تذييلٌ لقولِه: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ أي: نرفَعُ درجاتٍ عاليةً مِن العِلْمِ مَن نشاءُ رَفْعَه، وفوقَ كلِّ أحدٍ منهم عليمٌ هو أعْلى درجةً [907] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/298). .
وقيل: إنَّ جُملةَ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ تذييلٌ ثانٍ لجُملةِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ وعبَّر عن جِنْسِ المُتَفَوِّقِ في العِلْمِ بوَصْفِ عَلِيمٌ باعتبارِ نِسبتِه إلى مَن هو فوقَه، إلى أنْ يبْلُغَ إلى العليمِ المُطْلَقِ سبحانه [908] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/33). .
- وظاهرُ تَنْكيرِ عَلِيمٌ أنْ يُرادَ به الجِنْسُ، فيَعُمَّ كلَّ مَوصوفٍ بقوَّةِ العِلْمِ، إلى أنْ ينتهِيَ إلى عِلْمِ اللَّهِ تعالى، فعُمومُ هذا الحُكْمِ بالنِّسبةِ إلى المخلوقاتِ لا إشكالَ فيه، ويتعيَّنُ تخصيصُ هذا العُمومِ بالنِّسبةِ إلى اللَّهِ تعالى بدليلِ العَقْلِ؛ إذْ ليس فوق اللَّهِ عَليمٌ. وقد يُحْمَلُ التَّنكيرُ على الوَحدةِ، ويكونُ المُرادُ: عليمٌ واحدٌ؛ فيكونُ التَّنكيرُ للوَحدةِ والتَّعظيمِ، وهو اللَّهُ تعالى، فلا يحتاجُ إلى التَّخصيصِ [909] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/33). .
- وفي صيغةِ المُبالَغةِ عَلِيمٌ مع التَّنكيرِ، والالتفاتِ إلى الغَيبةِ: دلالةٌ على فَخامةِ شأْنِه عزَّ وعلا، وجَلالةِ مِقدارِ عِلْمِه المُحيطِ [910] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/298). . على أحدِ القولينِ.
8- قوله تعالى: قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ
- قولُه: فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فيه تَنْكيرُ أَخٌ؛ لأنَّ الحاضرينَ لا عِلْمَ لهم به [911] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/308). .
- جُملةُ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قيل: هي توكيدٌ لجُملةِ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ، وشأْنُ التَّوكيدِ ألَّا يُعْطَفَ، ووجْهُ عَطْفِها: ما فيها مِن المُغايرةِ للَّتي قبلها بزيادةِ قَيْدِ لَهُمْ المُشْعِرِ بأنَّه أَبْدَى لأخيه أنَّهم كاذِبونَ. ويجوزُ أنْ يكونَ المُرادُ: لم يُبْدِ لهم غَضَبًا ولا عِقابًا؛ مُبالغَةً في كَظْمِ غَيظِه، فيكونُ في الكلامِ تقديرُ مُضافٍ مُناسِبٍ، أي: لم يُبْدِ أثَرَها [912] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/35). .
- قولُه: قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا استئنافٌ مبْنيٌّ على سُؤالٍ نشَأَ مِن الإخبارِ بالإسرارِ المَذكورِ، كأنَّه قيل: فماذا قال في نفْسِه في تَضاعيفِ ذلك الإسرارِ؟ فقيل: قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا [913] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/298). ؛ وضَميرُ الغَيبةِ في فَأَسَرَّهَا عائدٌ إلى ما بعدَه، وهو قولُه: قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا أي: قال في نفْسِه، وهو يُشْبِهُ ضَميرَ الشَّأنِ والقصَّةِ، لكنَّ تأنيثَه بتأويلِ المَقولةِ أو الكلمةِ، وتكونُ جُملةُ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا تفسيرًا للضَّميرِ في فَأَسَرَّهَا [914] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/35). .
- قولُه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ صيغةُ التَّفضيلِ أَعْلَمُ لمُجرَّدِ المُبالَغةِ لا لِتَفْضيلِ عِلْمِه عزَّ وجلَّ على عِلْمِهم، كيف لا وليس لهم بذلك مِن عِلْمٍ [915] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/299). والقاعدةُ: أنَّ صيغةَ التفضيلِ قد تُطلقُ في القرآنِ واللُّغةِ مرادًا بها الاتصافُ، لا تَفضيلُ شَيءٍ على شَيءٍ. يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/30)، ((قواعد التفسير)) للسبت (258). ؟!
- وقولُه: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ تذييلٌ، وهو كلامٌ جامِعٌ، أي: اللَّهُ أعْلَمُ بصِدْقِكم فيما وصَفْتم أو بكَذِبِكم، والمرادُ: أنَّه يعلمُ كَذِبَهم [916] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/36). .