موسوعة التفسير

سورة هود
الآيات (18-24)

ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ

غريب الكلمات:


يَصُدُّونَ: أي: يُعرِضون وينصرَفون، أو يصرفون غيرَهم، والصدودُ والصَّدُّ قد يكونُ انصرافًا عن الشَّيء وامتناعًا؛ إذا كان لازمًا غير مُتعدٍّ، وقد يكونُ صرفًا ومنعًا؛ إذا كان مُتعدِّيًا بمعنى يصَدُّون غيرَهم، وأصلُ (صدد): إعراضٌ وعدولٌ [253] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (11/220)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/282)، ((البسيط)) للواحدي (9/148)، ((المفردات)) للراغب (ص: 477)، ((تفسير ابن عاشور)) (8ب/139). .
عِوَجًا: أي: زيغًا وتحريفًا وضلالًا، واعوجاجًا في الدِّين، وأصل (عوج): الميلُ في الشيءِ [254]، ((تفسير ابن جرير)) (5/626)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/179)، ((المفردات)) للراغب (ص: 592)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 48)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 151). .
لا جَرَمَ: أي: حقًّا، وأصلُ (جرم): قطع [255] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 202)، ((تفسير ابن جرير)) (8/44)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 498)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/445)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 161)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 260). .        
وَأَخْبَتُوا: أي: تواضَعوا، وخَضَعوا، والإخباتُ: التواضُعُ واللِّينُ، وأصلُ (خبت): يدلُّ على خُشوعٍ [256] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 202)، ((تفسير ابن جرير)) (12/374)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/238)، ((المفردات)) للراغب (ص: 272)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 161). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
لَا جَرَمَ: كلمةُ جزمٍ ويقينٍ جَرَت مجرى المَثَل. وفي هذا التَّركيبِ أقوالٌ: أحدها: أنَّ لَا جَرَمَ بمعنى (لا بُدَّ ولا محالةَ)، فـ (لا) نافيةٌ للجِنسِ، و(جَرَم) اسمُها مبنيٌّ على الفَتحِ في محلِّ نَصبٍ، والمصدرُ المؤوَّلُ من أنَّ ومعمولَيها في محلِّ جَرٍّ بحَرفِ جَرٍّ محذوفٍ، فيصيرُ المعنى: لا بدَّ مِن خُسرانِهم ولا محالةَ فيه. الثاني: أنَّ لَا جَرَمَ كلمةٌ واحِدةٌ مرَكَّبةٌ تركيبَ خَمسةَ عشَرَ، وبعد الترَّكيبِ صار معناها معنى فعلٍ، وهو (حَقَّ) ، والمصدرُ المؤوَّلُ من أنَّ ومعمولَيها فاعِلٌ لمَجموعِ لَا جَرَمَ لتأويله بالفعلِ (حقَّ)، وقيل: مُؤَوَّلٌ بمصدرٍ قائمٍ مقامَه، وهو (حَقًّا) فيصيرُ المعنى: حَقَّ ووجَبَ خُسرانُهم. الثالث: أنَّ (لا) نافيةٌ لكلامٍ سابقٍ مُقَدَّرٍ، والوقفُ على (لا) تامٌّ، ثم قال: (جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ)، أي: حَقَّ ووجب خُسرانُهم، وعليه فالمصدرُ المؤَوَّلُ مِن أنَّ ومَعمولَيها في محلِّ رَفعٍ فاعِلٌ لـ جَرَمَ. وقيل غيرُ ذلك [257] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/357-358)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/693)، ((شرح الرضي على الكافية)) (4/347)، ((الجنى الداني في حروف المعاني)) للمرادي (ص: 413)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/303)، ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: 314)، ((ارتشاف الضرب)) لأبي حيان الأندلسي (3/1261)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/38). .

المعنى الإجمالي:


يُبَيِّنُ تعالى أنَّه لا أحدَ أظلَمُ ممَّن اختلقَ على اللهِ كذبًا، وأنَّ أولئك سيُعرَضونَ على ربِّهم يومَ القيامةِ؛ ليُحاسِبَهم على أعمالِهم، ويقولُ الأشهادُ مِن الملائكةِ والنبيِّينَ والمُؤمِنينَ: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربِّهم في الدُّنيا، ألا لعنةُ اللهِ على هؤلاء الظَّالِمينَ الذين يَمنَعونَ النَّاسَ عن دينِ الله، ويُريدونَ أن يكونَ مائلًا، وهم كافرونَ بالآخرةِ، لا يُؤمِنونَ ببعثٍ ولا جزاءٍ. أولئك الكافرونَ لم يكونوا لِيَفوتوا اللهَ في الدُّنيا هَربًا، وما كان لهم مِن أنصارٍ يَمنَعونَهم مِن عِقابِه، يُضاعَفُ لهم العذابُ في جهنَّمَ؛ فقد كانوا لا يَستطيعونَ أن يسمَعوا القرآنَ سَماعَ مُنتَفِعٍ، أو يُبصِروا آياتِ اللهِ في هذا الكونِ إبصارَ مُهتَدٍ. أولئك الذين خَسِروا أنفُسَهم بافترائِهم على اللهِ، وذهب عنهم ما كانوا يفترونَ مِن الآلهةِ التي يدَّعونَ أنَّها تشفَعُ لهم. حقًّا أنَّهم في الآخرةِ أخسَرُ النَّاسِ صَفقةً؛ لأنَّهم استبدلوا الدَّرَكاتِ بالدَّرَجاتِ، فكانوا في جهنَّم، وذلك هو الخُسرانُ المُبينُ.
إنَّ الذين آمنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ، وخَضَعوا لله وخَشَعوا، أولئك هم أهلُ الجنَّة، لا يموتونَ فيها، ولا يُخرجونَ منها أبدًا.
ثمَّ ضرَب الله مَثلًا لفريقِ الكافرينَ ولفريقِ المؤمنينَ، فقال: مثَلُ فريقَي الكُفرِ والإيمانِ كمَثَلِ الأعمى الذي لا يرى، والأصَمِّ الذي لا يسمَعُ، والبصيرِ والسَّميعِ: ففريقُ الكُفرِ لا يُبصِرُ الحَقَّ فيَتَّبِعَه، ولا يسمَعُ داعيَ اللهِ فيهتديَ به، أمَّا فريقُ الإيمانِ فقد أبصر الحَقَّ، وسَمِعَ داعيَ اللهِ فأجابه، هل يستوي هذان الفَريقانِ؟ أفلا تَعتَبِرونَ وتتفَكَّرونَ؟

تفسير الآيات:


وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الكُفَّارَ كانت لهم عاداتٌ كثيرةٌ، وطُرُقٌ مُختَلِفةٌ، فمنها شِدَّةُ حِرصِهم على الدُّنيا، ورغبتُهم في تَحصيلِها، وقد أبطلَ اللهُ هذه الطَّريقةَ بقَولِه تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا... [هود: 15] ، ومنها أنَّهم كانوا يُنكِرونَ نبُوَّةَ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويَقدَحونَ في مُعجِزاتِه، وقد أبطلَ اللهُ تعالى ذلك بِقَولِه تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ... [هود: 17] ، ومنها أنَّهم كانوا يَزعُمونَ في الأصنامِ أنَّها شُفَعاؤهم عند الله، وقد أبطل اللهُ تعالى ذلك بهذه الآيةِ؛ وذلك لأنَّ هذا الكلامَ افتراءٌ على اللهِ تعالى، فلمَّا بيَّنَ وعيدَ المُفتَرينَ على الله، فقد دخل فيه هذا الكلامُ [258] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/331). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا سبق قَولُهم: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ذكَرَ أنَّه لا أحدَ أظلَمُ ممَّن افترى على اللهِ كَذِبًا، وهم المُفتَرون الذين نَسَبوا إلى اللهِ الولَدَ، واتَّخَذوا معه آلهةً، وحَرَّموا وحَلَّلوا من غيرِ شَرعِ اللهِ [259] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/136). .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا.
أي: لا أحدَ أظلَمُ ممَّن اختلقَ على اللهِ الكَذِبَ، كمن زعم أنَّ لله ولدًا، أو شريكًا في العبادةِ أو التَّشريعِ، أو نسَبَ القُرآنَ لِغَيرِ اللهِ، أو ادَّعى النبُوَّةَ [260] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/366)، ((تفسير القرطبي)) (9/18)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/93)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/32). .
كما قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ [الأنعام: 93] .
وقال سُبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الصف: 7] .
أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ.
أي: أولئك- الذين يَفتَرونَ على اللهِ الكَذِبَ- يُعرَضونَ يومَ القيامةِ على اللهِ، فيُحاسِبُهم على أعمالِهم، ويُجازيهم بظُلمِهم [261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/366)، ((تفسير القرطبي)) (9/18)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ.
أي: ويقولُ الملائكةُ والأنبياءُ والمُؤمنونَ يومَ القيامةِ: هؤلاء الذين كَذَبوا في الدُّنيا على ربِّهم [262] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/366)، ((البسيط)) للواحدي (11/379)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). وممن اختار أنَّ الأشهادَ هم الملائكةُ والأنبياءُ والمؤمنونَ: الواحديُّ، ومحمد رشيد رضا. يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 516)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/47). وقيل: الأشهادُ هم الملائكةُ والأنبياءُ. وممن قال بذلك: ابنُ جريرٍ، والزمخشري. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/366)، ((تفسير الزمخشري)) (2/385). وقيل: هم الملائكةُ والأنبياءُ والجوارحُ. وممن قال بذلك: القاسمي. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (6/84). وقيل: هم الأنبياءُ والمؤمنون. وممن ذهب إلى ذلك: الزجاجُ. يُنظر: ((معاني القرآن)) (3/44). وقيل: هم الملائكةُ. وممن اختار ذلك: ابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/33). وقال أبو حيان: (الأشهادُ الملائكةُ الذين يحفظونَ عليهم أعمالَهم في الدُّنيا، أو الأنبياءُ، أو هما والمؤمنون، أو ما يشهدُ عليهم مِن أعضائِهم). ((تفسير أبي حيان)) (6/136). وقال ابنُ كثيرٍ: (يبينُ تعالى حالَ المفترين عليه وفضيحتَهم في الدارِ الآخرةِ على رؤوسِ الخلائقِ؛ مِن الملائكةِ، والرسلِ، والأنبياءِ، وسائرِ البشرِ والجانِّ). ((تفسير ابن كثير)) (4/313). .
عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((يُدنَى المؤمِنُ يومَ القيامةِ مِن رَبِّه عزَّ وجلَّ، حتى يضعَ عليه كنَفَه [263] كَنَفَه: أي: حِفْظَه وسِتْرَه. يُنظر: ((شرح البخاري)) للقسطلاني (4/254). ، فيقَرِّرُه بذُنوبِه، فيقولُ: هل تَعرِفُ؟ فيقولُ: أي ربِّ، أعرِفُ. قال: فإنِّي قد سَترتُها عليك في الدُّنيا، وإنِّي أغفِرُها لك اليومَ، فيُعطَى صحيفةَ حَسَناتِه، وأمَّا الكُفَّارُ والمُنافِقونَ فيُنادَى بهم على رؤوسِ الخلائقِ: هؤلاء الذين كَذَبوا على اللهِ )) [264] أخرجه البخاري (4685) ومسلم (2768)، واللفظ له. .
أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
أي: ألا سخَطُ اللهِ الدَّائمُ وإبعادُه مِن رَحمتِه، على المُعتَدينَ الذين وَضَعوا العبادةَ في غيرِ مَوضِعِها [265] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/367)، ((تفسير القرطبي)) (9/18)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّ الكافرينَ كما ظَلَموا أنفُسَهم بالتزامِ الكُفرِ والضَّلالِ، فقد أضافوا إليه المَنعَ مِن الدِّينِ الحَقِّ، وإلقاءَ الشُّبُهاتِ، وتعويجَ الدَّلائلِ المُستَقيمةِ [266] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (10/459). .
وأيضًا فإنَّه لَمَّا ذكَر تعالى الظَّالمين، وصَفَ ظُلمَهم، فقال [267] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:379). :
الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا.
أي: الذين يَردُّونَ النَّاسَ عن دينِ اللهِ، ويمنعونَهم مِن الدخولِ فيه، ويُريدونَ أن يكونَ دينُ اللهِ مائلًا زائغًا عن الحَقِّ، ويُنفِّرونَ النَّاسَ عنه، ويُزيِّنون لهم الباطِلَ [268] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/369)، ((تفسير القرطبي)) (9/19)، ((تفسير ابن كثير)) (4/314)، ((تفسير الشوكاني)) (2/557)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). وذكَر القرطبيُّ والسعدي أنَّهم يصدُّون أنفسَهم عن سبيلِ الله، ويصدون غيرَهم عنها. .
وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ.
أي: والحالُ أنَّهم مكذبونَ بيَومِ القِيامةِ، منكرونَ لوقوعِه، لا يُؤمنون بالبَعثِ بعد الموتِ [269] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/369)، ((تفسير ابن كثير)) (4/314)، ((تفسير الشوكاني)) (2/557). .
أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ (20).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا هدَّد تعالى الكافرينَ بأمورِ الآخرةِ، أشار إلى بيانِ قُدرتِه على ذلك في الدَّارينِ [270] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/257). .
أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ.
أي: أولئك الكُفَّارُ لا يُعجِزونَ اللهَ في الأرضِ بالهَرَبِ إن أراد عذابَهم في الدُّنيا؛ فهم في مُلكِه، وتحتَ قَهرِه وتَصَرُّفِه [271] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/370)، ((تفسير القرطبي)) (9/19)، ((تفسير ابن كثير)) (4/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء.
أي: ولم يكُنْ لهم- إذا جاءهم العذابُ- أنصارٌ مِن دونِ اللهِ ينصُرونَهم، ويَدفَعونَ عنهم عذابَه [272] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/370)، ((تفسير البغوي)) (2/444)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/35، 36). .
يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ.
أي: يُزادُ في عذابِهم، ويُغلَّظُ عليهم [273] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/370)، ((تفسير القرطبي)) (9/19)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
كما قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 38] .
وقال سُبحانه: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ [النحل: 88] .
مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ.
أي: ما كانوا يستطيعونَ سَماعَ الحَقِّ سَماعَ انتفاعٍ به، ولا يُبصِرونَه إبصارَ مُهتَدٍ [274] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/370، 372)، ((تفسير القرطبي)) (9/19، 20)، ((تفسير ابن كثير)) (4/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/175). قال ابنُ كثيرٍ: (أي: يُضاعَفُ عليهم العذابُ، وذلك لأنَّ الله تعالى جعَل لهم سمعًا، وأبصارًا، وأفئدةً، فما أغْنَى عنهم سمعُهم، ولا أبصارُهم، ولا أفئدتُهم مِن شيءٍ، بل كانوا صمًّا عن سماعِ الحقِّ، عُميًا عن اتِّباعِه). ((تفسير ابن كثير)) (4/314). وفي قولِه تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ أوجهٌ: منها: أنَّ عدمَ الاستطاعةِ المذكور في الآية إنَّما هو لاشتغالِهم بالكفرِ الذي كانوا عليه مقيمينَ عن استعمالِ جوارحِهم في طاعةِ الله تعالى. وممَّن اختاره: ابنُ جريرٍ في ((تفسيره)) (12/371). ومنها: أنَّ عدمَ الاستطاعةِ المذكورَ في الآيةِ إنَّما هو للختمِ الذي ختَم الله على قلوبِهم وأسماعِهم، والغشاوةِ التي جعَل على أبصارِهم. وممَّن اختاره: الشنقيطي في ((أضواء البيان)) (2/175). ومنها: أنَّ المعنى: ما كانوا يستطيعونَ السَّمعَ، أي: لشدةِ كراهيتِهم لكلامِ الرسلِ، على عادةِ العربِ في قولِهم: لا أستطيعُ أن أسمعَ كذا: إذا كان شديدَ الكراهيةِ والبغضِ له، وممَّن اختاره: الزجاجُ، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/45)، ((تفسير الشوكاني)) (2/557)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/557)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/175). .
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: 6- 7] .
وقال سُبحانه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ [يونس: 42- 43] .
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (21).
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ.
أي: هؤلاء- الذين تلك صفاتُهم- همُ الذينَ أضاعوا حظَّ أنفُسِهم من الثَّوابِ، وأهلَكوها بالعَذابِ [275] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/372)، ((تفسير ابن كثير)) (4/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: 15] .
وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ.
أي: اضمحلَّ دينُهم الذي كانوا يَدعونَ إليه، وبطَل كَذِبُهم وفريتُهم على الله بادِّعائِهم له شُركاءَ، وذَهَبتْ عنهم آلهتُهم التي عبَدوها مِن دونِ الله، ولم تُغنِ عنهم شيئًا [276] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/372)، ((تفسير ابن كثير)) (4/314)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
كما قال تعالى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [مريم: 81-82] .
وقال سُبحانه: وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف: 6] .
لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (22).
أي: حقًّا وصِدقًا أنَّهم يومَ القيامةِ هم أخسَرُ النَّاسِ؛ لاستبدالِهم دَركاتِ النَّارِ بمنازلِ الجنَّةِ [277] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/373)، ((تفسير ابن كثير)) (4/315)، ((تفسير السعدي)) (ص: 379). .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ تعالى حالَ الأشقياءِ، ثنَّى بذِكرِ السُّعَداءِ، فقال تعالى [278] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/315). :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ.
أي: إنَّ الذين آمَنوا بما وجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحاتِ- فأتَوا بالطَّاعاتِ، وتَرَكوا المُنكَراتِ- وتواضَعوا لله وخَشَعوا واطمأنُّوا إليه [279] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/373، 375)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/5، 6)، ((تفسير ابن كثير)) (4/315)، ((تفسير السعدي)) (ص: 380). .
كما قال تعالى: وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الحج: 34-35] .
أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
أي: أولئك أهلُ الجنَّةِ، هم فيها لابِثونَ أبدًا، لا يُخرَجونَ منها ولا يَموتونَ [280] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/376)، ((تفسير ابن كثير)) (4/315)، ((تفسير السعدي)) (ص: 380). .
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (24).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه بعدَ أن تبيَّنَ الاختلافُ بينَ حالِ المُشرِكينَ المُفتَرينَ على اللهِ كَذِبًا، وبين حالِ الذين آمنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ في منازِلِ الآخرةِ؛ أعقبَ ببيانِ التَّنظيرِ بين حالَي الفَريقَينِ: المُشرِكينَ والمؤمنينَ، بطريقةِ تَمثيلِ ما تستحِقُّه مِن ذَمٍّ ومدحٍ [281] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/40). .
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ.
أي: مثَلُ الكافرينَ والمؤمنينَ كمَن لا يرى ولا يسمَعُ، ومَن يرَى ويسمَعُ؛ فالكافِرُ لا يرى الحقَّ فيهتديَ به، ولا يسمَعُ الحقَّ سماعًا ينتَفِعُ به، والمؤمِنُ يرى الحقَّ ويتَّبِعُه، ويَسمَعُه، وينتَفِعُ به [282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/376، 377)، ((الأمثال في القرآن)) لابن القيم (ص: 13)، ((تفسير ابن كثير)) (4/315)، ((تفسير السعدي)) (ص: 380)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/42). .
هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ.
أي: هل يستوي هذان الفَريقانِ عندكم، أيُّها النَّاسُ؟! فكذلك الكافِرُ والمؤمِنُ، لا يستويان عند اللهِ، أفلا تَعتَبِرونَ وتتفَكَّرونَ في حالِ الكافرينَ والمؤمنينَ، فتترُكوا الكُفرَ والعِصيانَ، وتُؤمِنوا باللهِ وتَعمَلوا الصَّالحاتِ [283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/377)، ((تفسير ابن كثير)) (4/315)، ((تفسير السعدي)) (ص:380). ؟
كما قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: 19-22] .
وقال سُبحانه: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر: 20] .
وقال عزَّ وجَلَّ: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35-36] .

الفوائد التربوية :


1- قولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، قَولُه تعالى: وَأَخْبَتُوا فيه إشارةٌ إلى أعمالِ القُلوبِ، وهي الخُشوعُ والخضوعُ لله تعالى، وأنَّ هذه الأعمالَ الصَّالحةَ لا تنفَعُ في الآخرةِ إلَّا بحُصولِ أعمالِ القَلبِ، وهي الخُشوعُ والخُضوعُ [284] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/52). .
2- قال الله تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ عدَمُ هذه الاستطاعةِ كان بتَفريطِه وعُدوانِه، ومَن كان تَركُه للمأمورِ بذَنبٍ منه، أو صَيرورتُه إلى المحظورِ بذَنبٍ منه؛ لم يكُن ذلك مانعًا مِن ذَمِّه وعقابِه [285] يُنظر: ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (1/246). .
3- قال الله تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ وعدمُ الاستطاعةِ هنا- على أحدِ الأوجهِ- إنَّما هو للختمِ على قلوبِهم وأسماعِهم، والغشاوةِ التي جُعِلت على أبصارِهم، وذلك الخَتمُ والأكِنَّةُ على القلوبِ جزاءٌ مِن اللهِ تعالى لهم على مبادَرتِهم إلى الكُفِر، وتكذيبِ الرُّسُلِ باختيارِهم ومَشيئتِهم، كما دلَّت عليه آياتٌ كثيرةٌ، كقولِه تعالى: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ [النساء: 155] ، وقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5] ، وقولِه تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا [البقرة: 10] ، وقولِه تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: 125] ، وقَولِه تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ [286] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/175-176). .
4- قَولُ الله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ جاء أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ليُنَبِّهَ على أنَّه يمكِنُ زوالُ هذا العمَى وهذا الصَّمَم، فيجبُ على العاقِلِ أن يتذكَّرَ ما هو فيه، ويسعَى في هدايةِ نَفسِه [287] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/139). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فيه دَلالةٌ على أنَّ الافتراءَ على اللهِ تعالى أعظَمُ أنواعِ الظُّلمِ [288] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/331). .
2- قَولُ الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ خَصَّهم بهذا العَرضِ- وإن كان العَرضُ عامًّا في كلِّ العِبادِ- لأنَّهم يُعرَضونَ فيُفتَضَحونَ بأنْ يقولَ الأشهادُ عند عَرضِهم: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ فيلحَقُهم مِن الخزيِ والنَّكالِ ما لا مَزيدَ عليه [289] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (10/459). .
3- قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا .... هذه الآياتُ، وإن كانت في حَقِّ المُشرِكينَ والكُفَّارِ، فإنَّها مُتَناوِلةٌ لِمَن كذَبَ على اللهِ في توحيدِه ودينِه وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، ولا تتناوَلُ المُخطِئَ المأجورَ إذا بذَل جُهدَه، واستفرغَ وُسعَه في إصابةِ حُكمِ اللهِ وشَرعِه؛ فإنَّ هذا هو الذي فرَضَه اللهُ عليه، فلا يتناوَلُ المطيعَ للهِ وإن أخطأ [290] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/133). .
4- في قَولِه تعالى: وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ الفائِدةُ في إخبارِ الأشهادِ بما اللهُ يَعلَمُه: تعظيمُ الأمرِ على المشهودِ عليه، وحَسمُ طَمَعِه مِن أن يَجِدَ سبيلًا إلى التخلُّصِ، بمُجاحَدةٍ أو مُدافعةٍ، وقيل: هو توبيخٌ لهم مِن الشُّهَداءِ، وهَتكُ سِترِهم، وإظهارُ فَضيحتِهم [291] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/379- 380). .
5- الكَذِبُ على الله أشدُّ مِن الكَذِبِ على المَخلوقينَ؛ لِقَولِه تعالى: وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [292] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (12/428). .
6- أهلُ العِلمِ يَختارونَ فيمن عُرِفَ بالظُّلمِ ونَحوِه مع أنَّه مُسلِمٌ له أعمالٌ صالحةٌ في الظَّاهرِ- كالحجَّاج بنِ يوسفَ وأمثالِه - أنَّهم لا يَلعَنونَ أحدًا منهم بعَينِه، بل يقولونَ كما قال الله تعالى: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهُ عَلَى الظَّالِمِينَ فيَلعنونَ مَن لعَنَه اللهُ ورسولُه عامًّا، ولا يلعنونَ المعَيَّنَ، فقد ثبَت: ((أنَّ رَجُلًا كان يُدعَى حمارًا، وكان يشرَبُ الخمرَ، وكان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يجلِدُه، فأُتيَ به مرَّةً فلَعَنَه رجلٌ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تلعَنْه؛ فإنَّه يحِبُّ اللهَ ورَسولَه)) [293] أخرجه البخاري (6780) بنحوه. ؛ وذلك لأنَّ اللَّعنةَ مِن بابِ الوعيدِ، والوعيدُ العامُّ لا يُقطَعُ به للشَّخصِ المُعَيَّن؛ لأحدِ الأسبابِ المذكورةِ: من توبةٍ، أو حسَناتٍ ماحيةٍ، أو مصائِبَ مُكَفِّرةٍ، أو شفاعةٍ مَقبولةٍ، وغيرِ ذلك [294] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (27/475). .
7- قَولُ الله تعالى: أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ الأرضُ: الدُّنيا، وفائدةُ ذِكرِها أنَّهم لا ملجأَ لهم مِن اللهِ لو أراد الانتقامَ منهم، فلا يجِدونَ مَوضِعًا من الأرضِ يَستَعصِمونَ به، فهذا نفيٌ للملاجئِ والمعاقِلِ التي يستعصِمُ فيها الهارِبُ [295] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/35). .
8- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ذكَرَ المؤمنينَ، ووصَفَهم بالإيمانِ، والعَمَلِ الصَّالحِ، والإخباتِ إلى ربِّهم، فوصَفَهم بعبوديَّةِ الظَّاهِرِ والباطِنِ [296] يُنظر: (إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/119). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
- جملةُ أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ مُستأنَفةٌ، وتصديرُها باسمِ الإشارةِ أُولئِكَ؛ للتَّنبيهِ على أنَّهم أَحْرِياءُ بما سَيَرِدُ بعدَ اسْمِ الإشارةِ مِن الخبَرِ؛ بسبَبِ ما قبْلَ اسْمِ الإشارةِ مِن الوصفِ [297] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/32-33). ، وفيه أيضًا أنَّ عَرْضَهم على ربِّهم عرضُ زجرٍ وانتقامٍ؛ وذلك لِمَا يُؤْذِنُ به اسْمُ الإشارةِ مِن مَعنى تعليلِ ما قَبْلَه فيما بعدَه [298] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/32-33). .
- وقولُه: هَؤُلَاءِ فيه إشارةٌ إلى تَحقيرِهم وإصغارِهم بسوءِ مُرتَكَبِهم [299] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/136). .
- قولُه: وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ في الإتيانِ بالموصولِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ في الخبَرِ عنهم: إيماءٌ إلى سبَبيَّةِ ذلك الوصفِ الَّذي في الصِّلَةِ- وهو الكَذِبُ على ربِّهم- فيما يَرِدُ عليهم من الحُكمِ، وهو أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [300] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/35). .
- قولُه: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فيه الافتتاحُ بحرفِ التَّنبيهِ أَلَا؛ وذلك مُناسَبَةً لِمَقامِ التَّشهيرِ، والخبرُ هنا مُستعمَلٌ في الدُّعاءِ؛ خِزيًا وتَحقيرًا لهم [301] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/33). .
2- قولُه تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
- فيه مُناسَبةٌ حسنةٌ، حيثُ اختُصَّتْ هذه الآيةُ على نَظيرَتِها في الأعرافِ، وهي قولُه: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ [الأعراف: 45] - بزِيادَةِ (هُمْ) في قولِه: هُمْ كَافِرُونَ، وهو توكيدٌ يُفيدُ تَقوِّيَ الحُكْمِ؛ لأنَّ المقامَ هنا مقامُ تسجيلِ إنكارِهم البَعْثَ وتَقريرِه؛ إشعارًا بما يتَرقَّبُهم مِن العقابِ المناسِبِ؛ فحُكي به مِن كَلامِ الأشهادِ ما يُناسِبُ هذا، وما في سورةِ الأعرافِ حكايةٌ لِمَا قيل في شأنِ قومٍ أُدخِلوا النَّارَ، وظهَر عِقابُهم، فلا غرَضَ لحِكايةِ ما فيه تأكيدٌ مِن كلامِ الأشهادِ، وكِلا المَقالَين واقعٌ؛ وإنَّما يَحكي البليغُ فيما يَحْكيه ما له مُناسَبةٌ لِمَقامِ الحِكايةِ [302] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/34). .
3- قولُه تعالى: أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ
- قولُه: أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ استِئنافٌ بيانيٌّ ناشئٌ عن الاقتِصَارِ في تَهْديدِهم على وصْفِ بعضِ عِقابِهم في الآخِرَةِ؛ فإنَّ ذلك يُثيرُ في نَفْسِ السَّامعِ أن يَسأَلَ: هل هم سالِمون مِن عذابِ الدُّنيا؟ فأُجيبَ بأنَّهم لم يَكونوا مُعجِزين في الدُّنيا، أي: لا يَخرُجون عن مَقدِرةِ اللهِ على تَعذيبِهم في الدُّنيا إذا اقتَضَتْ حِكمتُه تَعجيلَ عَذابِهم [303] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/34). .
- وإعادةُ الإشارةِ إليهم بقولِه: أُولَئِكَ بعدَ أن أُشيرَ إليهم بقولِه: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ [هود: 18] ؛ لتقريرِ فائدةِ اسمِ الإشارةِ السَّابقِ [304] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/33). .
- وقولُه: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ كنايةٌ عن عدَمِ قَبولِهم للحَقِّ، ونفيُ الاستطاعةِ أعرَقُ في العَيبِ، وأدَلُّ على النَّقصِ، وأنكى مِن نفيِ السَّمعِ؛ لأنَّهم قد يَحمِلونَه على الإجابةِ [305] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/258). .
- قولُه: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ فيه تشبيهٌ تمثيليٌّ؛ لأنَّه تشبيهُ مركَّبٍ بمركَّبٍ، شبَّهَهم في فرْطِ تَصامِّهم عن استماعِ الحقِّ، ونُبُوِّ أسماعِهم عنه بمَن لا يَستَطيعُ السَّمعَ، وفي إعراضِهم عن نُذُرِ الآياتِ بأنَّ أبصارَهم لم تَنفَعْهم، فكأنَّهم لم يُبصِروا [306] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- مع الحاشية)) (2/386)، ((تفسير أبي حيان)) (6/137)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (4/331- 332). .
- ولمَّا كان قُبحُ حالِهم في عدم إذعانِهم للقرآن الذي طريقُ تلقِّيه السمعُ أشدَّ منه في عدم قَبولِهم لسائرِ الآياتِ المنوطةِ بالإبصارِ؛ بالغَ في نفْي الأولِ عنهم حيثُ نفَى عنهم الاستطاعةَ، واكتفَى في الثاني بنَفْي الإبصارِ [307] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) 4/197). . وقيل: لأنَّ الإبصارَ المنفىَّ هو النظرُ في المصنوعاتِ الدالةِ على الوحدانيةِ، أي: ما كانوا يُوجِّهون أنظارَهم إلى المصنوعاتِ توجيهَ تأملٍ واعتبارٍ، ولذلك لم يقلْ هنا: (وما كانوا يَسْتطيعونَ أن يُبْصِروا)؛ لأنَّهم كانوا يُبصرونَها، ولكنَّ مجرَّدَ الإبصارِ غيرُ كافٍ في حُصولِ الاستِدْلالِ حتَّى يُضَمَّ إليه عمَلُ الفِكْرِ، بخلافِ السَّمعِ في قولِه: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [308] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/36-37). .
- والإتيانُ بأفعالِ الكَوْنِ في هذه الجُمَلِ أربَعَ مرَّاتٍ ابتِداءً مِن قولِه: أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ إلى قولِه: وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ؛ لإفادةِ ما يَدُلُّ عليه فعلُ الكَونِ مِن تَمكُّنِ الحدَثِ المخبَرِ به؛ فقولُه: لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ آكَدُ مِن: (لا يُعجِزون)، وكذلك أخَواتُه [309] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/37). .
4- قولُه: أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
- قولُه: أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ استِئْنافٌ، واسمُ الإشارةِ أُولِئَكَ هنا تأكيدٌ ثانٍ لاسمِ الإشارةِ في قولِه: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ [310] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/38). [هود: 18] .
- قولُه تعالى: وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ فيه إسنادُ الضَّلالِ إلى الأصنامِ؛ تَهكُّمًا على أصحابِها، حيث شُبِّهَت أصنامُهم بمن سلَك طَريقًا لِيَلحَقَ بمَن استَنْجَد به، فضَلَّ في طَريقِه [311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/38). .
5- قولُه: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ جملةٌ مُستأنَفةٌ، وهي فَذْلَكةٌ [312]  الفَذْلكة: كلمةٌ منحوتةٌ كالبَسملةِ والحوقلةِ، من قولهم: (فذَلِك كذا)، ومعناها: ذكرُ مُجمَل ما فُصِّل أولًا وخلاصته. وقد يُراد بالفذلكة النتيجة لِمَا سبَق من الكلام، والتفريع عليه، ومنها فذلكة الحساب، أي: مُجمَل تفاصيله، وإنهاؤه، والفراغ منه، كقوله تعالى: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ بعدَ قوله: فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ [البقؤة: 196]. يُنظر: ((كناشة النوادر)) لعبد السلام هارون (ص: 17)، ((مفاتيح التفسير)) لأحمد سعد الخطيب (ص: 638 - 639). ونَتيجةٌ للجُمَلِ المتقدِّمةِ مِن قولِه: أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ؛ لأنَّ ما جُمِع لهم مِن الزَّجِّ للعُقوبةِ، ومِن افتِضاحِ أمْرِهم، ومِن إعراضِهم عَن استِماعِ النُّذُرِ، وعن النَّظَرِ في دَلائلِ الوحدانيَّةِ يُوجِبُ اليَقينَ بأنَّهم الأخسَرون في الآخِرةِ [313] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/38). .
- والضَّميرُ في هُمُ الْأَخْسَرُونَ ضميرُ فصْلٍ يُفيدُ القَصْرَ، وهو قصرٌ ادِّعائيٌّ [314] القصر في اصطلاح البلاغيين: هو تخصيصُ شيءٍ بشيءٍ وحصرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأولُ: مقصورًا، والثاني: مقصورًا عليه، مثل: إنما زيدٌ قائمٌ، و: ما ضربتُ إلَّا زيدًا. وينقسمُ إلى قصرٍ حقيقيٍّ، وقصرٍ إضافيٍّ، وادعائيٍّ، وقَصْرِ قَلْبٍ: فالحقيقي: هو أن يختصَّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسَب الحقيقةِ والواقِع، بألَّا يتعدَّاه إلى غيره أصلًا، مِثل: لا إله إلا الله، حيثُ قُصر وصف الإِلَهيَّة الحقِّ على موصوفٍ هو الله وحده، وهذا مِن قصرِ الصِّفة على الموصوفِ، وهو قصرٌ حقيقيٌّ. والادِّعائي: ما كان القصرُ الحقيقيُّ فيه مبنيًّا على الادِّعاء والمبالغةِ، بتنزيلِ غيرِ المذكورِ منزلةَ العدمِ، وقصرِ الشيءِ على المذكورِ وحْدَه. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118)، و(3/6)، ((التعريفات)) للجرجاني (1/175-176)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (1/525)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167- 168). ؛ لأنَّهم بلَغوا الحَدَّ الأقصى في الخَسارةِ، فكأنَّهم انفَرَدوا بالأخسَريَّةِ [315] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/39). .
- وفيه مناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث قال اللهُ تعالى هنا: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ [هود: 22] ، وقال في سورةِ النَّحلِ: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [النحل: 109] ؛ فخَصَّ سورةَ هودٍ بـ(الأَخْسَرون)، وسورةَ النَّحلِ بـ (الخاسِرون)، ووجهُ هذا الاختلافِ: أنَّ الآيةَ الَّتي في سورةِ هودٍ قد تَقدَّمَها قولُه: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود: 20] ، وإنَّما قال: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ؛ لأنَّه خبَرٌ عن قومٍ أخبَرَ عنهم بالفِعلِ الَّذي استَحَقُّوا به مُضاعَفةَ العذابِ في قولِه تعالى: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [هود: 19] ، فإذا صُدُّوا هم عن الدِّينِ صُدودًا، وصَدُّوا غيرَهم عنه صَدًّا استحَقُّوا مُضاعَفةَ العذابِ؛ لأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا، فهذا لـ(الأَخْسرون) دونَ (الخاسِرون) مِن طريقِ المعنى، وهاهنا ما يُضامُّه من طريقِ اللَّفظِ، وهو أنَّ ما قبْلَه مِن الفَواصِلِ يُبْصِرُونَ [هود: 20] ، وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [هود: 21] ؛ فاجتِماعُ المعنى والتَّوفِقَةِ بينَ الفواصِلِ أوْجَبَا اختِيَارَ (الأَخْسَرون) في هذا الموضِعِ على (الخاسِرون). وأمَّا في سورةِ النَّحْلِ فإنَّ الآيةَ لم يُخبِرْ فيها عن الكفَّارِ بأنَّهم معَ ضَلالِهم أضَلُّوا مَن سِواهم، وإنَّما قال فيهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل: 107] ، فلم يَذكُرْ ما يُوجِبُ مُضاعَفةَ العذابِ، ثمَّ كانت الفَواصِلُ الَّتي حُمِلَت هذه عليها وِزانَ (الكافِرِينَ) و(الغافِلِينَ)؛ فاقتَضى هذانِ الشَّيئانِ أن يُقالَ: هُمُ الْخَاسِرُونَ، كما اقْتَضى السَّبَبانِ في الأُولَى المخالِفان للسَّببَينِ هُنا أنْ قال: الْأَخْسَرُونَ [316] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/753-755)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 143-144)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:262). .
وفيه وجهٌ آخَرُ: وهو أنَّ آيةَ هودٍ تَقدَّمَها ما يُفهِمُ المفاضَلةَ؛ فقولُه تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ... الآيةَ [هود: 17] ، يُفهَمُ مِنه: أفَمَن كان على بيِّنةٍ مِن ربِّه كمَن كفَر وجحَد وكذَّب الرُّسلَ؟ ثمَّ أتبَعَ هذا بقولِه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [هود: 18] ؛ فهذا صَريحُ مُفاضَلةٍ، ثمَّ استَمرَّتِ الآياتُ في وصْفِ مَن ذُكِر، واستَمرَّ ذِكرُهم إلى قولِه: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ؛ فناسَب لَفْظُ (الأَخْسَرون) بصيغةِ التَّفْضيلِ، ولو ورَد هنا الْخَاسِرُونَ مَكانَ الأَخْسَرونَ لتَنافَى النَّظْمُ، وتَبايَنَ السِّياقُ ولم يتَناسَبْ. وأمَّا آيةُ النَّحلِ فلم يقَعْ قَبْلَها (أفعَلُ) الَّتي للمُفاضَلةِ والتَّفاوُتِ، ولا ما يُفهِمُهما، وإنَّما قَبْلَها: وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النحل: 104-105] ، وبعدَ هذا: وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [النحل: 107] ، وبعدَ هذا: وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [النحل: 108] ؛ فجاءت هذه الفَواصِلُ مُتَّفِقةً في اسْمِ الفاعِلِ المجموعِ جمْعَ السَّلامةِ، إلى أن خَتَم وصْفَهم وما قصَد مِن ذِكْرِهم بقولِه: لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ [النحل: 109] ؛ فتناسبَت الآيُ في السِّياقِ والفَواصلِ، وخُتِمَت بمِثلِ ما به بُدِئَت، ولم يَكُن ليناسِبَ ما ورَد هنا لفْظُ المفاضلةِ؛ إذ ليس في الكلامِ ما يَستَدْعي ذلك لا مِن لَفْظِه ولا مَعناه [317] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/254-255). .
6- قولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
- قولُه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ جملةٌ مُستأنَفةٌ استئنافًا بيانيًّا؛ لأنَّ النُّفوسَ تَشرئِبُّ عندَ سماعِ حُكمِ الشَّيءِ إلى معرفةِ حُكمِ ضِدِّه، وجملةُ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مُستأنَفةٌ لبيانِ ما قبلَها؛ فمَنزِلتُها منزلةُ عطفِ البيانِ، ولا تُعرَبُ في موضِعِ خبَرٍ ثانٍ عن اسْمِ الإشارةِ أُولَئِكَ [318] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/39- 40). .
- تعديةُ (الخَبْتِ)- وهو التَّواضُعُ- بـ (إلى) في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ تَضمينٌ لمعنى الطُّمأنينةِ والإنابةِ والسُّكونِ إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ [319] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/6). .
7- قولُه تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ
- الجملةُ فَذلكةٌ لما تقدَّم مِن بيانِ الاختلافِ بينَ حالِ المشركينَ والمؤمنينَ في منازلِ الآخرةِ، وتحصيلٌ له، وللتَّحذيرِ مِن مُواقعةِ سَبَبِه [320] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/40). .
- فيه تشبيهٌ؛ حيثُ شبَّه حالَ الفَريقَين- المشرِكين والمؤمِنين- بحالِ الأعمى الأصمِّ مِن جهةٍ، وحالِ البصيرِ السَّميعِ من الجهةِ الأخرى؛ فَشَبَّه حالَ فريقِ الكفَّارِ في عدَمِ الانتفاعِ بالنَّظرِ في دلائلِ وَحْدانيَّةِ اللهِ الواضحةِ مِن مَخلوقاتِه بحالِ الأعمى، وشَبَّههم في عدَمِ الانتفاعِ بأدلَّةِ القرآنِ بحالِ مَن هو أصَمُّ، وشبَّه حالَ فَريقِ المؤمِنين في ضدِّ ذلك بحالِ مَن كان سَليمَ البصَرِ، سَليمَ السَّمعِ؛ فهو في هُدًى ويقينٍ مِن مُدرَكاتِه، وترتيبُ الحالَين المشبَّهِ بهِما في الذِّكْرِ على ترتيبِ ذِكْرِ الفَريقين فيما تقدَّم- يُنبِئُ بالمرادِ من كلِّ فريقٍ على طَريقةِ النَّشرِ المرتَّبِ [321]  اللَّف والنَّشر إمَّا مُرتَّب، وإمَّا غيرُ مُرتَّب؛ فاللَّف والنشرُ المُرتَّب، هو أن يأتي النشر على وفق ترتيب اللَّف؛ فيُؤتَى بما يُقابِلُ الأشياءَ المذكورةَ، ويُضافُ إلى كلٍّ ما يليقُ به على الترتيبِ، كقوله تعالى: وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [القصص: 73] ؛ حيث جاء اللَّفُّ بعبارة جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وجاء النَّشرُ وَفقَ توزيعٍ مُرتَّب؛ فقوله: لِتَسْكُنُوا فِيهِ يتعلَّقُ باللَّيل، وقوله: وَلِتَبتَغُوا مِن فَضْلِهِ يتعلَّقُ بالنَّهار. وغيرُ المرتَّب: هو أن يأتيَ النشرُ على غَيرِ ترتيبِ اللَّفِّ؛ مثالُه قولُه تعالى:  أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى [الضحى: 6 - 8]، فهذه الجُمَل لفٌّ مُفَصَّل، وجاء بعدَها نَشْرٌ غَيرُ مُرَتَّب؛ فجملة: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ملائمة للجملة الأُولى ومتعلِّقةٌ بها. وجُملَةُ: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ملائمةٌ للجملةِ الثالثة ومُتعلِّقةٌ بها. وجُملةُ: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ملائمةٌ للجملةِ الثانيةِ ومتعلِّقةٌ بها. يُنظر: ((علوم البلاغة)) للمراغي (ص: 330- 331)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني (2/403- 406). ، فشبَّه فريقَ الكافرِين بالأعمَى والأصَمِّ، وفريقَ المؤمِنين بالبصيرِ والسَّميعِ، وهو مِن اللَّفِّ والطِّباقِ، ومِن بابِ تَشْبيهِ اثنَينِ باثنَين؛ فقُوبِلَ الأعمى بالبصيرِ وهو طباقٌ، وقوبِلَ الأصَمُّ بالسَّميعِ وهو طِباقٌ أيضًا، والعَمى والصَّمَمُ آفَتان تَمنَعانِ مِن البصَرِ والسَّمعِ، وليسَتا بضِدَّينِ؛ لأنَّه لا تَعاقُبَ بينَهما، ويحتملُ أن يَكونَ مِن تشبيهِ واحدٍ بوصفَيْهِ بواحدٍ بوصْفَيه، فيكونَ مِن عطْفِ الصِّفاتِ، ولم يَجِئ التَّركيبُ: (كالأَعْمى والبصيرِ، والأصَمِّ والسَّميعِ)، فيكونُ مُقابَلةً في لفظِ الأعمَى وضدِّه، وفي لفظةِ الأصَمِّ وضدِّه؛ لأنَّه تعالى لَمَّا ذكَر انْسِدادَ العينِ؛ أتْبَعَه بانسدادِ السَّمعِ، ولَمَّا ذكَرَ انفِتاحَ البصَرِ أتْبعَه بانفِتاحِ السَّمعِ؛ وذلك هو الأسلوبُ في المقابَلةِ، والأتَمُّ في الإعجازِ [322] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/387)، ((تفسير أبي حيان)) (6/138- 139)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/42-41). .
- وجملةُ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا واقعةٌ مَوقِعَ البيانِ للغرَضِ مِن التَّشبيهِ، وهو نفْيُ استِواءِ حالِهما، والاستِفْهامُ فيها إنكاريٌّ [323] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/43). .
- وجملةُ: أَفَلَا تَذَكَّرُونَ فيها استفهامٌ غرَضُه إنكارُ انتِفاءِ تَذكُّرِهم، واستِمْرارِهم في ضَلالِهم [324] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/43). .