موسوعة التفسير

سُورةُ يُوسُفَ
الآيات (63-66)

ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غريب الكلمات:


مَتَاعَهُمْ: أي: طعامَهم، أو أوعِيَتَهم، والمتاعُ: كُلُّ ما يُنتفَعُ به على وجهٍ ما، وأصْلُ (متع): يدلُّ على منفعَةٍ [744] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/293)، ((البسيط)) للواحدي (12/168)، ((المفردات)) للراغب (ص: 757). .
مَا نَبْغِي: أيْ: أيَّ شيءٍ نطلُبُ وراءَ هذا، أو ماذا نريدُ؟ وأصْلُ (بغي): يدل على طلَبِ الشَّيءِ [745] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/233)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((تفسير القرطبي)) (9/224)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399). .
نَمِيرُ أَهْلَنَا: أي: نَجلِبُ إليهم الطَّعامَ؛ مِن قَولِهم: مار أهلَه يَميرُهم: إذا حملَ إليهم أقواتَهم مِن غيرِ بَلدِه [746] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((البسيط)) للواحدي (12/169)، ((المفردات)) للراغب (ص: 783). .
كَيْلَ بَعِيرٍ: أي: حِمْلَ جَمَلٍ، يُكَالُ لَنَا، وقيل: حِمْلَ حمارٍ [747] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((تفسير ابن جرير)) (13/234)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 391)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/150)، ((المفردات)) للراغب (ص: 730)، ((تفسير البغوي)) (2/502)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 246)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 777). .
مَوْثِقًا: أي: عهدًا وميثاقًا، وأصْلُ (وثق): يدلُّ على عقْدٍ وإحكامٍ [748] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/234، 235)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/85)، ((تفسير القرطبي)) (1/247). .
يُحَاطَ بِكُمْ: أي: تُمْنَعوا وتُغْلَبوا؛ مِن الإحاطة: وهو لفظٌ عامٌّ لجميعِ وُجوهِ الغَلَبة والقَسرِ، وأصْلُ (حوط): يدلُّ على الشَّيءِ يُطِيفُ بالشَّيءِ [749] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 219)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/120)، ((المفردات)) للراغب (ص: 265)، ((تفسير ابن عطية)) (3/261). .
وَكِيلٌ: أي: شَهيدٌ [750] والشَّهيد وكيلٌ بمعنى أنَّه موكولٌ إليه القيامُ بما أُشهِدَ عليه. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (2/621). علينا، كفيلٌ بالوفاءِ، وأصلُ (وكل): يدلُّ على اعتمادِ غيرِك في أمرِك [751] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 18، 313)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/136)، ((البسيط)) للواحدي (12/172)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/455). .

المعنى الإجمالي:


يقول تعالى: فلَمَّا رجَعوا إلى أبيهم قصُّوا عليه ما كان مِن إكرامِ العزيزِ لهم، وقالوا: إنَّه لن يُعطيَنا مُستقبَلًا إلَّا إذا كان معنا أخونا الَّذي أخبَرناه به، فأرسِلْه معنا نُحضِرِ الطَّعامَ وافيًا، ونتعهَّدُ لك بحِفظِه. قال لهم أبوهم: كيف آمَنُكم عليه وقد أمِنتُكم على أخيه يوسُفَ مِن قَبلُ، والتَزمتُم بحِفظِه فلم تَفُوا بذلك؟! فلا أثِقُ بالتزامِكم وحِفظِكم، ولكِنِّي أثِقُ بحِفظِ الله؛ خيرِ الحافِظينَ، وأرحَمِ الرَّاحمينَ، أرجو أن يرحَمَني، فيحفَظَه ويَرُدَّه عليَّ.
ولَمَّا فَتَحوا أوعيَتَهم وجَدوا ثمنَ بضاعتِهم الَّذي دَفَعوه قد رُدَّ إليهم، قالوا: يا أبانا ماذا نطلُبُ أكثَرَ مِن هذا؟! هذا ثمَنُ بضاعتِنا رَدَّه العزيزُ إلينا، فكُنْ مُطمَئِنًّا على أخينا، وأرسِلْه معنا؛ لنجلِبَ طَعامًا وفيرًا لأهلِنا، ونحفَظ أخانا، ونزداد حِمْلَ بعيرٍ له؛ فإنَّ العزيزَ يَكيلُ لكلِّ واحدٍ حِمْلَ بعيرٍ، وذلك كَيلٌ يسيرٌ عليه. قال لهم يعقوبُ: لن أترُكَه يذهَبُ معكم حتَّى تتعَهَّدوا وتحلِفوا لي باللَّهِ أن ترُدُّوه إليَّ، إلَّا أن تُغْلَبوا عليه فلا تستطيعوا تخليصَه، فلَمَّا أعطَوه عهدَ اللَّهِ على ما طلَبَ، قال يعقوبُ: اللَّهُ على ما نقولُ وكيلٌ، تكفينا شَهادتُه علينا، وحِفظُه لنا.

تفسير الآيات:


فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ إخوةَ يوسُفَ عليه السَّلامُ لَمَّا رجعوا مِن مصرَ مُمْتارينَ، بادروا بما كان أهمَّ الأشياءِ عندهم مِن التَّوطئةِ لإرسالِ أخيهم معهم، وذلك قبل فتْحِ مَتاعِهم وعلْمِهم بإحسانِ العزيزِ إليهم مِن ردِّ بِضاعتِهم [752] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/294). .
فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ.
أي: فلَمَّا رجَعَ إخوةُ يوسُفَ إلى أبيهم يعقوبَ قالوا له: يا أبانا مُنِعَ منَّا الكيلُ في المستقبَلِ إنْ لم تُرسِلْ معنا أخانا الصَّغيرَ إلى مصرَ [753] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/398)، ((تفسير السعدي)) (ص: 401)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/15). .
فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ.
أي: فأرْسِلْ معنا أخانا؛ حتَّى يُمْكِنَنا العودةُ إلى مصرَ وأخْذُ الطَّعامِ [754] يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/57)، ((الوسيط)) للواحدي (2/621)، ((تفسير السعدي)) (ص: 401). .
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.
أي: وإنَّا لأخينا لحافِظونَ مِن أنْ يَنالَه في سَفَرِه سوءٌ، فلا تخَفْ عليه [755] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/229)، ((تفسير القرطبي)) (9/224)، ((تفسير ابن كثير)) (4/398). .
قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64).
قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ.
أي: قال يعقوبُ لأبنائِه: ماذا أفادَ ائتِمانُكم على أخيه يوسُفَ مِن قبلُ، حتَّى آمنَكم على أخيكم هذا الَّذي تسأَلونَني أنْ أُرسِلَه معكم؟ لقد فرَّطْتُم في يوسُفَ وحُلْتُم بيني وبينه، فكيف آمنُكم على أخيه؟! فلا أثِقُ بالتِزامِكم وحفْظِكم [756] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/231)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/621)، ((تفسير ابن عطية)) (3/259،  260)، ((تفسير القرطبي)) (9/224)، ((تفسير ابن كثير)) (4/398)، ((تفسير القاسمي)) (6/195)، ((تفسير السعدي)) (ص: 401). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/16). .
فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا.
أي: فاللَّهُ خيرٌ حافظًا لأخيكم منكم ومِن كلِّ أحدٍ [757] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/232)، ((تفسير الماوردي)) (3/57)، ((تفسير القاسمي)) (6/195). الأكثرونَ على أنَّ قولَه: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا يدلُّ على أنَّه أَذِنَ في ذَهابِ ابنِه بنيامين في ذلك الوقتِ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/480). وقال الألوسي: (هذا- كما ترَى- ميلٌ منه عليه السَّلامُ إلى الإذْنِ والإرسالِ؛ لِما رأى فيه من المصلحةِ، وفيه أيضًا من التَّوكُّلِ على اللهِ تعالى ما لا يخفى). ((تفسير الألوسي)) (7/12). وقال ابنُ عاشورٍ: (وهم قدِ اقتنعوا بجوابِه، وعَلِموا منه أنَّه مُرسِلٌ معهم أخاهم؛ ولذلك لم يراجعوه في شأْنِه). ((تفسير ابن عاشور)) (13/16). وقال آخرون: لا يدلُّ قولُه: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا على أنَّه أَذِنَ في ذَهابِ ابنِه بنيامين في ذلك الوقتِ، والآيةُ على هذا القولِ فيها وجهانِ: الأوَّلُ: التَّقديرُ أنَّه لو أَذِنَ في خُروجِه معهم لكان في حفْظِ اللهِ، لا في حفْظِهم. الثَّاني: أنَّه لَمَّا ذكَرَ يُوسفَ قال: فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا أي: ليوسفَ؛ لأنَّه كان يعلَمُ أنَّه حيٌّ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/480). .
وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
أي: واللَّهُ أرحمُ الرَّاحمينَ بخَلْقِه، وسيرحَمُ ضعْفي وكِبَري، ووَجْدي بفقْدِ وَلَدي، وأرجو منه أنْ يحفَظَه ويرُدَّه عليَّ [758] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/232)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399)، ((تفسير السعدي)) (ص: 401). .
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65).
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ.
أي: ولَمَّا فتَحَ إخوةُ يوسُفَ مَتاعَهم الَّذي حمَلوه مِن مصرَ، وجَدوا ثمَنَ الطَّعامِ الَّذي دفَعوه إلى يوسُفَ قد رجَعَ إليهم في رِحالِهم [759] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 553)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399)، ((تفسير القاسمي)) (6/195). .
قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا.
أي: قال إخوةُ يوسُفَ لأبيهم يعقوبَ حينذاك؛ ترغيبًا في إرسالِ أخيهم معهم، وتطييبًا لنفْسِه: يا أبانا ماذا نُريدُ بعدَ هذا الإكرامِ؟! هذا ثمَنُ الطَّعامِ رُدَّ إلينا بعدَ أنْ أُوفِيَ لنا كيلُنا [760] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/233)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). !
وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا.
أي: ونشْتَري لأهلِنا طعامًا مِن مصرَ إذا أرسَلْتَ معنا أخانا، ونحفَظُه ممَّا تخافُ عليه [761] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/233)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/17). .
وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ.
أي: ونزدادُ حِمْلَ بعيرٍ لأخينا [762] والمعنى: أنَّه يُكالُ  لهم حملُ جملٍ مِن أجلِ أخيهم؛ لأنَّه كان يُعطي باسمِ كلِّ رجلٍ حملَ بعيرٍ. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/502). ، ذلك [763]  المشارُ إليه في قوله: ذَلِكَ هو قَولُه: كَيْلُ بَعِيرٍ. والمعنى على ذلك: أنَّه كيلٌ يَسيرٌ على هذا الرجُلِ الذي نأتيه؛ لسَخائه، وحِرصِه على البذلِ، وممَّن قال بهذا المعنى: الزجَّاج، والواحدي، والخازن. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/119)، ((الوسيط)) للواحدي (2/621)، ((تفسير الخازن)) (2/540). أو المعنى: كيلٌ يَسيرٌ: أي: سريعٌ لا حَبْسَ فيه، وقال به مقاتل، والمراد: أنَّه إذا جاء معنا عجَّلَ الملِكُ لنا الكيلَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/343)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/455). وقيل: المشارُ إليه هو ما جاؤوا به، والمعنى: ذلك الذي جِئْناك به كيلٌ يسيرٌ لا يكفينا، ومِمَّن اختاره: البغوي، والبيضاوي. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/502)، ((تفسير البيضاوي)) (3/169)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرسعني)) (3/376)، ((تفسير الزمخشري)) (2/486)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/455). حِمْلٌ يسيرٌ [764] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/233)، ((الوسيط)) للواحدي (2/621)، ((تفسير أبي حيان)) (6/296)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399)، ((تفسير الخازن)) (2/540)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66).
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ.
أي: قال يعقوبُ: لن أُرْسِلَ معكم أخاكم إلى مصرَ حتَّى تُعْطوني يمينًا وعهدًا مُؤكَّدًا أنْ تردُّوه إليَّ، إلَّا أنْ تُغْلَبوا جميعُكم بأمرٍ لا قِبَلَ لكم به، فلا تقْدِروا على تخليصِ أخيكم ورَدِّه معكم [765] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/234)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (5/3597)، ((تفسير ابن كثير)) (4/399)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .
فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ.
أي: فلَمَّا أعْطى أولادُ يعقوبَ أباهم عُهودَهم على أنْ يردُّوا إليه أخاهم، قال يعقوبُ: اللَّهُ شهيدٌ علينا بالوفاءِ بما نقولُ جميعًا، أنا وأنتم تَكْفِينا شَهادتُه وحفْظُه [766] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/236)، ((البسيط)) للواحدي (12/172)، ((تفسير السعدي)) (ص: 402). .

الفوائد التربوية:


1- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا فيه التَّفويضُ إلى اللَّهِ تعالى، والاعتمادُ عليه في جميعِ الأمورِ [767] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/121). .
2- قولُه تعالى: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ كلُّ ذلك زيادةٌ في التَّوثيقِ؛ لِمَا حصَلَ له مِن المُصيبةِ بيوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإنْ كان الاعتمادُ في حفْظِه إنَّما هو على اللَّهِ، وهذا مِن بابِ (اعْقِلْها وتوكَّلْ) [768] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/155). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- العُقودُ تنعَقِدُ بما يدُلُّ عليها مِن قَولٍ وفِعلٍ، لا فَرقَ بين عُقودِ التبرُّعاتِ، وعُقودِ المُعاوضاتِ؛ لأنَّ يوسُفَ صلَّى الله عليه وسلَّم ملَّكَ إخوتَه بضاعتَهم التي اشتَرَوا بها مِيرتَهم مِن حيثُ لا يشعُرونَ، وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ... الآية، وذلك مِن دونِ إيجابٍ وقبولٍ قوليٍّ؛ لأنَّ الفِعلَ والرِّضا يدلُّ على ذلك [769] يُنظر: ((فوائد مستنبطة من قصة يوسف عليه السلام)) للسعدي (ص: 53). .
2- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا لَمَّا كان المُفْرِحُ مُطلَقَ الرَّدِّ، بُنِيَ قولُه: رُدَّتْ للمفعولِ [770] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/154). .
3- قولُ اللَّهِ تعالى: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فيه أنَّ سوءَ الظَّنِّ- مع وُجودِ القرائنِ الدَّالَّةِ عليه- غيرُ ممنوعٍ ولا مُحرَّمٍ [771] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 407). .
4- قيل: قد صدَّقَت هذه القِصَّةُ المَثَلَ السَّائرَ، وهو قولُهم: (البَلاءُ مُوكَّلٌ بالمَنطِقِ)؛ فإنَّ يعقوبَ عليه السَّلامُ قال: إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ أي: تُغْلَبوا عليه، فابْتُلِيَ بذلك، وأُحيطَ بهم، وغُلِبوا عليه [772] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/197). .
5- قولُه: حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا لَمَّا كان يعقوبُ غيرَ مُخْتارٍ لإرسالِ ابنِه وألحُّوا عليه في ذلك، علَّقَ إرسالَه بأخذِ المَوْثِقِ عليهم، وهو الحلِفُ باللَّهِ؛ إذْ به تُؤَكَّدُ العُهودُ وتُشَدَّدُ [773] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/487)، ((تفسير أبي حيان)) (6/297). .
6- قولُه: حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ جعَلَ الحلِفَ باللَّهِ مَوْثِقًا منه؛ لأنَّ تأْكيدَ العُهودِ به مأْذونٌ فيه مِن جِهَتِه تعالى، فهو إذنٌ منه عزَّ وجلَّ [774] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/487)، ((تفسير أبي السعود)) (4/291). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
- قولُه: مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ أي: حِيلَ بيننا وبين الكَيْلِ في المُستقبَلِ؛ لأنَّ رُجوعَهم بالطَّعامِ المُعَبَّرِ عنه بالجَهازِ قَرينةٌ أنَّ المنْعَ منَ الكَيلِ يقَعُ في المستقبَلِ، ولأنَّ ترْكيبَ مُنِعَ مِنَّا يُؤْذِنُ بذلك؛ إذ جَعَلوا الكَيلَ ممْنوعَ الابتداءِ منهم؛ لأنَّ (مِن) حرفُ ابتداءٍ، فهم يُريدونَ قولَ يوسُفَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي؛ لأنَّهم إذا أُنْذِروا بمَنْعِ الكَيْلِ فقد مُنِعَ الكَيلُ، ويكونُ مُنِعَ يُرادُ به في المُسْتَأْنَفِ، وإلَّا فقد كِيلَ لهم، وجاؤوا أباهم بالمِيرَةِ، لكنْ لَمَّا أُنْذِروا بمَنْعِ الكَيلِ قالوا: مُنِعَ [775] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/485)، ((تفسير أبي حيان)) (6/294)، (تفسير ابن عاشور)) (13/15). .
- قولُه: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ فيه تأكيدُ حِفْظِه بالجُملةِ الاسميَّةِ الدَّالَّةِ على الثَّباتِ، وبحرفِ التَّوكيِد (إنَّ) [776] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/16). .
2- قولُه تعالى: قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الاستفهامُ هَلْ آمَنُكُمْ إنْكارِيٌّ فيه معنى النَّفيِ؛ فهو يَستَفْهِم عن وجْهِ التَّأكيدِ في قولِهم: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [777] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/8). .
3- قوله تعالى: وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
- قولُه: قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي استئنافٌ مَبْنِيٌّ على السُّؤالِ، كأنَّه قِيلَ: ماذا قالوا حينئذٍ؟ فقيل: قالوا لأبيهم:... [778] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/290). ؛ فجُملةُ قَالُوا يَا أَبَانَا مُسْتَأْنَفَةٌ استِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لتَرَقُّبِ السَّامعِ أنْ يعلَمَ ماذا صدَرَ منهم حين فَجَأَهُم وِجْدانُ بضاعتِهم في ضمْنِ متاعِهم؛ لأنَّه مُفاجأةٌ غَريبةٌ، ولهذه النُّكْتةِ لم يُعْطَفْ بالفاءِ [779] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/17). .
- قولُه: مَا نَبْغِي يحتملُ أنْ يكونَ للاستفهامِ الإنْكاريِّ بتنْزيلِ المُخاطَبِ منزِلةَ مَن يَتَطَلَّبُ منهم تَحْصيلَ بُغْيَةٍ، فيُنْكِرونَ أنْ تكونَ لهم بُغْيَةٌ أُخرى، أي: ماذا نطلُبُ بعد هذا [780] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/17). ؟!
- قولُه: هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا جُملةٌ مُستأنَفةٌ، مُوَضِّحةٌ لِما دلَّ عليه الإنكارُ مِن بُلوغِ اللُّطْفِ غايتَه، والجُملُ بَعدَها معطوفةٌ عليه؛ فهو استئنافٌ مُوَضِّحٌ لقولِه: مَا نَبْغِي. وقولُه: وَنَمِيرُ أَهْلَنَا مَعطوفٌ على محذوفٍ، أي: رُدَّتْ إلينا، فنسْتَظْهِرُ بها، ونَمِيرُ أهلَنا بالرُّجوعِ إلى الملِكِ [781] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/486)، ((تفسير البيضاوي)) (3/169، 170)، ((تفسير أبي حيان)) (6/296)، ((تفسير أبي السعود)) (4/290). .
- وكرَّروا حِفْظَ الأخِ بقولِهم: وَنَحْفَظُ أَخَانَا؛ مُبالَغةً في الحضِّ على إرْسالِه [782] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/296). .
- قولُه: ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ استئنافٌ وقَعَ تَعْليلًا لِمَا سَبَق، كأنَّه قيل: أيُّ حاجةٍ إلى الازْدِيادِ؟ فقيل ما قيل، أو ذلك الكَيلُ الزَّائدُ شيءٌ قليلٌ لا يُضَايقُنا فيه الملِكُ، أو سَهْلٌ عليه لا يَتَعاظَمَه أو أيَّ مَطْلبٍ نطلُبُ مِن مُهِمَّاتِنا، والجُملةُ الواقِعةُ بعدَه تَوضيحٌ وبَيانٌ لِمَا يُشْعِرُ به الإنْكارُ مِن كونِهم فائزينَ ببعضِ المَطالِبِ، أو مُتَمكِّنينَ مِن تَحْصيلِه [783] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/290). .
- وجُملةُ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ زيادةٌ في إظهارِ حِرْصِهم على سلامَةِ أخيهم؛ لأنَّ في سلامَتِه فائدةً لهم بازديادِ كَيلِ بَعيرٍ؛ لأنَّ يوسُفَ عليه السَّلامُ لا يُعْطي المُمْتارَ أكثرَ مِن حِمْلِ بَعيرٍ منَ الطَّعامِ؛ فإذا كان أخوهم معهم أعْطاه حِمْلَ بَعيرٍ في عِدادِ الإخوةِ، وبه تظْهَرُ المُناسَبةُ بين هذه الجُملةِ والَّتي قبْلَها، وهذه الجُمَلُ مُرَتَّبةٌ تَرْتيبًا بَديعًا؛ لأنَّ بعضَها مُتَوَلِّدٌ عن بعضٍ [784] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/18). .
4- قوله تعالى: قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
- قولُه: قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ تذْكيرٌ لهم بأنَّ اللَّهَ تعالى رقيبٌ على ما وقَعَ بينهم، وهذا توكيدٌ للحَلِفِ [785] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/20). . وإيثارُ صِيغةِ الاستِقبالِ نَقُولُ؛ لاسْتِحضارِ صُورَتِه المُؤدِّي إلى تَثَبُّتِهم، ومُحافظتِهم على تَذَكُّرِه ومُراقبَتِه [786] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/292). .