موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (30-33)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ

غريب الكلمات:


خَلِيفَةً: الخِلافة النِّيابة عن الغَير، خلف فلان فلانًا: قام بالأمر عنه، إمَّا معه وإمَّا بَعدَه، وأصله: مجيء شيءٍ بعدَ شيء يقوم مقامَه [349] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/210)، ((المفردات)) للراغب (ص: 294). .
وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ: أي: يُسيلها، وأصل السَّفك: الصَّبُّ والإراقة؛ يقال: سفَك دمَه: إذا أسالَه [350] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/78)، ((المفردات)) للراغب (ص: 413). .
وَنُقَدِّسُ لك: أي: نُطهِّر الأشياء ارتسامًا لك، أو نصفك بالتقديس، ونثبت ما يَلِيق بك، ونُقدِّسك ونُقدِّس لك بمعنى واحد، وأصل التقديس: التطهير [351]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 8)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 472)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/63)، ((المفردات)) للراغب (ص: 660). .
سُبْحَانَكَ: سُبْحَانَ: اسْم وُضِع مَوضِع المصدر، ومعناه التَّنزيه والتبرئة للربِّ- جل ثناؤه- من السُّوء، وأصله: المرُّ السَّريع في عِبادة الله تعالى [352] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 274)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/125)، ((المفردات)) للراغب (ص: 392). .

مشكل الإعراب:


قوله: سُبْحَانَكَ: منصوب، مفعول مطلَق لفِعل محذوف وجوبًا، على أنَّه مَصدرٌ، أو اسم مصدر (التسبيح)، أي: نُسبِّحك تسبيحًا. والكاف في محلِّ جرٍّ بالإضافة، ويجوز أن يكون الضمير مفعولًا به لأنه هو المُسبَّح، أو فاعلًا؛ إذ المعنى: تنزَّهْتَ [353] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/86)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/49)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (1/265)، ((إعراب القرآن الكريم)) لدعاس (1/20). .

المعنى الإجمالي:


يُذكِّر الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، بقوله للملائكة بأنَّه سيجعل في الأرض خَلقًا يَخلُف بعضُهم بعضًا، وهو آدَمُ وذريَّته من بعده، فقالت الملائكة مُستعلِمين لا مُعترِضين: أتجعَلُ في الأرض مَن يفسدون فيها، ويَقتُل بعضُهم بعضًا؟! ولم نُستخلفْ نحن مع أنَّنا دائمو التسبيح بحمدك والتقديس لك؟! فأخبرهم تعالى أنَّه يَعلمُ ما لا يعلمون، ممَّا خفِيَ عليهم من الحِكَم والمصالِح بخَلْقه البَشرَ، واستخلافِهم في الأرض.
وعلَّم اللهُ آدمَ عليه السَّلام أسمَاء كلِّ شيء، ثم أظهر الأشياءَ التي علَّمه أسماءها للملائكة، وأمَرهم أن يخبروه عن أسمائها، إنْ كانوا محقِّين في دعواهم العلمَ بالأشياء، وأنَّهم يستحقُّون الأفضلية على آدَم. فحِينها نزَّه الملائكة اللهَ سبحانه وتعالى، وأقرُّوا أنَّهم لا يعلمون شيئًا إلَّا ما علَّمهم سبحانه، وهو العالم بكلِّ شيء، والحَكيم الذي يَضَع الأمورَ في مواضعها.
فأمَر اللهُ تعالى آدمَ أن يُخبر الملائكة بأسماء تلك الأشياء، فأخبَرهم بها، فلمَّا أخبرهم بانَ فضلُه على الملائكة، فقال لهم الله تبارك وتعالى مقرِّرًا بأنه قد سبَق وأخبرهم أنَّه يعلم كلَّ ما يغيب عن الخلق في السَّموات والأرض، كما يعلم ما يُظهِره الملائكةُ وما يُخفُونه.

تفسير الآيات:


وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً.
أي: واذكر [354] قال أبو البقاء الكفوي: (كل ما ورد في القرآن: و(إذ)، فـ(اذكر) فيه مُضمَر، أي: اذكر لهم، أو في نفسك كيفما يقتضيه صدرُ الكلام، و(إذ) منصوبٌ به، وعليه اتِّفاق أهل التفسير) ((الكليات)) (ص: 69). يا محمَّد، حين قال ربُّك للملائكة أنَّه سيجعل في الأرض خليفةً، وهو آدَمُ عليه السَّلام، وذُريتُه من بعده، يَخلُف بعضُهم بعضًا، جيلًا بعد جِيل [355] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/476-477)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (35/42-45) ((الصفدية)) لابن تَيميَّة (2/58)، ((تفسير ابن كثير)) (1/216)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/20-21)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/112). وقد حَكى الواحديُّ في ((التفسير الوسيط)) (1/113)، والقرطبي في ((تفسيره)) (1/263)، وابن القيم في ((مفتاح دار السعادة)) (1/26)، الإجماعَ على أنَّ المراد بالخليفة هنا آدَمُ عليه السَّلام، ولكن ذهَب ابنُ كثير إلى أنَّ دعوى الإجماع هذه لا تصحُّ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/216). .
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
أي: قال الملائكةُ لربَّهم مُستَعْلمين لا مُعْتَرِضين: ما الحِكمةِ من إقامة ذُرِّية آدَم في الأرض، والحال أنَّهم سيُفسدون فيها، ويُعمِلون القَتلَ بينهم، ولم نُستخلفْ نحن في الأرض مع أنَّنا دائمون على تسبيحك تسبيحًا مصحوبًا بالحمدِ لك ودائمون على التقديس لك؟
والتسبيح هو تنزيهُ الله تعالى، أي: يُبعِدون كلَّ نقصٍ وعيب، فلا ينسبونه إلى الله عزَّ وجلَّ.
والحمدُ هو وصفُ الله المحمودِ بالكمالِ، حبًّا وتعظيمًا له عزَّ وجلَّ.
والتقديس هو التطهيرُ، فيَصِفون الله تعالى بالطَّهارة من جميع الأدناس [356] وقد نفى ابن عطية الخِلافَ في أنَّ معنى التقديس هو التَّطهير. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (1/118). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/499، 502، 504، 505)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) لابن تَيميَّة (7/382)، ((تفسير ابن كثير)) (1/216)، ((تفسير السعدي)) (ص: 48)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/113-115). وممَّن قال مِن السَّلف: إنَّ التقديس هو التطهيرُ: ابن عبَّاس، والضحَّاك، يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/506)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/79) .
كما قال تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى: 5].
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، سُئِلَ: أيُّ الكلام أفضلُ؟ قال: ((ما اصطَفَى اللهُ لملائكتِه أو لعباده: سُبحانَ اللهِ وبِحَمدِه )) [357] رواه مسلم (2731). .
قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
أي: أنا العالم بالظَّواهر والسرائر، أعلم ما خفِي عليكم ممَّا يحصُل بخَلْق البَشَر من المصالِح والحِكم، ومِن ذلك: أنَّه يكونُ منهم الرُّسُل والأنبياء والصِّدِّيقون وغيرُهم ممَّن يُحقِّق عبوديةَ الله تبارك وتعالى [358] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/137-138)، ((تفسير ابن كثير)) (1/216-217)، ((تفسير السعدي)) (ص:49). .
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
لَمَّا أَعلم سبحانه الملائكةَ أنَّ الأمر على خِلاف ما ظنُّوا، شرَع في إقامة الدَّليل عليه [359] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (1/240). ، فقال:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا.
أي: إنَّ الله تعالى قد عَلَّم آدَمَ عليه السَّلام أسماءَ كلِّ شيء [360] نسَبه ابنُ تَيميَّة إلى الجمهور. كما في ((مجموع الفتاوى)) (7/94). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (1/222-223)، ((تفسير السعدي)) (ص: 49)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/118-119). وممَّن قال من السَّلف بذلك: ابن عبَّاس ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقَتادَة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/541)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/80). قال القرطبيُّ: (قال ابنُ خُوَيز مِنداد: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ اللغة مأخوذة توقيفًا، وأنَّ الله تعالى علَّمها آدم عليه السلام جملةً وتفصيلًا، وكذلك قال ابنُ عبَّاس: علَّمه أسماء كلِّ شيء، حتى الجَفْنة والمِحْلَب) ((تفسير القرطبي)) (1/282). وقال ابنُ كثير: (يقال: إنَّ هودًا عليه السلام أوَّلُ مَن تكلَّم بالعربية، وزعَم وهب بن منبه أنَّ أباه أوَّلُ من تكلَّم بها، وقال غيرُه: أوَّل مَن تكلم بها نوح، وقيل: آدم، وهو الأشبهُ) ((البداية والنهاية)) (1/138). .
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
أي: أظْهَر الله تعالى تلك المسمَّياتِ للملائكة، وامتحنهم تحديًا لهم، فأمَرهم أن يُخبروه بأسماء ما عَرَض عليهم، إنْ كانوا حقًّا صادقين في دَعواهم بأنَّهم على علمٍ بالأشياء، ومستحَقُّون للأفضلية على آدَم [361] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/523-524)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/117)، ((تفسير ابن كثير)) (1/224)، ((تفسير السعدي)) (ص: 49)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/412-413)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/119). .
قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
هذا تنزيهٌ من الملائكة لله عزَّ وجلَّ بنفي علم أي شيءٍ، إلَّا ما علَّمهم الله تعالى، وهو العليم بغِير تعليم، وهو الحكيم الذي يضَعُ الأشياءَ مواضعَها، حكيمٌ في خَلْقه وأمْره، وفي تعليم مَن يشاء، فنَفَى الملائكةُ الكرام أصلَ العلم عن أنفسهم، وأثبتوا كمالَ العِلم والحِكمة لله تبارك وتعالى [362] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/528)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 185)، ((تفسير ابن كثير)) (1/225)، ((تفسير السعدي)) (ص: 49). .
قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
أي: أمَر اللهُ تعالى آدَمَ عليه السَّلام أن يُخبر الملائكةَ بأسماء الأشياء التي علَّمها الله تعالى إيَّاه من قبلُ، وعرَضها سبحانه على الملائكة، فلم يعرفوها، فلمَّا أخبرهم آدَمُ بتلك الأسماء، فسمَّى كلَّ شيء باسمه، ظهَر فضلُه وشرفُه عليه السَّلامُ على الملائكة، فقال الله تعالى مقرِّرًا بأنه قد قال لهم من قَبلُ بأنَّه يعلم كلَّ ما يَغيب عن الخلْق، سواء في السموات أو في الأرض، كما يعلم سبحانه ما يُظهِره الملائكة، وما يُخفونه [363] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/530)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/118)، ((تفسير ابن عطية)) (1/122)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/138-139)، ((تفسير ابن كثير)) (1/225-226)، ((تفسير السعدي)) (ص: 49)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/417-418). وقدِ استخرَج ابن القيِّم من هذا المقطع وجوهًا تبيِّن فضلَ العلم، وشرفَ صاحبه. يُنظر: ((مفتاح دار السعادة)) (1/52-53)، ((تفسير السعدي)) (ص: 48). .
كما قال تعالى إخبارًا عن قولِ الهُدهد لسليمان عليه السَّلام: أَلَّا يَسْجُدُوا لله الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل: 25].

الفَوائِد التربويَّة:


1- في قوله تعالى: فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، جوازُ امتحانِ الإنسان بما يدَّعي أنَّه مُجيدٌ فيه [364] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/121). .
2- جواز التحدِّي بالعبارات التي يكون فيها شيءٌ من الشدَّة؛ لقوله تعالى: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [365] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/121). .
3- في قوله تعالى: أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، إشارةٌ إلى تقرير المخاطَب بما لا يُمكنه دفعُه [366] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/124). .
4- عمومُ عِلم الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه يتعلق بالمُشاهَد، والغائِب، وأنَّ الله تعالى عالِم بما في القلوب، سواء أُبدِي أم أُخفي، وهذه المعرفة تَزرع في القلب خشيةَ الله تبارك وتعالى [367] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/124). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- دلَّ قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً على أنَّه يَعلم أنَّ آدَمَ يَخرُج من الجَنَّة؛ فإنَّه لولا خروجُه من الجنة لم يَصِرْ خليفةً في الأرض، فإنَّه أمَرَه أن يسكُن الجنة ولا يأكل من الشجرة، ونهاه عن طاعة إبليس، وقد علِم قبل ذلك أنه يخرج من الجنَّة، وأنَّه إنَّما يخرُج منها بسبب طاعته إبليسَ، وأكْله من الشَّجرة؛ ولهذا قال مَن قال من السَّلف: إنَّه قدَّر خروجه من الجنة قبل أن يأمُرَه بدخولها بقوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [368] يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (8/492). .
2- في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ إثباتُ القول لله عزَّ وجلَّ، وأنَّه بحَرْف، وصوت؛ وهذا مذهبُ السَّلَف الصَّالح [369] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/116). ويُنظر: ((خلق أفعال العباد)) للبخاري (ص: ١٤٩)، ((رسالة إلى أهل الثغر)) لأبي الحسن الأشعري (ص: ٢١٤)، ((الحجة)) لقوام السنة الأصبهاني (١/٣٣١و٣٣٢)، ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) (١٢/٣٠٤)، (٦/٥١٣- ٥٤٥).   .
3- في قوله تعالى: قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، جاء ابتِداء خِطاب آدَم بندائه مع أنَّه غيرُ بعيد عن سماع الأمْر الإلهيِّ؛ للتنويه بشأن آدَم، وإظهار اسمه في الملأ الأعلى؛ حتى ينالَ بذلك حُسنَ السُّمعة، مع ما فيه من التكريم عند الآمِر؛ لأنَّ شأن الآمِر والمُخاطِب إذا تَلطَّفَ مع المُخاطَب أن يَذكُرَ اسمَه ولا يَقتصرَ على ضمير الخطاب؛ حتى لا يساويَ بخِطابِه كلَّ خِطاب، ومنه ما جاء في حديث الشَّفاعة بعد ذِكر سجود النبيِّ وحمْدِه اللهَ بمحامدَ يُلهمه إيَّاها، فيقول: ((يَا مُحمَّدُ، ارفعْ رأسك، سَلْ تُعطَ، واشفعْ تُشفَّع )) [370] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/417)، والحديث أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194).   .

بلاغة الآيات:


1- في قوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ
إسنادُ القول إلى الربِّ في هذا المقام في غايةٍ من المناسَبة والبيان [371] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/225)؛ قال أبو حيان: (لأنه لما ذكر أنَّه خلَق لهم ما في الأرض، كان في ذلك صلاحٌ لأحوالهم ومعايشهم؛ فناسب ذكر الرب، وإضافتُه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم تنبيهٌ على شرفه واختصاصه بخطابه، وهزٌّ لاستماع ما يُذكر بعد ذلك من غريب افتتاح هذا الجنس الإنساني، وابتداء أمره ومآله).   .
وفيه التفاتٌ بتنويع الخِطاب، بخروجه من الخِطاب العام إلى الخِطاب الخاص [372] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/225).   .
2- في قوله: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
عبَّر بالجُملة الاسميَّة؛ لإفادة الدَّلالة على الدَّوام والثَّبات، أي: هو وصفُهم الملازم لجِبلَّتهم [373] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/406). .
وتقديمُ المسنَد إليه نَحْنُ على الخبَر الفِعلي نُسَبِّحُ دون حرْف النَّفي، يحتمل أن يكون للتَّخصيص، بحاصل ما دلَّت عليه الجملةُ الاسميَّة من الدَّوام، أي: نحن الدَّائمون على التَّسبيح والتقديس دون هذا المخلوق [374] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/406). .
قوله: لَا عِلْمَ لَنَا النَّكرة فيه مبنيَّة مع (لا)، والنكرة لا تُبنَى على الفتح مع (لا) إلَّا إذا كانت (لا) لنفي الجِنس، فهي نكرةٌ في سياق النفي فتعم، والمعنى: أنَّهم نفَوا جِنسَ العلم من أصله عن أنفسهم، إلَّا شيئًا علَّمهم الله سبحانه إيَّاه، وهؤلاء الرُّسل الكرام عليهم صلواتُ الله وسلامُه- مع ما أعطاهم الله من العِلم والمكانة - يقولون: إنَّهم لا يعلمون من الغيب إلَّا ما علَّمهم الله [375] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/386-387). .
3- قوله: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فيه وضع للمُظهَر بِأَسْمَائِهِمْ موضع الضمير (بها)؛ لبيان شأنه، والاهتمام به [376] يُنظر: ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 53). .