موسوعة التفسير

سورةُ إبراهيمَ
الآيات (9-12)

ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ

غريب الكلمات:


مُرِيبٍ: أي: مُوقِعٍ للتُّهمةِ، والرِّيبةُ: التهمةُ، وهي ظنُّ السوءِ، فهي قسمٌ مِن الشكِّ، والريبةُ: قَلَقُ النَّفسِ، وانتفاءُ الطُّمأْنينةِ، وأصلُ (ريب): يدُلُّ على شَكٍّ [129] يُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (15/182)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/463)، ((البسيط)) للواحدي (2/37)، ((تفسير البغوي)) (4/185)، ((تفسير الشوكاني)) (2/576)، ((مفردات القرآن)) للفراهي (ص: 358). .
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ: أي: خالِقِهما ومُبدِعِهما ومُبتدئِهما، وأصلُ (فطر): الشَّقُّ طولًا، ويدلُّ على فتْحِ شيءٍ، وإبرازِه [130] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 151)، ((تفسير ابن جرير)) (9/175)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/510)، ((المفردات)) للراغب (ص: 640).

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: ألم يأتِكم خبَرُ الأمَمِ التي سبقَتْكم؛ قومِ نُوحٍ، وقَومِ هُودٍ وثمودَ، وأممٌ كثيرةٌ مِن بعدِهم، لا يعلمُ عدَدَهم وأخبارَهم إلَّا اللهُ وحدَه، جاءَتْهم رسُلُهم بالبراهينِ الواضِحاتِ، فرَدُّوا أيديَهم إلى أفواهِهم؛ ليَعَضُّوها غيظًا ممَّا جاءت به الرسُلُ، وقالوا لرُسُلِهم: إنَّا كفَرْنا بما جِئتُمونا به، وإنَّا لفي شَكٍّ يوجِبُ لنا التُّهمةَ والرِّيبةَ مِن حقيقةِ ما جِئتُمونا به.
قالت لهم رسُلُهم: أفي اللهِ وعبادتِه- وَحْدَه- شكٌّ، وهو خالِقُ السَّمواتِ والأرضِ ومُنشِئُهما من العدَمِ على غيرِ مثالٍ سابِقٍ، وهو يَدعوكم إلى عبادتِه وَحدَه وطاعتِه؛ ليغفِرَ لكم بعضَ ذُنوبِكم، ويؤخِّرَ بَقاءَكم في الدُّنيا إلى نهاية آجالِكم، دونَ أن يُعاجلَكم في الدُّنيا بالعذابِ.
فقالوا لرُسُلِهم: ما نراكم إلَّا بشَرًا صِفاتُكم كصِفاتِنا، لا فضْلَ لكم علينا يؤهِّلُكم أن تكونوا رسُلًا، تُريدونَ أن تمنَعونا مِن عبادةِ ما كان يعبُدُه آباؤنا مِن الأصنامِ والأوثانِ، فأْتُونا بحُجَّةٍ دامغةٍ، ومُعجزةٍ ظاهرةٍ تشهَدُ على صِحَّةِ ما تدعونَنا إليه.
قالت لهم رسلهم: حقًّا ما نحنُ إلا بشَرٌ مِثلُكم، ولكِنَّ اللهَ يتفضَّلُ على مَن يشاءُ مِن عبادِه بالنُّبُوَّةِ والرِّسالةِ، ويُفَضِّلُهم على كثيرٍ مِن خَلْقِه، ولا يمكِنُ لنا أن نأتيَكم بما اقترحتُم مِن حجةٍ أو آيةٍ إلَّا بإذنِ اللهِ، وعلى اللهِ وَحدَه يعتَمِدُ المؤمِنونَ في كلِّ أمورِهم، وكيف لا نعتَمِدُ على اللهِ، وهو الذي أرشَدَنا إلى سُلوكِ الطَّريقِ المُوصِل إلى رَحمتِه، المُنَجِّي مِن سَخَطِه ونِقمَتِه؟ ولنصبِرَنَّ على إيذائِكم لنا، وعلى اللهِ وَحدَه فليعتَمِدِ المتوَكِّلونَ.

تفسير الآيات:


أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا حَذَّرَهم انتقامَ اللهِ إن كَفَروا، ذكَّرَهم أيامَه في الأمَمِ الماضيةِ [131] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/389). .
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ.
أي: ألم يأتِكم خَبَرُ الأُمَمِ الذين مَضَوا مِن قَبلِكم؛ قَومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/603)، ((تفسير ابن كثير)) (4/480، 481)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422). قيل: هذا من تمامِ قولِ موسى لقومِه، وممن قال بذلك: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/603). وقيل: هو خبرٌ مُستأنَفٌ مِن الله تعالى لهذه الأمَّة، وممن قال بذلك: ابنُ كثير، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/480-481)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/195). وقال الشوكاني: (يحتمِلُ أن يكون هذا خطابًا مِن موسَى لقومِه، فيكون داخلًا تحتَ التذكيرِ بأيامِ الله، ويحتملُ أن يكونَ مِن كلامِ الله سبحانَه ابتداءً خطابًا لقومِ موسى، وتذكيرًا لهم بالقرونِ الأُولَى وأخبارِهم ومجيءِ رسُلِ الله إليهم، ويحتمِلُ أنَّه ابتداءُ خِطابٍ مِن الله سبحانه لقومِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلم؛ تحذيرًا لهم عن مخالفتِه). ((تفسير الشوكاني)) (3/115). ؟
وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ.
أي: وأمَمٌ كثيرةٌ مِن بعدِ قَومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، لا يعلَمُ عدَدَهم وأخبارَهم إلَّا اللهُ وَحدَه [133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/603)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/196). قال الزمخشري: (وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جملةٌ مِن مبتدإٍ وخبرٍ، وقعتْ اعتراضًا: أو عطَف «الذين مِن بعدِهم» على قَوْمِ نُوحٍ. ولا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ اعتراضٌ. والمعنى: أنَّهم مِن الكثرةِ بحيثُ لا يعلمُ عددَهم إلَّا الله). ((تفسير الزمخشري)) (2/542). .
كما قال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء: 17].
وقال سُبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا * فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا * وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا * وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الفرقان: 35 - 38].
جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ .
أي: جاء كُلَّ أمَّةٍ مِن الأمَمِ السَّابقةِ رَسولُهم الذي أرسَلَه اللهُ إليهم، بالحُجَجِ الواضِحةِ الدَّامغةِ، والمُعجِزاتِ الظَّاهِرةِ الدَّالَّةِ على صِدقِ الرُّسُلِ، وصِحَّةِ دعوتِهم النَّاسَ إلى توحيدِ الله وطاعتِه [134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/604)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/196). .
فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ .
أي: فرَدَّ المكَذِّبونَ مِن الأُمَمِ السَّابقةِ أيديَهم إلى أفواهِهم؛ ليَعَضُّوها غيظًا ممَّا جاءت به الرسُلُ مِن توحيدِ اللهِ، الذي فيه تسفيهُ أحلامِهم، وإبطالُ آلهتِهم [135] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 230)، ((تفسير ابن جرير)) (13/609)، ((معاني القرآن)) للنحاس (3/519)، ((تفسير القرطبي)) (9/345). وممَّن اختار هذا المعنى المذكورَ: ابنُ قتيبةَ، وابنُ جريرٍ، والنَّحَّاس، والقرطبي. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: عبدُ الله بنُ مسعودٍ، وابنُ زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/605)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/505). وقال الشوكاني: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ أي: جعلوا أيديَ أنفُسِهم في أفواهِهم؛ ليعَضُّوها غيظًا ممَّا جاءت به الرسل، كما في قوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ؛ لأنَّ الرُّسُل جاءتهم بتسفيهِ أحلامِهم وشَتمِ أصنامِهم... وقال أبو عبيدةَ- ونِعمَ ما قال-: هو ضَربُ مَثَلٍ، أي: لم يؤمِنوا ولم يُجيبوا، والعربُ تقول للرجلِ إذا أمسك عن الجوابِ وسكت: قد ردَّ يدَه في فيه، وهكذا قال الأخفش، واعتَرَض ذلك القتبيُّ، فقال: لم يُسمَعْ أحدٌ من العرب يقولُ: ردَّ يدَه في فيه: إذ ترك ما أُمِرَ به، وإنما المعنى: عَضُّوا على الأيدي حنَقًا وغيظًا... وهذا هو القولُ الذي قدَّمناه على جميع هذه الأقوال... وهو أقربُ التفاسيرِ للآية إن لم يصِحَّ عن العربِ ما ذكره أبو عبيدةَ والأخفش، فإن صَحَّ ما ذَكَراه فتفسيرُ الآية به أقربُ). ((تفسير الشوكاني)) (3/116). ويُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (1/336)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 230). وعن ابن عباس رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ: (هَذَا مَثَلٌ، كَفُّوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ). علَّقه البخاريُّ في ((صحيحه)) (6/99). وممن اختار قولَ أبي عبيدةَ: البقاعي، والسعدي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (10/390)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422). واختار ابنُ عاشور أنَّ المراد: أنَّهم وضعوا أيديَهم على أفواهِهم؛ إخفاءً لشِدَّةِ الضَّحِك من كلامِ الرُّسُل؛ كراهيةَ أن تظهَرَ دواخِلُ أفواهِهم. وذلك تمثيلٌ لحالة الاستهزاءِ بالرسُلِ- عليهم السلام. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/196). وفي الآيةِ الكريمةِ أقوالٌ؛ مِنها: أنَّهم لَمَّا سَمِعوا كِتابَ اللهِ، عَجِبوا ورَجَعوا بأيدِيهم إلى أفواهِهم مِنَ العجَبِ. ويُرْوَى عنِ ابنِ عبَّاسٍ. ومِنها: أنَّهم كانوا إذا قال لهم نَبِيُّهم: أنا رسولُ اللهِ إليكم، أشاروا بأصابِعِهم إلى أفواهِهم أنِ اسْكُتْ؛ تَكذيبًا له، وردًّا لقولِه. ويُرْوَى هذا عن أبي صالحٍ. ومِنها: أنَّهم وَضَعوا أيدِيَهم على أفواهِ الرُّسلِ؛ ردًّا لِقَولِهم، قالَهُ الحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/506)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/242). .
كما قال تعالى: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [آل عمران: 119].
وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ.
أي: وقالوا لرُسُلِهم: إنَّا كَفَرْنا بالذي تزعُمونَ أنَّكم أُرسِلتُم به، مِن الدُّعاءِ إلى توحيدِ اللهِ، وتَركِ الإشراكِ به [136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/609)، ((البسيط)) للواحدي (12/414)، ((تفسير القرطبي)) (9/346). .
وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ.
أي: وإنَّا لفي شَكٍّ يوجِبُ لنا التُّهمةَ والرِّيبةَ مِن حقيقةِ ما جِئتُمونا به؛ فلَسْنا نصَدِّقُكم فيه [137] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/609)، ((تفسير القرطبي)) (9/346)، ((تفسير ابن كثير)) (4/482). قال القرطبي: (أي: نظُنُّ أنَّكم تطلبونَ المُلك والدنيا). ((تفسير القرطبي)) (9/346). .
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10).
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ.
أي: قالت الرُّسُلُ لأُمَمِهم: أفي وجودِ اللهِ وإفرادِه بالعبادةِ دُونَ غَيرِه شَكٌّ [138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/609)، ((تفسير القرطبي)) (9/346)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/339)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/82، 83)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422). قال ابن كثير: (هذا يحتمِلُ شيئين: أحدُهما: أفي وجودِه شَكٌّ؟! فإنَّ الفِطَرَ شاهدةٌ بوجوده، ومجبولةٌ على الإقرار به، فإنَّ الاعتراف به ضروريٌّ في الفِطَر السليمة، .. والمعنى الثاني في قولهم: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ أي: أفي إلهيَّتِه، وتفرُّدِه بوجوب العبادة له شكٌّ؟! وهو الخالِقُ لجميع الموجوداتِ، ولا يستحِقُّ العبادةَ إلَّا هو وَحدَه لا شريك له؛ فإنَّ غالبَ الأمَم كانت مقِرَّةً بالصانع، ولكن تعبُدُ معه غيرَه من الوسائط التي يظنُّونها تنفَعُهم أو تقَرِّبُهم مِن الله زلفى). ((تفسير ابن كثير)) (4/482). ؟!
فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
أي: خالقِ السَّمواتِ والأرضِ، ومُوجِدِهما مِن العدَمِ على غيرِ مِثالٍ سابقٍ [139] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير القرطبي)) (9/346). .
يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ.
أي: يَدعوكم اللهُ على ألسنةِ رُسُلِه وفي كُتُبِه إلى عبادتِه وَحدَه وطاعتِه؛ لِيستُرَ عليكم بعضَ [140] قال القرطبيُّ: (قال أبو عُبيدٍ: «مِن» زائدةٌ. وقال سِيبويْهِ: هي للتَّبعيضِ، ويَجوزُ أنْ يُذكَرَ البَعضُ والمُرادُ منه الجميعُ. وقِيلَ: «مِن» للبدَلِ، وليستْ بزائدةٍ ولا مُبعِّضَةٍ، أي: لِتَكونَ المَغفِرةُ بدلًا مِنَ الذُّنوبِ). ((تفسير القرطبي)) (9/346-347). وممَّن ذهب إلى كونِ «مِن» بمعنى التبعيضِ: ابنُ جريرٍ، والزمخشري، وابنُ عطية. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير الزمخشري)) (2/543)، ((تفسير ابن عطية)) (3/328). قال ابنُ عطية: (وهو معنى صحيحٌ؛ وذلك أنَّ الوعدَ وقَع بغُفران الشركِ وما معه مِن المعاصي، وبقِيَ ما يستأنفُه أحدُهم بعدَ إيمانِه مِن المعاصي مسكوتًا عنه؛ ليبقَى معه في مشيئةِ الله تعالى، فالغفرانُ إنما نفَذ به الوعدُ في البعضِ، فصَحَّ معنى مِنْ). ((تفسير ابن عطية)) (3/328). وقال زينُ الدِّين الرازيُّ: (فإنْ قِيلَ: ما معنَى التَّبعيضِ في قولِه تعالى: لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ؟ قُلْنا: ما جاء هكذا إلَّا في خِطابِ الكافرينَ؛ كقولِه تعالى في سُورةِ نُوحٍ: يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح: 4]، وقولِه تعالى في سُورةِ الأحقافِ: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف: 31]، وقال تعالى في خِطابِ المُؤمنينَ في سُورةِ الصَّفِّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ إلى قولِه: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: 10-12]، وقال في آخرِ سُورةِ الأحزابِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب: 70-71]، وكذا باقي الآياتِ في خِطابِ الفريقينِ إذا تَتبَّعْتَها، وما ذلك إلَّا للتَّفرقةِ بيْن الخِطابينِ؛ لئلَّا يُسَوَّى بيْن الفريقينِ في الوعْدِ، مع اختلافِ رُتْبَتِهما، لا لأنَّه يَغفِرُ للكُفَّارِ مع بَقائِهم على الكُفْرِ بَعضَ ذُنوبِهم. والَّذي يُؤيِّدُ ما ذَكَرناهُ مِنَ العِلَّةِ: أنَّه في سُورةِ نُوحٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي سُورةِ الأحقافِ وعَدَهُم مَغفرةَ بَعضِ الذُّنوبِ بشَرطِ الإيمانِ، لا مُطْلقًا. وقِيلَ: معنَى التَّبعيضِ: أنَّه يَغفِرُ لهم ما بيْنهم وبيْنه، لا ما بيْنهم وبيْن العِبادِ مِنَ المَظالِمِ ونَحوِها). ((أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب آي التنزيل)) (ص: 233-234). ويُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/194). ذُنوبِكم، ويتجاوزَ عن مؤاخَذتِكم بها، فلا يعاقِبَكم عليها [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير القرطبي)) (9/346)، ((تفسير ابن كثير)) (4/482). .
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى.
أي: ويؤخِّرَكم في الدُّنيا إلى مُنتهَى أعمارِكم، فلا يُعاجِلكم بالعذابِ [142] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير القرطبي)) (9/347)، ((تفسير ابن كثير)) (4/482). .
كما قال تعالى: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 3].
قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا.
أي: قال الكُفَّارُ لرُسُلِهم: ما أنتم إلَّا بشَرٌ مِثلُنا في الصُّورةِ والهيئةِ؛ تأكلونَ ممَّا نأكُلُ، وتشربونَ ممَّا نشرَبُ، ولستُم ملائكةً، فكيف نُطيعُكم؟ وكيف تَفضُلُونَنا بالنبوَّةِ والرِّسالةِ؟! إنَّما تريدونَ بدَعوتِكم هذه أن تَصرِفونا عن عبادةِ ما كان يعبُدُ آباؤُنا مِن الأوثانِ والأصنامِ [143] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير البغوي)) (3/32)، ((تفسير القرطبي)) (9/347). .
فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ.
أي: فأْتُونا بمُعجزةٍ ظاهرةٍ، وحُجَّةٍ دامغةٍ تُبَيِّنُ لنا صِحَّةَ ما تدعونَنا إليه، فنعلَمَ أنَّكم على الحَقِّ [144] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير القرطبي)) (9/347)، ((تفسير ابن كثير)) (4/482). قال السعدي: (ومرادُهم: بيِّنةٌ يقترِحونها هم، وإلَّا فقد تقدَّمَ أنَّ رسُلَهم جاءتهم بالبيِّناتِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 422). .
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11).
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ.
أي: قالت الرُّسُلُ لأولئك الكفَّارِ مِن أقوامِهم: صدَقْتُم، ما نحنُ إلَّا بشَرٌ مِن بني آدَمَ، مِثلُكم في البشَريَّة [145] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610)، ((تفسير ابن كثير)) (4/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422). .
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ.
أي: ولكنَّ اللهَ يتفَضَّلُ على من يشاءُ مِن عبادِه بالرِّسالةِ والنُّبُوَّة، ويُفَضِّلُهم على كثيرٍ مِن خَلْقِه [146] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/610، 611)، ((تفسير ابن كثير)) (4/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422). .
وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ.
أي: ولا نقدِرُ أن نأتيَكم بحُجَّةٍ وآيةٍ كما تقتَرِحونَ، إلَّا بمشيئةِ اللهِ وأمرِه [147] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/611)، ((تفسير القرطبي)) (9/347)، ((تفسير ابن كثير)) (4/483). .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.
أي: وعلى اللهِ وَحدَه فلْيعتمِدِ المؤمنونَ في جَلبِ مَصالِحِهم، ودفْعِ مَضارِّهم، ولْيَثِقوا به في تيسيرِ جميعِ أمورِهم [148] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/611)، ((تفسير ابن كثير)) (4/483)، ((تفسير السعدي)) (ص: 422). .
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) .
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا.
أي: قالت الرُّسُلُ لأُمَمِهم: وأيُّ عذرٍ لنا في ألَّا نعتَمِدَ على اللهِ ونَثِقَ به، والحالُ أنَّه قد فعل بنا ما يوجِبُ توكُّلَنا عليه؛ فقد أرشَدَنا ووفَّقَنا لسُلوكِ الطَّريقِ المُوصِل إلى رَحمتِه، المُنَجِّي مِن سَخَطِه ونِقمَتِه [149] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/611)، ((تفسير أبي حيان)) (6/416)، ((تفسير الشوكاني)) (3/117)، ((تفسير السعدي)) (ص: 423). ؟
وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا .
أي: واللهِ، لنَصبِرَنَّ على ما نَلقَى منكم مِن الأذَى بسبَبِ استمرارِنا في الدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ وَحدَه لا شريكَ له [150] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/611)، ((تفسير القرطبي)) (9/348)، ((تفسير السعدي)) (ص: 423). .
وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
أي: وعلى اللهِ وَحدَه فلْيَعتمِدِ المتوَكِّلونَ الواثِقونَ باللهِ، ولْيَثبُتوا على توكُّلِهم على اللهِ عزَّ وجلَّ [151] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/611)، ((تفسير البيضاوي)) (3/195)، ((تفسير السعدي)) (ص: 423). قال ابنُ عاشور: (جملةُ: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يحتملُ أن تكونَ مِن بقيَّة كلامِ الرسُل .. ويحتملُ أن تكونَ من كلامِ الله تعالى). ((تفسير ابن عاشور)) (13/204). .

الفوائد التربوية:


1- في قَولِه تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وجوبُ التوكُّلِ على اللهِ وحدَه، وإفرادُه بالتوكُّلِ يُؤخَذُ مِن تقديمِ المعمولِ على عاملِه؛ لأنَّ تقديمَ ما حقُّه التأخيرُ يُفيدُ الحصرَ، وهذه قاعِدةٌ [153] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/382). ، فلا يجوزُ التوكُّلُ إلَّا على اللهِ، كما قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [154] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (8/164). .
2- في قَولِه تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أنَّ التوكُّلَ مِن مقتَضياتِ الإيمانِ؛ لأنَّه عَلَّقَ الحُكمَ على وصفٍ- وهو الإيمانُ- فدلَّ ذلك على أنَّه كلَّما قَوِيَ الإيمانُ قَوِيَ التوكُّلُ على اللهِ، وكلَّما ضَعُفَ الإيمانُ ضَعُفَ التوكُّلُ على اللهِ [155] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (2/382). ، فالتوكلُ مِن العباداتِ الكِبارِ التي يحِبُّها اللهُ ويرضاها؛ لِتوقُّفِ سائِرِ العباداتِ عليه [156] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:422). .
3- قالت الرُّسُلُ لِقَومِهم: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا فعَجِبوا مِن تَركِهم التوكُّلَ على اللهِ، وهو هَداهم، وأقرُّوا أنَّ ذلك لا يكونُ أبدًا، وهذا دليلٌ على أنَّ الهِدايةَ والتوكُّلَ مُتلازِمانِ؛ فصاحِبُ الحَقِّ- لعِلمِه بالحَقِّ، وليَقينِه بأنَّ اللهَ وليُّ الحَقِّ وناصِرُه- مُضطَرٌّ إلى توكُّلِه على اللهِ، لا يجِدُ بُدًّا مِن توكُّلِه؛ فإنَّ التوكُّلَ يجمَعُ أصلينِ: علمَ القَلبِ وعَمَلَه؛ أمَّا عِلمُه: فيقينُه بكفايةِ وَكيلِه، وكمالِ قيامِه بما وكَلَه إليه، وأنَّ غيرَه لا يقومُ مَقامَه في ذلك. وأمَّا عمَلُه: فسُكونُه إلى وَكيلِه، وطمأنينتُه إليه، وتفويضُه وتسليمُه أمْرَه إليه، وأنَّ غيرَه لا يقومُ مقامَه في ذلك، ورضاه بتصَرُّفِه له فوقَ رضاه بتصَرُّفِه هو لنفسِه، فبهذين الأصلينِ يتحقَّقُ التوكُّلُ، وهما جِماعُه [157] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 257). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1-  قال الله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ عيَّنَ منهم الثَّلاثةَ الأولى؛ لأنَّهم كانوا أشَدَّهم أبدانًا، وأكثَرَهم أعوانًا، وأقواهم آثارًا، وأطوَلَهم أعمارًا؛ لأنَّ البَطشَ إذا برزَ إلى الوجودِ كان أهوَلَ، لأنَّ النَّفسَ للمحسوسِ أقبَلُ [158] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/389). .
2- في قولِه تعالى: لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ أنَّ مَن ادَّعَى عِلْمَ شيءٍ ممَّن سَبَقَ، فهو كاذبٌ، إلَّا ببُرهانٍ [159] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/204). .
3- قولُ الله تعالى: وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كيف ذكَرَوا فيه أنَّهم كافِرونَ برِسالتِهم، وذكَروا بعد ذلك كونَهم شاكِّينَ مُرتابينَ في صِحَّةِ قَولِهم: وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ؟
والجوابُ مِن وجوهٍ:
الوجه الأول: كأنَّهم قالوا إمَّا أن نكونَ كافرينَ برِسالتِكم، أو أن ندَعَ هذا الجَزمَ واليقينَ، فلا أقلَّ مِن أن نكونَ شاكِّينَ مُرتابينَ في صِحَّةِ نبُوَّتِكم، وعلى التقديرينِ فلا سبيلَ إلى الاعترافِ بنبوَّتِكم [160] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/70). .
الوجه الثاني: أنَّهم بادروا أوَّلًا إلى الكُفرِ، وهو التكذيبُ المحضُ، ثمَّ أخبَروا بأنَّهم في شَكٍّ، وهو التردُّدُ، كأنَّهم نظروا بعضَ نَظرٍ اقتَضى أن انتَقَلوا من التكذيبِ المحضِ إلى التردُّدِ.
الوجه الثالث: هما قولانِ مِن طائفتَينِ: طائفةٍ بادَرَت بالتَّكذيبِ والكُفرِ، وطائفةٍ شَكَّت، والشَّكُّ في مِثلِ ما جاءت به الرُّسُلُ كُفرٌ [161] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/413-414). .
4- قولُ الله تعالى: وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ لَمَّا كان ردُّ الرِّسالةِ جامِعًا للكفرِ، وكانوا غيرَ مُسلِّمينَ أنَّ المُرسِلَ لهم هو الله؛ بَنَوا للمفعولِ قَولَهم: أُرْسِلْتُمْ بِهِ [162] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/390). .
5- قَولُه تعالى: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ والمعنى: ما في الله شَكٌّ، وأنتم تعلمونَ أنَّه ليس في اللهِ شَكٌّ، ولكِنْ تجحدونَ انتفاءَ الشَّكِّ جُحودًا تستَحِقُّونَ أن يُنكَرَ عليكم هذا الجَحدُ؛ فدَلَّ ذلك على أنَّه ليس في اللهِ شَكٌّ عند الخَلْقِ المُخاطَبينَ، وهذا يُبَيِّنُ أنَّهم مفطورونَ على الإقرارِ به سُبحانَه [163] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/441). .
6- قولُ الله تعالى: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ يعْنُونَ أنَّ ذلك عطيَّةٌ مِن اللهِ تعالى، يُعْطِيها مَن يَشاءُ مِن عِبادِه بمحْضِ الفَضلِ والامتنانِ، مِن غيرِ داعيةٍ توجِبُه [164] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/37). ، ولم يصَرِّحوا بما تميَّزوا به مِن وَصفِ النبُوَّةِ، ولم يخُصُّوا أنفُسَهم بمَنِّ اللهِ، بل أدرَجوها في عُمومِ مَن شاء الله؛ كلُّ ذلك تواضُعًا منهم واعترافًا بالعبوديَّةِ [165] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/416)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/394). .
7- قولُ الرُّسلِ: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ جوابٌ بِطَريقِ القَولِ بالموجِبِ في عِلْمِ آدابِ البحْثِ، وهو تَسليمُ الدَّليلِ مع بَقاءِ النِّزاعِ ببيانِ محَلِّ الاستدلالِ غيرَ تامِّ الإنتاجِ، وفيه إطماعٌ في المُوافقةِ، ثمَّ كَرَّ على استِدلالِهم المقصودِ بالإبطالِ بِتَبْيينِ خطَئِهم، وهذا النَّوعُ مِن القوادِحِ في علْمِ الجدَلِ، شديدُ الوقْعِ على المُناظِرِ؛ فليس قولُ الرُّسلِ: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تقريرًا للدَّليلِ، ولكنَّه تمهيدٌ لِبيانِ غلَطِ المُستدِلِّ في الاستنتاجِ مِن دَليلِه، ومحَلُّ البيانِ هو الاستدراكُ في قولِه: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، والمعنى: أنَّ المُماثلَةَ في البشريَّةِ لا تقْتَضي المُماثلَةَ في زائدٍ عليها؛ فالبشَرُ كلُّهم عِبادُ اللهِ، واللهُ يمُنُّ على مَن يَشاءُ مِن عِبادِه بنِعَمٍ لم يُعْطِها غيرَهم؛ فالاستدراكُ رفعٌ لِمَا توهَّموه مِن كونِ المُماثلَةِ في البشريَّةِ مُقْتضى الاستواءِ في كلِّ خَصلةٍ [166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/201). .
8- قال الله تعالى حكايةً عن الرسُلِ في حديثِهم مع قَومِهم: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، ثمَّ أعادوا قولَهم: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ فما الفائِدةُ في تَكرارِ الأمرِ؟
والجوابُ عن ذلك من أوجُهٍ:
الوجه الأول: الفائِدةُ فيه أنَّهم أمَروا أنفُسَهم بالتوكُّلِ على اللهِ، في قولِه: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ثمَّ لَمَّا فَرَغوا من أنفُسِهم، أَمَروا أتباعَهم بذلك، وقالوا: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وذلك يدلُّ على أنَّ الآمِرَ بالخيرِ لا يُؤَثِّرُ قَولُه إلَّا إذا أتى بذلك الخَيرِ أوَّلًا.
الوجه الثاني: أنَّ قَولَه: وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ المرادُ منه أنَّ الذين يطلُبونَ سائِرَ المُعجِزاتِ وجب عليهم أن يتوكَّلوا في حُصولِها على اللهِ تعالى لا عليها، فإن شاء أظهَرَها، وإن شاء لم يُظهِرْها، وأمَّا قَولُه في آخِرِ الآيةِ: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ المرادُ منه: الأمرُ بالتوكُّلِ على اللهِ في دَفعِ شَرِّ النَّاسِ الكُفَّارِ وسَفاهتِهم، وعلى هذا التقديرِ فالتَّكرارُ غيرُ حاصلٍ؛ لأنَّ قولَه: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ واردٌ في موضعينِ مُختلفَينِ بحسَبِ مَقصودينِ مُتَغايرينِ.
الوجه الثالث: أنَّ الأوَّلَ ذُكِرَ لاستحداثِ التوكُّلِ، والثانيَ للسَّعيِ في إبقائِه وإدامتِه [168] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/75-76)، ((تفسير ابن جزي)) (1/409-410)، ((تفسير أبي حيان)) (6/416). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ هذا الكلامُ استئنافٌ ابتدائيٌّ رجَعَ به الخطابُ إلى المُشركينَ مِن العرَبِ على طريقةِ الالتِفاتِ في قولِه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ...؛ لأنَّ المُوجَّهَ إليه الخِطابُ هنا هم الكافِرونَ المَعْنيونَ بقولِه: وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [169] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/195). .
- والاستفهامُ بقولِه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ إنكاريٌّ؛ لأنَّهم قد بلغَتْهم أخبارُهم [170] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/195). ، وقيل: للتَّقريرِ والتَّوبيخِ [171] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/412). .
- قولُه: لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ على القولِ بأنَّها جُملةٌ اعتراضيَّةٌ [172] فقد قيل: ليستْ هذه جُملةَ اعْتراضٍ؛ لأنَّ جُملةَ الاعتِراضِ تكونُ بين جُزءينِ يطلُبُ أحدُهما الآخَرَ. ؛ فإنَّها تُفيدُ أنَّهم مِن الكثْرةِ بحيثُ لا يعلَمُ عدَدَهم إلَّا اللهُ [173] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/542)، ((تفسير أبي حيان)) (6/412)، ((تفسير أبي السعود)) (5/36)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/195). .
- قولُه: وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ في تَصديرِ العِبارةِ بالحرْفِ المُؤكِّدِ (إنَّ)، ومُواجهةِ الرُّسلِ بضَمائِرِ الخطابِ، وإعادةِ ذلك: مُبالغَةٌ في التَّأكيدِ، دلَّ على قُنوطِهم بالمرَّةِ [174] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- الحاشية)) (2/542)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/165). .
2- قوله تعالى: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ
- قولُه: قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، أُدْخِلَت همزةُ الإنكارِ على الظَّرفِ أَفِي؛ لأنَّ الكلامَ ليس في الشَّكِّ، إنَّما هو في المَشكوكِ فيه، أي: إنَّما ندْعوكم إلى اللهِ، وهو لا يَحتمِلُ الشَّكَّ؛ لكثرةِ الأدلَّةِ وظهورِ دَلالتِها عليه، وأشاروا إلى ذلك بقولِهم: فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [175] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/542)، ((تفسير البيضاوي)) (3/194)، ((تفسير أبي حيان)) (6/414)، ((تفسير أبي السعود)) (5/36). ، وهو استِفهامٌ إنكاريٌّ، ومَوْرِدُ الإنكارِ هو وُقوعُ الشَّكِّ في وُجودِ اللهِ؛ فقُدِّمَ مُتعلِّقُ الشَّكِّ أَفِي اللَّهِ؛ للاهتمامِ به، ولو قال: (أشكٌّ في اللهِ)، لم يكُنْ له هذا الوقْعُ، فكان أبلَغَ، وعُلِّقَ اسمُ الجلالةِ بالشَّكِّ، والاسمُ العَلَمُ يدلُّ على الذَّاتِ، والمُرادُ إنكارُ وُقوعِ الشَّكِّ في أهمِّ الصِّفاتِ الإلهيَّةِ، وهي صِفَةُ التَّفرُّدِ بالإلهيَّةِ، أي: صفةُ الوحدانيَّةِ. وأُتْبِعَ اسمُ الجلالةِ بالوصفِ الدَّالِّ على وُجودِه فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وهو وُجودُ السَّمواتِ والأرضِ الدَّالُّ على أنَّ لهما خالقًا حَكيمًا؛ لاستحالةِ صُدورِ تلك المخلوقاتِ العجيبةِ المُنظَّمَةِ عن غيرِ فاعلٍ مُختارٍ، وذلك معلومٌ بأدْنَى تأمُّلٍ، وذلك تأييدٌ لإنكارِ وُقوعِ الشَّكِّ في انفرادِه بالإلهيَّةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالخَلقِ يَقْتَضي انفرادَه باستحقاقِه عِبادةَ مخلوقاتِه [176] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/198- 199). .
- وجُملةُ تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا قَيدٌ لِمَا دلَّ عليه الحصْرُ في جُملةِ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا، مِن جحْدِ كونِهم رُسلًا مِن اللهِ بالدِّينِ الَّذي جاؤوهم به مُخالفًا لِدينِهم القديمِ؛ فبذلك الاعتِبارِ كان موقِعُ التَّفريعِ لجُملةِ فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ؛ لأنَّ مُجرَّدَ كونِهم بشَرًا لا يقْتَضي مُطالبتَهم بالإتيانِ بسُلطانٍ مُبينٍ، وإنَّما اقتضاه أنَّهم جاؤوهم بإبطالِ دِينِ قَومِهم، وهو مضمونُ ما أُرْسِلُوا به [177] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/199). .
3- قوله تعالى: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
- قولُه: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ جاء التَّعبيرُ هنا بـ لَهُمْ؛ لاختِصاصِ الكلامِ بهم، حيث أُرِيدَ إلْزامُهم، بخلافِ ما سلَفَ مِن إنكارِ وُقوعِ الشَّكِّ في اللهِ سبحانه؛ فإنَّ ذلك عامٌّ، وإنِ اختَصَّ بهم ما يعقُبُه إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [178] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/24). . وأيضًا زيادةُ لَهُمْ تُؤْذِنُ بالدَّلالةِ على توجُّهِ الرُّسُلِ إلى قومِهم بالجوابِ؛ لِمَا في الجوابِ عن كلامِهم مِن الدِّقَّةِ المُحتاجةِ إلى الاهتمامِ بالجوابِ بالإقبالِ عليهم؛ إذ اللَّامُ الدَّاخِلةُ بعد فعْلِ القولِ في نحوِ: أقولُ لك، لامُ تعليلٍ، أي: أقولُ قولي لأجْلِك [179] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/202). . وقيل: إنَّ قولَه: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ [إبراهيم: 10] خِطابٌ لِمَن عانَدَ فيه، وهو كالمُعانِدِ في الأمْرِ الضَّروريِّ؛ فلذلك أُسْقِطَ المجرورُ؛ لأنَّ المُجيبَ عن ذلك يُجيبُ به مِن حيثُ الجُملةُ، ولا يُقْبِلُ بالجوابِ على المُخاطَبِ؛ لِغَباوتِه عندَه ومُعانَدَتِه، فيُجيبُ وهو مُعرِضٌ عنه، بخِلافِ قولِهم: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [إبراهيم: 11]؛ لأنَّه يُقرِّرُ لِمَقالَتِهم ويُثْبتُ لها، والمُقِرُّ لِمَقالةِ خَصْمِه يُقْبِلُ عليه بالجوابِ؛ لأنَّه لم يُبْطِلْ كلامَه بالإطلاقِ، بل يُقرِّرُه، ويَزيدُ فيه زياداتٍ تُبْطِلُ قولَ خَصْمِه. وقيل: إنَّ قولَه: قَالَتْ لَهُمْ مَقالةٌ خاصَّةٌ، أو هي جوابٌ عن قولٍ صدَرَ منهم. والمَقالةُ الأُولى لهم ولغيرِهم [180] يُنظر: ((تفسير ابن عرفة)) (2/444). .
- قولُه: وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ معناه: نفْيُ ذلك الأمْرِ جُملةً؛ لأنَّ مثْلَ هذه العِبارةِ إذا قالها الإنسانُ عن نفْسِه، أو قِيلَت له فيما يقَعُ تحت مَقدورِه، فمعناها النَّهيُ والحَظْرُ، وإنْ كان ذلك فيما لا قُدرةَ له عليه، فمعناها نفْيُ ذلك الأمْرِ جُملةً، وكذا هي آيتُنا. وقيل: لَفظُها لفْظُ الحظْرِ، ومعناها النَّفيُ [181] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/329). .
- قولُه: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ هذا أمْرٌ مِن الرُّسلِ للمُؤمنينَ كافَّةً بالتَّوكُّلِ، وقَصَدوا به أنفُسَهم قصْدًا أوَّليًّا وأمَرُوهم به؛ كأنَّهم قالوا: ومِن حقِّنا أنْ نتوكَّلَ على اللهِ في الصَّبرِ على مُعاندتِكم ومُعاداتِكم وما يجْري علينا منكم [182] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/544)، ((تفسير أبي حيان)) (6/415). .
- وفيه تقديمُ المجرورِ وَعَلَى اللَّهِ، وهو مُؤْذِنٌ بالحصْرِ، وأنَّهم لا يَرْجونَ نصرًا مِن غيرِ اللهِ تعالى؛ لِضعْفِهم وقلَّةِ ناصرِهم، وفيه إيماءٌ إلى أنَّهم واثقونَ بنصْرِ اللهِ [183] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/203). .
- وفي قولِه: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال ذلك هنا، وقال بَعدَه: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ؛ لأنَّ الإيمانَ سابِقٌ على التَّوكُّلِ [184] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/544)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 154)، ((تفسير أبي حيان)) (6/415)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 293). .
4- قوله تعالى: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ
- قولُه: وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ مَا استفهاميَّةٌ، والاستفهامُ هنا معناه النَّفيُ، أي: لا مانِعَ لنا ولا عُذْرَ نَتشبَّثُ بأهدابِه [185] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/165). ؛ فهو استفهامٌ إنكاريٌّ لانتِفاءِ  توكُّلِهم على اللهِ، أَتَوا به في صُورةِ الإنكارِ بناءً على ما هو معروفٌ مِن استِحْماقِ الكُفَّارِ إيَّاهم في توكُّلِهم على اللهِ، فجاؤوا بإنكارِ نفْيِ التَّوكُّلِ على اللهِ، ومعنى وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ: ما ثبَتَ لنا مِن عدَمِ التَّوكُّلِ؛ فاللَّامُ للاستِحقاقِ، وزادوا قومَهم تأْييسًا مِن التَّأثُّرِ بالأذى، فأقْسَموا على أنَّ صبْرَهم على أذى قومِهم سيستمِرُّ؛ فصِيغَةُ الاستقبالِ المُستفادَةُ مِن المُضارِعِ المُؤكَّدِ بنُونِ التَّوكيدِ وَلَنَصْبِرَنَّ دلَّت على أذًى مُستقبلٍ، ودلَّت صِيغَةُ المُضِيِّ المُنتزَعُ منها المصدرُ: مَا آذَيْتُمُونَا على أذًى مَضَى؛ فحصَلَ مِن ذلك معنى: نصبِرُ على أذًى مُتوقَّعٍ كما صبَرْنا على أذًى مَضَى، وهذا إيجازٌ بديعٌ [186] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/204). .
- قولُه: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أكَّدوا به توكُّلَهم على اللهِ، وعدَمَ مُبالاتِهم بما يَجْري مِن الكُفَّارِ عليهم [187] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/194). .
- وجُملةُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ يَحتمِلُ أنْ تكونَ مِن بقيَّةِ كلامِ الرُّسلِ؛ فتكونَ تذييلًا وتأْكيدًا لجُملةِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ؛ فكانتْ تذييلًا لِمَا فيها مِن العُمومِ الزَّائدِ في قولِه: الْمُتَوَكِّلُونَ على عُمومِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وكانتْ تأكيدًا؛ لأنَّ المُؤمنينَ مِن جُملةِ المُتوكِّلينَ. ويَحتمِلُ أنْ تكونَ مِن كلامِ اللهِ تعالى؛ فهي تَذْييلٌ للقصَّةِ، وتنويهٌ بشأْنِ المُتوكِّلينَ على اللهِ، أي: لا ينْبَغي التَّوكُّلُ إلَّا عليه [188] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/204). .