موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (15-17)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ

المعنى الإجمالي:


يبَيِّنُ تعالى أنَّه إذا قُرئَ على المُشركينَ آياتُ القُرآنِ واضحاتٍ، دالَّاتٍ على الحَقِّ، قال المُشرِكونَ- الذين يكذِّبونَ بالبَعثِ- لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أحضِرْ قُرآنًا آخَرَ ليس فيه ما نَكْرَه، أو غيِّرْه بنَفسِك على الوَجهِ الذي نحِبُّ، فأمَرَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُجيبَهم قائلًا: لا يحِقُّ لي أن أغيِّرَه مِن قِبَلِ نَفسي، ما أتَّبِعُ إلَّا ما يوحيهُ اللَّهُ إليَّ؛ إني أخافُ إن عصيتُ ربِّي  عذابَ يومٍ عَظيمٍ، وهو يومُ القيامةِ.
وأمَرَه أيضًا أن يقولَ لهم: لو شاءَ اللهُ ما تَلَوتُ عليكم القُرآنَ، ولا أعلَمَكم اللهُ به؛ فقد أقمْتُ فيكم- يا أهلَ مكَّةَ- حِينًا طويلًا قبلَ أن يُوحَى إليَّ هذا القُرآنُ، أفلا تَعقِلونَ؟!
فلا أحَدَ أظلَمُ ممَّن تقوَّلَ على اللهِ الكَذِبَ، أو كذَّبَ بآياتِه؛ إنَّه لا يُفلِحُ المُجرِمونَ.

تفسير الآيات:


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بُدِئَت السُّورةُ بالكتابِ الحكيمِ (القُرآن)، وإنكارِ المُشرِكينَ للوَحيِ بشُبهتِهم المعروفةِ، وسِيقَت بَعدَها الآياتُ في إقامةِ الحُجَجِ عليهم؛ مِن خَلقِ العالَمِ عُلْويِّه وسُفلِيِّه، ومِن طبيعةِ الإنسانِ وتاريخِه، متضمِّنةً لإثباتِ أهَمِّ أركانِ الدِّينِ، وهو الوحيُ والتَّوحيدُ والبَعثُ- جاءت هذه الآياتُ الثَّلاثُ بعد ذلك في شأنِ الكتابِ نَفسِه، وتفنيدِ ما اقتَرَحه المُشرِكونَ على الرَّسولِ فيه، وحُجَّتِه البالغةِ عليهم، في كونِه وَحيًا مِن اللهِ تعالى [196] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/260-261). .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ.
أي: وإذا قُرئَ على مُشرِكي قُريشٍ آياتُ القُرآنِ واضحاتٍ دالَّاتٍ على الحَقِّ، قال الذين يكَذِّبونَ بالبَعثِ، ولا يخافونَ عِقابَنا، ولا يَطمعونَ في ثَوابِنا: أحضِرْ- يا محمَّدُ- قُرآنًا آخَرَ ليس فيه ما نَكْرَهُ مِن التَّوحيدِ، والنَّهيِ عن الشِّركِ، وعَيبِ آلهَتِنا، وذِكرِ البَعثِ والنُّشورِ، أو غيِّرْ هذا القُرآنَ بنَفسِك على الوَجهِ الذي نُحِبُّ [197] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/136)، ((معاني القرآن)) للزجاج (3/11)، ((البسيط)) للواحدي (11/143، 144)، ((تفسير ابن عطية)) (3/110)، ((تفسير الرازي)) (17/224)، ((تفسير القرطبي)) (8/319)، ((تفسير ابن كثير)) (4/253)، ((تفسير الشوكاني)) (2/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359). .
قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ الكُفَّارِ: لا يحقُّ لي أن أُغيِّرَ القُرآنَ بمَحضِ رأيي، ومُقتضَى اجتهادِي،  بِغَيرِ وَحْيٍ مِن اللَّهِ؛ فليس لي مِن الأمرِ شَيءٌ [198] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/136)، ((البسيط)) للواحدي (11/144)، ((تفسير البيضاوي)) (3/107)، ((تفسير ابن كثير)) (4/253)، ((تفسير المنار)) (11/261)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359). .
إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ.
أي: قُلْ- يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ الكُفَّارِ: إنَّما أنا عبدٌ مأمورٌ، ليس لي إلَّا أن أتَّبِعَ ما يُوحيه اللَّهُ إليَّ ويأمُرُني به، مِن غَيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ، ولا تبديلٍ ولا تَحريفٍ [199] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/136)، ((تفسير القرطبي)) (8/319)، ((تفسير النسفي)) (2/11)، ((تفسير الشوكاني)) (2/489)، ((تفسير السعدي)) (ص: 359). .
إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ.
أي: إنِّي أخشى- إن خالَفْتُ أمْرَ اللهِ، وبدَّلْتُ شَيئًا مِن كِتابِه- عذابَ يومِ القيامةِ العظيمِ الأهوالِ [200] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/137)، ((تفسير البيضاوي)) (3/107)، ((تفسير القرطبي)) (8/319)، ((تفسير الشوكاني)) (2/490)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/262). .
كما قال تعالى عن يومِ القِيامةِ: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: 1-2].
قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (16).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ الكافرينَ التَمَسوا مِنَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذلك الالتِماسَ المذكورَ في الآيةِ السَّابقةِ؛ لأجلِ أنَّهم اتَّهَموه بأنَّه هو الذي يأتي بهذا الكِتابِ مِن عندِ نَفسِه، على سبيلِ الاختلاقِ والافتِعالِ، لا على سَبيلِ كَونِه وَحيًا من عندِ الله تعالى؛ فلهذا المعنى احتَجَّ النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على فَسادِ هذا الوَهمِ بما ذكَرَه اللهُ تعالى في هذه الآية [201] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/225-226). .
قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ.
أي: قُلْ- يا محمَّدُ- لهؤلاءِ الكُفَّارِ: لو أراد اللَّهُ ما تَلَوتُ عليكم القُرآنَ؛ فاللهُ وَحْدَه هو الذي أنزَلَه عليَّ، وأمَرَني بتِلاوَتِه عليكم، فهو ليس من قِبَلي، ولا أقدِرُ على ذلك، ولا أقدِرُ على الإتيانِ بقرآنٍ غَيرِه [202] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/137)، ((البسيط)) للواحدي (11/145)، ((تفسير ابن عطية)) (3/110)، ((تفسير القرطبي)) (8/320)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 187، 188)، ((تفسير ابن كثير)) (4/253)، ((تفسير الشوكاني)) (2/490)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/262). .
وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ.
أي: ولو أراد اللهُ لَمَا أعلَمَكم بالقرآنِ، ولا أخبَرَكم به، لكِنَّه أدْراكم به بعد أنْ لم تكونوا كذلك، فلو كان كَذِبًا وافتراءً كما تقولونَ، لأمكَنَ لِغَيري أن يَتلوَه عليكم، وتَدرونَ به مِن جِهَتِه؛ لأنَّ الكَذِبَ لا يَعجِزُ عنه البشَرُ، وأنتم لم تَدْروا بهذا مِن قَبْلُ، ولم تَسمَعوه مِن بشَرٍ غَيري [203] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/137)، ((تفسير ابن عطية)) (3/110)، ((تفسير الرازي)) (17/226)، ((تفسير القرطبي)) (8/320)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 188)، ((تفسير الشوكاني)) (2/490). .
فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ.
أي: فقد أقمْتُ فيكم- يا أهلَ مَكَّةَ- حينًا طويلًا مِن عُمُري- أربعينَ سنةً- قبلَ أن يُوحَى إليَّ هذا القرآنُ، ما جرَّبتُم عليَّ كذبًا قطُّ، تَعرِفونَ صدقي وأمانتي، وأنِّي لستُ ممَّن يقرأُ أو يكتبُ، ثمَّ جِئتُكم بالقُرآنِ، أفلا تَعقِلونَ بذلك أنَّه وحيٌ مِن عندِ الله تعالى [204] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/147، 148)، ((تفسير الرازي)) (17/225، 226)، ((تفسير ابن عطية)) (3/110)، ((تفسير القرطبي)) (8/321)، ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 188)، ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (2/471، 472)، ((تفسير ابن كثير)) (4/253)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/262)، ((تفسير السعدي)) (ص: 360)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/153). ؟!
كما قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون: 69-70].
وعن ابن عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: ((أنَّ أبا سُفيانَ أخبَرَه أنَّ قَيصَرَ سألَه عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: هل كُنتُم تتَّهِمونَه بالكَذِب قبلَ أن يقولَ ما قال؟ قلتُ: لا...)) وذكر الحَديثَ بطولِه، وفيه: ((قال: سألتُك هل كُنتُم تتَّهِمونَه بالكَذِب قبلَ أن يقولَ ما قال؟ فذَكَرْتَ أنْ لا، فقد أعرِفُ أنَّه لم يكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ على النَّاسِ ويكذِبَ على اللهِ !)) [205] رواه البخاري (7) ومسلم (1773). .
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
هذه الآيةُ تَتِمَّةُ الرَّدِّ على اقتراحِ المُشرِكينَ؛ فإنَّه رَدَّ عليهم أوَّلًا ببيانِ حَقيقةِ الأمرِ الواقِعِ، وهو أنَّ تبديلَ القُرآنِ ليس مِن شَأنِ الرَّسولِ في نَفسِه، ولا ممَّا أَذِنَ اللهُ له به، بل يُعاقِبُه عليه أشَدَّ العِقابِ في الآخرةِ إنْ فُرِضَ وُقوعُه منه؛ لأنَّه كلامُه الخاصُّ به. وثانيًا: بإقامةِ الحُجَّةِ العَقليَّةِ على أنَّه كلامُ الله، وأنَّه ليس في استطاعتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الإتيانُ بمِثلِه، ثمَّ عَزَّز هاتينِ الحُجَّتَينِ بثالثةٍ أدبيَّةٍ، وهي: أنَّ شَرَّ أنواعِ الظُّلمِ والإجرامِ في البَشَرِ شيئان؛ أحدُهما: افتراءُ الكَذِبِ على اللهِ، وهو ما اقتَرَحوه عليه بجُحودِهم، وثانيهما: التَّكذيبُ بآياتِ الله، وهو ما اجتَرَحوه بإجرامِهم [206] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/264). .
وأيضًا فإنَّ الكافرينَ التَمَسوا مِن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قُرآنًا يَذكُرُه مِن عندِ نَفْسِه، ونَسَبوه إلى أنَّه إنَّما يأتي بهذا القُرآنِ مِن عِندِ نَفسِه، ثمَّ إنَّه أقام البُرهانَ القاهِرَ الظَّاهِرَ على أنَّ ذلك باطِلٌ، وأنَّ هذا القُرآنَ ليس إلَّا بِوَحيِ اللهِ تعالى وتَنزيلِه، فعندَ ذلك قال [207] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/226). :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ.
أي: فلا أحَدَ أشَدُّ كَذِبًا، وأوضَعُ لِقَولِه في غيرِ مَوضِعِه ممَّن تقوَّلَ الكَذِبَ على اللهِ سُبحانه- كمَن زعَمَ أنَّ اللهَ أوحَى إليه- أو كذَّبَ بآياتِ كِتابِه فلم يُصَدِّقْها [208] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/141)، ((البسيط)) للواحدي (11/148)، ((تفسير ابن عطية)) (3/111)، ((تفسير ابن كثير)) (4/254)، ((تفسير الشوكاني)) (2/491). قال ابن عاشور: (الظُّلم هنا: بمعنى الاعتداءِ، وإنَّما كان أحدُ الأمرَينِ أشَدَّ الظُّلمِ؛ لأنَّه اعتداءٌ على الخالِقِ بالكَذِبِ عليه وبتَكذيبِ آياتِه). ((تفسير ابن عاشور)) (11/124). وهذه الآيةُ قيل: إنَّها مِن جُملةِ رَدِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المُشرِكينَ، لَمَّا طلَبوا منه أن يأتيَ بقُرآنٍ غَيرِ هذا القرآنِ، أو يُبَدِّلَه. وممَّن اختار ذلك: ابنُ جرير، والواحديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/141)، ((الوجيز)) (ص: 492). .
إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ.
أي: إنَّه لا يفوزُ الكافرونَ [209] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/141)، ((تفسير ابن عطية)) (3/111)، ((تفسير الشوكاني)) (2/492). قال الشَّوكاني: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ تعليلٌ لِكَونِه لا أظلَمَ ممَّن افتَرَى على اللهِ كَذِبًا أو كذَّبَ بآياتِه، أي: لا يظفَرونَ بمَطلوبٍ، ولا يَفوزونَ بِخَيرٍ، والضميرُ في إِنَّهُ للشَّأنِ: أي: إنَّ الشَّأنَ هذا). ((تفسير الشوكاني)) (2/492). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هذا جوابٌ حَسَنٌ؛ فإنَّه لَمَّا كان أحدُ المَطلوبَينِ التَّبديلَ، بدأ به في الجوابِ، ثمَّ أُتبِعَ بأمرٍ عامٍّ يشمَلُ انتفاءَ التَّبديلِ وغَيرِه، ثمَّ أتى بالسَّبَبِ الحامِلِ على ذلك، وهو الخوفُ، وعَلَّقَه بمُطلَقِ العِصيانِ، فبِأَدنَى عصيانٍ ترتَّبَ الخَوفُ [210] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/24). .
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ هم طَلَبوا مِن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَ أمرَينِ على البَدَلِ: فالأوَّلُ: أن يأتيَهم بقرآنٍ غيرِ هذا القُرآنِ. والثاني: أن يُبدِّلَ هذا القُرآنَ، وفيه إشكالٌ؛ لأنَّه إذا بدَّلَ هذا القرآنَ بغَيرِه، فقد أتى بقرآنٍ غيرِ هذا القُرآنِ، وإذا كان كذلك، كان كلُّ واحدٍ منهما شيئًا واحدًا، وإذا ثبت أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن هذينِ الأمرينِ هو نفسُ الآخَرِ، كان إلقاءُ اللَّفظِ على التَّرديدِ والتَّخييرِ فيه باطلًا.
والجواب: أنَّ أحَدَ الأمرينِ غيرُ الآخَرِ؛ فالإتيانُ بكتابٍ آخَرَ لا على ترتيبِ هذا القرآنِ، ولا على نَظمِه، يكونُ إتيانًا بقُرآنٍ آخَرَ، وأمَّا إذا أتى بهذا القُرآنِ، إلَّا أنَّه وضع مكانَ ذَمٍّ بعضَ الأشياءِ مَدَحَها، ومكانَ آيةِ رحمةٍ آيةَ عَذابٍ، كان هذا تبديلًا، أو يقالُ: الإتيانُ بقُرآنٍ غَيرِ هذا، هو أن يأتيَهم بكتابٍ آخَرَ سِوى هذا الكِتابِ، مع كَونِ هذا الكتابِ باقيًا بحالِه، والتَّبديلُ هو أن يغيِّرَ هذا الكتابَ [211] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/224). .
3- إذا قيلَ: هم طَلَبوا مِن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَ أمرَينِ: إمَّا أن يأتيَهم بقُرآنٍ غيرِ هذا القُرآنِ، أو أن يبَدِّلَ هذا القرآنَ، ومع ذلك اكتفَى في الجوابِ على نَفيِ أحدِ القِسمَينِ وهو قولُه: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ... [212] لكن قال محمد رشيد رضا: (لَقَّنَه الجوابَ عنِ الشَّقِّ الأوَّلِ مفصولًا لأهمِّــيَّتِه بقولِه: قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ أي: ولو شاء ألَّا يُدرِيَكم ويُعْلِمَكم به بإرسالي إليكم، لَمَا أرسَلَني، ولَمَا أدراكم به، ولكِنَّه شاء أن يَمُنَّ عليكم بهذا العِلمِ الأعلى؛ لِتَدرُوه فتَهتَدوا به، وتكونوا بهِدايتِه خلائِفَ الأرضِ، وقد عُلِمَ أنَّ هذا إنَّما يكونُ به لا بقُرآنٍ آخَرَ... ومِن الغَريبِ أن ترى أساطينَ المُفَسِّرينَ لم يَفهَموا من الآيةِ أنَّ فيها جوابًا عن الشِّقِّ الأوَّلِ مِن اقتراحِ المُشرِكينَ، وهو الإتيانُ بقُرآنٍ آخَرَ، وقد هدانا اللهُ تعالى إليه مع بُرهانِه بفَضلِه، وكم تَرَك الأوَّلُ للآخِرِ!). ((تفسير المنار)) (11/262، 264). . فيُقال: الجوابُ المذكورُ عن أحَدِ القِسمَينِ هو عَينُ الجوابِ عن القِسمِ الثَّاني، وإذا كان كذلك وقَعَ الاكتفاءُ بذِكرِ أحَدِهما عن ذِكرِ الثَّاني [213] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/224). . وقيل: نفَى عن نَفسِه أحَدَ القِسمَينِ، وهو التَّبديلُ؛ لأنَّه الذي يُمكِنُه- لو كان ذلك جائزًا- بخِلافِ القِسمِ الآخَرِ، وهو الإتيانُ بقرآنٍ آخَرَ؛ فإنَّ ذلك ليس في وُسعِه، ولا يقدِرُ عليه. وقيل: إنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نفَى عن نَفسِه أسهَلَ القِسمَينِ؛ ليكونَ دليلًا على نَفيِ أصعَبِهما بالطَّريقِ الأَوْلى، وهذا منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن بابِ مُجاراةِ السُّفهاءِ؛ إذ لا يَصدُرُ مِثلُ هذا الاقتراحِ عن العُقَلاءِ بعد أنْ أمَرَه اللهُ سُبحانَه بذلك [214] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/489). .  
4- قال الله تعالَى عن المشركينَ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ وقولُهم هذا يحتَمِلُ أن يكونَ جِدًّا، ويحتَمِلُ أن يُريدوا به الاستهزاءَ، وعلى الاحتمالينِ فقد أمرَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأن يُجيبَهم بما يَقلَعُ شُبهَتَهم مِن نُفوسِهم إن كانوا جادِّينَ، أو مِن نُفوسِ مَن يَسمَعونَهم مِن دَهْمائِهم فيَحسَبون كلامَهم جِدًّا، فيتَرَقَّبون تبديلَ القُرآنِ، فقال تعالى له: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [215] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/117). .
5- قال الله تعالى: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي يُفهَمُ مِن قَولِه تعالى: مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي أنَّ اللهَ تعالى يُبدِّلُ مِنه ما شاء بما شاء، وصَرَّحَ بهذا المفهومِ في مواضِعَ أُخَرَ، كقولِه تعالى: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ [النحل: 101]، وقولِه تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: 106] ، وقولِه تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى [216] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/152). [الأعلى: 6- 7].
6- في قوله: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ دلَّ سياقُ الكلامِ على أنَّ الإتيانَ بقرآنٍ آخرَ غيرِ هذا، بمعنَى إبطالِ هذا القرآنِ، وتعويضِه بغيرِه، وأنَّ تبديلَه بمعنَى تغييرِ معاني وحقائقِ ما اشْتَملَ عليه ممتنِعٌ، ولذلك لم يُلَقَّنِ الرسولُ صلَّى الله عليه وسَلَّم أنْ يقولَ هنا: إلَّا ما شاءَ اللَّه، أوْ نحو ذلك [217] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/119). .
7- قولُ اللهِ تعالى: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ لَمَّا كان هذا الكتابُ العَظيمُ قد جاء على يَدِ مَن لم يتعَلَّمْ، ولم يُتلمذْ، ولم يطالِعْ كِتابًا، ولم يمارِسْ مُجادلةً، عُلِمَ بالضَّرورةِ أنَّه لا يكونُ إلَّا على سبيلِ الوَحيِ والتَّنزيلِ، وإنكارُ العُلومِ الضَّروريةِ يَقدَحُ في صِحَّةِ العَقلِ، فلِهذا السَّبَبِ قال: أَفَلَا تَعْقِلُونَ [218] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/226). .
8- قال الله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ قولُه تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا المقصودُ مِنه نفيُ الكَذِبِ عن نَفسِه، وقَولُه تعالى: أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ المقصودُ منه إلحاقُ الوَعيدِ الشَّديدِ بهم؛ حيث أنكَروا دَلائِلَ اللهِ، وكَذَّبوا بآياتِ الله تعالى [219] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/226). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
- قولُه: وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ فيه الْتِفاتٌ مِن خِطابِهم إلى الغيبةِ؛ إعراضًا عنهُم، وتَوجيهًا الخطابَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم بتَعْديدِ جِناياتهِم المضادَّةِ لما أُريدَ مِنهم بالاستِخْلافِ مِن تكذيبِ الرَّسولِ والكفرِ بالآياتِ البيِّناتِ [220] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/128). ، ويظهَرُ في هذه الآيةِ أنَّ نُكتةَ حكايةِ هذا الاقتراحِ السَّخيفِ بأسلوبِ الإخبارِ عن قَومٍ غائبينَ إفادةُ أمرَينِ؛ أحدُهما: إظهارُ الإعراضِ عنهم كأنَّهم غيرُ حاضرينَ؛ لأنَّهم لا يستحِقُّونَ الخِطابَ به مِنَ الله تعالى. ثانيهما: تلقينُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجوابَ عنه بما ترى مِن العبارةِ البليغةِ التَّأثيرِ [221] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/261). .
- قولُه: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فيه تقديمُ الظَّرفِ وَإِذَا تُتْلَى... على عامِلِه، وهو قولُه: قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا؛ للاهتِمام بذِكْرِ ذلك الوقتِ الَّذي تُتلى فيه الآياتُ عليهم، فيَقولون فيه هذا القولَ؛ تعجُّبًا مِن كَلامِهم، ووَهنِ أحلامِهم [222] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/117). .
- والتَّعبيرُ بالفِعلِ المضارِعِ تُتْلَى؛ للدَّلالةِ على التَّكرُّرِ والتَّجدُّدِ، أي: ذلك قولُهم كُلَّما تُتلى علَيهم الآياتُ [223] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/117). ، وبُني للمَفعولِ؛ إيذانًا بتَكذيبِهم عند تلاوةِ أيِّ تالٍ كان [224] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/86). .
- قولُه: قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فيه وضعُ الموصولِ موضِعَ الضَّميرِ- حيث لم يَقُلْ: (قَالُوا)- إشعارًا بعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلةِ؛ للعَظيمةِ المَحكيَّةِ عَنهم، وأنَّهم إنَّما اجتَرَؤوا عليها لِعدَمِ خوفِهم مِن عِقابِه تَعالى يومَ اللِّقاءِ؛ لإنكارِهم له، ولِما هو مِن مَباديه مِن البَعثِ [225] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/128). .
- قولُه: قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ لَمَّا كان لاقتِراحِهم مَعنًى صريحٌ، وهو الإتيانُ بقُرآنٍ آخَرَ، أو تبديلُ آياتِ القرآنِ الموجودِ، ومعنًى التزاميٌّ كنائيٌّ، وهو أنَّه غيرُ مُنزَّلٍ مِن عِندِ اللهِ، وأنَّ الَّذي جاء به غيرُ مُرسَلٍ مِن اللهِ؛ كان الجوابُ عن قولِهم جَوابَين، أحَدُهما: ما لَقَّنه اللهُ بقولِه: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، وهو جوابٌ عن صريحِ اقتراحِهم، وثانيهما: ما لقَّنه بقولِه: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وهو جوابٌ عن لازِمِ كلامِهم، وقد جاء الجوابُ عن اقتراحِهم كَلامًا جامِعًا؛ قضاءً لِحَقِّ الإيجازِ البديعِ، وجاءَ بأبلَغِ صِيَغِ النَّفيِ، وهو: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ، أي: ما يَكونُ التَّبديلُ مِلكًا بيَدي [226] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/117-118). .
- وجملةُ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ في موضعِ التَّعليلِ لِجُملةِ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ؛ ولذلك فُصِلَت عنها- أي: لم تُعطَفْ- واقتَرَنَت بحَرفِ (إنَّ)؛ للاهتمامِ، و(إنَّ) تُؤْذِنُ بالتَّعليلِ [227] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/119). .
- قولُه: إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي فيه التَّعرُّضُ لعُنوانِ الرُّبوبيَّةِ، معَ الإضافةِ إلى ضَميرِه صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم؛ لِتَهويلِ أمرِ العِصْيانِ، وإظهارِ كَمالِ نَزاهتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عنه [228] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/129). .
- قولُه: يَوْمٍ عَظِيمٍ فيه إيرادُ اليومِ بالتَّنوينِ التَّفخيميِّ، ووصفُه بالعِظَمِ؛ لِتَهويلِ ما فيه مِن العذابِ وتَفظيعِه [229] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/129). .
2- قولُه تعالى: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ فيه مُبالَغةٌ في التَّبرِئةِ ممَّا طلَبوا منه، أي: إنَّ تِلاوتَه عليهم هذا القرآنَ إنَّما هو بمَشيئةِ اللهِ تَعالى، وإحداثِه أمرًا عجيبًا خارِجًا عن العاداتِ [230] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/25). .
- ومفعولُ شَاءَ محذوفٌ، أي: (قُل لو شاء اللهُ أنْ لا أَتلُوَه...)، وجاء جوابُ (لو) على الفصيحِ مِن عدمِ إتيانِ اللَّامِ؛ لِكَونِه مَنفيًّا بما [231] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/25). .
3- قولُه تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ
- قوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا استفهامٌ إنكاريٌّ، وتقريرٌ، أي: لا أحَدَ أظلَمَ مِمَّن افْتَرى على اللهِ كَذِبًا، أو ممَّن كَذَّب بآياتِه بعدَ بَيانِها [232] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/111)، ((تفسير أبي السعود)) (4/131)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/124). .
- قولُه: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ تذييلٌ، وموقِعُه يَقتَضي شُمولَ عُمومِه للمَذكورين في الكَلامِ المذيَّلِ، فيَقْتَضي أنَّ أولئِك مُجرِمون، وأنَّهم لا يُفلِحون [233] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/124). .
- وقولُه أيضًا: إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ فيه تأكيدُ الجملةِ بحَرفِ التَّأكيدِ (إنَّ)؛ وذلك نَظرًا إلى شُمولِ عُمومِ المُجرِمين للمُخاطَبين؛ لأنَّهم يُنكِرون أن يَكونوا مِن المجرِمين. وفيه افتِتاحُ الجملةِ بضَميرِ الشَّأنِ إِنَّهُ؛ لِقَصدِ الاهتِمامِ بمَضمونِها [234] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/124). .