موسوعة التفسير

سورةُ النَّملِ
الآيات (20-28)

ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غَريبُ الكَلِماتِ:


وَتَفَقَّدَ: التفَقُّدُ: تَطَلُّبُ المفقودِ، وكُلُّ شَيءٍ غاب عنك ثم تَتبَّعْتَه طالبًا له قُلْتَ: تَفَقَّدتُه، بُنِيَ على: تفَعَّلَ؛ لأنَّه تكَلُّفٌ في الطَّلَبِ، وأصلُ (فقد): يدُلُّ على ذَهابِ شَيءٍ وضَياعِه [352] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/30)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/443)، ((المفردات)) للراغب (ص: 641). .
بِسُلْطَانٍ: أي: بعُذرٍ وحجةٍ، وأصل (سلط): القوَّةُ والقهرُ [353] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 323)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/95)، ((المفردات)) للراغب (ص: 420)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 172)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 203)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 520). .
فَمَكَثَ: أي: انتظَر، والمكثُ: يدُلُّ على ثباتٍ مع انتظارٍ وتوقُّفٍ [354] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/345)، ((المفردات)) للراغب (ص: 772)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215). .
أَحَطتُ: أي: عَلِمتُ، وأصلُ ذلك راجعٌ إلى معنَى الحائطِ؛ لإحاطتِه بما يَدورُ عليه [355] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/37)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/120)، ((المفردات)) للراغب (ص: 265)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 56). .
عَرْشٌ: أي: العرشُ: سريرٌ وكرسيٌّ للمَلِكِ، وأصلُه يَدُلُّ على ارتفاعٍ في شَيءٍ مَبْنيٍّ [356] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 323)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 335)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/264)، ((المفردات)) للراغب (ص: 558). .
الْخَبْءَ: أي: الغائِبَ المستورَ، يُقالُ: خبأتُ الشَّيءَ خبْأً: إذا أخفَيتَه، وأصلُ (خبأ): يدُلُّ على سَترِ الشَّيءِ [357] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 323)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/244)، ((البسيط)) للواحدي (17/214)، ((المفردات)) للراغب (ص: 274)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/3). .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قولُه: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ
(ألَّا) بتشديدِ اللامِ أصلُها (أنْ لا)، فأُدغِمَت النُّونُ في اللامِ، و يَسْجُدُوا فعلٌ مضارعٌ منصوبٌ بـ (أن) المصدريَّةِ، بدلٌ مِن أَعْمَالَهُمْ، والتَّقديرُ: وزيَّنَ لهم الشيطانُ عدَمَ السُّجودِ لله تعالى. وقيل: (لا) زائدةٌ، و(أنْ) وما دخَلت عليه في تأويلِ مَصدرٍ بدلٌ من السَّبِيلِ، والتقديرُ: فصَدَّهم عن السُّجودِ لله تعالى. وقيل: أَلَّا يَسْجُدُوا مفعولٌ له متعلِّقٌ بـ (زَيَّن)، أي: زَيَّن لهم لِئلَّا يَسجدُوا. أو متعلِّقٌ بـ (صَدَّهم)، أي: صَدَّهم عن السَّبيلِ لئلَّا يَسجُدوا. وقيل: هو في محلِّ رَفْعٍ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، على تقديرِ: هي ألَّا يَسجُدوا، أو دأبُهم ألَّا يسجدوا. وقيل غيرُ ذلك.
 وقُرِئَ أَلَّا يَسْجُدُوا بتخفيفِ الَّلامِ [358] سيأتي بيانُ القراءاتِ في هذه الآيةِ. ، وكان حَقُّ الخَطِّ على هذه القراءةِ أن يكونَ (ألَا يا اسْجُدوا) و (ألَا) للاستفتاحِ والتَّنبيهِ، و (يا) أيضًا حرفُ تنبيهٍ، وقد جُمِعَ بيْنَهما تأكيدًا. وقيل: (يا) حرفُ نداءٍ، والمنادى مَحذوفٌ، أي: يا هؤلاءِ، و(اسجُدوا) فِعلُ أمرٍ [359] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/115)، ((تفسير ابن عطية)) (4/256)، ((البسيط)) للواحدي (17/208)، ((التبيان)) للعكبري (2/1007)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/602). .

المعنى الإجماليُّ:


يقولُ الله تعالى: وتعاهَدَ سُليمانُ عليه السَّلامُ الطَّيرَ فلم يرَ الهُدهدَ، وعندَها قال: لِماذا لا أرى الهدهُدَ، أم هو غائِبٌ؟ واللهِ لَأُعَذِّبَنَّه عذابًا شديدًا، أو لأذبحنَّه، أو لَيأتيَنِّي بحُجَّةٍ ظاهرةٍ أعذِرُه بها. وما هو إلَّا زمنٌ يَسيرٌ ثمَّ جاء الهدهدُ إلى سُليمانَ، فقال له: عَلِمتُ بشَيءٍ لا تَعلَمُه، وأتيتُك مِن بلادِ سَبأٍ باليَمَنِ بخَبرٍ حقٍّ! إنِّي وجدتُ امرأةً تملِكُ أهلَ سَبأٍ، وأُعطيَتْ مِن كلِّ شَيءٍ، ولها سريرُ مُلكٍ عَظيمٌ؛ وجَدْتُها وقَومَها يَسجُدونَ للشَّمسِ مِن دونِ الله، وحسَّن الشيطانُ لهم عبادةَ الشَّمسِ وغَيرَها من الأعمالِ السَّيِّئةِ، فصرَفَهم الشَّيطانُ عن الطَّريقِ المستقيمِ، فهم لا يهتدون لطَريقِ الحَقِّ؛ ألَّا يَسجُدوا لله الَّذي يُخرِجُ المخبوءَ في السَّمواتِ وفي الأرضِ، ويَعلَمُ ما تُخفونَه في صُدورِكم، وما تُظهِرونَه مِن أقوالِكم وأفعالِكم! اللهُ لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو، ربُّ العرشِ العظيمِ.
قال سُليمانُ للهُدهدِ: سنَنظُرُ في عُذرِك؛ لنعلَمَ هل صدقْتَ أم أنَّك كاذِبٌ، اذهَبْ إليهم بهذه الرِّسالةِ المكتوبةِ فأَلْقِها إليهم، ثمَّ انصَرِفْ عنهم إلى موضِعٍ قَريبٍ وانظُرْ جَوابَهم وما يتراجَعون به بيْنَهم مِنَ الكَلامِ.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20).
أي: وتعاهَدَ سُلَيمانُ الطَّيرَ [360] قيل: ظاهِرُ الآية يفيدُ أنه تفقَّد جميعَ الطَّيرِ. وممَّن قال بذلك: ابن عطية، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/255)، ((تفسير السعدي)) (ص: 603). ، فقال حينَ لم يَرَ الهدهُدَ: ما لي لا أرَى الهُدهُدَ [361] قولُه: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ قيل: هذا مِن مقلوبِ الكلامِ، أي: ما لِلهُدهدِ لا أراه، وجاز مِثلُ ذلك لوُضوحِ المعنَى، كما تقولُ العربُ: ما لي أراك مكتئبًا، أي: ما لَكَ؟ وقيل: لا حاجةَ إلى ادِّعاءِ القلبِ، بل هو استفهامٌ عن المانعِ له مِن رؤيةِ الهدهدِ، كأنَّه قال: ما ليَ لا أَراه، هل ذلك لساترٍ يستُرُه عنِّي، أو لشَيءٍ آخَرَ؟ يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/449)، ((تفسير أبي حيان)) (8/223)، ((تفسير الشوكاني)) (4/152)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 140). ؟ أهو حاضِرٌ فأخطأَه بَصَري، أمْ أنَّه غاب بلا إذْني فلم يَحضُرْ [362] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/30)، ((الوسيط)) للواحدي (3/373)، ((المفردات)) للراغب (ص: 641)، ((تفسير البغوي)) (3/496)، ((تفسير ابن عطية)) (4/255)، ((تفسير السعدي)) (ص: 603)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/245). ؟!
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21).
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا.
أي: قال سُلَيمانُ متغيِّظًا: واللهِ لأُعَذِّبَنَّ الهُدهُدَ عذابًا شديدًا؛ لغيابِه بلا إذْنٍ [363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/32)، ((تفسير السعدي)) (ص: 603)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/149)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/246). قال السعدي: (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا دونَ القتلِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 604). وقال ابنُ عثيمين: (فالصَّوابُ أنَّ هذا التعذيبَ الذي قاله سليمانُ غيرُ معلومٍ لنا، إنَّما هو عذابٌ شديدٌ، والله تبارك وتعالى لم يُبَيِّنْه، ولكنْ يكفي أن نعرِفَ أنَّه شديدٌ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 142). .
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ.
أي: أو [364] قال ابن عثيمين: (أَوْ هذه للتَّنويعِ؛ يعني: إمَّا هذا، أو هذا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 142). لأقتُلَنَّه [365] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/35)، ((تفسير ابن كثير)) (6/185). .
أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ.
أي: أو [366] قال البقاعي: (أي: لَيكونَنَّ أحَدُ هذه الثلاثةِ الأشياءِ، أو تكونُ أَوْ الثَّانيةُ بمعنى (إلَّا أنْ)، فيكون المعنى: ليكونَنَّ أحَدُ الأمْرَينِ: التَّعذيبُ أو الذَّبحُ، إلَّا أن يأتيَني بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أي: حُجَّةٍ واضحةٍ في عُذرِه، فكأنَّه قال: واللهِ لَيُقيمَنَّ عُذرَه، أو لأفعلَنَّ معه أحَدَ الأمْرَينِ). ((نظم الدرر)) (14/149، 150). ليأتينِّي بحُجَّةٍ واضحةٍ تبيِّنُ عُذرَه في غيابِه [367] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/35)، ((تفسير ابن كثير)) (6/185)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 143). .
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22).
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ .
أي: فبَقِيَ الهدهُدُ غائبًا زمنًا يَسيرًا [368] قال ابن عاشور: (المُكثُ: البقاءُ في المكانِ وملازمتُه زمَنًا ما... وغَيْرَ بَعِيدٍ صفةٌ لاسمِ زمانٍ أو اسمِ مكانٍ محذوفٍ منصوبٍ على الظَّرفيةِ، أي: مكَثَ زمنًا غيرَ بعيدٍ، أو في مكانٍ غيرِ بعيدٍ، وكِلا المعنيينِ يقتضي أنَّه رجَعَ إلى سُلَيمانَ بعد زمنٍ قليلٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (19/248). ، ثمَّ جاء إلى سُلَيمانَ فقال له: عَلِمتُ بشَيءٍ لا تعلَمُه أنتَ [369] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/180، 181)، ((تفسير ابن كثير)) (6/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/248). ممَّن قال بأنَّ قوله تعالى: فَمَكَثَ عائدٌ على الهدهدِ: البيضاويُّ، والنسفي، وابن كثير، والشوكاني، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور. ونسَبَه القرطبيُّ للأكثَرِ. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/158)، ((تفسير النسفي)) (2/599)، ((تفسير ابن كثير)) (6/186)، ((تفسير الشوكاني)) (4/153)، ((تفسير الألوسي)) (10/181)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/248). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (13/182). وقيل: المَكثُ هنا عائدٌ على سُلَيمانَ عليه السَّلامُ. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير، ومكِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/37)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5393). قال القرطبيُّ: (الضميرُ في «مكث» يحتملُ أن يكونَ لِسُليمانَ، والمعنى: بقِيَ سليمانُ بعدَ التفقُّدِ والوعيدِ غيرَ طويلٍ، أي: غيرَ وقتٍ طويلٍ). ((تفسير القرطبي)) (13/180). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 144). !
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ.
أي: وأتيتُك مِن بلادِ سَبَأٍ باليمَنِ بخَبَرٍ حقٍّ، وصِدقٍ لا شكَّ فيه [370] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/37)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 802)، ((تفسير ابن كثير)) (6/186)، ((تفسير الشوكاني)) (4/153)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604). قال الشوكاني: (سبأٌ: اسمٌ لمدينةٍ باليمنِ كانت فيها بِلْقِيسُ، وهو أيضًا اسمُ رجُلٍ مِن قَحْطانَ، وهو سبأُ بنُ يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ ...). ((تفسير الشوكاني)) (4/153). .
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23).
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ.
أي: قال الهدهدُ: إنِّي وجدتُ امرأةً تملِكُ أهلَ سَبأٍ [371] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/39)، ((تفسير القرطبي)) (13/182)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604). قال ابن باديس: (هي بِلْقِيسُ بإجماعِ المفسِّرينَ والمؤرِّخينَ). ((تفسير ابن باديس)) (ص: 272). .
وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
أي: وأُعطيَتْ هذه الملِكةُ مِن كلِّ شَيءٍ [372] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/39)، ((تفسير القرطبي)) (13/184)، ((تفسير ابن جزي)) (2/101)، ((تفسير ابن كثير)) (6/186)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/253). قال ابن تيميَّةَ: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فإنَّ كلَّ أحدٍ يعلَمُ بعَقلِه أنَّ المرادَ: أُوتيَت مِن جنسِ ما يُؤْتاهُ مِثلُها). ((مجموع الفتاوى)) (6/361). وقال ابنُ جُزَي: (مِنْ كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ يُرادُ به الخصوصُ فيما يحتاجه الملكُ). ((تفسير ابن جزي)) (2/101). وقيل: المعنَى: أُوتِيَتْ مِن كلِّ شَيءٍ في زمانِها شيئًا، فحَذَف (شيئًا)؛ لأنَّ الكلامَ قد دلَّ عليه. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/153). .
وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ.
أي: وسريرُ مُلكِها الذي تجلِسُ عليه ضَخمٌ، عَظيمُ القَدرِ، بديعٌ، حَسَنُ المنظَرِ [373] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/39)، ((تفسير القرطبي)) (13/184)، ((تفسير ابن كثير)) (6/187)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/253). قال السعدي: (وعِظَمُ العُروشِ يدُلُّ على عَظمةِ المملكةِ، وقوَّةِ السُّلطانِ، وكثرةِ رجالِ الشُّورى). ((تفسير السعدي)) (ص: 604). .
وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24).
وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
أي: وجَدْتُ هذه الملِكةَ وقَومَها يَسجُدونَ للشَّمسِ فيَعبُدونَها مِن دونِ الله المستَحِقِّ وَحْدَه للعبادةِ [374] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/40)، ((تفسير السمرقندي)) (2/578)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604). !
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ.
أي: وحسَّن الشَّيطانُ لهؤلاء القَومِ المُشرِكينَ عبادةَ الشَّمسِ وغَيرَها مِن قبائِحِ الأعمالِ، فصاروا يظنُّونَها حَسَنةً [375] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/40)، ((تفسير البيضاوي)) (4/158)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/152)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604). .
فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ.
أي: فصرَفَهم بذلك التَّزيينِ عن اتِّباعِ الطَّريقِ المستقيمِ، فهم لا يَهتَدونَ لطَريقِ الحَقِّ [376] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/40)، ((تفسير السمعاني)) (4/90)، ((تفسير ابن كثير)) (6/187)، ((تفسير الشوكاني)) (4/154). .
كما قال تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [فصلت: 37].
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25).
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ أَلَا يَا بتخفيفِ اللَّامِ، ويجوزُ الوقفُ عليها، والابتداءُ بـ (اسْجُدُوا) بهمزةٍ مضمومةٍ، على أنَّ معنى (ألا) تنبيهٌ واستِفتاحٌ، و (يا) بعدَها حرفُ نداءٍ، أو تنبيهٌ كُرِّر للتَّوكيدِ، و (اسجُدوا) فِعلُ أمرٍ، والمعنى: ألَا يا هؤلاءِ اسجدُوا. وقيل: هو فعلٌ مضارعٌ حُذِفت منه نونُ الرَّفعِ بلا ناصبٍ ولا جازمٍ، وحذفُها بلا موجبٍ لغةٌ صحيحةٌ [377] قرأ بها الكسائي وأبو جعفر ورويس. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/337). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (18/41)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/598)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/112- 115). .
2- قِراءةُ أَلَّا بتشديدِ اللَّامِ، وجَعْلِ (أن) النَّاصبةِ مُدغَمةً في (لا) النَّافية، ويَسْجُدُوا بالياءِ في أوَّلِها، أي: لئلَّا يَسجُدوا، والمعنى: صَدَّهم الشَّيطانُ عن الهُدى؛ لئلَّا يَسجُدوا لله. وقيل: المعنى: وزيَّن لهم الشَّيطانُ ألَّا يسجُدوا لله. وقيل: (لا) صِلةٌ للتأكيدِ، والمعنى: فصَدَّهم عن السَّبيلِ عدَمُ سُجودِهم لله. أو المعنى: فهُم لا يهتدون لِأَنْ يَسجُدوا لله، أي: للسُّجودِ للهِ [378] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/337). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (18/41)، ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 271)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/238)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/110). .
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: ألَّا [379] تقدَّم ذكرُ الأوجهِ المتعدِّدة في معناها بحسَبِ قراءاتها وإعرابِها. يَسجُدوا لله الذي يُخرِجُ المخبوءَ في السَّمواتِ، كالمطَرِ، والمخبوءَ في الأرضِ، كالنَّباتِ والثِّمارِ والكنوزِ والمعادنِ، وكالأمواتِ الذين يُخرِجُهم مِن قُبورِهم [380] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/41-43)، ((الوسيط)) للواحدي (3/375)، ((تفسير القرطبي)) (13/187)، ((تفسير ابن كثير)) (6/187)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/255)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/109، 110). قال القرطبي: (قراءةُ التَّشديدِ في أَلَّا تعطي أنَّ الكلامَ للهدهدِ، وقراءةُ التخفيفِ تمنعُه). ((تفسير القرطبي)) (13/187). وقال الشوكاني: (وعلى هذه القراءةِ [أي: التشديد] تكونُ جملةُ أَلَّا يَسْجُدُوا معترِضةً مِن كلامِ الهدهدِ، أو مِن كلامِ سليمانَ، أو مِن كلامِ الله سبحانه). ((تفسير الشوكاني)) (4/155). وقال ابن كثير: (وهذا مناسِبٌ مِن كلامِ الهدهدِ، الَّذي جَعَل اللهُ فيه مِن الخاصِّيَّةِ ما ذَكَره ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه، مِن أنَّه يَرَى الماءَ يجري في تخومِ الأرضِ ودواخِلِها). ((تفسير ابن كثير)) (6/187). .
وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ.
أي: ويعلَمُ ما تُضمِرونَه في صُدورِكم، وما تُظهِرونَه مِن أقوالِكم وأفعالِكم [381] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/44)، ((الوسيط)) للواحدي (3/375، 376)، ((تفسير ابن كثير)) (6/187)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/154). قال القرطبي في قولِه تعالى: تُخْفُونَ تُعْلِنُونَ: (قراءةُ العامَّةِ فيهما بياءٍ، وهذه القراءةُ تعطي أنَّ الآيةَ مِن كلامِ الهدهدِ، وأنَّ اللهَ تعالى خصَّه مِن المعرفةِ بتوحيدِه ووجوبِ السُّجودِ له، وإنكارِ سجودِهم للشَّمسِ، وإضافتِه للشَّيطانِ، وتزيينِه لهم، ما خصَّ به غيرَه من الطُّيورِ وسائرِ الحَيوانِ، مِن المعارفِ اللَّطيفةِ الَّتي لا تكادُ العقولُ الرَّاجحةُ تهتدي لها. وقرأ الجحدري وعيسى بنُ عمر وحفصُ والكِسائيُّ: تُخْفُونَ وتُعْلِنُونَ بالتَّاءِ على الخطابِ، وهذه القراءةُ تعطي أنَّ الآيةَ مِن خطابِ الله عزَّ وجلَّ لأمَّةِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ). ((تفسير القرطبي)) (13/188). .
كما قال تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ [الرعد: 9، 10].
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26).
أي: اللهُ لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه، مالِكُ العَرشِ العَظيمِ الذي لا يُشبِهُه عَرشُ مَلِكةِ سَبأٍ ولا غَيرُه مِن العُروشِ؛ فهذا المَلِكُ العَظيمُ السُّلطانِ هو مَن تنبغي عبادتُه وطاعتُه وَحْدَه [382] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/44)، ((الوسيط)) للواحدي (3/376)، ((تفسير ابن كثير)) (6/188)، ((تفسير السعدي)) (ص: 604). .
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) .
أي: قال سُلَيمانُ للهُدهُدِ: سنَنظُرُ في عُذرِك لنعلَمَ هل صدقْتَ فيه فنَعذِرَك، أم أنَّك كاذِبٌ مِنَ الكاذبينَ [383] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/44)، ((تفسير الزمخشري)) (3/363)، ((تفسير القرطبي)) (13/189)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/155)، ((تفسير ابن كثير)) (6/188). ؟
اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28).
اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ.
أي: قال سُليمانُ للهُدهُدِ: اذهَبْ إلى أهلِ سبَأٍ بهذه الرِّسالةِ المكتوبةِ، فارْمِها إليهم [384] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/376)، ((تفسير ابن كثير)) (6/188)، ((تفسير الألوسي)) (10/188)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/257)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 171). قال البقاعي: (شرَعَ فيما يختبرُه به، فكتب له كتابًا على الفورِ في غايةِ الوجازةِ؛ قصدًا للإسراعِ في إزالة المنكَرِ على تقديرِ صِدقِ الهدهدِ، بحسَبِ الاستطاعةِ). ((نظم الدرر)) (14/155). وقال ابنُ عثيمين: (إذا قال قائِلٌ: قَولُه: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا يقتضي أنَّه صَدَّقَه؛ لأنَّ قَولَه: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ يدُلُّ على أنَّه صَدَّقَه في ذلك؛ ولهذا كَتَب لهم. أو يقالُ: هذا مِن جملةِ الاختبارِ، يعني: أنَّه إذا كان كاذبًا فسيقولُ: ما وجدْتُ أحدًا، مثلًا، فيكونُ هذا مِن جملةِ وسيلةِ الاختبارِ العائدةِ على قَولِه: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ. وقد يقالُ: إنَّ في قَولِه: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ تقديرًا: فنظَرَ وتحقَّق صِدقَه فأعطاه الكتابَ. والله أعلمُ بما جرى). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 170). .
ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ.
أي: ثمَّ انصَرِفْ وتَنَحَّ عنهم إلى موضِعٍ قَريبٍ مِن ملِكةِ سَبأٍ وقَومِها، وانظُرْ جوابَهم وما يتراجَعون به بيْنَهم مِن الكَلامِ [385] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/46)، ((تفسير القرطبي)) (13/191)، ((تفسير البيضاوي)) (4/159). قال السيرافي: (قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ليس التولِّي الانصرافَ عنهم، وإنَّما معناه: تنحَّ عنهم بعدَ إلقاءِ الكتابِ إليهم، بحيثُ يكونُ منك بمرأًى ومسمعٍ، فانظُرْ ماذا يرجِعون مِن جوابِ الكتابِ). ((شرح كتاب سيبويه)) (2/334). .

الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:


1- قال الله تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ هذا التفقُّدُ منه أدَبٌ للمُلوكِ والأكابرِ في تَفَقُّدِ جُندِهم، واستِشفافِ أمرِهم، ومُقابلةِ مَن أخَلَّ منهم بشَرطِه مِن الإنكارِ بما يستحِقُّه [386] يُنظر: ((باهر البرهان)) لبيان الحق الغزنوي (2/1057). ، ففي هذه الآيةِ دَليلٌ على تفَقُّدِ الإمامِ أحوالَ رعيَّتِه، والمحافظةِ عليهم. فانظُرْ إلى الهدهُدِ مع صِغَرِه كيف لم يَخْفَ على سُلَيمانَ حالُه [387] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/178). . ومِن حقِّ الرعيةِ على راعيها أنْ يَتَفَقَّدَها، ويَتَعَرَّفَ أحوالَها؛ إِذْ هو مسؤولٌ عنِ الجليلِ والدَّقيقِ منها، يُباشِرُ بنَفْسِه ما استطاع مباشرتَه منها، ويضَعُ الوسائلَ التي تُطْلِعُه على ما غاب عليه منها، ويُنيطُ بأهلِ الخبرةِ والمقدرةِ والأمانةِ تَفَقُّدَ أحوالِها حتى تكونَ أحوالُ كلِّ ناحيةٍ معروفةً مباشرةً لِمَن كُلِّفَ بها، فهذا سليمانُ -على عَظمةِ ملْكِه، واتِّساعِ جيْشِه، وكثرةِ أتْباعِه- قد تولَّى التفقُّدَ بنَفْسِه، ولم يُهْمِلْ أمْرَ الهدهدِ على صِغَرِه وصِغَرِ مكانِه! وقد كان عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه يقول: (لو ماتتْ سَخْلَةٌ [388] السَّخْلةُ: تُطلَقُ على الذَّكرِ والأنثى من أولادِ الضَّأنِ والمَعزِ ساعةَ تُولَدُ. يُنظر: ((المصباح المنير)) للفيومي (1/269). على شاطئِ الفُراتِ ضيعةً لخِفْتُ أنْ أُسألَ عنها) [389] أخرجه أبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (6/137)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (7415)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (35/215). ! وهذا التفقُّدُ والتَّعرُّفُ هو على كلِّ راعٍ في الأممِ، والجماعاتِ، والأُسَرِ، والرفاقِ، وكلِّ مَن كانت له رعيةٌ [390] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 266). .
2- قيلَ: إنَّما قال سُلَيمانُ عليه السَّلامُ: مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ؛ لأنَّه اعْتَبَر حالَ نفْسِه؛ إذْ عَلِم أنَّه أُوتِيَ المُلْكَ العَظيمَ، وسُخِّر له الخَلقُ، فقد لَزِمه حَقُّ الشُّكرِ بإقامةِ الطَّاعةِ، وإدامةِ العدلِ، فلمَّا فَقَدَ نعمةَ الهدهدِ تَوَقَّع أنْ يكونَ قَصَّر في حَقِّ الشُّكرِ، فلأجْلِه سُلِبها، فجَعَل يَتَفَقَّدُ نفْسَه، فقالَ: مَا لِيَ. وهذا يفعلُه بعضُ الشيوخِ إذا فقَدوا ما لهم [391] في ((أحكام القرآن)) لابن العربي: (آمالهم)، وفي إحدَى نسخِ ((تفسير القرطبي)) (مالهم). ، تَفَقَّدوا أعمالَهم، هذا في الآدابِ، فكيفَ بنا اليومَ ونحنُ نُقَصِّرُ في الفرائضِ [392] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/479)، ((تفسير القرطبي)) (13/179). قال ابن باديس: (مثل هذه المعاني الدَّقيقةِ القرآنيَّةِ الجليلةِ النَّفيسةِ مِن مِثلِ هذا الإمامِ الجليلِ مِن أجَلِّ علومِ القرآنِ وذخائرِه؛ إذْ هي مَعانٍ صحيحةٌ في نفْسِها، ومأخوذةٌ مِن التَّركيبِ القرآنيِّ أخذًا عربيًّا صحيحًا، ولها ما يَشهدُ لها مِن أدلَّةِ الشَّرعِ. وكلُّ ما استجمَع هذه الشُّروطَ الثَّلاثةَ فهو صحيحٌ مقبولٌ). ((تفسير ابن باديس)) (ص: 267). ؟!
3- في قَولِه تعالى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أنَّ جِرْمَ الهدهدِ صغيرٌ، وما كُلِّفَ إلَّا بما يستطيعُه مِن الوقوفِ في مكانِه، والبقاءِ في مَركزِه، ولكنَّ جُرْمَه بإخلالِه بهذا الواجبِ كان جُرمًا كبيرًا، فإنَّ الخللَ الصغيرَ مَجْلبةٌ للخَللِ الكبيرِ، فقُدِّرَتْ عقوبتُه على حسَبِ كِبَرِ ذنْبِه، لا على حَسَبِ صِغَرِ ذاتِه [393] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 269). ، قال العلماءُ: وهذا يدُلُّ على أنَّ الحَدَّ على قَدرِ الذَّنْبِ، لا على قَدرِ الجَسَدِ [394] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/480). .
4- في قَولِه تعالى: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ أنَّ استعمالَ ضميرِ الجمعِ للمخاطَبِ المُعَظَّمِ ليس بلازمٍ، وليس مِن شأنِ خطابِ الأنبياءِ والسَّلفِ أنَّه عندَما يكونُ الإنسانُ معظَّمًا أن يقولَ: أتيتُكم، جئتُكم، وما أشبهَ ذلك [395] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 148). .
5- قال الله تعالى: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ في الآيةِ دَليلٌ على أنَّ الصَّغيرَ يقولُ للكبيرِ والمتعلِّمُ للعالِمِ: عندي ما ليس عندَك، إذا تحقَّق ذلك وتيقَّنه؛ هذا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ -مع جلالتِه رَضِيَ الله عنه وعِلمِه- لم يكُنْ عندَه علمٌ بالاستئذانِ [396] يُنظر ما أخرجه البخاري (6245)، ومسلم (2153). ، وكان عِلمُ التيمُّمِ عند عمَّارٍ وغيرِه، وغاب عن عُمَرَ [397] يُنظر ما أخرجه البخاري (338). وابنِ مَسعودٍ [398] يُنظر ما أخرجه مسلم (368). . وكان حُكمُ الإذنِ في أن تنفِرَ الحائِضُ عندَ ابنِ عبَّاسٍ [399] يُنظر ما أخرجه البخاري (329)، ومسلم (1328). ، ولم يعلَمْه زيدُ [400] يُنظر ما أخرجه مسلم (1328). بنُ ثابتٍ [401] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/182). ! فلِلصَّغيرِ أنْ يقولَ للكبيرِ، وللحقيرِ أنْ يقولَ للجليلِ: عَلِمتُ ما لم تَعلمْ! وعندي ما ليس عندَك! إذا كان مِن ذلك على يقينٍ، وكان لِقَصدٍ صحيحٍ، ومِن ذلك قولُ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لأبيه: إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم: 43]. ومِن أدبِ مَن قيلَ له ذلك -ولو كان كبيرًا جليلًا- أنْ يَتقبَّلَ ذلك، ولا يُبادِرَ برَدِّه، وعليه أنْ يَنظُرَ فيه لِيعرفَ مِقدارَ صِدْقِ قائلِه، فيَقبلَه أو يَرُدَّه بعْدَ النَّظرِ والتَّأمُّلِ؛ إِذْ قد يكونُ في أصغرِ مخلوقاتِ اللهِ وأحقَرِها مَن يُحيطُ علمًا بما لم يُحِطْ مِثلُ سليمانَ عليه السَّلامُ في علْمِه وحكمتِه، واتِّساعِ مُدركاتِه! وكفَى بمِثْلِ هذا زاجرًا لكُلِّ ذي علمٍ عنِ الإعجابِ بعلْمِه، والاعتزازِ بسَعةِ اطِّلاعِه، والترفُّعِ عنِ الاستفادةِ ممَّن دونَه [402] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 271)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 147). . وقد سُئِلَ بعضُ أهلِ العِلمِ عن مسألةٍ فقال: لا أعلَمُها، فقال أحَدُ تلامذتِه: أنا أعلَمُ هذه المسألةَ، فغَضِبَ الأستاذُ وهَمَّ به، فقال له: أيُّها الأستاذُ، لَسْتَ أعلَمَ مِن سُليمانَ بنِ داودَ ولو بلغْتَ في العلمِ ما بلغْتَ، ولستُ أنا أجهَلَ مِن الهُدهدِ، وقد قال لسُلَيمانَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ! فلم يَعتِبْ عليه، ولم يعنِّفْه [403] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/173). .
6- في قَولِه تعالى عن سُلَيمانَ: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ أنَّ سُلَيمانَ لَمَّا توعَّد الهدهدَ بأنْ يعَذِّبَه عذابًا شديدًا أو يذبَحَه إنَّما نجا منه بالعِلمِ، وأقدَمَ عليه في خطابِه له بقَولِه: أحطتُ بما لم تُحِطْ به خُبْرًا، وهذا الخِطابُ إنما جرَّأه عليه العِلمُ، وإلَّا فالهدهدُ مع ضَعفِه لا يتمكَّنُ مِن خطابِه لسُليمانَ مع قوَّتِه بمِثلِ هذا الخِطابِ لولا سلطانُ العِلمِ [404] يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/173). .
7- في قَولِه تعالى: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ إلى آخرِ الآياتِ: أنَّ اللهَ قد ألهَمَ الحيواناتِ إلى ما قد يخفَى عن بعضِ العُقَلاءِ؛ فهذا الهُدْهُدُ بيْنَ الهَداهِدِ له إلهامٌ خاصٌّ، يقتضيه تخصيصُه بهذا الموقفِ، واتِّصالُه بسليمانَ عليه السَّلامُ. وزمنُ الأنبياءِ زمنُ خرْقِ العوائدِ، وظهورِ الآياتِ، وقد كان في حُسْنِ بيانِه، وترتيبِ أخبارِه، وبديعِ تهَدِّيه عبارةً بالغةً لأولي الألبابِ؛ فقد تَحَصَّنَ بالعِلمِ، ونَوَّهَ بالنَّبأِ المتيقَّنِ، وفَصَّلَ النَّبأَ فشَرَحَ حاليها الدُّنيويَّةَ والدِّينيَّةَ، وتَنَقَّلَ مِن تشويقٍ إلى تشويقٍ أبلَغَ منه، فكان مُتثبِّتًا فيما أَخبرَ، بارعًا فيما صَوَّرَ، مستَدِلًّا فيما قَرَّر وفيما أَنْكَر، بصيرًا بكيدِ الشيطانِ للإنسانِ، خبيرًا بترتيبِ الأدلَّةِ وحُسْنِ الاستنتاجِ، وفيما ذَكَر اللهُ لنا مِن هذه العِبَرِ البالغةِ مِن هذا الحيوانِ الأعجمِ حَثٌّ لنا على أنْ نَسْلُكَ عندَما نُخبِرُ ونُبَيِّنُ، أو نبحثُ وننظرُ، أو نستَدِلُّ ونرتِّبُ ونُعَلِّلُ؛ أنْ نَسْلُكَ هذا المسلَكَ، وإذا كان اللهُ تعالى قد بَعَثَ غرابًا لِيتعلَّمَ منه ابنُ آدمَ كيف يواري سَوْءةَ أخيه؛ فكذلك ذَكَرَ لنا أمْرَ هذا الهُدْهُدِ الممتازِ بيْنَ الهَداهِدِ؛ لِنقتَديَ به؛ تنبيهًا لنا على أخْذِ العلمِ مِن كلِّ أحدٍ، وللاستِفادةِ مِن كلِّ مخلوقٍ، وللشُّعورِ دائمًا بالنَّقصِ؛ للسَّلامةِ مِن شَرِّ أدواءِ الإنسانِ: العُجْبِ، والكِبْرِ، والغرورِ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا [طه: 114]، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [405] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 278). [يوسف: 76].
8- في قَولِه تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أنَّ استحسانَ المرءِ لأعمالِه هو أصلُ ضلالِه، وتزيينُ الشيطانِ لتلك الأعمالِ هو أحدُ أسلحةِ الشيطانِ؛ فعلى المرءِ أنْ يتَّهمَ نفْسَه في كلِّ ما تدعوه إليه، وأنْ يَزِنَ جميعَ أعمالِه بميزانِ الشرعِ الدَّقيقِ، خصوصًا ما تشتدُّ رغبتُه فيه، ويَعظُمُ حُسنُه في عينيه [406] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 275). !
9- في قوله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ النَّهيُ عن استِحسانِ القبائحِ، وقال تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [فاطر: 8]، وقال سبحانَه: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ [غافر: 37]، وقال عزَّ وجلَّ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [محمد: 14]. واستحسانُ المرءِ للقبائحِ وسيلةٌ إلى العملِ بها [407] يُنظر: ((شجرة المعارف والأحوال)) للعز بن عبد السلام (ص: 104). .
10- في قَولِه تعالى: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أنَّ مِن أساليبِ الهدايةِ القرآنيةِ إلى العُلومِ الكونيَّةِ أن يَعرِضَ علينا القرآنُ صُوَرًا مِن العالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ في بيانٍ بديعٍ جذَّابٍ؛ يُشوِّقُنا إلى التأمُّلِ فيها، والعُمقِ في أسرارِها، وهنا يَذكُرُ لنا ما خَبَّأه في السَّمواتِ والأرضِ لنشتاقَ إليه، وننبعثَ في البحثِ عنه، واستجلاءِ حقائقِه ومنافِعِه، بدافعِ غريزةِ حُبِّ الاستطلاعِ، ومعرفةِ المجهولِ، وبمِثلِ هذا انبعثَ أسلافُنا في خِدمةِ العلمِ، واستثمارِ ما في الكَونِ إلى أقصَى ما استطاعوا، ومَهَّدوا بذلك السَّبيلَ لِمَن جاء بعدَهم، ولن نَعِزَّ عزَّهم إلَّا إذا فهمنا الدِّينَ فهْمَهم، وخَدَمنا العِلمَ خِدمَتَهم [408] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 276). .
11- في قَولِه تعالى: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ تحذيرُ العبدِ مِن المخالفةِ علَنًا أو سِرًّا؛ لأنَّك إذا عَلِمْتَ بأنَّ اللهَ يعلمُ ما تُخفي وما تُعْلِنُ، يَلزَمُ مِن ذلك ألَّا تُخالِفَه، والإنسانُ لو عَلِم أنَّ المُعظَّمَ عندَه يعلَمُ بأفعالِه لتَرَك ما لا يُرضيه، لو عَلِمْتَ مثلًا أنَّ أباك أو الرجلَ الذي تحترمُه يَعْلَمُ بما تفعلُ؛ فهل تَفْعَلُ ما يخالِفُ رضاه؟ لا تفعلُ، لا سيَّما إذا كان محبوبًا لديك ومُعَظَّمًا، فإذا كان كذلك فالربُّ مِن بابِ أَولى، ولهذا ينبغي لك كلَّما دعَتْك نفسُك إلى معصيةٍ، بل إلى مخالفةٍ بتركِ أمرٍ أو فعلِ نهيٍ، يجبُ عليك أن تتذكَّرَ هذا الأمرَ؛ أنَّ الله سبحانَه وتعالى يعلمُ مخالفتَك، فيلزمُ مِن هذا أن ترتدعَ [409] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 160). .
12- في قَولِه تعالى: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ أنَّه ينبغي التثبُّتُ في الخبرِ، لا سيما عندَ قيامِ الشُّبهاتِ، وما هي الشبهةُ القائمةُ هنا؟ أنَّ الهدهدَ قال ذلك مُدافَعةً، وأنَّه كان بعيدًا؛ لأنَّه قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، لكن لَمَّا كان هذا مقامَ دفاعٍ فإنه ينبغي أنْ يَتثبَّتَ الإنسانُ أكثرَ؛ ولهذا قال: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ مع أنَّه قال: بِنَبَإٍ يَقِينٍ [410] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 167). .
13- قال الله تعالى: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ قال وهبٌ: (أمرُه بالتولِّي حسنُ أدبٍ ليتنحَّى حسَبَ ما يُتَأدَّبُ به مع الملوكِ، بمعنى: وكن قريبًا بحيثُ تسمَعُ مراجعاتِهم) [411] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/233). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أنَّ تَفَقُّدَ سليمانَ عليه السَّلامُ للطيرِ، وفقْدَه الهدهدَ: يدلُّ على كَمالِ حزْمِه وتدبيرِه للمُلْكِ بنفْسِه، وكمالِ فِطنتِه حتى فَقَدَ هذا الطائرَ الصغيرَ [412] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 603). .
2- في قَولِه تعالى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أنَّ هذا الهدهدَ كان مِن جنودِ سليمانَ التي حُشِرَتْ له، وقد كان في مكانِه الذي عُيِّنَ له وأُقِيمَ فيه، فلما فارقَ وتَرَكَ الفُرجةَ في صفِّه، وأَوقعَ الخللَ في جنْسِه، استحقَّ العقابَ الصارمَ الذي لا هَوادةَ فيه، وهذا أصلٌ في صرامةِ أحكامِ الجُنديَّةِ وشدَّتِها؛ لعِظَمِ المسؤوليةِ التي تحمَّلَتْها، وتوقُّفِ سلامةِ الجميعِ على قيامِها بها، وعِظَمِ الخطرِ الذي يَعُمُّ الجميعَ إذا أخَلَّتْ بها [413] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 269). .
3- في قَولِه تعالى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ جوازُ عقابِ الجنديِّ إذا خالفَ ما عُيِّنَ له مِن عملٍ، أو تَغيَّبَ عنه [414] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/246). .
4- في قَولِه تعالى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ جوازُ تأديبِ الحيواناتِ والبهائمِ بالضَّربِ عند تجاوزِها المعتادَ في أحوالِها، كتَقصيرِها في المشيِ وإسراعِها ونحوِ ذلك [415] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 201)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/246). .
5- قال الله تعالى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ هذه الآيةُ دَليلٌ على أنَّ الطَّيرَ كانوا مكَلَّفين؛ إذ لا يُعاقَبُ على تَركِ فِعلٍ إلَّا مَن كُلِّفَ ذلك الفِعلَ [416] يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/480). .
6- قال الله تعالى: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ في هذا ردٌّ على مَن قال: إنَّ الأنبياءَ تعلَمُ الغَيبَ [417] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (13/181). .
7- في قَولِه تعالى: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ أنَّه كان في جوابِ الهدهدِ حجةٌ بيِّنةٌ لسببِ غيابِه، وذلك لأنَّه لم يذهبْ عابثًا، ولا لغرضٍ خاصٍّ به، وإنما ذَهَبَ مُستطلِعًا مكتشِفًا، فحَصَّلَ علمًا، وجاء بخبرٍ عظيمٍ في زمنٍ قصيرٍ، فرَجَحَتْ هذه الفوائدُ العظيمةُ بتركِه لمركزِه في الجندِ، فسقطتْ عنه المؤاخذةُ. فإنْ قيلَ: إنَّ أصلَ مفارقتِه لمركزِه دون استئذانٍ كان مخالفةً يَستوجبُ عليها العُقوبةَ؟
فالجوابُ: أنَّ هذه المخالفةَ كانت لقَصدٍ حَسَنٍ وهو الاستطلاعُ، وأثمرتْ خيرًا، فاستَحقَّ العفوَ عن تلك المخالفةِ التي كانت عن نظَرٍ، ولم تكُنْ عن تهاونٍ وانتهاكٍ للحُرْمَةِ، وهذه الآيةُ مأخذٌ مِن مآخذِ الأصلِ القائلِ: (إنَّ المخالِفَ للأمرِ عن غيرِ انتهاكٍ للحُرمَةِ لا يُؤاخَذُ بتلك المُخالفةِ) [418] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 270). .
8- في قَولِه تعالى: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ضَعفُ إدراكِ الإنسانِ مهما بلَغَ مِن المُلكِ ومِن القوةِ، ويدلُّ لهذا قولُ اللهِ تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: 28]؛ فإنَّ هذا يُبيِّنُ ضَعفَ الإنسانِ، فهو ضعيفٌ في كلِّ شيءٍ؛ في القوى العقليةِ، والقوى الجِسميةِ. وكلُّ ما يمكنُ أن يُوصَفَ بالقوَّةِ والضَّعفِ، فإنَّ حالَ الإنسانِ فيه الضَّعفُ [419] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 147). .
9- ليس مِن شرْطِ الأفضلِ ألَّا يُنبِّهَهُ المفضولُ لأمرٍ مِن الأمورِ؛ فقد قال الهدهدُ لسُلَيمانَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، وقد قال موسى للخَضِرِ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [420] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (6/76). [الكهف: 66].
10- في قَولِه تعالى: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ إبطالٌ لقَولِ الرَّافضةِ: إنَّ الإمامَ لا يخفى عليه شيءٌ، ولا يكونُ في زمانِه مَن هو أعلمُ منه [421] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/150). .
11- في قَولِه تعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ دَليلٌ واضحٌ على قَبولِ خبرِ الواحدِ مِن أيِّ جنسٍ كان مِن النَّاسِ وغيرِهم، إذا عُرِفَ صِدقُه، أَلَا ترى أنَّ سليمانَ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إنما كَفَّ عن عذابِه حيثُ أتاه بسُلطانٍ مبِينٍ -الذي كان استثنى- فهَلَّا عَذَّبَه لو لم يَقبَلْ خبرَه، وقال له: أنت واحدٌ لا أقبَلُ خبرَك عن سَبَأٍ حتى يُخبِرَ به معك غيرُك مِن الطَّيرِ؟! وليس في قَولِه: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ما يُوهِنُ ما قُلْناه، ألَا ترى ائتَمَنَه في حَملِ كتابِه ورَدِّ جوابِه وهو واحِدٌ [422] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/547). ؟!
12- في قَولِه تعالى: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ أنَّه ينبغي للمتكلِّمِ أن يُؤكِّدَ الخبرَ للمخاطَبِ عندَ الحاجةِ إليه؛ لِقَولِه: بِنَبَإٍ يَقِينٍ [423] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 148). .
13- قَولُه تعالى: مِنْ سَبَإٍ صُرِفَ؛ لأنَّه في الأصلِ اسمُ رجُلٍ غَلَبَ على اسمِ بلدٍ [424] يُنظر: ((باهر البرهان)) لبيان الحق الغزنوي (2/1058). .
14- قَولُه: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ لا يدلُّ على جوازِ أنْ تكونَ المرأةُ ملكةً؛ لأنَّ ذلك كان مِن فعلِ قومِ بلقيسَ، وهم كفَّارٌ، فلا حجَّةَ في ذلك، وفي الحديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لما بلَغه أنَّ أهلَ فارسَ قد ملَّكوا عليهم بنتَ كِسرَى قال: ((لن يُفلِحَ قومٌ ولَّوْا أمرَهم امرأةً )) [425] يُنظر:((تفسير أبي حيان)) (8/227). والحديث أخرجه البخاري (4425). .
15- في قَولِه تعالى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وصفُ العرشِ بالعظمةِ دَليلٌ على أنَّ مِثلَ هذه الأوصافِ تَصِحُّ للهِ تعالى ولغيرِه، ولكنَّ اتِّصافَ اللهِ بها لا يُماثلُه شيءٌ مِن اتِّصافِ المخلوقِ بها؛ فإنَّ صفاتِ الخالقِ تليقُ به، وصفاتِ المخلوقِ تليقُ به [426] يُنظر: ((مجموع فتاوى ورسائل العثيمين)) (3/69). .
16- إنْ قيل: كيف استعظَمَ عَرشَها مع ما كان يرى مِن مُلكِ سُلَيمانَ؟
فالجوابُ: أنَّه يجوزُ أن يستصغِرَ حالَها إلى حالِ سُلَيمانَ، فاستعظم لها ذلك العَرشَ، ويجوزُ ألَّا يكونَ لسُلَيمانَ مِثلُه وإن عَظُمَت مَملكتُه في كلِّ شَيءٍ، كما يكونُ لِبَعضِ أمراءِ الأطرافِ شَيءٌ لا يكونُ مِثلُه للمَلِكِ الذي يملِكُ عليهم أمْرَهم ويَستخدِمُهم [427] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/454). .
17- في قَولِه تعالى: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنَّ الخلْقَ مفطورون على إنكارِ الشِّركِ؛ لأنَّ الهدهدَ أنكرَ عليهم شِرْكَهم، مع أنَّ الهدهدَ ليس مِن العُقلاءِ، لكنَّ جميعَ الحيواناتِ بل والمخلوقاتِ غيرِ الحيواناتِ مفطورةٌ على توحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ قال تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [428] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 151). [الإسراء: 44].
18- في قَولِه تعالى: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أنَّ الإنسانَ يُذَمُّ على فِعلِه أو يُمدَحُ على فِعْلِه؛ لأنَّ الهدهدَ ساق ذلك على سبيلِ الذَّمِّ، والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هذه الفائدةِ: الوصولُ إلى أنَّ فِعلَ الإنسانِ باختيارِه؛ إذ لو كان مُجبَرًا عليه لم يَصِحَّ أن يكونَ مَحَلًّا للذَّمِّ أو للمَدحِ؛ لأنَّ الذي يُجبَرُ على العَمَلِ لا يُمدَحُ عليه إنْ كان خَيرًا، ولا يُذَمُّ عليه إنْ كان سُوءًا، ولكِنَّه هو فَعَلَه. ويَتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: إبطالُ قولِ الجبريةِ الذين يقولون: إنَّ الإنسانَ مُجبَرٌ على عملِه؛ لأنَّه إذا كان مُجبَرًا لم يكن أهلًا للثَّناءِ في الخيرِ أو في الشَّرِّ [429] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 152). .
19- قال الله تعالى: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ النَّهيُ عن السجودِ للشَّمسِ هو نهيٌ عمَّا هو دونها بطريقِ الأَولى مِن الكَواكبِ والأشجارِ وغيرِ ذلك؛ فالشمسُ أعظمُ ما يُرى في عالَمِ الشَّهادةِ، وأَعَمُّه نفعًا وتأثيرًا [430] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (23/146). .
20- في قَولِه تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ أنَّ الأعمالَ السيئةَ مِن تزيينِ الشيطانِ، وهنا سؤالٌ: وهو كيف يُجمَعُ بين هذه الآيةِ وبين قَولِه تعالى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل: 4] فأضاف اللهُ التَّزيينَ إليه، وهنا أضافه إلى الشَّيطانِ، وفي آيةٍ ثالثةٍ: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ [التوبة: 37] مبنيًّا للمجهولِ؟!
والجوابُ: هذه لا تُعارِضُ الآياتِ الأخرى، فيضافُ إلى اللهِ تقديرًا، وإلى الشَّيطانِ مُباشَرةً [431] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 152). .
21- في قَولِه تعالى: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ أنَّ سبيلَ اللهِ سبحانه وتعالى واحدٌ، وسُبُلَ الشَّرِّ متعَدِّدةٌ؛ لِقَولِه تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: 153]؛ ولهذا قال العلماءُ: الإسلامُ ملةٌ، والكُفرُ مِلَلٌ؛ الكُفرُ: يهوديةٌ، نصرانيةٌ، وثنيَّةٌ، ومجوسيَّةٌ، إلى آخرِه. مِلَلٌ لأنَّها سُبُلٌ متعددةٌ، وأمَّا الحقُّ فسبيلُه واحدٌ [432] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 153). .
22- قال الله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أنَّه إذا زُيِّنَ للإنسانِ سُوءُ عمَلِه فَصُدَّ بذلك عن السَّبيلِ -والعياذُ باللهِ سُبحانَه وتعالى- فإنَّه لا يهتدي فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ، وهذا هو البلاءُ: أنَّ الإنسانَ يرى القَبيحَ حَسَنًا، فهذا لا يَكادُ يُقلِعُ، لكِنْ مَن كان يرَى القبيحَ قَبيحًا فإنَّه يمكِنُه أن يُقلِعَ [433] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 153). .
23- قال تعالى عن الهُدهُدِ يخاطِبُ نبيَّ اللهِ سُلَيمانَ: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ [النمل: 22، 24] في هذا السِّياقِ عَشرُ قَضايا يُدرِكُها الهُدهُدُ ويُفصِحُ عنها لنبيِّ الله سُلَيمانَ:
الأولى: إدراكُه أنَّه أحاط بما لم يكُنْ في عِلمِ سُلَيمانَ.
الثانية: معرفتُه لسبأٍ بِعَينِها دونَ غَيرِها، ومجيئُه منها بنبأٍ يقينٍ لا شَكَّ فيه.
الثالثة: معرفتُه لتوليةِ المرأةِ عليهم مع إنكارِه ذلك عليهم.
الرابعة: إدراكُه ما أوتِيَتْه سبأٌ مِن متاعِ الدُّنيا مِن كُلِّ شَيءٍ.
الخامسة: أنَّ لها عرشًا عظيمًا.
السادسة: إدراكُه ما هم عليه من السُّجودِ للشَّمسِ مِن دُونِ الله.
السابعة: إدراكُه أنَّ هذا شِركٌ بالله تعالى.
الثامنة: أنَّ هذا مِن تزيينِ الشَّيطانِ لهم أعمالَهم.
التاسعة: أنَّ هذا ضلالٌ عن السَّبيلِ القويمِ.
العاشرة: أنَّهم لا يهتدونَ.
وقد اقتنع سُلَيمانُ بإدراكِ الهُدهدِ لهذا كُلِّه، فقال له: سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النمل: 27]، وسَلَّمه رسالةً، وبعثه سفيرًا إلى بِلقيسَ وقَومِها: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل: 28]، وكانت سِفارةً مُوفَّقةً [434] يُنظر: ((تتمه أضواء البيان)) لعطية سالم (8/8). .
24- إنْ قيل: كيف خَفِيَ على سُليمانَ مكانُ تلك المملكةِ العظيمةِ؟
والجوابُ: لعَلَّ اللهَ تعالى أخفَى عنه ذلك لمصلحةٍ عَلِمَها، كما أخفَى مكانَ يوسُفَ على يعقوبَ عليهما السَّلامُ [435] يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/454)، ((تفسير الشربيني)) (3/54). .
25- قولُه: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إلى قولِه: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قد جمَعَ هذا القولُ الَّذي أُلْقِيَ إلى سُليمانَ أُصولَ الجُغرافيَّةِ السِّياسيَّةِ مِن صِفَةِ المكانِ والأدْيانِ، وصِبْغَةِ الدَّولةِ وثَروتِها، ووقَعَ الاهتمامُ بأخبارِ مَمْلكةِ سبَأٍ؛ لأنَّ ذلك أهمُّ لمُلْكِ سُليمانَ؛ إذ كانت مُجاورةً لِمَمْلكتِه؛ فأُمورُ هذه الممْلكةِ أَجْدى بعَمَلِه [436] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/245). .
26- في قَولِه تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ هذان الوصفانِ -إخراجُ الخبءِ، والعلمُ بما يُبطِنُ العبدُ وما يُعلِنُه- لا يكونان لأحدٍ مِن المخلوقين، لا للشَّمسِ ولا لغيرِ الشَّمسِ، وإنما ذلك خاصٌّ باللهِ تبارك وتعالى؛ ولهذا جَعَلَه الهدهدُ مِن الأسبابِ التي تَستلزمُ أنْ تكونَ العبادةُ للهِ وحدَه؛ لأنَّه العالِمُ بها، ولا يمكِنُ أن يُؤتَى بوَصفٍ يَستلزِمُ العبادةَ إلَّا إذا كان خاصًّا بالله؛ لأنَّه يُؤتَى بهذا الوَصفِ استدلالًا على بُطلانِ عبادةِ ما سواه، ولو كان ممَّا يمكِنُ أن يكونَ لله، لم يكُنْ ذلك دليلًا على اختِصاصِ الله تعالى بالعبوديَّةِ؛ إذ قد يقولُ العابِدُ للشَّيءِ: وهذا وصفٌ أيضًا موجودٌ في معبودي، فأنا أعبُدُه! فالمهِمُّ أنَّه لا يمكِنُ أن تُقامَ الحُجَّةُ إلَّا بدليلٍ خاصٍّ بالمحتَجِّ له، يعني: أنَّه لا يمكِنُ أن تقيمَ الحُجَّةَ بأنَّ العبادةَ لله وحده إلَّا بوصفٍ خاصٍّ باللهِ [437] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 158). .
27- في قَولِه تعالى: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أنَّ الظواهرَ دلائلُ البواطنِ؛ فالمرءُ يُعرَفُ مِن سُبُحاتِ وَجهِه وفلتاتِ لسانِه، وكثيرًا ما تدلُّ كلماتُه على مِهنتِه أو فكرتِه وعقيدتِه، كما تدلُّ هيئتُه أو لِبْستُه وشمائلُه؛ وما يباشرُه المرءُ تنطبعُ به نفْسُه، ويصطبغُ خيالُه، فيجري على لسانِه في تشبيهاتِه وتمثيلاتِه وفنونِ قولِه، فقد تختلِفُ العباراتُ عن شيءٍ واحدٍ في وقتٍ واحدٍ باختلافِ نفسياتِ المتكلِّمين عليه، وقد عُرِفَ الهدهدُ بينَ الطيورِ بثقوبِ البصرِ، والاهتداءِ إلى الماءِ في جَوفِ الأرضِ، خصوصًا هدهدُ سليمانَ الممتازُ بين الهداهدِ، فلمَّا استدلَّ ذَكرَ مِن صُنعِ اللهِ ما هو أقربُ إليه، وأغلبُ عليه، وهو إخراجُ الخبءِ الذي منه الماءُ المخبوءُ في جَوفِ الأرضِ [438] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 278). .
28- في قَولِه تعالى: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أنَّ دَلالةَ الصَّنعَةِ على الصانعِ نظريةٌ عقليةُ قطعيةٌ؛ فكلُّ ذي صَنعةٍ في مُكْنتِه أنْ يَستدِلَّ بصنعتِه على وجودِ خالقِ هذا العالَمِ وكمالِه، يُشاهِدُ أنَّ صنعتَه ما كانت إلَّا به، وبما له مِن قُدرةٍ فيها وعِلْمٍ بها؛ فهداه ذلك إلى أنَّ هذا العالَمَ ما كان إلَّا مِن خالقٍ قادرٍ عالِمٍ، فالهدهدُ ذَكَر ما هو مِن عَمَلِه في الاستدلالِ على وجودِ الخالقِ تعالى ووحدانيَّتِه، ومِثلُه كلُّ ذي صنعةٍ.
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ             تدُلُّ على أنَّه الواحِدُ [439] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 279). والبيت لأبي العتاهية. يُنظر: ((التمثيل والمحاضرة)) للثعالبي (ص: 11)، ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر (13/453)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (14/77).
29- قولُه تعالى: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ فيه سَعَةُ علمِ اللهِ، واستدلَّ به الشافعيُّ على ثبوتِ القَدَرِ؛ فثبوتُ علمِ اللهِ تعالى لأفعالِ العبدِ دَليلٌ على تقديرِه لها [440] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 159). ويُنظر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (23/349)، ((شرح الطحاوية)) لابن أبي العز (ص: 247). .
30- في قَولِه تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ سؤالٌ؛ مِن أين للهدهدِ التهدي إلى معرفةِ اللهِ، ووجوبِ السجودِ له، وإنكارِ السجودِ للشمسِ، وإضافتِه إلى الشيطانِ وتزيينِه؟!
الجوابُ: أنه لا يَبْعُدُ أنْ يُلْهِمَه اللهُ ذلك كما ألهمَه وغيرَه مِن الطيورِ وسائرِ الحيوانات المعارفَ اللطيفةَ التي لا يكادُ العقلاءُ الرجاح العقول يهتدون لها، خصوصًا في زمانِ نبيٍّ سُخِّرَتْ له الطيورُ، وعُلِّمَ منْطِقَها، وجُعِلَ ذلك معجزةً له [441] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/361)، ((تفسير الرسعني)) (5/454). . فضلًا عن إخبارِ الله عزَّ وجلَّ أنَّه ما مِن شيءٍ إلا يُسبِّحُ بحمدِه سبحانَه؛ ومِن ذلك الطيرُ.
31- في قَولِه تعالى: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَبولُ الوالي عُذرَ رعيَّتِه، ورَدُّ العُقوبةِ عنهم، وامتحانُ صدْقِهم فيما اعتَذَروا به [442] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 201). .
32- في قَولِه تعالى على لِسانِ سُلَيمانَ: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ أنَّ الحيواناتِ تَعقِلُ ما يُوَجَّهُ إليها مِن الأمرِ والنَّهيِ والاختبارِ والفَحصِ؛ لِقَولِه: اذْهَبْ، وقَولِه: فَأَلْقِهِ، وقَولِه: تَوَلَّ، وقَولِه: فَانْظُرْ كلُّ هذه أوامرُ للهدهدِ؛ مما يدلُّ على أنَّ هذه الحيواناتِ تَعقِلُ، ولكنْ ليس معنى قولنا: (إنها تَعقِلُ) أنْ تكونَ عاقلةً لكلِّ أحدٍ، صحيحٌ أنَّها تَعْقِلُ عقلًا محدودًا بالنَّسبةِ لعامَّةِ النَّاسِ؛ ولهذا تُزجَرُ البَهيمةُ فتَنزَجِرُ، وتدعوها فتُقْبِلُ، ولكنْ ليس هذا كمِثلِ تسخيرِها لسليمانَ عليه الصلاةُ والسلامُ؛ فإنَّ تسخيرَها لسليمانَ أنَّها تُنَزَّلُ منه منزلةَ الإنسانِ العاقلِ الفاهمِ مِن كلِّ وجهٍ [443] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 171). .
33- في قَولِه تعالى: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ دليلٌ على إرسالِ الكُتُبِ إلى المُشرِكين مِن الإمامِ، يُبَلِّغُهم الدَّعوةَ، ويدعوهم إلى الإسلامِ، وقد كتب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى كسرى وقيصرَ وغَيرِهما مِن مُلوكِ العَربِ [444] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/232). .
34- في قَولِه تعالى: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ أنَّه ينبغي تَحَسُّسُ الأخبارِ عندَ الحاجةِ لذلك، وهذا ما يُسمَّى بالمتابعةِ؛ لقوله: فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ، فإنه إذا تولى وجَعَلَ يَنْظُرُ لا بُدّ أنْ تتبيَّنَ له الأخبارُ، فلو أنَّه ما تولَّى عنهم فألقاه وبقيَ فقد لا يتكلَّمون بالأشياءِ التي يتكلَّمون بها إذا كان حاضرًا لديهم، لكنْ إذا تولَّى عنهم حينئذٍ وجَدوا لأنفسهم مجالًا للكلامِ حسبَ ما يريدون، وهذا مِن السياقِ [445] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 172). .
35- في قَولِه تعالى: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ إرسالُ الطَّيرِ بالكُتُبِ [446] يُنظر: ((الإكليل في استنباط التنزيل)) للسيوطي (ص: 201). .
36- تَخصيصُ سُليمانَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الهُدهدَ بالرِّسالةِ في قولِه: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا دونَ سائرِ ما تحْتَ مُلكِه مِن أُمَناءِ الجنِّ الأقوياءِ على التَّصرُّفِ والتَّعرُّفِ؛ لِمَا عايَنَ فيه مِن مَخايلِ العِلْمِ والحِكمةِ وصِحَّةِ الفراسةِ، ولئلَّا يَبْقى له عُذْرٌ أصلًا [447] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/283). . ولأنَّه الذي وقَف على حالِهم.

بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالَى: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ
- قولُه: فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ في الكلامِ مَحذوفٌ، أي: فَقَدَ الهُدهدَ حينَ تفقَّدَ الطَّيرَ، فقالَ: ... [448] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/223). . ومَقصدُ الكلامِ: الهُدهدُ غابَ، ولكنَّه أخَذَ اللَّازمَ عن مَغِيبِه، وهو ألَّا يَراهُ؛ فاسْتَفهَمَ على جِهةِ التَّوقيفِ عن اللَّازمِ، وهذا ضَربٌ مِن الإيجازِ، والاستِفهامُ الَّذي في قولِه: مَا لِيَ نابَ مَنابَ الألِفِ الَّتي تَحتاجُها (أمْ)، فعلى ذلك (أَمْ) مُتَّصلةٌ [449] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/255)، ((تفسير أبي حيان)) (8/223). ممَّن ذهب في الجملة إلى أنَّ أمْ هنا متصلةٌ: ابنُ جرير، وهو ظاهر كلام ابن عطية، وذهب إليه البقاعي، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/32)، ((تفسير ابن عطية)) (4/255)، ((نظم الدرر)) (14/149)، ((تفسير السعدي)) (ص: 603). . وقيل: الأصحُّ أنَّ (أَمْ) مُنقطعةٌ [450] وممَّن ذهب إلى أن أَمْ هنا منقطعة: المُبَرِّد، والزجاج، والزمخشري، والبيضاوي، وابن عثيمين، والمعنى عند الزجاج: بل كان مِن الغائبينَ. والمعنى عند المبردِ، والزمخشري، والبيضاوي، وابن عثيمين: بل أكان من الغائبين؟ يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/113)، ((البسيط)) للواحدي (17/197، 198)، ((تفسير الزمخشري)) (3/358)، ((تفسير البيضاوي)) (4/157)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النمل)) (ص: 140). ؛ لأنَّها لم تقَعْ بعدَ هَمزةِ الاستِفهامِ الَّتي يُطلَبُ بها تَعيينُ أحدِ الشَّيئينِ؛ كأنَّه لَمَّا لمْ يَرَهُ ظنَّ أنَّه حاضرٌ، ولا يَراهُ لساترٍ أو غيرِه، فقال: ما لِيَ لا أَراهُ، ثمَّ احتاطَ، فَلَاحَ له أنَّه غائبٌ، فأضْرَبَ عن ذلك وأخَذَ يَقولُ: أهو غائِبٌ؛ كأنَّه يَسأَلُ عن صِحَّةِ ما لَاحَ له؛ فأفادَتْ (أم) هنا إضرابَ الانتقالِ مِن استِفهامٍ إلى استِفهامٍ آخَرَ [451] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/359)، ((تفسير البيضاوي)) (4/157)، ((تفسير أبي حيان)) (8/223)، ((تفسير أبي السعود)) (6/279)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 266)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/245، 246). .
- وقيل: كَانَ هاهنا بمعنى صار؛ لأنَّه لم يستفهِمْ وهو حاضِرٌ، إنما استفهَمَ عنه وهو غائِبٌ، وإذا حُمِلَت (كان) على لفظِها صار المعنى أنَّه استفهمَ عنه وهو حاضِرٌ، ولم يكُنْ كذلك، بل كان غائبًا وقت الاستفهامِ، فـ كَانَ محمولةٌ على معنى صار، وبذلك يتِمُّ المعنى [452] يُنظر: ((الهداية)) لمكي (8/5391). .
2- قولُه تعالَى: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أكَّدَ عَزْمَه على عِقابِه بتَأْكيدِ الجُملتينِ لَأُعَذِّبَنَّهُ لَأَذْبَحَنَّهُ باللَّامِ المُؤكِّدةِ الَّتي تُسمَّى لامَ القسَمِ، وبنُونِ التَّوكيدِ؛ لِيَعلَمَ الجُندُ ذلك، حتَّى إذا فقَدَ الهُدهدَ ولم يَرجِعْ، يكونُ ذلك التَّأكيدُ زاجرًا لباقي الجُندِ عن أنْ يأْتوا بمِثلِ فِعْلتِه، فيَنالَهم العِقابُ. وتأكيدُ جُملةِ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ؛ لإفادةِ تَحقيقِ أنَّه لا مَنْجَى له مِن العِقابِ إلَّا أنْ يأتِيَ بحُجَّةٍ تُبرِّرُ تَغيُّبَه؛ لأنَّ سِياقَ تلك الجُملةِ يُفِيدُ أنَّ مَضمونَها عَدِيلُ العُقوبةِ؛ فلمَّا كان العِقابُ مُؤكَّدًا مُحقَّقًا فقدِ اقْتَضَى تأْكيدَ المُخْرِجِ منه؛ لئلَّا يُبرِّئَه منه إلَّا تَحقُّقُ الإتيانِ بحُجَّةٍ ظاهرةٍ؛ لئلَّا تُتَوَهَّمَ هَوادةٌ في الإدلاءِ بالحُجَّةِ؛ فكان تأكيدُ العديلِ كتأْكيدِ مُعادِلِه [453] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/247). .
- وفي قولِه: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ بدَأَ أوَّلًا بأخفِّ العِقابينِ، وهو التَّعذيبُ، ثمَّ أتْبعَهُ بالأشدِّ، وهو إذهابُ المُهجَةِ بالذَّبْحِ [454] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/224). . وقِيل: قدَّمَ التَّعذيبَ؛ لأنَّه أشدُّ مِن القتْلِ، وحالةُ الغضَبِ تَقْتضي تقديمَ الأشدِّ [455] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 268). .
3- قولُه تعالَى: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
- قولُه: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ الفاءُ لتَفريعِ الحِكايةِ، عَطَفَتْ جُملةً على جُملةٍ [456] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/248). .
- وفي قولِه: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ وَصَف مُكْثَه بقِصَرِ المدَّةِ؛ للدَّلالةِ على إسراعِه خوفًا مِن سُليمانَ، ولِيُعلَمَ كيف كان الطَّيرُ مُسخَّرًا له، ولبَيانِ ما أُعْطِيَ مِن المُعجزةِ الدَّالَّةِ على نُبوَّتِه وعلى قُدرةِ اللهِ تعالى [457] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/359)، ((تفسير البيضاوي)) (4/158)، ((تفسير أبي حيان)) (8/224). ؛ فـ غَيْرَ بَعِيدٍ، أي: قريبٌ قُربًا يُوصَفُ بضِدِّ البُعدِ، أي: يُوشِكُ أنْ يكونَ بعيدًا. وهذا وجْهُ إيثارِ التَّعبيرِ بـ غَيْرَ بَعِيدٍ؛ لأنَّ (غَيرَ) تُفِيدُ دفْعَ تَوَهُّمِ أنْ يكونَ بعيدًا، وإنَّما يُتَوَهَّمُ ذلك إذا كان القُرْبُ يُشبِهُ البُعْدَ [458] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/248). .
- وفي الكَلامِ حَذْفٌ؛ فإنْ كان غَيْرَ بَعِيدٍ زَمانًا، فالتَّقديرُ: فجاء سُليمانُ، فسأَلهُ: ما غيَّبَك؟ فقال: أحطْتُ... وإنْ كان مَكانًا، فالتَّقديرُ: فجاء فوقَفَ مكانًا قَريبًا مِن سُليمانَ، فسَألَهُ: ما غيَّبَك [459] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/225)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 270). ؟
- قولُه: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ الفاءُ في فَقَالَ عاطفةٌ على (مكَثَ)، وجعَلَ القولَ عَقِيبَ المُكثِ؛ لأنَّه لَمَّا حضَرَ صدَرَ القولُ مِن جِهَتِه؛ فالتَّعقيبُ حقيقيٌّ [460] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/249). .
- قولُه: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ وَصْفُ النَّبأِ بـ يَقِينٍ تَحقيقٌ لكَونِ ما سيُلْقَى إليه شَيئًا مُحقَّقًا لا شُبْهةَ فيه؛ فوُصِفَ بالمصدرِ للمُبالَغةِ [461] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 270)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/252). .
- قولُه: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ إنَّما قالَ ذلِكَ حتَّى تَتشوَّفَ النَّفْسُ إلى مَعرفةِ ذلك المُبْهَمِ ما هو. ولَمَّا أبهَمَ في قولِه: بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، انتقَلَ إلى ما هو أقلُّ منه إبْهامًا، وهو قولُه: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ؛ إذ فيه إخبارٌ بالمكانِ الَّذي جاء منه، وأنَّه له عِلْمٌ بخَبرٍ مُسْتيقِنٍ له [462] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/225)، ((تفسير أبي السعود)) (6/280). . فعبَّر عنه بما ذُكِرَ؛ لِتَرويجِ كلامِه عنده عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَرغيبهِ في الإصغاءِ إلى اعتذارِهِ واستمالةِ قلْبهِ نحوَ قَبولِه؛ فإنَّ النَّفسَ للاعتذارِ المُنْبئِ عن أمْرٍ بَديعٍ أقْبَلُ، وإلى تَلقِّي ما لا تَعلمُهُ أمْيَلُ [463] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/280). .
وقيل: هذا وَحْيٌ لِسُليمانَ أجْراهُ اللهُ على لِسانِ الهُدهدِ؛ فابْتِداؤهُ بـ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ تَنبيهٌ لِسُليمانَ بأنَّ في مَخلوقاتِ اللهِ مَمالكَ ومُلوكًا تُداني مُلْكَه أو تَفوقُه في بعضِ أحوالِ المُلْكِ، جعَلهُ اللهُ مَثَلًا له، كما جَعَلَ عِلْمَ الخَضِرِ مَثَلًا لِمُوسى عليه السَّلامُ؛ لئلَّا يَغتَرَّ بانتهاءِ الأمرِ إلى ما بلَغَهُ هو. وفيه استدعاءٌ لإقبالِه على ما سيُلْقَى إليه بجملتِه؛ لأهميَّةِ هذا المَطلعِ في الكلامِ؛ فإنَّ مَعرفةَ أحوالِ المَمالكِ والأُمَمِ مِن أهمِّ ما يُعْنى به مُلوكُ الصَّلاحِ؛ لِيَكونوا على استعدادٍ بما يُفاجِئُهم مِن تِلْقائِها، ولتكونَ مِن دَواعي الازديادِ مِن العمَلِ النَّافعِ للمَمْلكةِ بالاقتداءِ بالنَّافعِ مِن أحوالِ غَيرِها، والانقباضِ عمَّا في أحوالِ المملكةِ مِن الخَلَلِ بمُشاهَدةِ آثارِ مِثْلِه في غيرِها [464] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/249). .
4- قولُه تعالَى: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
- قولُه: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ استِئنافٌ ببَيانِ ما جاء به مِن النَّبأِ، وتَفصيلٌ له بَعدَ الإجمالِ. وإدخالُ (إنَّ) في صَدرِ هذه الجُملةِ لأهميَّةِ الخبَرِ؛ إذ لم يكُنْ مَعهودًا في بني إسرائيلَ أنْ تكونَ المرأةُ مَلِكًا. وتَنكيرُ امْرَأَةً وهو مفعولٌ أوَّلُ لـ وَجَدْتُ له حُكْمُ المبتدأِ، فهو كالابتداءِ بالنَّكرةِ إذا أُرِيدَ بالنَّكرةِ التَّعجُّبُ مِن جِنْسِها، كقولِهم: بقرةٌ تكلَّمَت؛ لأنَّ المُرادَ حِكايةُ أمْرٍ عَجيبٍ عندهم؛ أنْ تكونَ امرأةٌ مَلِكةً على قومٍ؛ ولذلك لم يقُلْ: وجَدْتُهم تَملِكُهم امرأةٌ [465] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/227)، ((تفسير أبي السعود)) (6/281)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/252). ، وأيضًا عبَّرَ بالمُضارعِ تَمْلِكُهُمْ؛ تَصويرًا للحالِ العجيبِ، وهو أنْ تَتولَّى مُلْكَهم امرأةٌ [466] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 272). .
- وإيثارُ وَجَدْتُ على (رأيتُ)؛ للإيذانِ بكَونِه عندَ غَيبتِه بصَددِ خِدْمتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بإبرازِ نفْسِه في مَعرضِ مَن يَتفقَّدُ أحوالَها ويَتعرَّفُها كأنَّها طِلْبتُه وضالَّتُه؛ لِيَعرِضَها على سُليمانَ عليه السَّلامُ [467] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/281). .
- وبِناءُ الفِعلِ (أُوتِيَتْ) للمَفعولِ؛ لأنَّ الغرَضَ لا يَتعلَّقُ بتَعْيينِ أسبابِ ما نالَتْه، بلِ المقصودُ ما نالَتْه، على أنَّ الوَسائلَ والأسبابَ شَتَّى؛ فمنه ما كان إرثًا مِن الملوكِ الَّذين سَلَفوهَا، ومنه ما كان كَسْبًا مِن كَسْبِها واقتنائِها، ومنه ما وَهَبَها اللهُ مِن عَقْلٍ وحِكمةٍ، وما منَحَ بلادَها مِن خَصْبٍ ووَفرةِ مِياهٍ؛ فليس المُرادُ خُصوصَ ما آتاها اللهُ في أصْلِ خِلْقَتِها وخِلْقةِ أُمَّتِها وبلادِها؛ ولذا فلم يَتعيَّنِ الفاعلُ عُرْفًا. وكلٌّ مِن عندِ اللهِ [468] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/253). .
- قولُه: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وصَفَ العَرشَ بذلكَ بيْنَ يَديهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لتَرغيبِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في الإصغاءِ إلى حَديثِه، وتَوجيهِ عَزيمتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ نحوَ تَسخيرِها؛ ولذلك عقَّبَه بما أوجَبَ غَزْوَها مِن كُفرِها وكُفْرِ قَومِها [469] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/281). .
- والهُدهدُ الَّذي شاهَدَ مُلْكَ سُليمانَ وعظَمَتَه، قد استعظَمَ مُلْكَها وعَرشَها، وعَظمةُ العرشِ عُنوانُ عَظمةِ المُلْكِ؛ فلذا خصَّصَهُ الهُدهدُ بالذِّكْرِ، ورغَّبَ سُليمانَ في الإتيانِ به [470] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 273). .
5- قولُه تعالَى: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ
- قولُه: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ ... أعقَبَ التَّنويهَ بشأْنِها بالحَطِّ مِن حالِ اعتِقادِهم؛ إذ هم يَسْجُدون، أي: يَعبُدون الشَّمسَ؛ ولأجْلِ الاهتِمامِ بهذا الخبَرِ أُعِيدَ فِعلُ وَجَدْتُهَا؛ إنكارًا لكَونِهم يَسْجُدون للشَّمسِ، فذلك مِن انحطاطِ العقليَّةِ الاعتقاديَّةِ؛ فكان انحطاطُهم في الجانبِ الغيبيِّ مِن التَّفكيرِ، وهو ما يَظهَرُ فيه تَفاوُتُ عرضِ العُقولِ علَى الحَقائقِ؛ لأنَّه جانبٌ مُتمحِّضٌ لعَملِ الفِكْرِ، لا يُسْتعانُ فيه بالأدلَّةِ المَحسوسةِ؛ فلا جَرَمَ أنْ تَضِلَّ فيه عُقولُ كثيرٍ مِن أهلِ العقولِ الصَّحيحةِ في الشُّؤونِ الخاضعةِ للحواسِّ [471] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/253). .
- وجُملةُ وَجَدْتُهَا مُستأنفةٌ للبَيانِ، جوابًا على تَقْديرِ سُؤالٍ؛ فالكلامُ السَّابقُ بيَّن حالَتَها مِن ناحيةِ الدُّنيا، فتَشوَّفَتْ نفْسُ السَّامعِ إلى مَعرفةِ حالَتِها مِن ناحيةِ الدِّينِ [472] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 274). .
- قولُه: فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أفادَتِ الفاءُ في فَصَدَّهُمْ أنَّ عَدمَ اهتدائِهم مُسبَّبٌ عن صَدِّ الشَّيطانِ لهم، وصَدَّه مُسبَّبٌ عن تَزييفِه لأعمالِهم [473] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 274). .
- وما أحسَنَ انتقالاتِ هذه الأخبارِ بعدَ تَهدُّدِ الهُدهدِ وعِلْمِه بذلك؛ حيثُ أخبَر أوَّلًا باطِّلاعِه على ما لم يَطَّلِعْ عليه سُليمانُ؛ تَحصُّنًا مِن العُقوبةِ بزِينةِ العِلْمِ الَّذي حصَلَ له، فتَشوَّفَ السَّامعُ إلى عِلْمِ ذلك. ثمَّ أخبَرَ ثانيًا بتَعلُّقِ ذلك العِلْمِ؛ وهو أنَّه مِن سبَأٍ، وأنَّه أمْرٌ مُتيقَّنٌ لا شكَّ فيه، فازْدادَ تَشوُّفُ السَّامعِ إلى سَماعِ ذلك النَّبأِ. ثمَّ أخبَرَ ثالثًا عن المُلْكِ الَّذي أُوتِيَتْه امرأةٌ، وكان سُليمانُ عليه السَّلامُ قد سأَلَ اللهَ أنْ يُؤتِيَهُ مُلْكًا لا يَنْبَغي لأحدٍ مِن بَعدِهِ. ثمَّ أخبَرَ رابعًا ما ظاهِرُه الاشتراكُ بيْنه وبيْن هذه المرأةِ الَّتي ليس مِن شأْنِها ولا شأْنِ النِّساءِ أنْ تَملِكَ فُحولَ الرِّجالِ، وهو قولُه: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وقولُه: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، قيل: وكان سُليمانُ له بِساطٌ قد صُنِعَ له، وكان عظيمًا. ولَمَّا لم يَتأثَّرْ سُليمانُ للإخبارِ بهذا كلِّه؛ إذ هو أمْرٌ دُنياويٌّ، أخبَرَهُ خامِسًا بما يَهُزُّه لِطَلبِ هذه المَلِكةِ، ودُعائِها إلى الإيمانِ، وإفرادِ اللهِ بالعِبادةِ؛ فقال: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [474] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/228). .
6- قولُه تعالَى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
- قولُه: أَلَّا يَسْجُدُوا بَدلُ بَعضٍ مِن أَعْمَالَهُمْ [النمل: 24]؛ خُصِّصَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه أصلُ كُفْرِهم، ومَبعثُ فَسادِ أعمالِهم [475] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 275). .
- قولُه: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَصْفٌ له تعالى بما يُوجِبُ اختصاصَه باستِحقاقِ السُّجودِ مِن التَّفرُّدِ بكَمالِ القُدرةِ والعِلْمِ؛ حثًّا على سُجودِهم، ورَدًّا على مَن يَسجُدُ لغَيرِه. وتَخصيصُ هذا الوَصْفِ بالذِّكْرِ بصَددِ بَيانِ تَفرُّدِه تعالى باستِحقاقِ السُّجودِ له مِن بيْن سائرِ أوصافِه المُوجِبةِ لذلك؛ لِمَا أنَّه أرْسَخُ في مَعرفتِه والإحاطةِ بأحكامِه بمُشاهَدةِ آثارهِ الَّتي مِن جُمْلَتِها ما أوْدَعَهُ اللهُ تعالى في نفْسِه مِن القُدرةِ على مَعرفةِ الماءِ تحتَ الأرضِ [476] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/158)، ((تفسير أبي حيان)) (8/231)، ((تفسير أبي السعود)) (6/282)، ((تفسير ابن باديس)) (ص: 276). .
- قولُه: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الْخَبْءَ: مَصدرُ خبَأَ الشَّيءَ، إذا أخْفاهُ؛ أُطلِقَ هنا على اسمِ المفعولِ -أي: المَخبوء- على طَريقةِ المُبالَغةِ في الخَفاءِ كما هو شأْنُ الوَصْفِ بالمصدرِ. ومُناسَبةُ وُقوعِ الصِّفةِ بالموصولِ في قولِه: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ لحالةِ خَبرِ الهُدهدِ ظاهرةٌ؛ لأنَّ فيها اطِّلاعًا على أمْرٍ خَفِيٍّ [477] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/255). .
- وأيضًا قولُه: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ ... مُؤذِنٌ بصِفَةِ القُدرةِ، وقولُه: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ مُؤذِنٌ بعُمومِ صِفَةِ العِلْمِ [478] يُنظر:  ((تفسير ابن عاشور)) (19/255). .
- قولُه: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ عَطْفٌ على الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ؛ لِتَرتُّبِه عليه تَرتُّبَ المدلولِ على دَليلِه؛ فإخراجُ الخَبْءِ لا يكونُ إلَّا مِن العالِمِ بذلك الخَبْءِ، الَّذي أحاطَ عِلْمُه به في حالِ سَتْرِه، وفي حالِ ظُهورِه؛ فيَدلُّ ذلك على شُمولِ عِلْمِه لِمَا ظهَرَ وما بطَنَ، ومنه ما يُخْفون وما يُعلِنون [479] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 277). .
- وذِكْرُ (مَا تُعْلِنُونَ) لتَوسيعِ دائرةِ العلْمِ، أو للتَّنبيهِ على تَساويهِما بالنِّسبةِ إلى العِلْمِ الإلهيِّ [480] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/282). .
7- قوله تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ
- مَجِيءُ جُملةِ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ عقِبَ قوله: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: 25]: استئنافٌ، وهو بمَنزلةِ النَّتيجةِ للصِّفاتِ الَّتي أُجْرِيَت على اسمِ الجلالةِ، وهو المقصودُ مِن هذا التَّذييلِ، أي: ليس لغَيرِ اللهِ شُبْهةُ إلَهيَّةٍ [481] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 277)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/255، 256). . وقِيل: إنَّه مِن تَمامِ كلامِ الهُدهدِ؛ كأنَّه اسْتدرَكَ ورَدَّ العَظمةَ مِن عَرشِ بِلْقيسَ إلى عَرشِ اللهِ تعالى [482] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/232). .
- قولُه: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ خَصَّ العرشَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّه أعظَمُ المخلوقاتِ، وما عدَاهُ في ضِمْنِه [483] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/232). .
- وكذلِك قولُه: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فيه تَعريضٌ بأنَّ عَظَمةَ مُلْكِ بِلْقيسَ، وعِظَمَ عَرشِها ما كان حَقيقًا بأنْ يَغُرَّها بالإعراضِ عن عِبادةِ اللهِ تعالى؛ لأنَّ اللهَ هو ربُّ المُلْكِ الأعظَمِ، فتَعريفُ العَرشِ؛ للدَّلالةِ على معنى الكَمالِ. ووَصْفُه بـ الْعَظِيمِ؛ للدَّلالةِ على كَمالِ العِظَمِ في تَجسُّمِ النَّفاسةِ [484] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/256). .
- وأيضًا لَمَّا ذَكَرَ وَحدانيَّتَهُ في الأُلوهيَّةِ فلا يُعبَدُ سِواهُ، ذَكَرَ وَحدانيَّتَهُ في الرُّبوبيَّةِ، بانفِرادِه بالخَلْقِ والمُلْكِ والتَّصرُّفِ والتَّدبُّرِ لهذا المخلوقِ العَظيمِ، ونبَّه به على ما دونَهُ مِن المخلوقاتِ. ولَمَّا كان الحَديثُ على عَظَمةِ مُلْكِ العِبادِ: مُلْكِ النُّبوَّةِ وغيرِه، ذكَرَ عَظمةَ مُلْكِ اللهِ الَّتي تَصغُرُ إزاءَها كُلُّ عَظمةٍ [485] يُنظر: ((تفسير ابن باديس)) (ص: 277). .
- قولُه: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ يَجوزُ أنْ يكونَ هذا مِن جُملةِ الكلامِ الَّذي أُلْقِيَ على لِسانِ الهُدهدِ؛ فالواوُ للعَطْفِ. أو أن يكونَ كلامًا آخَرَ مِن القُرآنِ ذُيِّلَ به الكلامُ المُلْقَى إلى سُليمانَ؛ فالواوُ للاعتراضِ بيْن الكلامِ المُلْقَى لسُليمانَ وبيْن جَوابِ سُليمانَ، والمقصودُ: التَّعريضُ بالمُشركينَ [486] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/254). .
- وما حُكِيَ مِن الهُدهدِ مِن قولِه: الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ إلى رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ليس داخلًا تحتَ قولِه: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ، وإنَّما هو مِن العلومِ والمعارفِ الَّتي اقْتبَسَها مِن سُليمانَ عليه السَّلامُ؛ أوردَهُ بَيانًا لِمَا هو عليهِ، وإظْهارًا لِتَصلُّبِه في الدِّينِ؛ وكلُّ ذلكَ لِتَوجيهِ قلْبِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نحوَ قَبولِ كَلامِه، وصَرْفِ عِنانِ عَزيمتِه عليه السَّلامُ إلى غَزْوِها وتَسخيرِ وِلَايتِها [487] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/282). .
8- قولُه تعالى: قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ استِئنافٌ وقَعَ جوابًا عن سُؤالٍ نشَأَ مِن حِكايةِ كلامِ الهُدهدِ؛ كأنَّه قيلَ: فماذا فعَلَ سُليمانُ عليه السَّلامُ عندَ ذلكَ؟ فقيل: قال... [488] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/282). .
- والسِّينُ في قولِه: سَنَنْظُرُ للتَّأكيدِ [489] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/282). .
- قولُه: أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ كان مُقْتضى الظَّاهرِ أنْ يقولَ: (... أم كذَبْتَ)، وإيثارُ مَا عليهِ النَّظمُ الكريمُ؛ للإيذانِ بأنَّ كَذِبَه في هذه المادَّةِ يَستلزِمُ انتظامَه في سِلْكِ المَوسومينَ بالكذِبِ الرَّاسخينَ فيه؛ فإنَّ مَساقَ هذه الأقاويلِ المُلفَّقةِ على تَرتيبٍ أنِيقِ يَسْتَميلُ قُلوبَ السَّامعينَ نحوَ قَبولِها مِن غيرِ أنْ يكونَ لها مِصْداقٌ أصلًا -لا سيَّما بيْن يَدَي نَبِيٍّ عظيمِ الشَّأنِ- لا يَكادُ يَصدُرُ إلَّا عمَّن له قدَمٌ راسخٌ في الكذِبِ والإفكِ. وأيضًا في هذا النَّظمِ مُراعاةٌ للفواصلِ [490] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/363)، ((تفسير البيضاوي)) (4/159)، ((تفسير أبي حيان)) (8/232)، ((تفسير أبي السعود)) (6/282)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/256). . وفي ذلك إيذانٌ بتَوضيحِ تُهْمَتِه بالكذبِ؛ لِيَتخلَّصَ مِن العِقابِ، وإيذانٌ بالتَّوبيخِ والتَّهديدِ وإدخالِ الرَّوعِ عليه، بأنَّ كَذِبَه أرجَحُ عندَ المَلِكِ؛ ليكونَ الهُدهدُ مُغلِّبًا الخوفَ على الرَّجاءِ، وذلك أدْخَلُ في التَّأديبِ على مِثْلِ فِعلَتِه وفي حِرْصِه على تَصديقِ نفْسِه، بأنْ يُبلِّغَ الكتابَ الَّذي يُرسِلُه معه [491] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (19/256). .
9- قولُه تعالى: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ
- قولُه: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا استِئنافٌ مُبيِّنٌ لجُملةِ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ؛ لأنَّ فيما سيَنكشِفُ بعدَ تَوجِيهِ كِتابِه إلى مَلَكةِ سبَأٍ ما يُصدِّقُ خبَرَ الهُدهدِ إنْ جاء مِن المَلِكةِ جَوابٌ عن كِتابِه، أو يُكذِّبُ خبَرَ الهُدهدِ إنْ لم يَجِئْ منها جوابٌ [492] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/283)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/256، 257). .
- قولُه: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا يَقْتَضي كلامًا مَحذوفًا؛ وهو أنَّ سُليمانَ فكَّرَ في الاتِّصالِ بيْن مَمْلكتِه وبيْن مَمْلكةِ سبَأٍ، فأحضَرَ كِتابًا، وحمَّلَه الهُدهدَ [493] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/232)، ((تفسير ابن عاشور)) (19/257). .
- قولُه: فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ قالَه على لفْظِ الجمْعِ؛ لأنَّه قال: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ [النمل: 24]، فقال: فألْقِه إلى الَّذين هذا دِينُهم؛ اهتمامًا منه بأمْرِ الدِّينِ، واشْتغالًا به عن غَيرِه. وبَنى الخِطابَ في الكتابِ على لفْظِ الجمْعِ لذلك [494] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/363)، ((تفسير أبي السعود)) (6/283). .