موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيتان (67-68)

ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ

المعنى الإجمالي:


يقول الله تعالى: وقال لهم أبوهم لَمَّا أرادوا الذَّهابَ إلى مصرَ: يا أبنائي إذا دخَلتُم أرضَ مصرَ فلا تدخُلوا مِن بابٍ واحدٍ، ولكن ادخُلوها مِن أبوابٍ مُتفَرِّقةٍ، وإنِّي إذ أُوصيكم بهذا لا أدفَعُ عنكم شيئًا قضاه اللَّهُ عليكم، فما الحُكمُ إلَّا للَّهِ وَحدَه، عليه اعتَمَدتُ ووَثِقتُ، وعليه وَحدَه يعتَمِدُ المؤمِنونَ، ولَمَّا دخَلوا من أبوابٍ مُتفَرِّقةٍ كما أمَرَهم أبوهم، ما كان ذلك لِيَدفعَ قضاءَ اللَّهِ عنهم، ولكِنْ حاجة في نَفسِه قضاها، وهي دخولُهم متفرِّقينَ شفقةً عليهم، وإنَّ يعقوبَ لصاحِبُ عِلمٍ عظيمٍ بأمرِ دينِه علَّمَه اللَّهُ له، ولكنَّ أكثرَ النَّاسَ لا يعلمونَ ما يَعلَمُه يعقوبُ عليه السَّلامُ مِن أمرِ دينِه وعواقِبِ الأمورِ ودقائِقِ الأشياءِ.

تفسير الآيتين:


وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67).
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ.
أي: وقال يعقوبُ لأبنائِه لَمَّا أرادوا الخروجَ إلى مصرَ: يا بَنيَّ لا تدخُلوا مصرَ مِن بابٍ واحدٍ، وادخُلوا مِن أبوابٍ مُتعدِّدةٍ [787] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/236)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/20). قال السمعاني: (أكثرُ المفسِّرين على أنَّه خافَ العينَ). ((تفسير السمعاني)) (3/47). وذكَر الرازي أنَّ عليه إطباقَ المتقدِّمينَ مِن المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/481). وممن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ :ابنُ عبَّاس، ومحمَّد بنُ كعبٍ، ومجاهدٌ، والضحَّاكُ، وقتادةُ، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/237)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400). قال القُرطبيُّ: (خاف عليهم العَينَ؛ لكونِهم أحَدَ عشَرَ رجُلًا لرجُلٍ واحدٍ، وكانوا أهلَ جَمالٍ وكمالٍ وبَسطةٍ). ((تفسير القرطبي)) (9/226). وقال ابنُ عاشورٍ: (وإنَّما نهاهم أن يدخلوها من بابٍ واحدٍ؛ خشيةَ أن يسترعيَ عددُهم أبصارَ أهلِ المدينةِ وحُرَّاسِها، وأزياؤهم أزياءُ الغُرباءِ عن أهلِ المدينةِ، أن يُوجِسوا منهم خِيفةً من تجسسٍ أو سرقةٍ، فربَّما سجنوهم، أو رصَدوا الأعينَ إليهم، فيكون ذلك ضرًّا لهم، وحائلًا دون سُرعةِ وُصولِهم إلى يُوسفَ عليه السَّلامُ، ودون قضاءِ حاجتِهم. ولمَّا كان شأْنُ إقامةِ الحُرَّاسِ والأرصادِ أن تكون على أبوابِ المدينةِ، اقتصَرَ على تحذيرِهم منَ الدُّخولِ من بابٍ واحدٍ، دون أنْ يُحذِّرَهم منَ المشيِ في سكةٍ واحدةٍ من سِكَكِ المدينةِ، ووَثِقَ بأنَّهم عارِفونَ بسِكَكِ المدينةِ، فلم يخْشَ ضلالَهم فيها). ((تفسير ابن عاشور)) (13/20، 21)، وقيل غير ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/455)، ((تفسير أبي حيان)) (6/298). .
وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ.
أي: هذا الاحترازُ سبَبٌ لا يَرُدُّ قدَرَ اللَّهِ، فما أقْدِرُ أنْ أدفَعَ عنكم بِوَصيَّتي هذه مِن قضاءِ اللَّهِ مِن شيءٍ؛ لأنَّ اللَّهَ إذا قدَّرَ شيئًا فلا بُدَّ مِن وُقوعِه، ولا ينفَعُ الحذَرُ مع القدَرِ [788] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/238)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ.
أي: ما الحُكمُ والقضاءُ إلَّا للَّهِ وحدَه؛ يحكُمُ في خلْقِه، ويقضي فيهم بما يشاءُ [789] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/238)، ((تفسير القرطبي)) (9/228)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
أي: على اللَّهِ وحدَه اعتمدتُ ووَثِقتُ، لا على ما وصَّيتُكم به مِن دُخولِ مصرَ مِن أبوابٍ مُتفرِّقَةٍ، وعليه فلْيُفوِّضْ المُفَوِّضونَ أمورَهم [790] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/238)، ((تفسير القرطبي)) (9/228)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68).
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ.
أي: ولَمَّا دخَلَ أولادُ يعقوبَ مصرَ مِن أبوابٍ مُتفرِّقَةٍ، كما أمَرَهم أبوهم، ما كان ينفَعُهم دُخولُهم بتلك الصِّفةِ شيئًا ممَّا قضاهُ اللَّهُ عليهم [791] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/239)، ((تفسير القرطبي)) (9/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/24). .
إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا.
أي: لكِنْ [792] الاستثناءُ في قولِه: إِلَّا حَاجَةً مُنقطعٌ بمعنى (لكن)؛ فالحاجةُ الَّتي في نفْسِ يعقوبَ عليه السَّلامُ ليست بعضًا مِن الشَّيءِ المَنْفِيِّ إغناؤه عنهم منَ اللهِ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/24). أمَرَهم يعقوبُ بدُخولِ مصرَ مِن أبوابٍ مُتفرِّقَةٍ؛ لِحاجةٍ في نفْسِه أنفَذَها حين أمَرَهم بذلك، فلم يدَّخِرْ تلك النَّصيحةَ عنهم؛ لِيطمئنَّ قلْبُه بأنَّه لم يترُكْ شيئًا يظُنُّه نافعًا لهم إلَّا أبلَغَه إليهم؛ شفَقَةً منه، وحِرصًا على تنْبيهِهم للأخطارِ الَّتي قد تعرِضُ لهم، وتعْليمِهم الأخذَ بالأسبابِ مع التَّوكُّلِ على اللَّهِ [793] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/239)، ((تفسير القرطبي)) (9/228)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (5/124)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/24). قال ابنُ حزمٍ: (يعقوبُ عليه السَّلامُ أمَرَهم أن يدخلوا مِن أبوابٍ مُتفرِّقةٍ؛ إشفاقًا عليهم؛ إمَّا من إصابةِ العينِ، وإمَّا من تعرُّضِ عدُوٍّ أو مُستريبٍ بإجماعِهم، أو ببعضِ ما يُخَوِّفُه عليهم، وهو عليه السَّلامُ مُعترفٌ أنَّ فعْلَه ذلك، وأمْرَه إيَّاهم بما أمَرَهم به من ذلك لا يُغْني عنهم مِن اللهِ شيئًا يُريدُه عزَّ وجلَّ بهم، ولكن لمَّا كانت طبيعةُ البشَرِ جاريةً في يعقوبَ عليه السَّلامُ، وفي سائرِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ- كما قال تعالى حاكيًا عنِ الرُّسلِ أنَّهم قالوا: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: 11]- حمَلَهم ذلك على بعضِ النَّظرِ المُخفِّفِ لحاجةِ النَّفْسِ ونِزاعِها، وتَوْقِها إلى سَلامةِ مَن يُحِبُّ، وإنْ كان ذلك لا يُغني شيئًا). ((الفصل في الملل والأهواء والنحل)) (4/4)، ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/25). .
وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ.
أي: وإنَّ يعقوبَ لصاحِبُ عِلْمٍ عظيمٍ؛ لِتعْليمِنا إيَّاه [794] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/240)، ((تفسير القرطبي)) (9/229)، ((تفسير ابن كثير)) (4/400)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). قال ابنُ عاشورٍ: (هو ثناءٌ على يعقوبَ عليه السَّلامُ بالعلْمِ والتَّدبيرِ، وأنَّ ما أسداه مِن النُّصحِ لهم هو مِن العلْمِ الَّذي آتاه اللهُ، وهو مِن علْمِ النُّبوةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (13/25). .
وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ.
أي: ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يعلمونَ ما يعلَمُه نَبِيُّنا يعقوبُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أمْرِ الدِّينِ، وعواقِبِ الأُمورِ [795] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/241)، ((تفسير البغوي)) (2/503)، ((تفسير القرطبي)) (9/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). قال ابنُ عاشورٍ: (المعنى أنَّ اللهَ أمَرَ يعقوبَ عليه السَّلامُ بأخْذِ أسبابِ الاحتياطِ والنَّصيحةِ، مع علْمِه بأنَّ ذلك لا يُغني عنهم مِن اللهِ مِن شيءٍ قدَّرَه لهم؛ فإنَّ مُرادَ اللهِ تعالى خَفِيٌّ عن النَّاسِ، وقد أمَرَ بسُلوكِ الأسبابِ المُعتادةِ، وعلِمَ يعقوبُ عليه السَّلامُ ذلك، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يعلمون تطلُّبَ الأمرينِ، فيُهمِلون أحدَهما؛ فمنهم مَن يُهمِلُ معرفةَ أنَّ الأسبابَ الظَّاهريَّةَ لا تدفَعُ أمرًا قدَّرَه اللهُ وعلِمَ أنَّه واقعٌ، ومنهم مَن يُهمِلُ الأسبابَ، وهو لا يعلَمُ أنَّ اللهَ أراد في بعضِ الأحوالِ عدَمَ تأثيرِها). ((تفسير ابن عاشور)) (13/25). .

الفوائد التربوية:


1- أنَّ الإنسانَ مأْمورٌ بأنْ يُراعِيَ الأسبابَ المُعتبَرَةَ في هذا العالَمِ، ومأمورٌ أيضًا بأنْ يعتقِدَ ويجزِمَ بأنَّه لا يصِلُ إليه إلَّا ما قدَّرَه اللَّهُ تعالى، وأنَّ الحذَرَ لا يُنْجِي مِن القدَرِ؛ فإنَّ الإنسانَ مأمورٌ بأنْ يحذَرَ من الأشياءِ المُهلِكةِ، والأغذيةِ الضَّارَّةِ، ويسعى في تحصيلِ المنافِعِ، ودفْعِ المَضارِّ بقدْرِ الإمكانِ. ثمَّ إنَّه مع ذلك ينْبغي أنْ يكونَ جازِمًا بأنَّه لا يصِلُ إليه إلَّا ما قدَّرَه اللَّهُ، ولا يحصُلُ في الوُجودِ إلَّا ما أرادَه اللَّهُ؛ فقولُه عليه السَّلامُ: لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ إشارةٌ إلى رِعايةِ الأسبابِ المُعتبَرَةِ في هذا العالَمِ، وقولُه: وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إشارةٌ إلى عدَمِ الالتفاتِ إلى الأسبابِ، وإلى التَّوحيدِ المحْضِ، والبَراءةِ عن كلِّ شيءٍ سِوى اللَّهِ تعالى [796] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/483). .
2- قال اللَّهُ تعالى: وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ المُسلِمَ يجِبُ عليه أنْ يُحَذِّرَ أخاه ممَّا يخافُ عليه، ويُرْشِدَه إلى ما فيه طريقُ السَّلامَةِ والنَّجاةِ؛ فإنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ، والمُسلِمُ أخو المُسلِمِ [797] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/229). .
3- قال اللَّهُ تعالى حِكايةً عن قولِ يعقوبَ لأولادِه: وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي: لا يكونُ ما أمرْتُكم به مُغنِيًا غَنَاءً مُبتدِئًا مِن عند اللَّهِ، بل هو الأدَبُ والوقوفُ عند ما أمَرَ اللَّهُ، فإنْ صادَفَ ما قدَّرَه فقد حصَلَ فائدتانِ، وإنْ خالَفَ ما قدَّرَه حصَلَت فائدةُ امتثالِ أوامِرِه، واقتِناعِ النَّفْسِ بعدَمِ التَّفريطِ [798] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/21). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ اللَّهِ تعالى: وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ فيه إثباتُ أنَّ العينَ حقٌّ [799] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/481). ، هذا على القولِ بأنَّه أمَرهم بذلك لخوفِه عليهم مِن العينِ.
2- في قولِه تعالى: وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ إلى قولِه سبحانه: مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا حجَّةٌ في الاحترازاتِ خشيةَ العينِ؛ لأنَّ يعقوبَ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ نبيٌّ وقد فَكَّرَ في هذا، وربُّه جلَّ وعلا- وإنْ كان قد بَيَّنَ أنَّ احترازَهم لم يُغْنِ عنهم شيئًا - فلم يُنْكِرْ وَصاةَ أبيهم بذلك، وقال نبيُّنا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: ((العينُ حقٌّ، ولو كان شيءٌ سابِقَ القَدَرِ، سبقَتْه العينُ )) [800] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/621). والحديث أخرجه مسلم (2188) من حديث ابن عباس. ، هذا على القولِ بأنَّه خافَ عليهم مِن العينِ.
3- قولُه تعالى عن يعقوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ الحُكْمُ هنا هو مِن الحُكمِ الكونيِّ، ويُقابلُه الحُكْمُ الدِّينيُّ، كقولِه تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [801] يُنظر: ((بيان تلبيس الجهمية)) لابن تيمية (8/428). المائدة: 1.
4- في قولِه تعالى: وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا حُجَّةٌ على مَن ينفي القَدَرَ؛ لأنَّ العينَ- وإنْ كانت حقًّا - فليست تصيبُ إلَّا بقَدَرٍ [802] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقَصَّاب (1/622). ، هذا على القولِ بأنَّه أمَرهم بذلك لخوفِه عليهم مِن العينِ.
5- لم يُوصِهِم يعقوبُ عليه السلامُ بالتَّفرُّقِ في الكَرَّةِ الأُولى؛ لأنَّهم كانوا مجْهولينَ مَغْمورينَ بين النَّاسِ [803]  يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/488). ، مع شُغْلِ النَّاسِ بما هم فيه مِن القَحْطِ [804] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/156). ، أو لأَنَّ محبوبَه فيهم، وهو بنيامينُ الَّذي كان يتسَلَّى به عن شقيقِه يوسفَ، ولم يَكُنْ فيهم في الكَرَّةِ الأُولَى، فأهملَ أمرَهم، ولم يَحتفِلْ بهم لسوءِ صَنيعِهم فِي يُوسفَ [805]  يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/298). .

بلاغة الآيتين:


1- قولُه تعالى: وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ عطْفٌ على جُملةِ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ وإعادةُ فِعْلِ (قال)؛ للإشارةِ إلى اختِلافِ زَمَنِ القَولينِ، وإنْ كانا معًا مُسَبَّبَينِ على إيتاءِ مَوْثِقِهم [806] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/20). .
- قولُه: وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ بيانٌ للمُرادِ بالنَّهيِ في قولِه: يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ؛ لأنَّ عدَمَ الدُّخولِ مِن بابٍ واحدٍ ليس مُستلزِمًا للدُّخولِ مِن أبْوابٍ مُتفرِّقةٍ، فلو دخَلُوا مِنْ بابينِ مثلًا كانوا قد امتثلوا النهيَ عَنِ الدُّخولِ مِن بابٍ واحدٍ، وفي دُخولِهم مِن بابَيْنِ أو ثلاثةٍ بَعضُ ما في الدُّخولِ مِن بابٍ واحدٍ؛ مِن نوعِ اجتماعٍ مُصَحِّحٍ لوُقوعِ المحْذورِ؛ فأوضَحَه وبيَّنَه بقولِه: وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولم يَكتَفِ بهذا الأمْرِ، مع كَونِه مُسْتلزِمًا للنَّهي السابقِ؛ إظهارًا لكَمالِ العِنَايةِ، وإيذانًا بأنَّه المُرادُ بالأَمْرِ المذْكورِ، لا تَحقيقُ شَيْءٍ آخرَ [807] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/292)، ((تفسير الألوسي)) (7/19). .
- قولُه: وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ (المُتَفرِّقةُ) أرادَ بها المُتَعدِّدةَ؛ لأنَّه جعَلَها في مُقابَلةِ الواحدِ، ووجْهُ العُدولِ عنِ المُتَعدِّدةِ إلى المُتَفرِّقةِ: الإيماءُ إلى عِلَّةِ الأمْرِ؛ وهي إخفاءُ كونِهم جماعةً واحدةً [808] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/21). .
- وفي قولِه: وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ زِيدَتْ (مِن)؛ لتَوكيدِ عُمومِ (شيءٍ) في سِياقِ النَّفْيِ [809] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/23). .
- وجُملةُ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ في مَوْضِعِ البَيانِ لجُملةِ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؛ ليُبَيِّنَ لهم أنَّ وصيَّتَه بأخْذِ الأسبابِ مع التَّنْبيهِ على الاعتمادِ على اللَّهِ هو مَعْنى التَّوكُّلِ الَّذي يَضِلُّ في فَهْمِه كثيرٌ منَ النَّاسِ اقتِصارًا وإنكارًا؛ ولذلك أتَى بجُملةِ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أمرًا لهم ولغيرِهم، على مَعْنى أنَّه واجِبُ الحاضِرينَ والغائِبينَ، وأنَّ مَقامَه لا يختصُّ بالصِّدِّيقينَ، بل هو واجِبُ كلِّ مؤمنٍ [810] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/23). .
- قوله: وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، أي: عليه دُون غَيرِه؛ فأفادَ تقديمُ الجارِّ والمجرورِ قَصْرَ التوكُّلِ على اللهِ تعالى [811] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/106) و(4/292). .
- وجمَع بين الحَرفينِ (الواو والفاء) في عَطفِ الجُملةِ على الجُملةِ؛ كأنَّ الواوَ للعَطفِ، والفاءَ لإفادة التسبُّبِ؛ فإنَّ فِعلَ الأنبياءِ سببٌ لأنْ يُقتدَى بِهم [812] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/170)، ((تفسير أبي السعود)) (4/292). .
2- قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
- قولُه: وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ أي: منَ الأبوابِ المُتفرِّقةِ منَ البلدِ، وإنَّما اكْتَفى بذِكْرِه؛ لاستلزامِه الانتهاءَ عمَّا نُهُوا عنه [813] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/293). . وقد أَغْنَت جُملةُ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ عن جُمَلٍ كثيرةٍ؛ وهي: أنَّهم ارْتَحَلوا ودخلوا من حيث أمَرَهم أبوهم، ولَمَّا دخلوا مِن حيث أمَرَهم سَلِموا ممَّا كان يخافُه عليهم، وما كان دُخولُهم مِن حيث أمَرَهم يُغْني عنهم مِنَ اللَّهِ مِن شيءٍ لو قدَّرَ اللَّهُ أنْ يُحاطَ بهم؛ فالكلامُ إيجازٌ [814] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/24). .
- قولُه: مَا كَانَ يُغْنِي فِيه الجمْعُ بين صِيغَتَيِ الماضي والمستقبَلِ؛ لتحقيقِ المُقارَنةِ الواجِبةِ بين جَوابِ (لَمَّا) ومَدْخولِه دَخَلُوا؛ فإنَّ عدَمَ الإغْناءِ بالفعْلِ إنَّما يتحقَّقُ عند نُزولِ المحذورِ لا وقتَ الدُّخولِ، وإنَّما المُتحقِّقُ حينئذٍ ما أفادَه الجمْعُ المذكورُ مِن عدَمِ كونِ الدُّخولِ المذكورِ مُغْنِيًا فيما سيأتي [815] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/293). .
- قولُه: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ في تأْكيدِ الجُملةِ بـ (إنَّ) واللَّامِ، وتنْكيرِ (العِلْم)، وتَعليلِه بالتَّعليمِ المُسْنَدِ إلى ذاتِه سبحانه: دَلالةٌ على جَلالةِ شأْنِ يعقوبَ عليه السَّلامُ وعُلوِّ مَرتبةِ عِلمِه وفَخَامتِه [816] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/293). .