موسوعة التفسير

سورةُ الرَّعدِ
الآيات (12-14)

ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ

غريب الكلمات:


الصَّوَاعِقَ: جمعُ صاعِقةٍ: وهي النَّارُ التي تنزِلُ مِن السَّماءِ عندَ اشتدادِ الرَّعد، وأصلُ (صعق): يدلُّ على شِدَّةِ صَوتٍ [181] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/285)، ((المفردات)) للراغب (ص: 484- 485)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 55)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 543). .
الْمِحَالِ: أي: القُوَّةِ والأخذِ، والمكْرِ والإهلاكِ، يُقالُ: ماحَلْتُه مِحالًا: إذا قاوَيتَه حتى يَبينَ لك أيُّكما أشَدُّ، والمَحْلُ: الشِّدَّةُ والمَكْرُ والكَيدُ [182] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 226)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 456)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/302)، ((المفردات)) للراغب (ص: 762)،  ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 179)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/33)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 877). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ لنا الله تعالى مَظهرًا مِن مَظاهِرِ قُدرتِه، فيقولُ سبحانَه: هو الذي يُريكم مِن آياتِه البَرقَ، فتَخافونَ أن تنزِلَ عليكم منه الصَّواعِقُ المُحرِقةُ، وتَطمعونَ أن يَنزِلَ معه المطَرُ، وبِقُدرتِه سُبحانه يُوجِدُ السَّحابَ المُحمَّلَ بالماءِ الكثيرِ لِمَنافِعِكم، ويُسبِّحُ الرَّعدُ بحَمدِ اللهِ تَسبيحًا يدُلُّ على خُضوعِه لرَبِّه، وتُنزِّهُ الملائِكةُ رَبَّها؛ خوفًا منه سُبحانَه، ويُرسِلُ اللهُ الصَّواعِقَ المُهلِكةَ فيُهلِكُ بها مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، والكُفَّارُ يُجادِلونَ في وحدانيَّةِ الله وقُدرتِه على البَعثِ، وهو شديدُ القُوَّةِ والبَطشِ بمن عصاه، وله- سُبحانه- دَعوةُ التَّوحيدِ- لا إلهَ إلَّا اللهُ- فلا يُعبَدُ ولا يُدعَى إلَّا هو، والآلِهةُ التي يَعبُدونَها مِن دونِ الله لا تُجيبُ دُعاءَ مَن دعاها، وحالُهم معها كحالِ عَطشانَ يمُدُّ يَدَه إلى الماءِ ويُشيرُ إليه بالإقبالِ إلى فيه، فلا يصِلُ إليه، وما دُعاءُ الكافرينَ لتلكَ الآلهةِ إلَّا غايةٌ في البُعدِ عن الصَّوابِ.

تفسير الآيات:


هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا خَوَّفَ العبادَ بقَولِه: وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: 11]، أتبَعَه بما يشتَمِلُ على أمورٍ دالَّةٍ على قُدرةِ الله تعالى وحِكمَتِه، تُشبِهُ النِّعَمَ مِن وَجهٍ، والنِّقَمَ من وجهٍ [183] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/363). ، فقال تعالى:
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا.
أي: اللهُ هو الذي يُريكم البَرقَ- وهو النُّورُ اللَّامعُ الذي يسطَعُ في السَّماءِ مِن بينِ السَّحابِ- خوفًا مِن الصَّواعِقِ، وطَمعًا في الانتفاعِ بالمطَرِ [184] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/474، 475)، ((تفسير القرطبي)) (9/295)، ((تفسير ابن كثير)) (4/440)، ((تفسير السعدي)) (ص: 414). وقيل في معنى الخوفِ والطمعِ: المرادُ: الخوفُ للمسافرِ؛ فإنَّ عادةَ المسافرِ أَن يتَأَذَّى بالمطرِ، والطمعُ للمقيمِ؛ لأنَّ المقيمَ يرجُو الخصبَ بالمطرِ. وقيل: الخوفُ مِن المطرِ في غيرِ إبَّانِه، وفي غيرِ مكانِه، والطمعُ إِذا كان في إبَّانِه ومكانِه مِن البلدانِ. يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (3/100)، ((تفسير السمعاني)) (3/82). .
وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ .
أي: ويخلق اللهُ السَّحابَ [185] قال ابنُ جرير: (قولُه: وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ: ويُثيرُ السَّحابَ الثِّقالَ بالمطَرِ، ويُبدِئُه، يقالُ منه: أنشأ اللهُ السَّحابَ: إذا أبدأَه، ونشأ السَّحابُ- إذا بدَأَ- ينشأُ نَشأً، والسَّحابُ في هذا الموضِعِ وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنَّها جمعٌ، واحِدتُها سَحابةٌ؛ ولذلك قال: الثِّقَالَ). ((تفسير ابن جرير)) (13/475). الثِّقالَ بما يَحمِلُه مِن مياهٍ كثيرةٍ [186] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/475)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 567)، ((تفسير القرطبي)) (9/295)، ((تفسير ابن كثير)) (4/440). قال ابن عاشور: (السَّحابُ يكونُ ثَقيلًا بمِقدارِ ما في خِلالِه من البُخارِ، وعلامةُ ثِقَلِه قُربُه من الأرضِ وبُطءُ تنَقُّلِه بالرِّياحِ). ((تفسير ابن عاشور)) (13/104). .
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) .
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ.
أي: ويُنزِّهُ الرَّعدُ [187] قال ابن الجوزي: (قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ فيه قولان: أحدُهما: أنَّه اسمُ الملَك الذي يزجُرُ السَّحاب، وصوتُه: تسبيحُه، قاله مقاتل. والثاني: أنَّه الصوتُ المسموع). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/487). وقال السمعاني: (وقولُه: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أَكثرُ المفسِّرينَ أنَّ الرَّعدَ ملكٌ، والمسموعُ مِن الصَّوتِ تسبيحُه، وهذا مرويٌّ عن النَّبِيِّ حينَ سألَه اليهودُ عن الرَّعدِ، وذكَر فِيه أَنَّ الصَّوتَ هو زجرُه للسحابِ. وقد حُكِي هذا عن ابنِ عبَّاسٍ، وعليٍّ، ومجاهدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، والحسنِ). ((تفسير السمعاني)) (3/83). وقال الحربي: (قولُه: «الرَّعدُ مَلَكٌ» هو عندَ الصَّحابةِ: علىٍّ، وابنِ عبَّاسٍ، وعبدِ الله بنِ عمرٍو، وأبى هريرة. وكذا قال التَّابعونَ: مجاهدٌ، وعكرمةُ، وأبو صالحٍ، والضَّحَّاكُ، وشَهْرٌ، وعَطِيَّةُ، والحسنُ، ومحمدُ بنُ قيسٍ، والسُّدِّىُّ). ((غريب الحديث)) (2/688). وقال ابنُ عبد البر: (جمهورُ أهلِ العلمِ مِن أهلِ الفقهِ والحديثِ يقولون: الرعدُ ملَكٌ يزجرُ السحابَ، وقد يجوزُ أن يكونَ زجرُه لها تسبيحًا؛ لقولِ الله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ). ((الاستذكار)) (10/36). وقال الألوسي: (استُشْكِل بأنَّه لو كان علمًا للمَلَكِ لما ساغ تنكيرُه، وقد نُكِّر في البقرةِ، وأُجِيب بأنَّ له إطلاقينِ: ثانيهما إطلاقُه على نفسِ الصوتِ، والتنكيرُ على هذا الإطلاقِ). ((تفسير الألوسي)) (7/113). وقال الشوكاني: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أي: يُسَبِّحُ الرَّعْدُ نفسُه بحمدِ الله،... وليس هذا بمُستبعَدٍ، ولا مانعَ مِن أنْ يُنطقَه اللَّهُ بذلك وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وأمَّا على تفسيرِ الرَّعدِ بمَلَكٍ مِن الملائكةِ فلا استبعادَ في ذلك، ويكونُ ذكرُه على الإفرادِ معَ ذكرِ الملائكةِ بعدَه لمزيدِ خصوصِيَّةٍ له، وعنايةٍ به). ((تفسير الشوكاني)) (3/87). وقال ابنُ تيميَّة: (أمَّا الرَّعدُ والبَرقُ، ففي الحَديثِ المَرفوعِ في التِّرمذي وغيرِه «أنَّه سُئِلَ عن الرَّعدِ، قال: مَلَكٌ مِن المَلائِكةِ مُوكَّلٌ بالسَّحابِ، معه مَخاريقُ مِن نارٍ يَسوقُ بها السَّحابَ حيثُ شاء اللهُ» . و... عن عليٍّ أنَّه سُئِلَ عن الرَّعدِ فقال: «مَلَكٌ ... ». ورُوِيَ في ذلك آثارٌ كذلك، وقد رُوِيَ عن بَعضِ السَّلَفِ أقوالٌ لا تُخالِفُ ذلك، كقَولِ من يقولُ: إنَّه اصطِكاكُ أجرامِ السَّحابِ بسَبَبِ انضغاطِ الهواءِ فيه، فإنَّ هذا لا يُناقِضُ ذلك؛ فإنَّ الرَّعْدَ مَصدَرُ: رَعَد يَرعُدُ رَعْدًا، وكذلك الرَّاعِدُ يُسَمَّى رَعْدًا، كمَّا يُسَمَّى العادِلُ عَدْلًا. والحَرَكةُ تُوجِبُ الصَّوتَ، والملائِكةُ هي التي تحَرِّكُ السحابَ وتَنقُلُه مِن مكانٍ إلى مكانٍ، وكلُّ حَركةٍ في العالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ فهي عن الملائِكةِ، وصَوتُ الإنسانِ هو عن اصطِكاكِ أجرامِه الذي هو شَفتاه ولسانُه وأسنانُه، ولَهاتُه وحَلقُه، وهو مع ذلك يكونُ مُسَبِّحًا للربِّ، وآمرًا بمعروفٍ، وناهيًا عن مُنكَرٍ، فالرَّعدُ إذَن صَوتٌ يَزجُرُ السَّحابَ). ((مجموع الفتاوى)) (24/263). اللهَ عن النَّقائصِ تنزيهًا مُتلبِّسًا بحَمدِه تعالى، بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ؛ مَحبَّةً له وتعظيمًا [188] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/478)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/294)، ((تفسير الشوكاني)) (3/87)، ((تفسير السعدي)) (ص: 414). .
كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: 44].
عن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((أقبلَتْ يهودُ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فقالوا: يا أبا القاسِمِ، إنَّا نسألُك عن خمَسةِ أشياءَ، فإنْ أنبأتَنا بهنَّ، عرَفْنا أنَّك نبيٌّ واتَّبَعناك، فأخَذ عليهم ما أخَذ إسرائيلُ على بَنيه؛ إذ قالوا: اللهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ، قال: هاتوا،... قالوا: أخبِرْنا ما هذا الرَّعدُ؟ قال: ملَكٌ مِن ملائكةِ اللهِ عزَّ وجلَّ مُوكَّلٌ بالسَّحابِ، بيَدِه أو في يَدِه مِخراقٌ مِن نارٍ، يزجُرُ به السَّحابَ، يسوقُه حيثُ أمَرَ الله. قالوا: فما هذا الصوتُ الذي يُسمَعُ؟ قال: صوتُه، قالوا: صدقْتَ...)) [189] أخرجه الترمذيُّ (3117) (جزءًا منه)، وأحمد (1/274) (2483) واللفظ له. قال الترمذي: حسنٌ غريب. وذكر ابنُ حجر في ((فتح الباري)) (8/16) أن له طرُقًا يقوِّي بعضها بعضًا. وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (4/161)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (3117). .
وعن رجُلٍ مِن بني غِفارٍ صَحِبَ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: سَمِعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللهَ يُنشئُ السَّحابَ، فيَنطِقُ أحسَنَ المَنطِقِ، ويضحَكُ أحسَنَ الضَّحِكِ)) [190] أخرجه أحمد (23686)، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (5220)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (2/412). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (2/219): رجاله رجال الصحيح. وصحح إسناده ابن حجر في ((تحفة النبلاء)) (78)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (1920). قال ابنُ كثير: (والمرادُ- واللهُ أعلمُ- أنَّ نطقَها الرعدُ، وضحكَها البرقُ). ((تفسير ابن كثير)) (4/441). .
   وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ.
أي: وتنزِّهُ الملائكةُ اللهَ؛ خوفًا منه سُبحانه [191] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 414)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/104). .
وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ  .
أي: ويُرسِلُ اللهُ الصَّواعِقَ مِن السَّماءِ، فيُهلِكُ بها مَن يشاءُ مِن خلقِه، وهؤلاء الكفارُ المكذبونَ للرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، معَ هذه الآياتِ التي أراهم اللهُ، يجادلونَ في قدرةِ الله على البعثِ، وإعادةِ الخلقِ، وفي وحدانيته [192] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/519)، ((تفسير أبي حيان)) (6/366)، ((تفسير الشوكاني)) (3/87)، ((تفسير القاسمي)) (6/270). وممن اختار هذا القولَ في الجملةِ: الزمخشري، وأبو حيان، والشوكاني، والقاسمي. تُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المعنى: فيصيبُ بها من يشاء في حالِ جِدالِه في الله. وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ جرير، والواحدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/482)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 567). قال الزَّجَّاج: (جائزٌ أن تكونَ الواوُ واوَ حالٍ، فيكون المعنى: فيصيبُ بها من يشاء في حالِ جِدالِه في الله... ويجوزُ أن يكونَ لَمَّا تمَّم اللهُ أوصافَ ما يدُلُّ على توحيدِه وقُدرتِه على البعثِ، قال بعد ذلك وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ). ((معاني القرآن وإعرابه)) (3/143). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/304)، ((تفسير الرازي)) (19/23)، ((تفسير القرطبي)) (9/298)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/32). قال ابنُ عاشور: (وقد فُهِمَ أنَّ مَفعولَ يُجَادِلُونَ: هو النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمونَ، فالتقديرُ: يُجادِلونَك أو يُجادِلونَكم، كقَولِه: يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ في سورة الأنفال). ((تفسير ابن عاشور)) (13/105). وقال أيضًا: (تعليقُ اسمِ الجلالةِ المجرورِ بفِعلِ يُجَادِلُونَ يتعيَّنُ أن يكونَ على تقديرِ مضافٍ تدُلُّ عليه القرينةُ، أي: في توحيدِ اللهِ، أو في قُدرتِه على البَعثِ، ومِن جَدَلهم ما حكاه قَولُه: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: 77، 78]). ((تفسير ابن عاشور)) (13/106). .
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ.
أي: واللهُ قويٌّ، شديدُ الأخذِ، عظيمُ الكيدِ والمَكرِ بمن طغَى وتمادَى في الكُفرِ به [193] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/482)، ((تفسير القرطبي)) (9/299)، ((تفسير ابن كثير)) (4/445)، ((تفسير السعدي)) (ص: 414).   .
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ (14).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّها استئنافٌ ابتدائيٌّ بمَنزلةِ النَّتيجةِ ونُهوضِ المُدَلَّلِ عليه بالآياتِ السَّالفةِ التي هي براهينُ الانفرادِ بالخَلقِ الأوَّلِ، ثمَّ الخَلقِ الثَّاني، وبالقُدرةِ التامَّةِ التي لا تُدانيها قدرةُ قديرٍ، وبالعِلمِ العامِّ، فلا جرَمَ أن يكونَ صاحِبُ تلك الصِّفاتِ هو المعبودَ بالحَقِّ، وأنَّ عِبادةَ غَيرِه ضَلالٌ [194] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/107). .
  لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ.
أي: لِلَّه وحدَه الدَّعوةُ الحَقُّ والصِّدقُ- وهي كلمةُ التَّوحيدِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ- فهو المُستحِقُّ وَحدَه للعبادةِ والدُّعاءِ دونَ ما سواه [195] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/485)، ((تفسير القرطبي)) (9/300)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/31)، ((تفسير ابن كثير)) (4/445)، ((تفسير السعدي)) (ص: 415). قال ابنُ القيم: (إنَّه تعالى صاحبُ دعوةِ الحقِّ لذاتِه وصِفاتِه، وإن لم يُوجِبْ لداعيه بها ثوابًا، فإنَّه يستحِقُّها لِذاته، فهو أهلٌ أن يُعبدَ وحدَه، ويُدعى وحدَه، ويُقصَد ويُشكَر ويُحمَد، ويُحَبَّ ويُرجى ويُخافَ، ويُتوكَّلَ عليه، ويُستعانَ به، ويُستجارَ به، ويُلجَأ إليه، ويُصمَدَ إليه، فتكون الدعوةُ الإلهيَّةُ الحَقُّ له وحده، ومن قام بقلبه هذا معرفةً وذوقًا وحالًا، صح له مقامُ التبتُّل، والتجريدِ المحضِ. وقد فسر السَّلفُ دعوةَ الحَقِّ بالتَّوحيدِ والإخلاصِ فيه والصِّدقِ، ومرادهم هذا المعنى). ((مدارج السالكين)) (2/31). قال الواحدي: (قال أبو إسحاقَ [الزجاج]: وجائِزٌ أن يكونَ دَعْوَةُ الْحَقِّ، أنَّه مَن دعا الله موحِّدًا استُجيبَ له دعاؤُه. قال أبو بكر [ابن الأنباري]: الدعوةُ على هذا التَّفسيرِ يريدُ بها الدَّعواتِ، فاكتُفِيَ من الجَمعِ بالواحِدِ، كقَولِه: وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [التحريم: 4]، ومعنى الدَّعَواتِ: دعواتُ الدَّاعِينَ إيَّاه، يلتَمِسونَ الإجابةَ وهم مُحِقُّونَ في ذلك؛ لأنَّهم سألوا مَن لا يَخيبُ سائِلُه، ويَقدِرُ على الإجابةِ، وإنالةِ المطلوبِ، وهذا هو الوَجهُ، وهو الأليقُ بما بعدَه مِن سياقِ الآيةِ؛ لأنَّه ذكَرَ أنَّ الأصنامَ لا يَستَجيبونَ للدَّاعينَ، فقال: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني: الأصنامَ، يَدعونَها المُشرِكونَ مِن دونِ الله، في قَولِ جَميعِ المفَسِّرينَ). ((البسيط)) (12/322).
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ.
أي: والذين يَعبُدُهم المُشرِكونَ ويَدعونَهم مِن دونِ اللهِ لا يُجيبونَ دُعاءَهم بأيِّ شَيءٍ ممَّا يُريدونَه- قليلًا كان أو كثيرًا- ولا ينفعونهم إلَّا كما ينتَفِعُ من يبسطُ كفَّيه إلى الماءِ، ويدعوه ليرتفِعَ إلى فَمِه، وهذا غيرُ ممكنٍ؛ فالماءُ جمادٌ لا يشعُرُ ببَسطِ كَفَّيه ولا بعطَشِه، ولا يقدِرُ أن يُجيبَ دُعاءَه ويبلُغَ فَمَه، وكذلك ما يدعونَه؛ جمادٌ لا يُحِسُّ بدُعائِهم، ولا يستطيعُ إجابَتَهم، ولا يقدِرُ على نَفْعِهم [196] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/486، 487)، ((تفسير القرطبي)) (9/300)، ((تفسير الزمخشري)) (2/521)، ((تفسير ابن كثير)) (4/445)، ((تفسير السعدي)) (ص: 415). قال ابنُ كثيرٍ: (يَبْسُطُ يَدَه إلى الماءِ، إمَّا قَابِضًا وإِمَّا مُتَناوِلًا له مِن بُعدٍ). ((تفسير ابن كثير)) (4/445). وقيل: شُبِّهوا في قِلَّةِ جَدوى دُعائِهم لآلهتِهم بمن أراد أن يغرِفَ الماءَ بيَديه ليشرَبَه، فبسَطَهما ناشِرًا أصابِعَه، فلم تُبقِ كفَّاه منه شيئًا، ولم يبلغْ طَلِبَته مِن شُربِه. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/367)، ((تفسير ابن عاشور)) (13/109). .
وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ.
أي: وما دُعاءُ الكافرينَ لآلهتِهم إلَّا في ضياعٍ وخَسارٍ؛ لأنَّهم لا ينتَفِعونَ بدُعائِهم [197] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (13/491)، ((تفسير البغوي)) (3/13)، ((تفسير القرطبي)) (9/301)، ((تفسير البيضاوي)) (3/184)، ((تفسير السعدي)) (ص: 415). .
كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّـكُمْ لَكَاذِبُونَ * وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [النحل: 86- 87].
وقال سُبحانه: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ [فصلت: 48].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف: 5].

الفوائد التربوية:


قَولُ الله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ فاللهُ تعالى هو الذي ينبغي أن يُصرَفَ له الدُّعاءُ، والخَوفُ والرَّجاءُ، والحُبُّ، والرَّغبةُ والرَّهبةُ، والإنابةُ؛ لأنَّ ألوهيَّتَه هي الحَقُّ، وألوهيَّةُ غَيرِه باطِلةٌ [198] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 415). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ الله تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا جاء هنا بطريقِ الخِطابِ على أسلوبِ قَولِه: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ [الرعد: 10]؛ لأنَّ الخَوفَ والطَّمَعَ يَصدُرانِ مِن المُؤمنينَ، ويُهَدَّدُ بهما الكَفَرةُ [199] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/103). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ استئنافٌ ابتدائيٌّ على أُسلوبِ تَعدادِ الحُجَجِ، الواحدةُ تِلْوَ الأُخرى؛ فلأجْلِ أُسلوبِ التَّعْدادِ- إذ كان كالتَّكريرِ- لم يُعْطَفْ على جُملةِ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ، وقد أَعْرَبَ هذا عن مَظْهرٍ مِن مَظاهِرِ قُدرةِ اللَّهِ، وعَجيبِ صُنْعِه، وفيه مِن المُناسبَةِ للإنذارِ بقولِه: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ... [سورة الرعد: 11] أنَّه مِثالٌ لتصرُّفِ اللَّهِ بالإنعامِ والانتقامِ في تصرُّفٍ واحدٍ، مع تذْكيرِهم بالنِّعمةِ الَّتي هم فيها، وكلُّ ذلك مُناسِبٌ لِمَقاصدِ الآياتِ الماضيةِ؛ فكانت هذه الجُملةُ جَديرةً بالاستقلالِ، وأنْ يُجاءَ بها مُستأْنَفةً؛ لتكونَ مُستقِلَّةً في عِدادِ الجُمَلِ المُستقِلَّةِ الواردةِ في غرَضِ السُّورةِ [200] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/103). .
- وافتُتِحَت الجُملةُ بضميرِ الجَلالةِ هُوَ دون اسمِ الجَلالةِ المُفْتَتَحِ به في الجُمَلِ السَّابقةِ، فجاءت على أُسلوبٍ مُختلفٍ؛ مُراعاةً لكونِ هاتِه الجُملةِ مُفرَّعَةً عن أغْراضِ الجُمَلِ السَّابقةِ؛ فإنَّ جُمَلَ فواتِحِ الأغراضِ افتُتِحَت بالاسمِ العَلَمِ؛ كقولِه: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [سورة الرعد: 2]، وقولِه: اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى [سورة الرعد: 8]، وجُمَلَ التَّفاريعِ افتُتِحَت بالضَّمائرِ؛ كقولِه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ [سورة الرعد: 4]، وقولِه: وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ [201] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/103). [سورة الرعد: 3].
- وفي قولِه تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا فنٌّ رائعٌ مِن فُنونِ البلاغةِ، وهو صِحَّةُ الأقسامِ؛ وهو عِبارةٌ عنِ استيفاءِ المعنى مِن جميعِ أقسامِه ووُجوهِه، بحيث لا يُغادِرُ المُتكلِّمُ منها شيئًا؛ ففي هذه الآيةِ استَوْفى قِسْمَيْ رؤيةِ البَرْقِ؛ إذ ليس فيها إلَّا الخوفُ مِن الصَّواعقِ والطَّمعُ في الأمطارِ، ولا ثالثَ لهذينِ القِسمينِ [202] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/99- 102). .
- قولُه: خَوْفًا وَطَمَعًا فيه تقديمُ الخوفِ على الطَّمَعِ؛ ووجْهُ ذلك ظاهرٌ؛ لأنَّ المَخوفَ عليه النَّفْسُ أو الرِّزقُ العَتيدُ، والمَطْموعَ فيه الرِّزقُ المُترقَّبُ [203] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/9). .وقيل: قُدِّمَ الخوفُ على الطَّمَعِ؛ إذ كانت الصَّواعقُ يجوزُ وقوعُها مِن أوَّلِ برْقَةٍ، ولا يحصُلُ المطرُ إلَّا بعدَ تواتُرِ الإبراقِ؛ لأنَّ تواترَه لا يكادُ يُخْلَفُ، وليكونَ الطَّمعُ ناسِخًا للخوفِ، كمجيءِ الرَّخاءِ بعد الشِّدَّةِ، والفَرَجِ بعد الكُرْبَةِ؛ فيكونَ ذلك أحلى مَوقِعًا في القُلوبِ، ويشهَدُ لهذا قولُه: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: 28]؛ فجاءَ معنى الآيةِ على ما جاء؛ رحمةً مِن اللَّهِ سبحانه بخلْقِه وبُشْرى لعبادِه [204] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/99- 102). .
2- قوله تعالى: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
- قولُه: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ فيه عطْفُ الرَّعْدِ على ذِكْرِ البرْقِ والسَّحابِ؛ لأنَّه مُقارِنُهما في كثيرٍ مِن الأحوالِ [205] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/104). .
- قولُه: وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ فيه الْتِفاتٌ عن درجةِ الخِطابِ إلى الغَيبةِ؛ إيذانًا بإسقاطِ هؤلاءِ المُجادِلين، وهم الكَفَرةُ المُخاطَبون في قولِه تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ، وإعراضًا عنهم، وتعديدًا لجِناياتِهم لدى كلِّ مَن يستحقُّ الخِطابَ [206] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/10). . وقيل: أُعيدَ الأُسلوبُ هنا إلى ضَمائرِ الغَيبةِ؛ لانقضاءِ الكلامِ على ما يصلُحُ لمَوعِظةِ المؤمنين والكافرين، فتمحَّضَ تخويفُ الكافرين [207] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/104). .
3- قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ
- قولُه: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ فيه تقديمُ الجارِّ والمجرورِ على المُبتدأِ؛ لإفادةِ التَّخصيصِ، أي: دعوةُ الحقِّ مِلْكُه لا مِلْكُ غيرِه، وهو قصْرٌ إضافيٌّ. وقد صرَّحَ بمفهومِ جُملةِ القصْرِ بجُملةِ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ [سورة الرعد: 14]؛ فكانت بَيانًا لها، وكان مُقْتضى الظَّاهرِ أنْ تُفْصَلَ ولا تُعْطَفَ، وإنَّما عُطِفَت؛ لِما فيها مِن التَّفصيلِ والتَّمثيلِ، فكانت زائدةً على مِقدارِ البَيانِ، والمقصودُ بَيانُ عدَمِ استحقاقِ الأصنامِ أن يدعُوَها الدَّاعون [208] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/108). .
- قولُه: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ فيه تشبيهٌ تمثيليٌّ رائعٌ، أي: إلَّا استجابةً كاستجابةِ الماءِ مَن بَسَطَ كفَّيه إليه يطلُبُ منه أنْ يبلُغَ فاهُ، وما هو ببالِغِه؛ فالماءُ جَمادٌ لا يشعُرُ ببَسْطِ كفَّيه ولا بعَطَشِه وحاجتِه إليه، ولا يقدِرُ أنْ يُجيبَ دُعاءَه ويبلُغَ فاهُ، وكذلك ما يدْعونَه، جَمادٌ لا يُحِسُّ بدُعائِهم، ولا يستطيعُ إجابتَهم، ولا يقدِرُ على نفْعِهم. وقيل: شبَّهَ الكفَّارَ في دُعائِهم لأصنامِهم عند ضرورتِهم برجُلٍ عطشانَ لا يقدِرُ على الماءِ، وفي قِلَّةِ جَدْوى دُعائِهم لآلهتِهم بمَن جلَسَ على شَفيرِ بئْرٍ وأرادَ أنْ يغرِفَ الماءَ بيدَيه ليشرَبَه، فبسَطَهما ناشِرًا أصابَعه، فلم تَلْقَ كفَّاهُ منه شيئًا ولم يبلُغْ طَلِبَتَه مِن شُرْبِه؛ فلا هو يبلُغُ قعْرَ البئْرِ إلى الماءِ، ولا الماءُ يرتفِعُ إليه؛ كذلك ما يدعو الكفَّارُ مِن الأوثانِ، جمادٌ لا يُحِسُّ بدُعائهم، ولا يستطيعُ إجابتَهم، ولا يقدِرُ على نَفْعِهم [209] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/521)، ((تفسير البيضاوي)) (3/184)، ((تفسير أبي حيان)) (6/368)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/102- 103). . وهذا التَّشبيهُ مِن غيرِ مُلاحظةِ التَّشبيهِ في جميعِ مُفرداتِ الأطرافِ؛ فإنَّ الماءَ في نفْسِه شيءٌ نافِعٌ بخلافِ آلهتِهم، والمرادُ: نَفْيُ الاستجابةِ رأْسًا، إلَّا أنَّه قد أُخْرِجَ الكلامُ مَخْرَجَ التَّهكُّمِ بهم، فقيل: لا يستجيبون لهم شيئًا مِن الاستجابةِ إلَّا استجابةً كائنةً في هذه الصُّورةِ الَّتي ليست فيها شائبَةُ الاستجابةِ قطْعًا، فهو في الحقيقةِ مِن بابِ التَّعليقِ بالمُحالِ [210] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/11). .
- وتنْكيرُ (شيءٍ) في قولِه: بِشَيْءٍ؛ للتَّحقيرِ، والمُرادُ أقلُّ ما يُجابُ به مِن الكلامِ [211] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/109). .
- وجُملةُ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ عطْفٌ على جُملةِ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ؛ لاستيعابِ حالِ المَدْعُوِّ وحالِ الدَّاعي؛ فبيَّنَتِ الجُملةُ السَّابقةُ حالَ عجْزِ المَدْعُوِّ عنِ الإجابةِ، وأُعقِبَت بالتَّمثيلِ المُشتمِلِ على كِنايةٍ، واشتَمَلَ ذلك أيضًا بالكِنايةِ على خَيبةِ الدَّاعي [212] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (13/109). .
- قَولُه: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ فيه إظهارٌ في موضعِ الإضمارِ، حيث قال: وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ ولم يقُلْ: (وما دُعاؤُهم)؛ وذلك لأنَّ دُعاءَ الكافرينَ لَمَّا كان مُنحَصِرًا في الباطِلِ، أظهر تعميمًا، وتعليقًا للحُكمِ بالوَصفِ [213] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (10/301). .