موسوعة التفسير

سورة الزمر
الآيات (11-16)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ

غريب الكلمات:

ظُلَلٌ: أي: أطباقٌ وسُرادِقاتٌ، والظُّلَّةُ: شَيءٌ مُرتَفِعٌ مِن بِناءٍ أو أعوادٍ، يَستَظِلُّ به الجالِسُ تَحتَه، وأصلُ (ظلل): يدُلُّ على سَترِ شَيءٍ لِشَيءٍ [337] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/461)، ((المفردات)) للراغب (ص: 536)، ((تفسير البغوي)) (4/83)، ((تفسير القرطبي)) (14/80)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/361). .

مشكل الإعراب:

قوله: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
قَولُه: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ: في هذه اللَّامِ وَجهانِ؛ أحدُهما: أنَّها للتَّعليلِ، ويكونُ المأمورُ به مَحذوفًا، تَقديرُه: وأُمِرْتُ أن أعبُدَ اللهَ لِأنْ أكونَ. الثَّاني: أن تكونَ اللَّامُ مَزيدةً في المَفعولِ للتَّأكيدِ [338] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/183)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/417)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (23/160). .

المعنى الإجمالي:

يأمُرُ الله تعالى رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُبيِّنَ للنَّاسِ ما أمَره به سبحانَه، فيقولُ: قُلْ -يا مُحمَّدُ-: إنِّي أُمِرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ تعالى وَحْدَه عِبادةً خالِصةً لا شِركَ فيها ولا رِياءَ، وأُمِرتُ بذلك؛ لأجْلِ أن أكونَ أوَّلَ المُسلِمينَ.
قُلْ: إنِّي أخافُ إن عَصَيتُ رَبِّي عذابَ يَومٍ عَظيمٍ.
قُلِ: اللهُ وَحْدَه أعبُدُه وأُخلِصُ له في طاعتي، ولا أُشرِكُ به شَيئًا؛ فاعبُدوا -أيُّها المُشرِكونَ- ما شِئتُم مِن دُونِه سُبحانَه!
ثمَّ يأمُرُ اللهُ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُبيِّنَ سوءَ عاقبةِ مَن أعرَض عن دعوةِ الحقِّ، فيقولُ: قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: إنَّ الخاسِرينَ هم الَّذين خَسِروا أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ بالحِرمانِ مِن الجنَّةِ، ودُخولِ النَّارِ، ألَا ذلك الخُسرانُ هو الخُسرانُ الواضِحُ؛ لهم مِن فَوقِهم أطباقٌ مِن النَّارِ تَلتَهِبُ عليهم، ومِن تَحتِهم أطباقٌ مِن النَّارِ، ذلك العذابُ يُخوِّفُ اللهُ به عِبادَه؛ فاتَّقوا اللهَ يا عِبادَ اللهِ، بامتِثالِ ما أَمَر، واجتِنابِ ما عنه نهى وزَجَر.

تفسير الآيات:

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11).
أي: قُلْ -يا مُحمَّدُ: إنِّي أُمِرتُ بإفرادِ اللهِ تعالى وَحْدَه في جَميعِ عِباداتي الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، وإخلاصِها له؛ فلا ينبغي أن أُشرِكَ به شَيئًا [339] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/180)، ((تفسير ابن كثير)) (7/89)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721). قيل: أُمِرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَولِ ذلك للمُشرِكينَ. وممَّن ذهب إلى هذا: ابنُ جرير، وابن عطية، وأبو حيان، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/180)، ((تفسير ابن عطية)) (4/524)، ((تفسير أبي حيان)) (9/190)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/357). وقيل: أُمِر أن يقولَ ذلك للنَّاسِ. وممَّن قال به: السعديُّ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 721). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ [الرعد: 36].
وقال سُبحانَه: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل: 91].
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر: 66].
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا كان للعبادةِ رُكنانِ: عَمَلُ القَلبِ وعَمَلُ الجَوارِحِ، وكان عمَلُ القلبِ أشرَفَ مِن عَمَلِ الجوارحِ؛ قَدَّمَه سُبحانَه بقَولِه تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أي: مُخلِصًا له التَّوحيدَ، لا أُشرِكُ به شيئًا، ثمَّ ذَكَر عَقِبَه الأدْوَنَ، وهو عَمَلُ الجوارحِ، وهو الإسلامُ المذكورُ في قَولِه [340] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/432)، ((تفسير الشربيني)) (3/437). :
وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12).
أي: وأُمِرتُ بإفرادِه بالعبادةِ؛ لأجْلِ أن أكونَ بذلك أوَّلَ المُسلِمينَ [341] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/180)، ((تفسير ابن عطية)) (4/524)، ((تفسير القرطبي)) (15/242)، ((تفسير الشوكاني)) (4/521)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 126). قال الزمخشري في تفسيرِ قَولِه: أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ: (أي: مُقَدَّمَهم وسابِقَهم في الدُّنيا والآخرةِ). ((تفسير الزمخشري)) (4/118). وممَّن قال بهذا القولِ أيضًا: البيضاويُّ، والنسفي، والنيسابوري. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/39)، ((تفسير النسفي)) (3/173)، ((تفسير النيسابوري)) (5/618). وقيل: المرادُ: أوَّلُ المُسلِمينَ مِن أُمَّتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. وممَّن قال بهذا المعنى في الجملةِ: القرطبيُّ، والبِقاعي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (15/242)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/474)، ((تفسير الشوكاني)) (4/521). قال ابنُ عثيمين: (وهناك احتِمالٌ آخَرُ: أنَّ الأوَّليَّةَ هنا أوَّليَّةُ الصِّفةِ، يعني: أنَّني أسبَقُ المسلمينَ مِن حيثُ التَّقَدُّمُ إلى الإسلامِ... لأنَّنا نعلَمُ أنَّ رَسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم هو أوَّلُ مَن يَنقادُ لله سُبحانَه وتعالى، وأنَّه أعظَمُ النَّاسِ انقيادًا، وأشَدُّهم). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 126، 127). وقال ابن عاشور: (المقصودُ أنَّه مأمورٌ بأنْ يكونَ أقوَى المسلمينَ إسلامًا، بحيثُ أنَّ ما يقومُ به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أمورِ الإسلامِ أعظَمُ مِمَّا يقومُ به كلُّ مُسلمٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/358). .
كما قال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: 14].
وقال سُبحانَه: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [النمل: 91].
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا بَيَّن اللهُ تعالى أمْرَه بالإخلاصِ بالقَلبِ، وبالأعمالِ المخصوصةِ، وكان الأمرُ يَحتمِلُ الوُجوبَ ويَحتمِلُ النَّدبَ؛ بيَّنَ أنَّ ذلك الأمرَ للوُجوبِ، فقال [342] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/432). :
قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13).
أي: قُلْ: إنِّي أخافُ إن عَصَيتُ ربِّي فيما أمَرَني به مِن تَوحيدِه وإخلاصِ العِبادةِ له: عذابَ يومِ القيامةِ [343] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/180)، ((تفسير القرطبي)) (15/242)، ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721). .
كما قال تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس: 15].
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا بَيَّن ما أُمِرَ به، وأعلَمَ أنَّه يَخافُ مِن مُخالَفةِ الأمرِ له بذلك، فأفهَمَ أنَّه مُمتَثِلٌ لِما أُمِرَ به؛ أمَرَه سُبحانَه بأن يُصَرِّحَ بذلك؛ لأنَّ للتَّصريحِ مِن المَزيَّةِ ما لا يَخفَى [344] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/474). .
قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14).
أي: قُلِ: اللهُ وَحْدَه أُفرِدُه بعبادتي، وأُخلِصُ له في طاعتي، ولا أُشرِكُ به شَيئًا [345] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/180)، ((الوسيط)) للواحدي (3/575)، ((تفسير القرطبي)) (15/243). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 161 - 163].
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15).
فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ.
أي: فاعبُدوا -أيُّها المُشرِكونَ- مِن دُونِ اللهِ أيَّ شَيءٍ شِئتُموه مِنَ الأوثانِ أو غَيرِها؛ اتِّباعًا لأهوائِكم بلا بُرهانٍ [346] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/180)، ((الهداية)) لمكي (10/6313)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/359). قال الشَّوكاني: (هذا الأمرُ للتَّهديدِ والتَّقريعِ والتَّوبيخِ، كقَولِه تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40]). ((تفسير الشوكاني)) (4/522، 523). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/524). وممَّن قال بأنَّ الأمرَ هنا للتَّهديدِ: ابنُ عطية، وابنُ كثير، والبِقاعي. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/524)، ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/475). قال ابنُ عثيمين: (هذا يحتمِلُ أن يكونَ تَهديدًا، ويحتمِلُ أن يكونَ تَحدِّيًا... والقاعِدةُ عندَنا في التَّفسيرِ: أنَّه إذا كانت الآيةُ تَحمِلُ مَعنيَينِ لا يَتنافَيانِ تُحمَلُ عليهما جميعًا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 133). .
كما قال الله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: 1 - 6].
قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
أي: قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: إنَّ الخاسِرينَ حَقيقةً هم الَّذين خَسِروا أنفُسَهم بحِرمانِها مِنَ الجنَّةِ، واستِحقاقِها دُخولَ النَّارِ، وخَسِروا أهليهم يومَ القيامةِ كذلك [347] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/181)، ((تفسير العز بن عبد السلام)) (3/95)، ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/476)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/360، 361). قيل: المرادُ بخُسرانِهم أهليهم يومَ القيامةِ: أنَّهم يُفرَّقُ بيْنَهم وبيْن أهليهم، فلا التِقاءَ لهم أبدًا، سواءٌ ذهب أهلوهم إلى الجنَّةِ، أو سكنوا جميعًا النَّارَ، ولكنْ لا اجتِماعَ لهم ولا سرور. ومِمَّن ذهب إلى هذا المعنى في الجملةِ: ابنُ كثير، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 134، 135). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/476). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ -أي: أنَّه لا يكونُ لهم أهلٌ في النَّارِ يَرجِعون إليهم-: ابنُ زَيدٍ، ومُجاهِدٌ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/181). قال الشوكاني: (وأمَّا خُسْرانُهم لِأهْليهم فلأنَّهم إنْ كانوا معهم في النَّارِ فلا يَنتفِعونَ بهم، وإنْ كانوا في الجنَّةِ فقد حِيلَ بيْنَهم وبيْنَهم). ((تفسير الشوكاني)) (4/622). وقال البِقاعي: (ولَمَّا كان أعَزُّ ما على الإنسانِ بعدَ نفْسِه أهْلَه الَّذين عِزُّه بهم؛ قال: وَأَهْلِيهِمْ، أي: لِأنَّهم إن كانوا مِثلَهم فحالُهم في الخَسارةِ كحالِهم، ولا يُمكِنُ أحدًا منهم أن يواسيَ صاحبَه بوجهٍ؛ فإنَّه لِكُلٍّ منهم شأنٌ يُغْنيه، وإن كانوا ناجينَ فلا اجتِماعَ بيْنَهم). ((نظم الدرر)) (16/476). وقيلَ: خُسرانُ الأهلِ: أنَّهم لو آمَنوا لَكانَ لهم في الجنَّةِ أهلٌ مِن الحُورِ العِينِ. وممَّن اختار هذا القولَ: الخازنُ، وجلالُ الدين المحلي، والعُلَيمي. يُنظر: ((تفسير الخازن)) (4/53)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 608)، ((تفسير العليمي)) (6/59). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، وقَتادةُ، ومجاهدٌ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/216). .
أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
أي: ألَا إنَّ خُسرانَ المُشِركينَ أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ هو الخُسرانُ الواضِحُ الَّذي لا خُسرانَ مِثلُه [348] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/182)، ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721). .
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا ذَكَر خُسرانَهم أنفُسَهم وأهليهم؛ ذَكَر حالَهم في جَهنَّمَ [349] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/191). .
وأيضًا لَمَّا شرَحَ الله تعالى أحوالَ حِرمانِهم مِن الرِّبحِ، وبيَّن كَيفيَّةَ خُسرانِهم؛ بيَّن أنَّهم لم يَقتَصِروا على الحِرمانِ والخُسرانِ، بل ضَمُّوا إليه استِحقاقَ العَذابِ العَظيمِ، والعِقابِ الشَّديدِ؛ فقال [350] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/434). :
لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ.
أي: للخاسِرينَ يومَ القيامةِ أطباقٌ مِن النَّارِ مِن فَوقِهم ومِن تَحتِهم، محيطةٌ بهم، تلتهِبُ عليهم [351] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/525)، ((تفسير النسفي)) (3/174)، ((تفسير الشوكاني)) (4/523)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/361، 362). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالظُّلَلِ: الأطباقُ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والواحديُّ، وابن الجوزي، والبيضاوي، والنسفي، والشوكاني، والألوسي، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/673)، ((الوسيط)) للواحدي (3/575)، ((تفسير ابن الجوزي)) (4/11)، ((تفسير البيضاوي)) (5/39)، ((تفسير النسفي)) (3/174)، ((تفسير الشوكاني)) (4/523)، ((تفسير الألوسي)) (12/241)، ((تفسير القاسمي)) (8/284). قال الشوكاني: (وسُمِّيَ ما تحتَهم ظُلَلًا؛ لأنَّها تُظِلُّ مَن تحتَها مِن أهلِ النَّارِ؛ لأنَّ طبقاتِ النَّارِ صارَ في كلِّ طبقةٍ منها طائفةٌ مِن طوائفِ الكفَّارِ، ومِثلُ هذه الآيةِ قولُه: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ، وقولُه: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ). ((تفسير الشوكاني)) (4/523). وقال ابن جرير: (مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وذلك كهيئةِ الظُّلَلِ المَبنيَّةِ مِن النَّارِ، وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ يقولُ: ومِن تحتِهم مِن النَّارِ ما يَعلوهم، حتَّى يَصيرَ ما يَعلوهم منها مِن تحتِهم ظُلَلًا). ((تفسير ابن جرير)) (20/182). وقال السعدي: (ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ أي: قِطَعُ عذابٍ كالسَّحابِ العظيمِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 721). وقيل: المرادُ أنَّهم مُعلَّقونَ في غَمَراتِ الاضطرابِ، يُصعِدُهم اللَّهيبُ تارةً، ويَهبِطُهم انعكاسُه عليهم برُجوعِه إليهم مرَّةً أخرَى، فلا قرارَ لهم أصلًا، كما يكونُ الحَبُّ في الماءِ على النَّارِ، يَغلي به صعودًا وهبوطًا، فلا يَقِرُّ في أسفَلِ القِدرِ أصلًا. قاله البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/477). .
كما قال سُبحانَه: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: 55].
ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ.
أي: ذلك الَّذي أخبَرَ اللهُ به مِن عذابِ الخاسِرينَ يومَ القيامةِ: يُخَوِّفُ به عِبادَه [352] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/182)، ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/362، 363). .
يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ.
أي: فاتَّقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ، بامتِثالِ ما أمَر، واجتِنابِ ما نهَى عنه وزَجَر؛ للنَّجاةِ مِن سَخَطِه وعَذابِه [353] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/182)، ((تفسير ابن كثير)) (7/90)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/478)، ((تفسير السعدي)) (ص: 721). .

الفوائد التربوية:

1- قَولُه تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ هذا يَشتَمِلُ على قَيدَينِ؛ أحدُهما: الأمرُ بعبادةِ اللهِ. الثَّاني: كَونُ تلك العبادةِ خالِصةً عن شوائِبِ الشِّركِ الجَليِّ، وشَوائِبِ الشِّركِ الخَفيِّ، وإنَّما خَصَّ اللهُ تعالى الرَّسولَ بهذا الأمرِ؛ لِيُنبِّهَ على أنَّ غَيرَه بذلك أحَقُّ؛ فهو كالتَّرغيبِ للغَيرِ [354] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/432). .
2- قَولُه تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ* وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ فلأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو الدَّاعي الهادي للخَلقِ إلى رَبِّهم يَقتضي ذلك أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أوَّلُ مَنِ ائتَمَر بما يأمُرُ به، وأوَّلُ مَن أسلَمَ، وهذا الأمرُ لا بُدَّ مِن إيقاعِه أيضًا مِمَّن زَعَم أنَّه مِن أتْباعِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلا بُدَّ مِن الإسلامِ في الأعمالِ الظَّاهِرةِ، والإخلاصِ لله في الأعمالِ الظَّاهِرةِ والباطِنةِ [355] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 721). .
3- في قَولِه تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أنَّ اللهَ تعالى أمَرَ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُجريَ هذا الكَلامَ على نَفْسِه، والمقصودُ منه المُبالَغةُ في زَجرِ الغَيرِ عن المعاصي؛ لأنَّه مع جلالةِ قَدرِه وشَرَفِ نُبُوَّتِه إذا وَجَب أن يكونَ خائِفًا حَذِرًا عن المعاصي، فغَيرُه بذلك أَولى [356] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/432). .
4- قَولُه تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ فيه أنَّه يَنبغي للإنسانِ أنْ يُعلِنَ بالحَقِّ الَّذي هو عليه، ولا يُبالي بمَنْ خالَفَه [357] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 135). .
5- في قَولِه تعالى: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ أنَّه ينبغي للإنسانِ أنْ يَسيرَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ على جانبٍ مِن الخَوفِ مِن العذابِ، وأنْ يَخافَ ممَّا خَوَّفَه اللهُ؛ حتَّى يُحَقِّقَ العبوديَّةَ [358] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 141). .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- إذا جمَعْتَ بيْن قَولِه تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وقَولِه تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي، عرَفْتَ شِدَّةَ امتِثالِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لرَبِّه، وأنَّه عَبَد اللهَ مُخلِصًا له الدِّينَ، وأعلَنَ ذلك للمَلأِ غيرَ مُبالٍ بمُخالَفتِهم [359] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 132). .
2- قَولُه تعالى: أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ فيه أنَّ الإنسانَ مأمورٌ بأنْ يُعلِنَ ما أمَرَ اللهُ به مِن عبادتِه؛ ولهذا فائِدتانِ؛ الفائِدةُ الأُولى: الحَثُّ على اتِّباعِه في هذا. والفائِدةُ الثَّانيةُ: بيانُ استِحقاقِ اللهِ سُبحانَه وتعالى لذلك، وأنَّه هو المُستَحِقُّ أن يُعبَدَ وَحْدَه [360] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 122). .
3- في قَولِه تعالى: أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أنَّ مَن لم يُخْلِصْ لم يَكُنْ قد أَتَى بالأمرِ، ويَتَفَرَّعُ على هذه القاعدةِ: أنَّ عمَلَه يكونُ مردودًا عليه؛ فإذا أشركَ يكونُ قد عَمِل عمَلًا ليس عليه أمرُ اللهِ ورسولِه، وقد قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمْرُنا فهو رَدٌّ )) [361] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 123). والحديث ذكره البخاريُّ معلَّقًا بصيغة الجزمِ قبل حديث (2142)، وأخرجه موصولًا مسلمٌ (1718) من حديث عائشةَ رضي الله عنها. .
4- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ في قَولِه تعالى: وَأُمِرْتُ أنَّ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم عبدٌ مأمورٌ، ويَتفرَّعُ على هذا: أنَّه ليس له مِن الأمرِ شَيءٌ، وقد صَرَّحَ اللهُ بذلك في قَولِه تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران: 128]، ويَتفرَّعُ على ذلك أيضًا ضَلالُ أولئك القومِ الَّذين يَدْعُونَ رَسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُغِيثَهم، أو أنْ يَجلِبَ لهمُ الخَيرَ، ويَدفَعَ عنهم الشَّرَّ [362] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 127). !
5- في قَولِه تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ أنَّه لَمَّا كان الإسلامُ هو دينَ الأنبياءِ في خاصَّتِهم، كان في هذه الآيةِ دَلالةٌ على أنَّ مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أفضَلُ الرُّسُلِ؛ لِشُمولِ لَفظِ المُسلِمينَ للرُّسُلِ السَّابِقينَ [363] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/358). ، على القَولِ بأنَّ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ بمعنى أقوَى المُسلِمينَ إسلامًا.
6- قولُه: يَوْمٍ عَظِيمٍ فيه جوازُ وَصْفِ غيرِ اللهِ بالعِظَمِ، فوصَفه بذلك لِشِدَّتِه وأهوالِه، وشِدَّةِ ما يكونُ فيه، وقد قال اللهُ تعالى عن ملكةِ سَبَأٍ: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: 23] إلى غيرِ ذلك، فوصْفُ غيرِ اللهِ بالعِظَمِ لا بأسَ به؛ لكنَّ العِظَمَ المُطْلَقَ إنَّما يكونُ للهِ عزَّ وجلَّ [364] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 131). .
7- في قَولِه تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أنَّ ظاهِرَ الأمرِ للوُجوبِ؛ وذلك لأنَّه قال: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ، ثمَّ قال بَعْدَه: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ؛ فيَكونُ معنى هذا العِصيانِ: تَرْكَ الأمرِ الَّذي تقَدَّم ذِكرُه، وذلك يَقتَضي أن يكونَ تارِكُ الأمرِ عاصِيًا، والعاصي يَترتَّبُ عليه الخَوفُ مِن العِقابِ، ولا مَعنى للوُجوبِ إلَّا ذلك [365] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/432). .
8- أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم مُحتاجٌ إلى العَمَلِ الَّذي يُنجيه مِن عَذابِ اللهِ؛ لِقَولِه: مُخْلِصًا لَهُ دِينِي بالياءِ بالإضافةِ، وهو كذلك، ولَمَّا حَدَّثَ أصحابَه بأنَّه: ((ما مِن أحدٍ يُدخِلُه عمَلُه الجنَّةَ، فقيل: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا، إلَّا أن يَتغمَّدَني ربِّي برحمةٍ )) [366] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 135). والحديث أخرجه البخاري (5673)، ومسلم (72) (2816) -واللَّفظُ له- من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. .
9- في قَولِه تعالى: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أنَّ عُمُرَ الإنسانِ حقيقةً هو ما أمضاه في طاعةِ اللهِ؛ ولهذا وَصَف اللهُ هؤلاء بأنَّهم قد خَسِروا أنفُسَهم؛ لأنَّهم لم يَعمَلوا خيرًا [367] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 136). .
10- في قَولِه تعالى: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ أنَّ أهلَ الشِّركِ يومَ القيامةِ لا يَجتمِعونَ بأهْليهم [368] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الزمر)) (ص: 136). .
11- في قَولِه تعالى: وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ سُؤالٌ: أنَّ الظُّلَلَ ما على الإنسانِ، فكيف سُمِّيَ ما تحتَه بالظُّلَلِ؟
الجواب من وجوه:
الأوَّلُ: أنَّه مِن بابِ إطلاقِ اسمِ أحَدِ الضِّدَّينِ على الآخَرِ، كقَولِه تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: 40].
الثَّاني: أنَّ الَّذي يكونُ تحتَه يكونُ ظُلَّةً لإنسانٍ آخَرَ تَحتَه؛ لأنَّ النَّاَر دَرَكاتٌ، كما أنَّ الجنَّةَ دَرَجاتٌ.
الثَّالِثُ: أنَّ الظُّلَّةَ التَّحتانيَّةَ إذا كانت مُشابِهةً للظُّلَّةِ الفَوقانيَّةِ في الحرارةِ والإحراقِ والإيذاءِ، أُطلِقَ اسمُ أحَدِهما على الآخَرِ؛ لأجْلِ المُماثَلةِ والمُشابَهةِ [369] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/434). .
الرَّابعُ: أنَّ ما تحتَهم يَلتَهِبُ ويَتصاعَدُ منه شَيءٌ حتَّى يكونَ ظُلَّةً؛ فسُمِّيَ ظُلَّةً باعتِبارِ ما آلَ إليه أخيرًا [370] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/192). .
الخامِسُ: أنَّ المرادَ إحاطةُ النَّارِ بهم مِن جميعِ الجِهاتِ [371] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (3/438). .
12- رُبَّما احتَجَّ بَعضُهم بِقَولِه تعالى: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ على القَولِ بأنَّه ما ثَمَّ عذابٌ أصلًا، وإنَّما هو تخويفٌ لا حقيقةَ له! وهذا مِن أقوالِ الملاحِدةِ والكُفَّارِ. فيُقالُ لهذا: التَّخويفُ إنَّما يكونُ تَخويفًا إذا كان هناك مَخُوفٌ يُمكِنُ وُقوعُه بالمُخَوَّفِ، فإنْ لم يكُنْ هناك ما يُمكِنُ وُقوعُه امتَنَع التَّخويفُ، لكِنْ يكونُ حاصِلُه إيهامَ الخائِفينَ بما لا حَقيقةَ له، كما تُوهِمُ الصَّبيَّ الصَّغيرَ. ومَعلومٌ أنَّ مِثلَ هذا لا يَحصُلُ به تخويفٌ للعُقَلاءِ المُمَيِّزينَ؛ لأنَّهم إذا عَلِموا أنَّه ليس هناك شَيءٌ مَخوفٌ زال الخَوفُ [372] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (7/502). .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أُمِرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ببَيانِ ما أُمِرَ به هو نَفْسُه مِنَ الإخلاصِ في عِبادةِ اللهِ، الَّذي هو عِبارةٌ عَمَّا أُمِرَ به المُؤمِنونَ مِنَ التَّقْوى؛ مُبالَغةً في حَثِّهم على الإتيانِ بما كُلِّفوه، وتَمهيدًا لِمَا يَعقُبُه مِمَّا خُوطِبَ به المُشرِكونَ [373] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/246). .
- وفي قولِه: مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيثُ جاءتْ هنا بتَعريفِ لَفظِ الدِّينَ بـ (أل)، وقال بَعدُ: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر: 14]، مُعَرِّفًا لَفظَ الدِّينِ بالإضافةِ؛ ووَجْهه: أنَّ قَولَه: اللَّهَ أَعْبُدُ إخبارٌ عنِ المُتَكلِّمِ؛ فناسَبتِ الإضافةُ إليه، وأنَّ قَولَه: أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ليس إخبارًا عنِ المُتكَلِّمِ، وإنَّما الإخبارُ: أُمِرْتُ فَقَطْ، وما بَعدَه فَضلةٌ [374] يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/406)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 495). .
2- قولُه تعالَى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ
- عُطِفَ فِعلُ (أُمِرْتُ) هنا على فِعلِ أُمِرْتُ مِن قولِه: أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، ووَجهُ هذا العَطفِ: أنَّهما ليسا بمَعنًى واحِدٍ؛ لاختِلافِ جِهَتَيْهما؛ وذلك أنَّ الأمْرَ بالإخلاصِ وتَكليفَه شَيءٌ، والأمْرَ به لِيُحرِزَ القائِمُ به قَصَبَ السَّبقِ في الدِّينِ شَيءٌ آخَرُ، وإذا اختَلَفَ الشَّيءُ وَجهًا ووصفًا يُنزَّلُ بذلك مَنزِلةَ شَيئَينِ مُختَلِفَينِ، فالتَّقديرُ: أُمِرْتُ بإخلاصِ الدِّين، وأُمِرْتُ بذلك لأنَّ أكونَ مِن السَّابِقينَ. أو: وأُمِرتُ بذلك لأجلِ أن أكونَ مقدَّمَ المسلمينَ في الدُّنيا والآخرةِ؛ لأنَّ إحرازَ قَصَبِ السَّبقِ في الدِّينِ بالإخلاصِ فيه، وإخلاصُه عليه الصلاةُ والسلامُ أتمُّ مِن إخلاصِ كلِّ مخلصٍ، فالمرادُ بالأوليَّةِ الأوليَّةُ في الشَّرفِ والرُّتبةِ [375] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/118)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/357)، ((تفسير أبي حيان)) (9/190، 191)، ((تفسير الألوسي)) (12/239)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/403). .
 وقيل: لَفظُ «أُمِرْتُ» أوَّلًا في عَمَلِ القَلبِ، وثانيًا في عَملِ الجوارِحِ، ولا يكونُ هذا تكريرًا [376] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/432). .
- وفي قَولِه: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ عدَّى أُمِرْتُ الأوَّلَ بـ «أن»، وعدَّى أُمِرْتُ الثَّاني باللَّامِ فقال: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ؛ وذلك لأنَّ القصدَ في الأمرِ الثَّاني غيرُ القصدِ في الأمرِ الأوَّلِ، وذلك أنَّ الأوَّلَ يَتعدَّى إلى العبادةِ، والثَّاني معناه: «وأُمِرتُ أن أعبُدَ اللهَ لأنْ أكونَ أوَّلَ المسلمينَ»، أي: إنَّما أُمِرتُ بإخلاصِ العبادةِ لله تعالى، وبُعِثتُ رسولًا لأن أكونَ أوَّلَ مَن يَبدأُ بطاعةِ الله تعالى وعبادتِه على الإخلاصِ المطلوبِ؛ فاللَّامُ ليست مقحمةً -على ما ذهب إليه كثيرٌ مِن النَّحْويِّينَ- وإنَّما معناه ما ذكَرْنا مِن أنَّ الأمرَ بالعبادةِ لأجْلِ أن يفعلَ أوَّلًا ما أُمِر به، ثمَّ يحمِلَ النَّاسَ على مِثلِه [377] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1110). ويُنظر أيضًا: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 495). ، فقولُه: لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ عِلَّةٌ لـ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ؛ فالتَّقديرُ: وأُمِرْتُ بذلك؛ لأنْ أكونَ أوَّلَ المسلمينَ، فمُتعلَّقُ أُمِرْتُ مَحذوفٌ؛ لدَلالةِ قولِه: أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ عليه [378] يُنظر: ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/406)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/358). . فدخلَتِ اللَّامُ لأنَّ مُتعلَّقَ (أُمِرْتُ) الثَّاني غيرُ الأوَّلِ؛ لاختِلافِ جِهتَيْهِما [379] يُنظر: ((كشف المعاني في المتشابه من المثاني)) لابن جماعة (ص: 314، 315). .
3- قولُه تعالَى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
- على القَولِ بأنَّ المخاطَبَ بقولِه: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ هو المشركونَ، فإعادةُ الأمْرِ بالقَولِ لِلتَّأكيدِ؛ اهتِمامًا بهذا المَقولِ. وعلى أنَّ المخاطَبَ المؤمنونَ، فإعادةُ فِعلِ قُلْ؛ لِأجْلِ اختِلافِ المقصودينَ بتَوجيهِ القَولِ إليهم [380] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/358، 359). .
- والمرادُ بقولِه: عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو يَومُ القِيامةِ، ووُصِفَ بالعَظَمةِ؛ لِعَظَمةِ ما فيهِ مِنَ الدَّواهي والأهوالِ [381] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/247). .
4- قولُه تعالَى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي أعادَ الأمْرَ بعِبادةِ اللهِ هنا بعدَ قولِه: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: 11]؛ لِأنَّ الأوَّلَ إخبارٌ بأنَّه مَأمورٌ مِن جِهةِ اللهِ بإحداثِ العِبادةِ والإخلاصِ، والثَّاني: إخبارٌ بأنَّه يَختَصُّ اللهَ وَحْدَه دُونَ غَيرِه بعِبادَتِه مُخلِصًا له دِينَه، ولِدَلالَتِه على ذلك قَدَّمَ المَعبودَ (الله سُبحانَه) على فِعلِ العِبادةِ، وأخَّرَه في الأوَّلِ؛ فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعلِ نَفْسِه وإيجادِه، وثانيًا فيمَن يَفعَلُ الفِعلَ لِأجْلِه، فأخبَرَ بامتِثالِه بالأمْرِ على أبلَغِ وَجهٍ وآكَدِه؛ إظهارًا لِتَصلُّبِه في الدِّينِ، وحَسمًا لِأطماعِهمُ الفارِغةِ، وتَمهيدًا لِتَهديدِهم بقَولِه: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: 15]. وقيل: تَقديمُ اسمِ الجَلالةِ في قولِه: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ دالٌّ على الاهتِمامِ بمَن يَعبُدُ، وليس الاختِصاصَ [382] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/119)، ((تفسير أبي حيان)) (9/191)، ((تفسير أبي السعود)) (7/247). .
- وأيضًا أُمِرَ بأنْ يُعِيدَ التَّصريحَ بأنَّه يَعبُدُ اللهَ وحْدَه؛ تَأكيدًا لقولِه: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر: 11]؛ لأهمِّيَّتِه، وإنْ كان مُفادُ الجملتَينِ واحدًا؛ لأنَّهما معًا تُفِيدانِ أنَّه لا يَعبُدُ إلَّا اللهَ تعالى، باعتبارِ تَقْييدِ أَعْبُدَ اللَّهَ الأوَّلِ بقَيدِ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وباعتبارِ تَقديمِ المفعولِ على (أَعْبُدُ) الثَّاني، فتأكَّدَ معنى التَّوحيدِ مرَّتينِ؛ لِيَتقرَّرَ ثلاثَ مرَّاتٍ، وتَمهيدًا لقولِه: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ، وهو المقصودُ [383] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/359). .
5- قولُه تعالَى: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ
- قولُه: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ الفاءُ في قَولِه: فَاعْبُدُوا لِتَفريعِ الكَلامِ الَّذي بَعدَها على الكَلامِ قَبْلَها؛ فهو تَفريعٌ ذِكريٌّ، والأمْرُ مُستَعمَلٌ في مَعنى التَّخليةِ، ويُعبَّرُ عنه بالتَّسويةِ، والمَقصودُ: التَّسويةُ في ذلك عِندَ المُتكَلِّمِ، فتَكونُ التَّسويةُ كِنايةً عن قِلَّةِ الاكتِراثِ بفِعلِ المُخاطَبِ، أيْ: إنَّ ذلك لا يَضُرُّني. وقيل: صِيغةُ الأمْرِ على جِهةِ التَّهديدِ [384] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/119)، ((تفسير البيضاوي)) (5/39)، ((تفسير أبي حيان)) (9/191)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/359). .
- وجُعِلَتِ الصِّلةُ فِعلَ المَشيئةِ شِئْتُمْ؛ إيماءً إلى أنَّ رائِدَهم في تَعيينِ مَعبوداتِهم هو مُجرَّدُ المَشيئةِ والهَوى بلا دَليلٍ [385] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/359). .
- وأيضًا في قولِه: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ مِنَ الدَّلالةِ على شِدَّةِ الغَضَبِ عليهم ما لا يَخفى، كأنَّهم لَمَّا لم يَنتَهُوا عمَّا نُهوا عنه أُمِروا به؛ كي يَحِلَّ بهمُ العِقابُ [386] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/247). .
- قولُه: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أعقَبَ أمْرَ التَّسويةِ في شَأنِهم بشَيءٍ مِنَ المَوعِظةِ؛ حِرصًا على إصلاحِهم، على عادةِ القُرآنِ، ولُوحِظَ في إبلاغِهم هذه المَوعِظةَ مَقامُ ما سَبَق مِنَ التَّخليةِ بيْنَهم وبيْنَ شَأنِهم؛ جَمعًا بيْن الإرشادِ وبيْن التَّوبيخِ؛ فجيءَ بالمَوعظةِ على طَريقِ التَّعريضِ والحَديثِ عنِ الغائِبِ، والمُرادُ المُخاطَبونَ [387] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/360). .
- وافتُتِحَ المَقولُ بحَرفِ التَّوكيدِ (إنَّ)؛ تَنبيهًا على أنَّه واقِعٌ [388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/360). .
- وتَعريفُ   الْخُسْرَانُ تَعريفُ الجِنسِ، أيْ: إنَّ الجِنسَ الَّذين عُرِفوا بالخُسرانِ همُ الَّذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهليهم، وتَعريفُ المُسنَدِ الَّذِينَ والمُسنَدِ إليه    الْخُسْرَانُ مِن طَريقِ القَصرِ؛ فيُفيدُ هذا التَّركيبُ قَصرَ جِنسِ الخاسِرينَ على الَّذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهليهم، وهو قَصرُ مُبالَغةٍ؛ لِكَمالِ جِنسِ الخُسرانِ في الَّذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهليهم، فخُسرانُ غَيرِهم كَلَا خُسرانٍ [389] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (119)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/360)، ((تفسير أبي السعود)) (7/247)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/360). .
- ولَمَّا كانَ الكَلامُ مَسوقًا بطَريقِ التَّعريضِ بالَّذين دارَ الجِدالُ معهم مِن قَولِه: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر: 7]، إلى قَولِه: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر: 15]؛ عُلِمَ أنَّ المُرادَ بالَّذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهليهم همُ الَّذين جَرى الجِدالُ معهم، فأفادَ مَعنى: إنَّ الخاسِرينَ أنتم، إلَّا أنَّ وجْهَ العُدولِ عن الضَّميرِ إلى المَوصوليَّةِ في قَولِه: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ؛ لِإدماجِ وَعيدِهم بأنَّهم يَخسَرونَ أنفُسَهُم وأهْلِيهم يومَ القِيامةِ [390] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/360). .
- وفي قولِه: وَأَهْلِيهِمْ تَتميمٌ [391] التَّتميمُ: مِن أنواعِ إطنابِ الزِّيادةِ، وهو الإتيانُ بكلمةٍ أو كلامٍ مُتمِّمٍ للمقصودِ، أو لزِيادةٍ حَسنةٍ، بحيثُ إذا طُرِحَ مِن الكلامِ نقَصَ معناه في ذاتِه، أو في صِفاتِه. أو هو الإتيانُ في كلامٍ لا يُوهِمُ غيرَ المرادِ بفَضلةٍ تُفيدُ نُكتةً. أو هو إردافُ الكلامِ بكَلمةٍ تَرفعُ عنه اللَّبسَ، وتُقرِّبُه للفَهمِ، ومِن أمثلةِ التَّتميمِ قولُه تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [النساء: 124]؛ فقولُه: وَهُوَ مُؤْمِنٌ تتميمٌ في غايةِ الحُسنِ. ومنه قولُه تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [البقرة: 206]؛ وذلك أنَّ العِزَّةَ محمودةٌ ومذمومةٌ، فلمَّا قال: بِالْإِثْمِ اتَّضحَ المعنى وتَمَّ، وتبيَّن أنَّها العِزَّةُ المذمومةُ المُؤثَّمُ صاحِبُها. يُنظر: ((التبيان في البيان)) للطِّيبي (ص: 217)، ((تفسير أبي حيان)) (1/120) و(2/333)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/44)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/49 - 51) و(1/240، 241). ، كأنَّه قيلَ: خَسِروا رَأسَ المالِ والرِّبحَ [392] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/360). .
- قولُه: أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ استِئنافٌ، بمَنزِلةِ الفَذْلَكةِ [393] تقدم تعريفها (ص: 63). والنَّتيجةِ مِنَ الكَلامِ السَّابِقِ، والتَّذييلِ له؛ لِأنَّ وَصْفَ الَّذين خَسِروا بأنَّهم خَسِروا أحَبَّ ما عِندَهم، وبأنَّهمُ الَّذين انحَصَر فيهم جِنسُ الخاسِرينَ: يُستَخلَصُ منه أنَّ خَسارَتَهم أعظَمُ خَسارةٍ وأوضَحُها لِلعِيانِ؛ ولذلك أُوثِرَتْ خَسارَتُهم باسمِ   الْخُسْرَانُ الَّذي هو اسمُ مَصدَرِ الخَسارةِ، وهو دالٌّ على قُوَّةِ المَصدَرِ والمُبالَغةِ فيه، وأُشيرَ إلى العِنايةِ والاهتِمامِ بوَصفِ خَسارَتِهم، وتَهويلِها؛ فصُدِّرَتِ الجُملةُ بحَرفِ التَّنبيهِ، ووُسِّطَ ضَميرُ الفَصلِ بيْن المُبتَدأِ والخَبَرِ، وعُرِّفَ    الْخُسْرَانُ، كأنَّه مِمَّا تُعورِفَ أمْرُه، واشتُهِرَ هَوْلُه، ووَصَفَه بـ الْمُبِينُ، فجَعَلَ خُسرانَهم غايةً في الفَظاعةِ، ونِهايةً في الشَّناعةِ [394] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/119)، ((تفسير البيضاوي)) (5/39)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/360)، ((تفسير أبي حيان)) (9/191)، ((تفسير أبي السعود)) (7/247)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/361)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/403). .
6- قولُه تعالَى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ
- قولُه: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ بَدَلُ اشتِمالٍ مِن جُملةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: 15]، وخُصَّ بالإبدالِ؛ لِأنَّه أشَدُّ خُسرانِهم عليهم؛ لِتَسلُّطِه على إهلاكِ أجسامِهم [395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/361). .
- و(الظُّلَلُ): جمعُ ظُلَّةٍ، وهي شَيءٌ مُرتَفِعٌ مِن بِناءٍ أو أعوادٍ، مِثلُ الصُّفَّةِ، يَستَظِلُّ به الجالِسُ تَحتَه، مُشتَقَّةٌ مِنَ الظِّلِّ؛ لِأنَّها يَكونُ لها ظِلٌّ في الشَّمسِ، وهي هنا لِلتَّعبيرِ عن الطَّبَقةِ الَّتي تَعلو أهلَ النَّارِ في نارِ جَهنَّمَ، بقَرينةِ قَولِه: مِنَ النَّارِ، شُبِّهتْ بالظُّلَّةِ في العُلوِّ والغِشْيانِ، مع ما فيها مِنَ التَّهكُّمِ بهم؛ لِأنَّهم يَتمَنَّونَ ما يَحجُبُ عنهم حَرَّ النارِ، فعُبِّرَ عن طَبَقاتِ النَّارِ بالظُّلَلِ إشارةً إلى أنَّهم لا واقيَ لهم مِن حَرِّ النَّارِ، على نَحوِ تَأكيدِ الشَّيءِ بما يُشبِهُ ضِدَّه [396] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/191، 192)، ((تفسير أبي السعود)) (7/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/361، 362). .
- قولُه: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ تَذييلٌ لِلتَّهديدِ بالوَعيدِ مِن قَولِه: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [الزمر: 15] الآيةَ. أو استِئنافٌ بَيانيٌّ بتَقديرِ سُؤالٍ يَخطُرُ في نَفْسِ السَّامِعِ لِوَصفِ عَذابِهم بأنَّه ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ مِن فَوقِهم، وظُلَلٌ مِن تَحتِهم، أنْ يَقولَ سائِلٌ: ما يَنفَعُ إعدادُ العَذابِ لهمْ في الآخِرةِ بَعدَ فَواتِ تَدارُكِ كُفرِهم؟ فأُجيبَ بأنَّ اللهَ جَعَلَ ذلك العَذابَ الفَظيعَ في الآخِرةِ لِتَخويفِ اللهِ عِبادَه حينَ يَأمُرُهم بالاستِقامةِ، ويَشرَعُ لهمُ الشَّرائِعَ؛ لِيَعلَموا أنَّهم إذا لم يَستَجيبوا للهِ ورُسُلِه تَكونُ تلك عاقِبَتَهم، ولَمَّا كان وَعيدُ اللهِ خَبَرًا منه، ولا يَكونُ إلَّا صِدقًا؛ حَقَّقَ لهم في الآخِرةِ ما تَوَعَّدَهم به في الحياةِ، وتَخويفُ اللهِ به مَعناه أنَّه يُخوِّفُهم بالإخبارِ به وبوَصفِه، أمَّا إذاقَتُهم إيَّاه فهي تَحقيقٌ لِلوَعيدِ [397] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/362). .
- ويُعلَمُ مِن قولِه: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ بطَريقِ المُقابَلةِ جَعْلُ الجَنَّةِ لِتَرغيبِ عِبادِ اللهِ في التَّقْوى، إلَّا أنَّه طُوِيَ ذِكرُه؛ لِأنَّ السِّياقَ مَوعِظةٌ لِأهلِ الشِّركِ؛ فاللهُ جَعَلَ الجَنَّةَ وجَهنَّمَ إتمامًا لِحِكمَتِه ومُرادِه مِن نِظامِ الحَياةِ الدُّنيا؛ لِيَكونَ النَّاسُ فيها على أكمَلِ ما تَرتَقي إليه النَّفْسُ الزَّكيَّةُ [398] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/362). .
- قولُه: يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ تَفريعٌ وتَعقيبٌ لِجُملةِ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ؛ لِأنَّ التَّخويفَ مُؤْذِنٌ بأنَّ العَذابَ أُعِدَّ لِأهلِ العِصيانِ، فناسَبَ أنْ يُعقَبَ بأمْرِ النَّاسِ بالتَّقْوى؛ لِلتَّفادي مِنَ العَذابِ [399] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/363). .
- وهذه عِظةٌ مِنَ اللهِ تَعالى بالِغةٌ مُنطَويةٌ على غايةِ اللُّطفِ والمَرحَمةِ [400] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/248). .
- وفي قولِه: يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ قَدَّمَ النِّداءَ على التَّفريعِ، مع أنَّ مُقتَضى الظَّاهِرِ تَأخيرُه عنه، كَقَولِه: وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة: 197]؛ لِأنَّ المَقامَ هنا مَقامُ تَحذيرٍ وتَرهيبٍ؛ فهو جَديرٌ باستِرعاءِ ألبابِ المُخاطَبينَ إلى ما سَيَرِدُ مِن بَعدُ مِنَ التَّفريعِ على التَّخويفِ، بخِلافِ آيةِ سورةِ البَقَرةِ؛ فإنَّها في سِياقِ التَّرغيبِ في إكمالِ أعمالِ الحَجِّ والتَّزَوُّدِ لِلآخِرةِ؛ فلِذلك جاءَ الأمْرُ بالتَّقْوى فيها مَعطوفًا بالواوِ [401] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/363). .