موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (41-44)

ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ ﰔ ﰕ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚ ﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠ ﰡ ﰢ ﰣ ﰤ ﰥ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى لنبيِّه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وإن كذَّبَك المُشرِكونَ، ولم يُؤمِنوا بما جِئتَهم به من الحَقِّ، فقل لهم: لي عَمَلي ولكم عمَلُكم، لا تُؤاخَذونَ بما أعمَلُ، ولا أُؤاخَذُ بما تَعمَلونه.
ويخبرُ نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ مِن الكُفَّارِ مَن يستَمِعُ إلى تلاوتِك- يا مُحمَّدُ- للقُرآنِ، وإلى حديثِك، وقلوبُهم غافلةٌ لا ينتَفِعونَ بما سَمِعوه من ذلك، أفأنت تستطيعُ أن تُسمِعَ الصُّمَّ، خصوصًا إذا كانوا لا عَقلَ لهم، وأنَّ منهم من ينظُرُ إليك- يا مُحمَّدُ- أفأنت تُرشِدُ العُميَ، ولو كانوا مع ذلك بدونِ بَصيرةٍ.
إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ أحدًا من النَّاسِ شَيئًا، ولكنَّ النَّاسَ هم الذين يَظلِمونَ أنفُسَهم بكُفرِهم ومَعاصيهم، فيَستَحِقُّونَ عِقابَه عَزَّ وجلَّ، ولا يضرُّونَه شيئًا.

تفسير الآيات:


وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ (41).
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ.
أي: وإنْ كذَّبَك- يا مُحمَّدُ- المُشرِكونَ، ولم يُؤمِنوا بما جئتَهم به من الحَقِّ، فقل لهم: لي عمَلي الذي سيُجازيني اللهُ به، ولكم عَمَلُكم الذي سيُجازيكم اللهُ عليه [584] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/185)، ((تفسير القرطبي)) (8/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365). .
كما قال سبحانه: اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ [الشورى: 15].
وقال تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ [البقرة: 139].
أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ.
أي: وقُلْ- يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: لا تُؤاخَذونَ بِجَريرةِ أعمالي، ولا أُؤاخَذُ بجَريرةِ أعمالِكم [585] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/185)، ((تفسير القرطبي)) (8/346)، ((تفسير البيضاوي)) (3/114)، ((تفسير الشوكاني)) (2/508).
كما قال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 1 - 6].
وقال سُبحانه: قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [سبأ: 25].
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ (42).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أنبأَ اللهُ رَسولَه بأنَّ مِن قَومِه مَن لا يؤمِنُ بهذا القُرآنِ حالًا ولا استِقبالًا؛ إذ لا ينفَعُهم البيانُ مهما يكُنْ ناصِعًا، ولا ينفَعُهم البُرهانُ وإن كان قاطِعًا، وأنَّ الذي عليه في المُصِرِّينَ على تكذيبِه منهم بعدما جاءَهم به مِن الآياتِ التي دمَغَتْهم بالحُجَج البَيِّناتِ، أن يتبَرَّأَ منهم، وينتظِرَ أمرَ اللهِ فيهم- كان مِن شأنِ هذا النَّبأِ أن يُثيرَ عَجَبَه؛ لِغَرابتِه في نفسِه، وأن يسوءَه؛ لِما يشيرُ إليه مِن انتقامِ الله منهم؛ بَيَّنَ له مَثَلَ الذين فَقَدوا الاستعدادَ للإيمانِ، وعَلَّمَه ما لم يكُن يَعلَمُه مِن سُنَّةِ الله تعالى فيهم، وكَونِ مُصيبتِهم من أنفسِهم، فلا حولَ له ولا قُوَّةَ على هدايتِهم [586] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/313). .
وأيضًا لَمَّا سبَقَ تَقسيمُ المُشرِكينَ بالنِّسبةِ إلى اعتقادِهم في الأصنامِ إلى مَن يَتَّبِعُ الظَّنَّ، ومَن يُوقِنُ بأنَّ الأصنامَ لا شيءَ، وتقسيمُهم بالنِّسبةِ لتصديقِ القُرآنِ إلى قِسمَينِ: من يؤمِنُ بصِدقِه ومَن لا يؤمِنُ بصِدقِه؛ كمَّلَ في هذه الآيةِ تَقسيمَهم بالنِّسبةِ للتلقِّي مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى قِسمَينِ: قسمٌ يَحضُرونَ مَجلِسَه، ويستمعونَ إلى كلامِه، وقِسمٌ لا يحضُرونَ مَجلِسَه وإنَّما يتوسَّمونَه، وينظُرونَ سَمتَه، وفي كلا الحالينِ مَسلكٌ عَظيمٌ إلى الهُدى لو كانوا مهتدينَ [587] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/177). .
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ.
أي: ومِن الكُفَّارِ مَن يستَمِعُ إلى تلاوتِك للقرآنِ وحديثِك- يا مُحمَّدُ- وقلوبُهم غافلةٌ، لا ينتَفِعونَ بسَماعِهم ذلك [588] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/186)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/22)، ((البسيط)) للواحدي (11/206)، ((تفسير ابن عطية)) (3/122)، ((تفسير القرطبي)) (8/346)، ((تفسير ابن كثير)) (4/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365).
كما قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام: 25].
وقال سُبحانه: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا [الكهف: 57].
أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ.
أي: أفأنت- يا مُحمَّدُ- تستطيعُ أن تُسمِعَ الصُّمَّ، وخصوصًا إذا كانوا مع صَمَمِهم جُهَّالًا، لا عَقلَ لهم [589] قال أبو حيانَ: (حَريٌّ بمن عَدِمَ السَّمعَ والعَقلَ ألَّا يكونَ له إدراكٌ لشيءٍ البتَّةَ، بخلاف أنْ لو كان الأصَمُّ عاقلًا؛ فإنَّه بِعَقلِه يهتدي إلى أشياءَ). ((تفسير أبي حيان)) (6/63). وقال ابنُ عاشورٍ: (أي: ولو انضَمَّ إلى صمَمِهم عدَمُ عُقولِهم؛ فإنَّ الأصَمَّ العاقِلَ ربَّما تفَرَّسَ في مُخاطِبِه، واستدَلَّ بملامِحِه). ((تفسير ابن عاشور)) (11/179). ويُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/22)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 499)، ((تفسير الزمخشري)) (2/349)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365). ؟! فكذلك لا تقدِرُ على جَعلِ الكُفَّارِ ينتَفِعونَ بالسَّماعِ منك [590] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/186)، ((البسيط)) للواحدي (11/206)، ((تفسير ابن عطية)) (3/122)، ((تفسير القرطبي)) (8/346)، ((تفسير ابن كثير)) (4/270)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365). .
كما قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 21 - 23].
وقال سُبحانه: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء: 45].
وقال عزَّ وجلَّ: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل: 80].
وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ (43).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا أخبَرَ اللهُ تعالى أنَّ طَريقًا عظيمًا من طُرُقِ العِلمِ قد انسَدَّ على المُشرِكينَ، وهو طريقُ المَسموعاتِ المُتعَلِّقةِ بالخَيرِ، ذكَرَ انسدادَ الطَّريقِ الثَّاني، وهو: طريقُ النَّظَرِ، فقال تعالى [591] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:365). :
وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ.
أي: ومِن الكُفَّارِ مَن ينظُرُ إليك- يا مُحمَّدُ- ولا ينتَفِعونَ بذلك النَّظَرِ [592] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/186)، ((تفسير ابن كثير)) (4/270، 271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365). قال ابن كثير: (أي: ينظُرونَ إليك، وإلى ما أعطاك اللهُ؛ مِن التُّؤَدةِ، والسَّمتِ الحَسَنِ، والخُلُقِ العَظيمِ، والدَّلالةِ الظَّاهرةِ على نُبُوَّتِك لأولي البصائِرِ والنُّهَى، وهؤلاءِ يَنظُرونَ كما يَنظُرُ غَيرُهم، ولا يحصُلُ لهم من الهدايةِ شَيءٌ ممَّا يحصُلُ لِغَيرِهم). ((تفسير ابن كثير)) (4/270-271). .
كما قال تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان: 41- 42].
أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ.
أي: أفأنتَ- يا مُحمَّدُ- تستطيعُ أن تُرشِدَ العُمْيَ الذين لا بَصرَ لهم ينتَفِعونَ به، وخصوصًا إذا انضَمَّ إلى ذلك فقدُ البَصيرةِ [593] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/63)، ((تفسير الزمخشري)) (2/349)، ((تفسير القاسمي)) (6/28)، ((تفسير المنار)) (11/315)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/179). قال الزمخشري: (أتحسَبُ أنَّك تقدِرُ على هدايةِ العُمي، ولو انضَمَّ إلى العمَى- وهو فَقدُ البَصَرِ- فقدُ البصيرةِ؛ لأنَّ الأعمى الذي له في قَلبِه بصيرةٌ، قد يَحدِسُ ويتظَنَّنُ، وأمَّا العَمى مع الحُمقِ، فجَهدُ البَلاءِ). ((تفسير الزمخشري)) (2/349). وقال ابنُ عاشور: (وأما معنى: لا يُبصِرونَ، فإنَّهم لا بصيرةَ لهم يتبصَّرونَ بها. وهو الذي فسَّرَ به «الكشَّاف» وهو الوجهُ؛ إذ بدونِه يكون معنى: لا يُبصِرونَ مُساويًا لمعنى العَمَى، فلا تقَعُ المبالغةُ بـ (لو) الوصليَّةِ مَوقِعَها، إذ يصيرُ: أفأنت تهدي العُميَ ولو كانوا عُميًا. ومقتضى كلام «الكشَّاف» أنه يقال: أبصَرَ: إذا استعمَلَ بصيرتَه، وهي التفكيرُ والاعتبارُ بحقائقِ الأشياءِ، وكلام «الأساس» يحومُ حَولَه، وأيًّا ما كان فالمرادُ بِقَولِه: لا يُبصِرونَ، معنى التأمُّلِ، أي: ولو انضَمَّ إلى عمَى العُمْيِ عدَمُ التَّفكيرِ، كما هو حال هؤلاء الذين ينظُرونَ إليك). ((تفسير ابن عاشور)) (11/179). ؟! فكذلك لا تَقدِرُ على هدايةِ الكُفَّارِ الذين عَمِيَت قلوبُهم عن رؤيةِ الحَقِّ [594] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/186)، ((البسيط)) للواحدي (11/206)، ((تفسير ابن عطية)) (3/122)، ((تفسير القرطبي)) (8/346). .
كما قال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].
وقال سُبحانه: وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ [النمل: 81].
إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ الله تعالى في الآيتَينِ السَّابِقَتينِ فَريقَينِ، ووصَفَهما بالشِّقْوةِ؛ يَنظُرونَ ويَسمَعونَ، ولا يَعقِلونَ ولا يُؤمِنونَ؛ وذلك للقَضاءِ السَّابقِ عليهم- أخبَرَ اللهُ في هذه الآيةِ أنَّ تَقديرَ الشِّقْوةِ عليهم ما كان ظُلمًا منه؛ وذلك لكمالِ عدلِه؛ حيثُ يضعُ الأمورَ في مواضعِها، ويوقعُها في مواقعِها عن علمٍ بمن يستحقُّ الهدَى أو الضلالةَ والعمَى، وإذا كَسَبوا المعاصيَ فقد ظَلَموا أنفُسَهم؛ لأنَّ الفِعلَ مَنسوبٌ إليهم، وإن كان القضاءُ لله تعالى [595] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/209). .
إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا.
أي: إنَّ اللهَ لا يفعلُ بخلقِه ما لا يستحقُّون منه؛ فلا يسلبُ أحدًا الإيمانَ، ولا يصرفُه عن الهدَى إلَّا إذا استحقَّ ذلك؛ لكمالِ علمِه سبحانَه وحكمتِه وعدلِه، وأيضًا فهو لا يعُاقِبُ مَن لم يستوجِبِ العقابَ، ولا يزيدُ في سَيِّئاتِ المُسيئينَ، ولا يَنقُصُ مِن حَسَناتِ المُحسِنينَ [596] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/187)، ((تفسير ابن كثير)) (4/271)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/180). .
كما قال تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46].
وعن أبي ذرٍّ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى، أنَّه قال: ((يا عبادِي، إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نَفسِي، وجَعَلتُه بينكم مُحرَّمًا، فلا تَظَالَموا )) [597] رواه مسلم (2577).
وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.
أي: ولكنَّ النَّاسَ هم الذينَ يَظلِمونَ أنفُسَهم، ويضُرُّونَها بكُفرِهم باللهِ ومَعصيتِه، فيستَحِقُّونَ عقابَه، ولا يضرُّونَ اللهَ شَيئًا [598] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/187)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/316)، ((تفسير السعدي)) (ص: 365)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/180). .
كما قال تعالى: فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [التوبة: 70].

الفوائد التربوية :


في قَولِه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ إشارةٌ إلى أنَّ الإيمانَ والتوفيقَ به تعالى لا بِغَيرِه، وفي ذلك تسليةٌ مِن اللهِ عَزَّ وجَلَّ لنبيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [599] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (10/338). .
قال اللهُ تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ المرادُ مِن الآيتَينِ: أنَّ هدايةَ الدِّينِ كهِدايةِ الحِسِّ، ولا تكونُ إلَّا للمُستعِدِّ لها بهدايةِ العَقلِ، وأنَّ هدايةَ العَقلِ لا تحصُلُ إلَّا بتوجُّهِ النَّفسِ، وصِحَّةِ القَصدِ، وهذا الصِّنفُ مِن الكُفَّارِ قد انصَرَفت أنفُسُهم عن استعمالِ عُقولِهم في الدَّلائلِ البَصَريَّةِ والسَّمعيةِ؛ لإدراكِ مَطلَبٍ مِن المطالِبِ ممَّا وراءَ شهواتِهم وتقاليدِهم، وليس المرادُ أنهم فقَدوا نعمةَ العَقلِ الغَريزيِّ، ولا نعمةَ الحواسِّ، بل استعمالَها النَّافِعَ [600] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/315). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال الله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ فيه أنَّ اللهَ لا يؤاخِذُ أحدًا مِن النَّاسِ بعَمَلِ الآخَرِ [601] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/313). .
النَّظَرُ إلى حالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهديِه وأخلاقِه، وأعمالِه وما يدعو إليه؛ مِن أعظَمِ الأدلَّةِ على صِدقِه وصِحَّةِ ما جاء به، ويكفي البَصيرَ عَن غيرِه من الأدلَّةِ؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ [602] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:365). .
في قَولِه تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ إيئاسُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من إسماعِ هؤلاء الصُّمِّ، وهدايةِ هؤلاء العُميِ، وقفَّى على ذلك بقَولِه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فأمثالُ هذه الآياتِ تَحثُو التُّرابَ في فِي مَن يزعُمُ أنَّ الآيةَ تدُلُّ على الجَبرِ، وعَدَمِ اختيارِ العبدِ في كُفرِه وإيمانِه [603] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/522). .
قولُه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ذِكْرُ هذا عَقِبَ ما تَقَدَّم مِن عدمِ الاهتداءِ بالأسماعِ والأبصارِ؛ لبيانِ أَنَّ ذلك لم يَكُنْ لأجلِ نَقْصٍ فيما خَلَقَه اللَّهُ لهم مِن السَّمْعِ والعقلِ والبصرِ والبصيرةِ، بل لأجلِ ما صارَ في طبائِعِهم مِن التَّعَصُّبِ والمُكابرةِ للحقِّ، والمجادلةِ بالباطلِ، والإصرارِ على الكفرِ، فهم الَّذين ظَلموا أنفسَهم بذلك، ولم يَظْلِمْهم اللَّهُ شيئًا مِن الأشياءِ، بل خَلَقَهم، وجعلَ لهم مِنَ المشاعرِ ما يُدركونَ به أكملَ إدراكٍ، وركَّبَ فيهم مِن الحواسِّ ما يَصِلونَ به إِلى ما يريدونَ، ووَفَّرَ مَصالحَهم الدُّنيويَّةَ عليهم، وخلَّى بينَهم وبينَ مصالِحِهم الدِّينيَّةِ، فعلَى نفسِها بِراقِشُ [604] بَراقِشُ: اسْمُ كَلبةٍ نبَحَت جَيشًا كانوا قصَدُوا أهلَها، فخفيَ عليهم مكانُهم، فلمَّا نبَحَتْهم عَرَفوهم فعَطَفوا عليهم فاجتاحُوهم، فذهَبَت مثَلًا، ويُضرَبُ هذا المثلُ للرجُلِ يرجِعُ إصلاحُه بإفسادٍ، ويُوافيه الشَّرُّ مِن نَفسِه. يُنظر: ((جمهرة الأمثال)) للعسكري (2/52)، ((لسان العرب)) لابن منظور (6/266). تَجْني [605]  يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/510). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
قولُه: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ فيه معنى الحصرِ بتَقْديمِ المعمولِ لِي وَلَكُمْ، وبالتَّعبيرِ بالإضافةِ بـعَمَلِي وعَمَلُكُمْ [606] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/176). .
وقولُه: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ بيانٌ لجملةِ: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ؛ ولذلك فُصِلَت، أي: لم تُعطَفْ على الَّتي قبلَها [607] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/176). ، وهي أيضًا تأكيدٌ لِمَا أفادَتْه لامُ الاختصاصِ مِن عدَمِ تعدِّي جَزاءِ العمَلِ إلى غيرِ عاملِه [608] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /148). .
وقولُه: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ فيه العُدولُ عن الإتيانِ بالعملِ مَصدَرًا، كما أُتي به في قولِه: لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ إلى الإتيانِ به فِعْلًا صِلَةً لِـ(ما) الموصولةِ؛ للدَّلالةِ على البراءةِ مِن كلِّ عملٍ يَحدُثُ في الحالِ والاستقبالِ [609] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/176). .
وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيث بدَأ في المأمورِ بقولِه: لِي عَمَلِي؛ لأنَّه آكَدُ في الانتفاءِ مِنهم، وبَدَأ في البراءةِ بقولِه: أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ؛ لأنَّ هذه الجملةَ جاءت كالتَّوكيدِ والتَّتميمِ لِما قبْلَها؛ فناسَب أن تَلِيَ قولَه: وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ، ولِمُراعاةِ الفواصلِ؛ إذ لو تَقدَّم ذِكْرُ براءةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما تقدَّم ذِكْرُ لِي عَمَلِي لم تقَعِ الجملةُ فاصلةً؛ إذ كان يكونُ التَّركيبُ: (وأنتم بَريئون ممَّا أعمَلُ) [610] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/62). .
قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ
قولُه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ جيءَ بالفعلِ المضارِعِ يَسْتَمِعُونَ يَنْظُرُ دونَ اسمِ الفاعلِ (مُستَمِعون- ناظِرٌ)؛ للدَّلالةِ على تَكرُّرِ الاستماعِ والنَّظرِ [611] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/177). .
قولُه: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ جمَع الضَّميرَ الرَّاجِعَ إلى كلمةِ (مَنْ) مع الاستماعِ؛ رعايةً لجانبِ المعنى، وأفرَدَه مع النَّظَرِ؛ مُحافَظةً على ظاهرِ اللَّفظِ، ولعلَّ ذلك للإيماءِ إلى كَثرةِ المستَمِعين بِناءً على عدمِ توقُّفِ الاستماعِ على ما يتَوقَّفُ عليه النَّظرُ مِن المقابلةِ، وانتفاءِ الحجابِ والظُّلمةِ [612] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/148). ، وقيل:  لعلَّ اختلافَ الصِّيغتين للمُناسَبةِ مع مادَّةِ فِعْلَيْ (يَسْتَمِعُ) و(يَنْظُرُ)؛ ففِعلُ (يَنظُر) لا تُلائِمُه صيغةُ الجمعِ؛ لأنَّ حُروفَه أثقَلُ مِن حروفِ (يَستمِعُ)؛ فيكونُ العدولُ استِقْصاءً لِمُقتَضى الفصاحةِ [613] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/180). .
قولُه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وقولُه: أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ استِفْهامان مُستعمَلان في التَّعجُّبِ مِن حالِهم؛ إذ يَستمِعون إلى دعوةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا يَعقِلونها، وإذ يَنظُرون أعمالَه وسيرتَه ولا يَهتَدون بها، فليس في هذين الاستِفْهامَين معنى الإنكارِ على مُحاولة النَّبيِّ إبلاغَهم وهدْيَهم؛ لأنَّ المقامَ يَنْبو عن ذلك [614] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/178). ، وفي هذا مبالغةٌ عظيمةٌ في انتفاءِ قَبولِ ما يُلْقى إلى هؤلاء؛ إذ جمَعوا بين الصَّممِ وانتفاءِ العقلِ، وبين العمَى وفَقْدِ البصيرةِ [615] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/63). .
وفي الاستِفْهامَين تقديمُ المسنَدِ إليه (أنتَ) على الخبَرِ الفِعْليِّ بقولِه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ وقولِه: أَفَأَنْتَ تَهْدِي دون أن يُقالَ: (أَتُسمِعُ الصُّمَّ) و(تَهْدي العُمْي)؛ فكان هذا الاستفهامُ التَّعجُّبيُّ فيهِما مُؤكَّدًا مُقَوًّى [616] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/178). .
و(لو) في قولِه: وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ وقولِه: وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ وَصْليَّةٌ دالَّةٌ على المبالغةِ في الأحوالِ، وهي الَّتي يكونُ الَّذي بعدَها أقصى ما يَعْلَقُ به الغَرَضُ [617] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/178). ، وجوابُ (لو) في الجُملَتَين محذوفٌ؛ لِدَلالةِ قولِه تعالى: تُسْمِعُ الصُّمَّ وتَهْدِي الْعُمْيَ عليه، وكلٌّ منهما مَعطوفةٌ على جُملةٍ مقدَّرةٍ مقابِلةٍ لها في الفَحْوى، أي: أفأَنتَ تُسمِعُ الصُّمَّ لو كانوا يَعقِلون، ولو كانوا لا يَعقِلون، أفأنتَ تَهدي العُميَ لو كانوا يُبصِرون، ولو كانوا لا يُبصِرون؟! أي: على كلِّ حالٍ مفروضٍ، وقد حُذِفَت الأولى في البابِ حذفًا مُطَّرِدًا؛ لِدَلالةِ الثَّانيةِ عليها دلالةً واضحةً؛ فإنَّ الشَّيءَ إذا تحقَّق عند تحقُّقِ المانعِ، أو المانعِ القويِّ فلأَنْ يتَحقَّقَ عند عدَمِه، أو عند تحقُّقِ المانعِ الضَّعيفِ أولَى، وعلى هذه النُّكْتةِ يدورُ ما في (لو) و(أنْ) الوَصليَّتين مِن التَّأكيدِ [618] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4 /148- 149). .
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
قولُه: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ تذييلٌ، وشَمِل عمومَ النَّاسِ المشرِكين الَّذين يَستمِعون ولا يَهْتَدون، ويَنظُرون ولا يَعتبِرون، والمقصودُ مِن هذا التَّذييلِ: التَّعريضُ بالوعيدِ بأنْ سيَنالُهم ما نال جَميعَ الَّذين ظلَموا أنفُسَهم بتكذيبِ رُسلِ اللهِ [619] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/180). .
وقولُه: وَلَكِنَّ النَّاسَ... فيه وضْعُ الظَّاهِرِ مَوضِعَ الضَّميرِ- إذ قال: وَلَكِنَّ النَّاسَ ولم يقُل: (ولكِنَّهم)-؛ لزيادةِ تعيينٍ وتقريرٍ [620] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/149). ، ففيه إشارةٌ إلى أنَّ هذا الظُّلمَ خاصٌّ بهم دونَ سائِرِ أنواعِ الحَيوانِ؛ فإنَّها لا تعدو في استعمالِ مَشاعِرِها وقُواها ما خُلِقَت لأجلِه مِن حِفظِ حياتِها الشَّخصيَّةِ والنَّوعيَّةِ، وأمَّا النَّاسُ فقد يستَعمِلونَها فيما يَضُرُّهم في حياتِهم الحيوانيَّةِ الدُّنيويَّةِ، وفي حياتِهم الرُّوحيَّةِ الأُخرويَّةِ [621] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/316). .
وقولُه: أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فيه تقديمُ المفعولِ أَنْفُسَهُمْ على عامِلِه يَظْلِمُونَ؛ لإفادةِ تَغْليطِهم بأنَّهم ما جَنَوْا بكُفْرِهم إلَّا على أنفُسِهم، وما ظلَموا اللهَ ولا رُسلَه، فما أضَرُّوا بعمَلِهم إلَّا أنفُسَهم [622] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/180). .