موسوعة التفسير

سورة هود
الآيات (15-17)

ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ

غريب الكلمات:


نُوَفِّ إِلَيْهِمْ: أي: نُوصِلْها إليهم وافيةً كاملةً، وأصلُ (وفي): يدلُّ على إكمالٍ وإتمامٍ [195] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 878)، ((تفسير النسفي)) (2/51). .
يُبْخَسُونَ: أي: يُنقصونَ، والبخسُ: نقصُ الشيءِ على سبيلِ الظُّلم، وأصلُ (بخس): النَّقصُ [196] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 202)، ((تفسير ابن جرير)) (12/346)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 533)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/205)، ((المفردات)) للراغب (ص: 110). .
مِرْيَةٍ: أي: شكٍّ، وقيل: المريةُ: التردُّدُ في الأمرِ، وهو أخصُّ مِن الشكِّ [197] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/155)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 457)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/315)، ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 338). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ سُبحانه سوءَ مَصيرِ الذين لا يُريدونَ بأقوالِهم وأعمالِهم وجهَ اللهِ تعالى، فيقولُ: من كان يُريدُ بعَمَلِه الحياةَ الدُّنيا ومُتَعَها، نُعطِهم ما قُسِمَ لهم مِن ثوابِ أعمالِهم في الحياةِ الدُّنيا، كاملًا غيرَ مَنقوصٍ، أولئك ليس لهم في الآخرةِ إلَّا نارُ جهنَّمَ، يُقاسونَ حَرَّها، وذهَب عنهم نَفْعُ ما عَمِلوه، وباطلٌ ما كانوا يعملون مِن الخيرِ؛ لأنَّه لم يكُن لِوَجهِ الله.
ثم يقولُ تعالى: أفمَن كان على بينةٍ مِن رَبِّه، ويَتْبَعُه شاهِدٌ آخَرُ مِن اللهِ، يوافِقُ هذه البينةَ ويَتْبَعُها- وهو القُرآن- وشاهِدٌ آخَرُ مِن قَبلِ القرآنِ، وهو التَّوراةُ- الكتابُ الذي أُنزِلَ على موسى إمامًا ورحمةً لِمَن آمن به- كمن كان همُّه الحياةَ الفانيةَ بزِينتِها؟ أولئك يصدِّقونَ بهذا القُرآنِ، ويَعمَلونَ بأحكامِه، ومَن يكفُرْ بهذا القرآنِ مِن الذين تحزَّبوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجزاؤه النَّارُ يَرِدُها لا محالةَ، فلا تكُنْ- أيُّها الرَّسولُ- في شَكٍّ مِن أمرِ القُرآنِ، وكَونِه مِن عندِ الله تعالى بعد ما شَهِدَت بذلك الأدلَّةُ والحُجَجُ، واعلَمْ أنَّ هذا القرآنَ هو الحَقُّ مِن ربِّك، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يُؤمنونَ بأنَّه حَقٌّ مِن عندِ الله؛ عنادًا واستكبارًا.

تفسير الآيات:


مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان ما سبق فيه مِن الحَثِّ على الثَّباتِ على الإسلامِ والدُّخولِ فيه، والوعيدِ على التقاعُسِ عنه ما مِن حَقِّ السَّامِعِ أن يُبادِرَ إليه، وكان حقُّ المُسلِمِ الإعراضَ عن الدُّنيا؛ لسُوءِ عاقِبتِها، وكان أعظَمُ الموانِعِ للمُشرِكينَ مِن التَّصديقِ استيلاءَ أحوالِ الدُّنيا عليهم، ولذلك تعنَّتوا بالكَنزِ- أشار هنا إلى عواقبِ ذلك [198] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/251). .
وأيضًا فإنَّه بعدَ أن قامت الحُجَّةُ القَطعيَّةُ على إعجازِ القُرآنِ، وحقِّيَّةِ دعوةِ الإسلامِ، بما يقطَعُ ألسِنةَ المُفتَرينَ، ويُبطِلُ مَعاذيرَهم؛ بيَّن لهم في هذه الآيةِ والتي تليها الصَّارِفَ النَّفسيَّ لهم عنه، وكونَه شَرًّا لهم لا خيرًا، وهو أنَّه لا حَظَّ لهم من حياتِهم إلَّا شَهواتُ الدُّنيا وزِينتُها، والإسلامُ يَدعوهم إلى إيثارِ الآخرةِ على الأُولَى [199] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/41). .
مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا.
أي: من كان يَقصِدُ بسَعيِه وأعمالِه الصَّالحةِ الحياةَ الدُّنيا وزِينَتَها، نُعطِه ثوابَ أعمالِه فيها كامِلًا، كسَعةِ الرِّزقِ، ودَفعِ المَكارِه وغيرِ ذلك [200] يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/6)، ((تفسير ابن جرير)) (12/346)، ((تفسير الخازن)) (2/476)، ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 163، 164)، ((تفسير القاسمي)) (6/82). ذهَب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ هذه الآيةَ خاصَّةٌ بالكُفَّارِ الذين يريدونَ بأعمالِهم الدُّنيا وزينَتَها، وممَّن اختار ذلك: ابنُ عطيةَ، وابنُ جزيٍّ، والسعديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/156)، ((تفسير ابن جزي)) (1/367)، ((تفسير السعدي)) (ص: 378). وممن قال به مِن السلفِ: قتادةُ والضحَّاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/349)، ((تفسير ابن عطية)) (3/156). وقيل: الآيةُ عامَّةٌ في كلِّ مَن ينوي بعَمَلِه غيرَ الله تعالى، سواء كان معه أصلُ إيمانٍ أو لم يكُن. قاله مجاهد وميمون بن مهران، وإليه ذهب معاوية وقال ابنُ الجوزي: (وهو قولُ الأكثرينَ). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/362). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/156)، ((تفسير القرطبي)) (9/14). .
كما قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء: 18] .
وقال سُبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى: 20] .
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنةً؛ يُعطَى بها في الدُّنيا، ويُجزَى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها لله في الدُّنيا، حتى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم تكُن له حَسَنةٌ يُجزى بها) ) [201] أخرجه مسلم (2808). .
وعن أبي هريرة رضي اللهُ عنه، أنَّ رسول اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أولَ الناسِ يُقضى [202]  يُقضَى: أي: يُحاسَبُ، ويُسألُ عن أفعالِه. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للملا الهروي (1/288). يومَ القيامَةِ عليه، رجُلٌ استُشهِد، فأتى به فعرَّفه نِعَمَه فعرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: قاتَلتُ فِيكَ حتى استُشهِدتُ، قال: كذَبتَ، ولكنَّكَ قاتَلتَ لِأَنْ يُقالَ: جَريءٌ. فقد قيل، ثم أمَر به فسُحِب على وجهِه حتى أُلقِيَ في النارِ. ورجُلٌ تعلَّم العِلمَ وعلَّمه، وقرَأ القرآنَ، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَه فعرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرَأتُ فيكَ القرآنَ، قال: كذَبتَ، ولكنَّكَ تعلَّمتَ العِلمَ لِيُقالَ: عالِمٌ، وقرَأتَ القُرآنَ لِيُقالَ: هو قارِئٌ، فقد قيل، ثم أمَر به فسُحِبَ على وجهِه حتى أُلقِي في النارِ. ورجُلٌ وسَّع اللهُ عليه، وأعطاه مِن أصنافِ المالِ كلِّه، فأتَى به فعرَّفه نِعَمَه فعرَفها، قال: فما عمِلتَ فيها؟ قال: ما ترَكتُ مِن سبيلٍ تُحِبُّ أنْ يُنفَقَ فيها إلَّا أنفَقتُ فيها لكَ، قال: كذَبتَ، ولكنَّكَ فعَلتَ لِيُقالَ هو جَوَادٌ، فقد قيل، ثم أمَر به فسُحِب على وجهِه، ثم أُلقِي في النارِ )) [203] أخرجه مسلم (1905). .
وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ.
أي: ولا يَنقُصُهم اللهُ ثوابَ أعمالِهم الصَّالحةِ في الدُّنيا [204] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/346)، ((تفسير البغوي)) (2/442)، ((تفسير ابن عطية)) (3/156)، ((تفسير الشوكاني)) (2/553)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى حال من يريدُ الحياةَ الدُّنيا في الدُّنيا؛ بيَّنَ حالَهم في الأُخرَى [205] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/251). ، فقال:
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ.
أي: أولئك الذين يُريدونَ بأعمالِهم الصَّالحةِ الحياةَ الدُّنيا وزِينتَها، لا يكونُ لهم في الآخرةِ إلَّا النَّارُ، فيصلَونَها [206] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/353)، ((تفسير أبي السعود)) (4/194)، ((تفسير الشوكاني)) (2/554). قال الشوكاني: (الإشارةُ إلى المُريدينَ المذكورينَ، ولا بدَّ مِن تقييدِ هذا بأنَّهم لم يُريدوا الآخرةَ بشَيءٍ من الأعمالِ المعتَدِّ بها المُوجِبةِ للجَزاءِ الحسَن في الدار الآخرةِ، أو تكونُ الآيةُ خاصَّةً بالكفَّارِ). ((تفسير الشوكاني)) (2/554). قال ابنُ القيم بعد أن ذكَر أنَّ هذه الآيةَ أشكَل فهمُها على كثيرٍ مِن الناسِ، وذكَر الخلافَ في معناها، قال: (والآيةُ بحمدِ الله لا إشكالَ فيها، والله سبحانه ذكر جزاءَ من يريدُ بعَمَله الحياةَ الدُّنيا وزينتها- وهو النَّارُ- وأخبَرَ بحُبوطِ عَمَله وبُطلانِه، فإذا أُحبِط ما ينجو به وبطل، لم يبقَ معه ما يُنجيه، فإن كان معه إيمانٌ لم يُرِدْ به الدُّنيا وزينتَها، بل أراد اللهَ به والدارَ الآخرة، لم يدخُل هذا الإيمانُ في العمل الذي حَبِطَ وبطل، وأنجاه إيمانُه من الخلودِ في النار، وإن دخلها بحُبوطِ عَمَلِه الذي به النَّجاةُ المُطلقةُ، والإيمانُ إيمانان: إيمانٌ يمنع من دخول النَّارِ، وهو الإيمانُ الباعِثُ على أن تكونَ الأعمالُ لله، يُبتغى بها وجهُه وثوابُه، وإيمانٌ يمنع الخلودَ في النارِ، وإن كان مع المرائي شيءٌ منه، وإلَّا كان من أهل الخلودِ، فالآية لها حُكم نظائِرِها من آياتِ الوعيدِ، والله الموفِّق). ((عدة الصابرين)) (ص: 165- 166). .
عن أُبيِّ بنِ كعبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((بشِّرْ هذه الأُمَّةَ بالسَّناءِ [207] بالسَّناءِ:أي: بارتِفاعِ المَنزلةِ والقَدْرِ عند الله تعالى. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (2/414). والرِّفعةِ، والدِّينِ والنَّصرِ، والتَّمكينِ في الأرضِ، فمَن عَمِلَ منهم عمَلَ الآخرةِ للدُّنيا، لم يكُن له في الآخرةِ نَصيبٌ )) [208] أخرجه أحمد (21220) واللفظ له، وابن حبان (405)، والحاكم (7862). قال الهيثميُّ في ((مجمع الزوائد)) (10/223): رجالُه رجالُ الصحيحِ، ووثَّق رواته البوصيريُّ في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (7/348)، وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) (2825). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من تعلَّم عِلمًا ممَّا يُبتَغَى به وجهُ الله، لا يتعلَّمُه إلَّا ليُصيبَ به عرَضًا [209] كَنَفَه: أي: حِفْظَه وسِتْرَه. يُنظر: ((شرح البخاري)) للقسطلاني (4/254). منَ الدُّنيا؛ لم يجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ)) يعني: رِيحَها [210] أخرجه أبو داود (3664)، وابن ماجه (252)، وأحمد (8457). صحَّح إسنادَه النوويُّ في ((المجموع)) (1/23)، وابنُ تيمية في ((شرح حديثِ جبريلَ)) (585)، والذهبيُّ في ((الكبائر)) (284)، وجوَّد إسنادَه العراقيُّ في ((تخريج الإحياء)) (1/89)، وصحَّح إسناده الهيتميُّ المكي في ((الزواجر)) (1/41)، وأحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (16/193). .
وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا.
أي: وذهبَ وبطَلَ ما عَمِلوا من الأعمالِ الصَّالحةِ في الدُّنيا، فلا يُثابون عليها في الآخرةِ [211] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/353)، ((الوسيط)) للواحدي (2/567)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: وباطلٌ ما كانوا يعملونَه مِن الخيرِ لغَيرِ اللهِ، فلا ينفَعُهم عندَ الله [212] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/353)، ((الوسيط)) للواحدي (2/567)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/362)، ((تفسير الشوكاني)) (2/554). .
عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنه، قال: سمعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّةِ، وإنَّما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى الله ورسولِه، ومن كانت هِجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ يتزَوَّجُها فهِجرتُه إلى ما هاجرَ إليه )) [213] أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907)، واللفظ له. .
أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (17).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
تعَلُّقُ هذه الآيةِ بما قَبلَها ظاهِرٌ، فالتَّقديرُ: أفمَن كان على بيِّنةٍ مِن ربِّه، كمَن يريدُ الحياةَ الدُّنيا وزينَتَها وليس لهم في الآخرةِ إلَّا النَّارُ، إلَّا أنَّه حُذِف الجوابُ لِظُهورِه [214] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/329). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى حالَ من يريدُ الحياةَ الدُّنيا، ذكَرَ حالَ مَن يريدُ وَجهَ اللهِ تعالى بأعمالِه الصَّالحةِ [215] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/134). .
وأيضًا لَمَّا اتَّضَحت الحُجَجُ، وانتهَضَت الدَّلائلُ، كان ذلك موضِعَ الإنكارِ على مَن يُسَوِّي بينَ المُهتَدي والمُعتَدي [216] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/252). .
أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ.
أي: أفمَن [217] قال ابنُ تيمية: (أمَّا مَن قال: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ: إنَّه محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم- كما قاله طائفةٌ مِن السلفِ- فقد يريدون بذلك التمثيلَ لا التخصيص؛ فإنَّ المفسرينَ كثيرًا ما يريدونَ ذلك، ومحمدٌ هو أولُ مَن كان على بينةٍ مِن ربِّه، وتلاه شاهدٌ منه، وكذلك الأنبياءُ، وهو أفضلُهم وإمامُهم، والمؤمنونَ تبعٌ له، وبه صاروا على بينةٍ مِن ربِّهم). ((مجموع الفتاوى)) (15/81). كان على بيَّنةٍ [218] قيل: المرادُ بها: الفطرةُ على التوحيدِ. وممن قال بذلك: ابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/311). وقيل: المرادُ بها: القرآنُ. وممن قال بذلك: ابنُ القيمِ، والقاسمي، والسعدي. يُنظر: ((مدارج السالكين)) (3/435)، ((تفسير القاسمي)) (6/83)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). وقيل: المرادُ بالبينةِ: هدَى الإيمانِ، والبصيرةُ في الدينِ، والعلمُ النافع. وهذا محصلةُ ما قاله ابنُ تيميةَ عن البينةِ. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (13/69) و (15/62، 71، 78). مِن رَبِّه، ويَتبَعُه شاهِدٌ آخَرُ مِن اللهِ يوافِقُ هذه البينةَ ويَتْبَعُها، وهو القرآنُ الذي شَهِدَ اللهُ فيه بِمْثلِ ما عليه المؤمِنُ من بيِّنةٍ [219] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/69) و (15/64 – 68، 71)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/435)، ((تفسير ابن كثير)) (4/311). وممن ذهب إلى هذا المعنى المذكورِ مِن أنَّ المرادَ بالشاهدِ: هو القرآنُ: ابنُ تيميةَ، وابنُ القيِّم، وابنُ كثير. يُنظر: المصادر السابقة. ومِن المفسِّرين مَن جعَل الشاهدَ هو جبريلَ عليه السلامُ. ومنهم: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/362). ومنهم مَن جعَل الشاهدَ هو الفطرةُ المستقيمةُ. وممَّن ذهب إلى ذلك: السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 379). وقيل: الشاهدُ هو القرآنُ يشهدُ بكونِه مِن عندِ الله تعالى. وممن قال بذلك: القاسمي. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/83). ومثله قولُ ابن القيم حيث قال: (القرآنُ العظيمُ قد اجتَمع فيه ما لم يجتمعْ في غيرِه، فإنَّه هو الدعوةُ والحجةُ، وهو الدليلُ والمدلولُ عليه، وهو الشاهدُ والمشهودُ له، وهو الحكمُ والدليلُ، وهو الدعوَى والبينةُ، قال الله تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ أي: مِن ربِّه، وهو القرآنُ). ((مدارج السالكين)) (3/435). قال الواحدي: (قوله: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [هود: 17] يعني النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في قولِ عامةِ المفسِّرين، قال ابنُ عبَّاسٍ: يريدُ على يقينٍ وبيانٍ. وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ [هود: 17] وهو جبريلُ عليه السلامُ في قولِ أكثرِ المفسِّرين، قال ابنُ قتيبةَ: والشاهدُ مِن الله لنبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كِتابُ مُوسَى. يعني: التوراةَ، يتلوه أيضًا في التصديقِ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بشَّر به موسى في التوراةِ). ((الوسيط)) (2/568). وقال ابنُ كثيرٍ: (وقولُه: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ أي: وجاءَه شاهدٌ مِن الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياءِ مِن الشرائعِ المطهرةِ المكملةِ المعظَّمةِ، المختتمةِ بشريعةِ محمَّد، صلواتُ الله وسلامُه عليه وعليهم أجمعين. ولهذا قال ابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وأبو العاليةِ، والضحَّاك، وإبراهيمُ النخعيُّ، والسُّديُّ، وغيرُ واحد في قولِه تعالى: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ: إنَّه جبريلُ عليه السلامُ. وعن عليٍّ، والحسنِ، وقتادةَ: هو محمدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم. وكلاهما قريبٌ في المعنى؛ لأنَّ كلًّا من جبريلَ ومحمدٍ صلواتُ الله عليهما، بلَّغ رسالةَ الله تعالى، فجبريلُ إلى محمدٍ، ومحمدٌ إلى الأمةِ. وقيل: هو عليٌّ. وهو ضعيفٌ لا يثبتُ له قائلٌ، والأوَّل والثاني هو الحقُّ؛ وذلك أنَّ المؤمن عنده مِن الفطرة ما يشهدُ للشريعةِ مِن حيثُ الجملةُ، والتفاصيلُ تؤخذُ مِن الشريعةِ، والفطرةُ تصدِّقُها وتؤمنُ بها؛ ولهذا قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ، وهو القرآنُ، بلَّغه جبريلُ إلى النبيِّ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وبلَّغه النبيُّ محمدٌ إلى أمتِه). ((تفسير ابن كثير)) (4/312). .
وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً.
أي: وشاهدٌ آخَرُ مِن قَبلِ القُرآنِ، وهو التَّوراةُ التي أنزَلَها اللهُ على نبيِّه موسى إمامًا لبني إسرائيلَ؛ يَأْتمُّونَ بها ويَتَّبِعونها، ورحمةً مِن الله بهم [220] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/361)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/74)، ((تفسير ابن كثير)) (4/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). قال ابنُ جريرٍ: (وفي الكلامِ مَحذوفٌ قد تُرِكَ ذِكرُه؛ اكتفاءً بدَلالةِ ما ذُكرَ عليه منه، وهو: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً كمَن هو في الضَّلالةِ مُتَردِّدٌ، لا يهتدي لرُشدٍ، ولا يعرِفُ حَقًّا مِن باطلٍ، ولا يطلبُ بعَمَلِه إلَّا الحياةَ الدُّنيا وزينتَها؟). ((تفسير ابن جرير)) (12/362). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/159)، ((تفسير القرطبي)) (9/16)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/78). .
أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ.
أي: أولئك الذين على بيِّنةٍ من ربِّهم يُؤمِنونَ بالقُرآنِ حقًّا [221] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/362)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/75، 77)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
كما قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ [الأنعام: 92] .
وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ.
أي: ومَن يكفُرْ بالقُرآنِ مِن أهلِ المِلَلِ كُلِّها، فالنَّارُ مَوعِدُه يومَ القيامةِ، فيكونُ مِن أهلِها [222] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/363)، ((تفسير القرطبي)) (9/17)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/75)، ((تفسير ابن كثير)) (4/312)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379).  .
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((والذي نفسُ محمَّدٍ بِيَدِه، لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمَّةِ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرسِلتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النَّارِ) ) [223] أخرجه مسلم (153). .
فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ.
أي: فلا تكنْ في شكٍّ- يا محمَّدُ- مِن أنَّ القرآنَ مُنزَّلٌ مِن عندِ اللهِ، وأنَّ مَن كذَّب به فالنَّارُ مَوعِدُه [224] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/363)، ((تفسير القرطبي)) (9/18)، ((تفسير الشوكاني)) (2/555)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/45). قال ابنُ قتيبة: (الخطابُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمرادُ غَيرُه). ((تأويل مشكل القرآن)) (ص: 227). وقال القرطبي: (والخِطابُ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والمرادُ جميعُ المُكلَّفين). ((تفسير القرطبي)) (9/18). .
كما قال تعالى: الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة: 1-2] .
إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ.
أي: إنَّ القرآنَ الذي أنزَلْناه إليك- يا محمَّدُ- حقٌّ من عندِ رَبِّك، لا شكَّ في ذلك [225] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/363)، ((تفسير القرطبي)) (9/18)، ((تفسير ابن كثير)) (4/313)، ((تفسير الشوكاني)) (2/555).  .
وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ.
أي: ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يُؤمِنونَ بأنَّ القُرآنَ حقٌّ مِن عندِ اللهِ، إمَّا جهلًا وتقليدًا للمَتبوعينَ، وإمَّا عِنادًا واستكبارًا [226] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/363)، ((تفسير أبي السعود)) (4/195)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/45)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379).  .
كما قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103] .
وقال سُبحانَه: المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [الرعد: 1] .

الفوائد التربوية :


1- في قَولِه تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ دَلالةٌ على أنَّ مَن كانتِ الدُّنيا مُرادَه ولها يَعمَلُ، وهي غايةُ كَدْحِه؛ لم يكنْ له في الآخرةِ نَصيبٌ، ومَن كانتِ الآخرةُ مرادَه ولها عمَلُه، وهي غايةُ سَعيِه؛ فهي له [227] يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 166). .
2- في قَولِه تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ دَلالةٌ على أنَّ الناويَ الجازِمَ، الآتيَ بما يُمكِنُه؛ فإنَّه بمنزلةِ الفاعلِ التَّامِّ، وقد دلَّ قولُه: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا، وقولُه: وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ على أنَّه كان لهم أعمالٌ بطلتْ، وعُوقِبوا على أعمالٍ أُخرَى عمِلوها، وأنَّ الإرادةَ هنا مستلزمةٌ للعملِ [228] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/744). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- لما كان الذي يمنعُ الإنسانَ مِن اتباعِ الرسولِ شيئانِ: إمَّا الجهلُ، وإمَّا فسادُ القصدِ؛ ذكَر ما يزيلُ الجهلَ، وهو الآياتُ الدالةُ على صدقِه، بقولِه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه... ثمَّ ذكَر أهلَ فسادِ القصدِ بقولِه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ... فهؤلاء أهلُ فسادِ القصدِ، فهذان الأمرانِ هما المانعانِ للخلقِ مِن اتباعِ هذا الرسولِ [229] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/93). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ قال بعضُ العُلَماءِ: معنى هذه الآيةِ قَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيَّاتِ )) [230] أخرجه البخاري (1) واللفظ له، ومسلم (1907). ، وفيها دلالةٌ على أنَّ مَن صام في رمضانَ لا عن رمضانَ، لا يقَعُ عن رَمَضانَ، وعلى أنَّ من توضَّأَ للتبَرُّدِ والتنظُّفِ، لا يقَعُ قُربةً عن جهةِ الصَّلاةِ، وهكذا كلُّ ما كان في معناه [231] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/14). .
3- قولُه تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ بَيِّنَةٍ أي: هُدَى الإيمانِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ أي: القرآنُ شاهدٌ مِن الله يُوافقُ الإيمانَ ويتبعُه؛ لذا قال: (يَتْلُوهُ)؛ لأنَّ الإيمانَ هو المقصودُ؛ لأنَّه إنَّما يُراد بإنزالِ القرآنِ الإيمانُ وزيادتُه، ولهذا كان الإيمانُ بدونِ قراءةِ القرآنِ ينفعُ صاحبَه، ويدخلُ به الجنةَ، والقرآنُ بلا إيمانٍ لا ينفعُ في الآخرةِ، بل صاحبُه منافقٌ [232]  يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/71). .
4- قَولُ الله تعالى: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً لَمَّا كان كتابُ موسى سببًا للرَّحمةِ، أطلَق اسمَ الرَّحمةِ عليه إطلاقًا لاسم ِالمُسبَّبِ على السَّبَبِ [233] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/330). .
5- قَولُ الله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ قال بعضُ العُلَماءِ: لَمَّا دلَّت الآيةُ على أنَّ من يكفُر به كانت النَّارُ مَوعِدَه، دلَّ على أنَّ مَن لا يكفُر به كانت الجنَّةُ مَوعِدَه [234] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/50). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ
- قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا فيه إدخالُ (كان) عليه؛ للدَّلالةِ على استِمْرارِها منهم بحيثُ لا يَكادون يُريدون الآخِرةَ أصلًا [235] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/193). ، وفِعلُ الشَّرطِ في المَقامِ الخِطابيِّ يُفيدُ اقتِصَارَ الفاعِلِ على ذلك الفِعْلِ، فالمعنى: مَن كان يُريدُ الحياةَ الدُّنْيا فقَط؛ بقرينةِ قولِه: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ؛ إذْ حصَر أمْرَهم في استحقاقِ النَّارِ، وهو مَعْنى الخلودِ [236] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/23). ، وهذا على أحدِ القولينِ في الآيةِ.
- قولُه تعالى: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا فيه إطلاقُ الأعمالِ في أَعْمَالَهُمْ وإرادةُ ثَمراتِها؛ فالمعنى: نُوصِلُ إليهم ثَمراتِ أعمالِهم في الحياةِ الدُّنيا كامِلةً [237] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/193). .
- وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ فيه التَّعبيرُ عن النَّقصِ بالبَخْسِ- حيث قال: لَا يُبْخَسُونَ بدَلَ (لا يُنقَصون)- وإنَّما عبَّر عن ذلك بالبَخْسِ الَّذي هو نَقْصُ الحقِّ، مع أنَّه ليس لهم شائِبةُ حقٍّ فيما أُوتوه، كما عبَّر عن إعطائِه بالتَّوْفيَةِ الَّتي هي إعطاءُ الحقوقِ، مع أنَّ أعمالَهم بمَعزِلٍ عن كونِها مُستوجِبةً لذلك؛ بِناءً للأمرِ على ظاهرِ الحالِ، ومُحافَظةً على صُوَرِ الأعمالِ، ومُبالَغةً في نفْيِ النَّقْصِ؛ كأنَّ ذلك نقصٌ لحُقوقِهم، فلا يَدخُلُ تحتَ الوُقوعِ والصُّدورِ عن الكريمِ أصلًا [238] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/193). .
- وكرَّرَ لفظَ (فيها) للتَّأكيدِ والإعلامِ بأنَّ الآخرةَ ليست كالدُّنيا في وفاءِ كَيلِ الجزاءِ وفي بَخسِه؛ فإنَّه فيها مَنوطٌ بأمرينِ: كسبُ الإنسانِ، ونِظامُ الأقدارِ، وقد يتعارضانِ، وأمَّا جزاءُ الآخرةِ فهو بفِعلِ اللهِ تعالى مباشرةً: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [239] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/41). [الكهف: 49]
2- قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
- جملةُ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ مُستأنَفةٌ، ولكنَّ اسْمَ الإشارةِ أُولَئِكَ يَربِطُ بينَ الجُملتَينِ، وأُتي باسْمِ الإشارةِ؛ لِتَمييزِهم بتلك الصِّفاتِ المذكورةِ قبْلَ اسْمِ الإشارةِ. وأيضًا في اسْمِ الإشارةِ أُولَئِكَ تنبيهٌ على أنَّ المشارَ إليه استَحقَّ ما يُذكَرُ بعدَه مِن الحُكْمِ، مِن أجْلِ الصِّفاتِ الَّتي ذُكِرت قبلَ اسْمِ الإشارةِ [240] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/24، 25). .
- وأيضًا في قولِه: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ التَّعبيرُ باسْمِ الإشارةِ أُولَئِكَ، وما فيه مِن مَعنى البُعدِ؛ للإيذانِ ببُعْدِ مَنزِلَتِهم في سوءِ الحالِ، أي: أولئك المُريدون للحياةِ الدُّنيا وزينَتِها المُوَفَّوْن فيها ثَمراتِ أعمالِهم مِن غَيرِ بَخْسٍ [241] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/193). .
- وفي زِيادةِ (كان) في الثاني وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ دونَ الأوَّلِ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا إيماءٌ إلى أنَّ صُدورَ أعمالِ البرِّ منهم وإنْ كان لغَرَضٍ فاسدٍ، ليس في الاستمرارِ والدَّوامِ كصُدورِ الأعمالِ التي هي مِن مُقدِّماتِ مَطالبِهم الدَّنيَّة [242] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/194). .
3- قوله: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ
- قولُه: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ فيه إيرادُ الفاءِ بعدَ الهمزةِ في أَفَمَنْ؛ لإنكارِ تَرتُّبِ توهُّمِ المماثَلةِ على ما ذُكِرَ مِن صِفاتِهم وعُدِّد مِن هَنَاتِهم؛ كأنَّه قيل: أبَعْدَ ظُهورِ حالِهم في الدُّنيا والآخِرَةِ كما وُصِف يُتَوهَّمُ المماثَلةُ بينَهم وبينَ مَن كان على أحسَنِ ما يكونُ في العاجلِ والآجلِ [243] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/194). ؟!
- قولُه: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى فيه تخصيصُ التَّوراةِ بالذِّكْرِ؛ قيل: وذلك لأنَّ المِلَّتَين (اليَهودَ والنَّصارى) مُجتمِعتانِ على أنَّها مِن عندِ اللهِ، والإنجيلُ يُخالِفُ فيه اليهودُ؛ فكان الاستِشهادُ بما تقومُ به الحُجَّةُ على الفَريقين أَوْلى [244] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/158)، ((تفسير أبي حيان)) (6/135). ، وأيضًا لأنَّ التوراةَ هي الأصلُ، والإنجيلُ تبعٌ لها في كثيرٍ مِن الأحكامِ، وإن كان مغايرًا لبعضِها [245]  يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/45). .
- وذكرُ اسمِ الإشارةِ في قوله: أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يُشبِهُ ذكرَ ضَميرِ الفصلِ، وفيه تَنبيهٌ على أنَّ ما بعدَه من الخبرِ مُسبَّبٌ على ما قبل اسمِ الإشارةِ من الأوصافِ، وهي كونُهم على بيِّنةٍ مِن ربِّهم مُعضَّدةٍ بشواهدَ من الإنجيلِ والتوراةِ [246] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/28). .
- قولُه: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ تفريعٌ على جُملةِ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ، والخطابُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، والنَّهيُ مُستعمَلٌ كنايةً تَعريضيَّةً بالكافِرين بالقُرآنِ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقْتَضي فَسادَ المنهيِّ عنه ونَقْصَه، فمِن لَوازِمِه ذَمُّ المتلبِّسِ بالمنهيِّ عنه، ولَمَّا كان المخاطَبُ غيرَ مَظِنَّةٍ للتَّلبُّسِ بالمنهيِّ عنه فيُطلَبَ مِنه تَرْكُه، ويَكونُ النَّهيُ طلَبَ تَحصيلِ الحاصلِ، تَعيَّنَ أن يَكونَ النَّهيُ غيرَ مُرادٍ به الكَفُّ والإقلاعُ عن المنهيِّ عنه، فيكونُ مُستعمَلًا في لازِمِ ذلك بقرينةِ المَقامِ [247] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/30). .
- قولُه: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ مُستَأنَفٌ تأكيدًا لِما دَلَّت عليه جُملةُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ، مِن أنَّه لِوُضوحِ حَقيقتِه لا يَنبَغي أن يُمتَرى في صِدْقِه، وحَرفُ التَّأكيدِ يقومُ مقامَ الأمرِ باعتقادِ حَقيَّتِه؛ لِمَا يَدُلُّ عليه التَّأكيدُ مِن الاهتمامِ [248] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/31). .
- وفي قولِه: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ، اخْتِيرَ النَّهيُ عن المِرْيَةِ دونَ النَّهيِ عن اعتِقادِ أنَّه كذِبٌ، كما هو حالُ المشرِكين؛ لأنَّ النَّهيَ عنِ الامْتِراءِ فيه يقتَضي النَّهيَ عن الجزْمِ بالكذِبِ بالأَوْلى، وفيه تعريضٌ بأنَّ ما فيه المشرِكون مِن اليقينِ بكَذِبِ القرآنِ أشَدُّ ذمًّا وشَناعةً [249] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/31). .
- وتعريفُ الْحَقِّ؛ لإفادةِ قَصْرِ جِنْسِ الحقِّ على القرآنِ، وهو قَصرُ مُبالَغةٍ لكمالِ جِنسِ الحقِّ فيه، حتَّى كأنَّه لا يوجَدُ حقٌّ غيرُه، مثلَ قولِك: حاتِمٌ الجَوَادُ [250] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/31). .
- وقولُه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ استدراكٌ ناشئٌ على حُكمِ الحصْرِ؛ فإنَّ الحصْرَ يَقتَضي أن يُؤمِنَ به كلُّ مَن بلَغَه، ولكنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يؤمنون، وحذَف مُتعلِّقَ يُؤْمِنُونَ؛ لأنَّ المرادَ انتفاءُ حقيقةِ الإيمانِ عنهم في كلِّ ما طُلِب الإيمانُ به مِن الحقِّ [251] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/31). .
- قولُه تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ [هود: 17] ، فيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ قال في آخِرِ هذه السُّورةِ- بعدَ قولِه: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 108] -: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ [هود: 109] ، وقال في سورةِ السَّجدةِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ [السجدة: 23] ، بإثباتِ نونِ (تَكُنْ)، وحذْفِها في آيَتَيْ سورةِ هودٍ، ومناسَبةُ هذا الاختلافِ: أنَّ العرَبَ تصرَّفَت في (يَكونُ) عِندَ دُخولِ الجازِمِ عليها تَصرُّفًا لم تَفعَلْه في نَظائِرِها وما يُشبِهُها، فيَكونُ الوجهُ في (يكونُ) عندَ دخولِ الجازمِ عليها تَسْكينَ النُّونِ؛ فتُحذَفُ الواوُ عندَ الْتِقاءِ السَّاكِنَينِ كما ورَد في سورةِ السَّجدةِ، إلَّا أنَّ حذْفَ النُّونِ في (يكونُ) مِن فَصيحِ كَلامِهم ما لم تَكُنْ مُتحرِّكةً، فإن كانت مُتحرِّكةً لم تُحذَفْ لِقُوَّتِها بالحرَكةِ، وإن كانت عارِضةً كقولِه تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا [البينة: 1] ، ولا تُحذَفُ هذه إلَّا في الشِّعرِ؛ فورَد في سورةِ هودٍ على ما اعتَمَدوه مِن تخفيفِ هذا اللَّفظِ؛ لِيُناسِبَ بذلك إيجازَ الكلامِ المتعلِّقِ بقولِه: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [هود: 17] ، والمتَّصِلِ به تَمامُه تمامُ مَعنى المقصودِ، وذلك قولُه: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ، وكذلك قولُه في آخِرِ السُّورةِ: فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ [هود: 109] إلى قولِه: غَيْرَ مَنْقُوصٍ [هود: 109] . وورَد في سورةِ السَّجدةِ على أصْلِ الكلمةِ قبلَ حذْفِها، فقيل: فَلَا تَكُنْ؛ لِيَجري ذلك مع ما ورَد في هذه السُّورةِ مِن طولِ الكلامِ المتعلِّقِ بقولِه: فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ [السجدة: 23] ؛ فنُوسِبَ الإيجازُ بالإيجازِ والطُّولُ بالطُّولِ [252] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/253-254). .