موسوعة التفسير

سورةُ سَبَأٍ
الآيات (3-6)

ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ

غَريبُ الكَلِماتِ:


يَعْزُبُ: أي: يَغيبُ، وأصلُ (عزب): يدُلُّ على تباعُدٍ وتَنَحٍّ [46] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 353)، ((تفسير ابن جرير)) (19/210)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/310)، ((تفسير القرطبي)) (14/260)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 342). .
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ: أي: زِنةُ نملةٍ صغيرةٍ، يُقالُ: هذا على مِثقالِ هذا، أي: على وزنِ هذا، وأصلُ (ثقل): ضِدُّ الخفَّةِ، والذَّرَّةُ هي أصغرُ النَّملِ، وقيل: هي ما يَرفَعُه الرِّيحُ مِن التُّرابِ وأجزاءِ الهواءِ في الكوَّةِ [47] الكوةُ- بفتحِ الكافِ وضمِّها- : الخَرْقُ في الحائطِ ونحوِه. يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبيدي (39/425). ، وأصلُ (ذَرر): يدُلُّ على لَطافةٍ وانتِشارٍ [48]  يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 127)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/455)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/382)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 167)، ((تاج العروس)) للزبيدي (28/157). .
سَعَوْا: السَّعيُ: المشْيُ الشَّديدُ، وهو دونَ العَدْوِ، ويُستعمَلُ للجِدِّ في الأمرِ، وشِدَّةِ الحرصِ في العملِ خيرًا كان أو شرًّا، يُقالُ: سعَى في الأمرِ: إذا جَدَّ فيه لقَصدِ إصلاحِه أو إفسادِه [49] يُنظر: ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 411)، ((تفسير ابن جزي)) (2/43)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/295)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/283). .
مُعَاجِزِينَ: أي: مُشاقِّينَ مُعانِدينَ مُغالِبينَ، والمُعاجَزةُ: مُحاوَلةُ عَجْزِ المغالَبِ؛ يُريدُ كلُّ واحدٍ أن يُظهِرَ عجزَ صاحبِه، وأصلُ (عجز): يدُلُّ على ضَعفٍ [50] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 353)، ((تفسير ابن جرير)) (16/601)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 445)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/232)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 247)، ((تفسير القرطبي)) (14/307). .
رِجْزٍ: الرِّجزُ: سوءُ العذابِ وأليمُه، وأصل (رجز): يدُلُّ على الاضطِرابِ [51] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/213)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/489)، ((المفردات)) للراغب (ص: 341)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 76). .

المعنى الإجماليُّ:


يَذكُرُ الله تعالى ما قاله الكافرونَ في شأنِ القيامةِ، فيقولُ: وقال الكُفَّارُ مُنكِرينَ البَعثَ بعدَ الموتِ: لا تأتينا القيامةُ! ويأمُرُ الله تعالى رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يرُدَّ عليهم، فيقولُ: قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: بلى ورَبِّي عالمِ الغَيبِ لَتأتينَّكم القيامةُ، لا يَغيبُ عنه تعالى وَزنُ ذَرَّةٍ في السَّمَواتِ ولا في الأرضِ، ولا أصغَرُ مِن ذلك ولا أكبَرُ منه؛ فكلُّ شَيءٍ مَكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ.
ثمَّ يُبيِّنُ تعالى حِكمتَه في البعثِ وقيامِ السَّاعةِ، فيقولُ: لِيَجزيَ اللهُ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ، أولئك لهم مَغفِرةٌ ورِزقٌ حَسَنٌ.
والَّذين سَعَوا في إبطالِ آياتِ اللهِ تعالى ظانِّينَ أنَّ الله تعالى لا يَقدِرُ على بَعثِهم ومُعاقَبتِهم: أولئك لهم عَذابٌ شديدٌ مُوجِعٌ.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه موقفَ أهلِ العلمِ النَّافعِ ممَّا جاء به الرَّسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم، فيقولُ: ويَرى الَّذين أُوتوا العِلمَ ما أنزَلَه اللهُ إليك -يا محمَّدُ- مِن القُرآنَ هو الحقَّ، وأنَّه يَهدي إلى طَريقِ الله القاهِرِ لكُلِّ شَيءٍ، الحامِدِ لعبادِه، والمحمودِ مِن خَلقِه.

تَفسيرُ الآياتِ:


وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى عَظَمَتَه، بما وَصَف به نفْسَه، وكان هذا مُوجِبًا لتَعظيمِه وتقديسِه، والإيمانِ به؛ ذكَرَ أنَّ مِن أصنافِ النَّاسِ طائفةً لم تَقْدُرْ رَبَّها حَقَّ قَدْرِه، ولم تُعظِّمْه حَقَّ عظَمتِه، بل كفَروا به، وأنكَروا قُدرتَه على إعادةِ الأمواتِ، وقيامِ السَّاعةِ، وعارَضوا بذلك رُسُلَه [52] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 674). .
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ.
أي: وقال الكُفَّارُ تَكذيبًا وإنكارًا للبَعثِ بعدَ الموتِ: لا تأتينا القيامةُ أبدًا [53] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/209)، ((تفسير الشوكاني)) (4/358)، ((تفسير السعدي)) (ص: 674)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/262). !
قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
أي: قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: بلى ستأتيكم القيامةُ، وأُقسِمُ برَبِّي لَتأتينَّكم [54] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/209)، ((تفسير الشوكاني)) (4/358)، ((تفسير السعدي)) (ص: 674). قال الشنقيطي: (لفظةُ: «بلى» لا تأتي في اللُّغةِ العربيَّةِ إلَّا لأحدِ معنيَينِ، لا ثالثَ لهما: الأوَّلُ: أنْ تأتيَ لإبطالِ نَفْيٍ سابقٍ في الكلامِ، فهي نقيضةُ «لا»؛ لأنَّ «لا» لنفيِ الإثباتِ، و «بَلَى» لنَفْيِ النَّفْيِ... كقولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ... الثَّاني: أنْ تكونَ جوابًا لاستفهامٍ مُقتَرِنٍ بنفْيٍ خاصَّةً؛ كقولِه: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: 172]). ((أضواء البيان)) (2/368). .
عَالِمِ الْغَيْبِ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قِراءةُ عَالِمُ الْغَيْبِ بضَمِّ الميمِ، على أنَّ عاَلِمُ خبَرٌ لمبتدأٍ مَحذوفٍ، أو مبتدأٌ وخبَرُه لَا يَعْزُبُ، والجملةُ إمَّا استِئنافيَّةٌ، وإمَّا حاليَّةٌ مِن (رَبِّي) [55] قرأ بها نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ورُوَيس. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 291، 292)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/287)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 581)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 31). .
2- قِراءةُ علَّامِ الْغَيْبِ بتشديدِ اللَّامِ وكَسرِ الميمِ، صيغةُ مُبالَغةٍ مِن صِفةِ العِلمِ [56] قرأ بها حمزةُ والكِسائيُّ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 291، 292)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/287)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 581). .
3- قِراءةُ عَالِمِ الْغَيْبِ بكَسرِ الميمِ، على أنَّ عَالِمِ وصْفٌ لـ (رَبِّي)، أو بدَلٌ منه [57] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 291)، ((معاني القراءات)) للأزهري (2/287)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 581). قال ابنُ جرير: (الصَّوابُ مِن القَولِ في ذلك عندَنا أنَّ كُلَّ هذه القراءاتِ الثَّلاثِ قِراءاتٌ مشهورةٌ في قَرَأَةِ الأمصارِ، مُتقارِباتُ المعاني). ((تفسير ابن جرير)) (19/210). .
عَالِمِ الْغَيْبِ.
أي: العالمِ بكُلِّ ما يَغيبُ عن خَلْقِه، فلا يَعلَمُ وَقتَ مَجيءِ القيامةِ أحدٌ سِواه [58] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/210)، ((تفسير ابن عطية)) (4/405)، ((تفسير السعدي)) (ص: 674). .
لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
أي: لا يَغيبُ عن اللهِ تعالى وَزنُ ذَرَّةٍ سواءٌ كانت في السَّمواتِ أو في الأرضِ؛ فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن خَلقِه، وإن تفَرَّقَت أجزاؤُهم وتمزَّقَت وتلاشَت بعدَ مَوتِهم [59] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/210، 211)، ((تفسير القرطبي)) (14/260)، ((تفسير ابن كثير)) (6/495). والذرَّةُ: أصغرُ النَّملِ، وهو المعروفُ، ويُطلقُ على الهباءةِ التي تُرَى في ضوءِ الشَّمسِ كغُبارٍ دقيقٍ جدًّا، وقيل غير هذا، وهي في الجملةِ عبارةٌ عن أقلِّ الأشياءِ وأصغرِها. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (2/391)، ((تفسير القرطبي)) (5/195)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/214). .
وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ.
أي: ولا يَغيبُ عن الله تعالى أصغَرُ مِن ذلك ولا أكبَرُ منه؛ فكلٌّ مَكتوبٌ مُثبَتٌ في لَوحٍ مَحفوظٍ في غايةِ الإبانةِ والوُضوحِ [60] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/211)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/447)، ((تفسير السعدي)) (ص: 674)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 36). ممَّن اختار أن مُبِينٍ أي: بَيِّنٍ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسمعانيُّ، وجلالُ الدِّينِ المحلِّيُّ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/523)، ((تفسير السمعاني)) (4/316)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 562). قال ابنُ جرير في قولِه تعالى: مُبِينٍ: (أي: يَبِينُ للنَّاظِرِ فيه أنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه قد أثبَتَه وأحصاه وعَلِمه، فلمْ يَعْزُبْ عنه عِلْمُه). ((تفسير ابن جرير)) (19/211). وقال ابن عثيمين: (مُبِينٍ أي: مُفَصِّلٍ لكلِّ شَيءٍ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 36). .
كما قال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام: 59].
وقال سُبحانَه: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: 61].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل: 75].
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى عِلمَه بالصَّغائِرِ والكبائِرِ؛ ذكَرَ أنَّ جَمْعَ ذلك وإثباتَه للجزاءِ، فقال [61] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/192). :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
أي: لِيُثيبَ [62] قال ابنُ عطيةَ: (واللَّامُ مِن قولِه تعالى: لِيَجْزِيَ يصِحُّ أن تكونَ متعلِّقةً بقولِه تعالى: لَتَأْتِيَنَّكُمْ، ويصِحُّ أن تكونَ متعلِّقةً بقولِه: لَا يَعْزُبُ، ويصِحُّ أن تكونَ متعلِّقةً بما في قولِه: إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ مِن معنى الفعلِ؛ لأنَّ المعنى: إلَّا أثْبَتُّه في كتابٍ مبينٍ). ((تفسير ابن عطية)) (4/405). وممَّن اختار القولَ الأوَّلَ: الزجَّاج، والزمخشري، والرسعني، والقرطبي، والشوكاني، والقاسمي، وابنُ عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجَّاج (4/240)، ((تفسير الزمخشري)) (3/568)، ((تفسير الرسعني)) (6/211)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((تفسير الشوكاني)) (4/358)، ((تفسير القاسمي)) (8/134)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/142)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 39). وممَّن اختار القولَ الثَّانيَ: العُلَيميُّ، فقال: (اللَّامُ في لِيَجْزِيَ متعلِّقةٌ بقولِه: لَا يَعْزُبُ، أي: لا يغيبُ عنه شَيءٌ؛ لِيَجزيَ المحسِنَ والمسِيءَ). ((تفسير العليمي)) (5/401). وممَّن اختار القولَ الثالثَ: ابنُ جرير، ومكِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/212)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5885). الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الخالِصةَ للهِ تعالى، الموافِقةَ لِشَرعِه [63] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/487)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((تفسير ابن كثير)) (6/495)، ((تفسير السعدي)) (ص: 675)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/142)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 39-42). .
أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.
أي: أولئك لهم مِنَ اللهِ مَغفِرةٌ لِذُنوبِهم، فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، ولهم رِزقٌ حَسَنٌ في كَمِّيَّتِه وكيفيَّتِه [64] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/212)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 675)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 42-44، 63). .
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى حالَ المؤمِنينَ يومَ القيامةِ؛ بيَّنَ حالَ الكافِرينَ [65] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/193). .
وأيضًا لَمَّا كانت أدِلَّةُ السَّاعةِ قد اتَّضَحت، حتَّى لم يَبْقَ مانِعٌ مِن التَّصديقِ بها إلَّا العِنادُ، وكان السِّياقُ لتَهديدِ مَن جَحَدها؛ قال اللهُ تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [66] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/448). .
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
أ- في قَولِه تعالى: مُعَاجِزِينَ قِراءتانِ:
1- قِراءةُ مُعَجِّزِينَ قيل: على معنى: مُثبِّطينَ ومُبَطِّئينَ [67] قرأ بها ابنُ كثير، وأبو عَمرٍو. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/327). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/185)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 582)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 53، 54). .
2- قِراءةُ مُعَاجِزِينَ قيل: على معنى: مُعانِدينَ. وقيل: على معنى: ظانِّينَ أنَّهم يُعجِزونَنا، أي: يَفوتونَنا؛ لأنَّهم ظَنُّوا أنَّهم لا يُبعَثونَ [68] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/327). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/185)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 582)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 53، 54). .
ب- في قَولِه تعالى: أَلِيمٌ قِراءتانِ:
1- قِراءةُ أَلِيمٌ بالرَّفعِ وصْفًا للعذابِ، أي: عذابٌ أليمٌ مِن رِجزٍ [69] قرأ بها ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 292)، (معاني القراءات)) للأزهري (2/288). .
2- قِراءةُ أَلِيمٍ بالجَرِّ وصْفًا للرِّجْزِ، أي: عذابٌ مِن رِجزٍ أليمٍ [70] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/349). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((الحجة)) لابن خالويه (ص: 292)، (معاني القراءات)) للأزهري (2/288). .
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5).
أي: والَّذين اجتَهَدوا في إبطالِ آياتِ اللهِ تعالى، وصَدِّ النَّاسِ عنها، وظَنُّوا أنَّهم يَفوتونَ اللهَ، فلا يَقدِرُ على بَعثِهم ومُعاقبتِهم: أولئك لهم عذابٌ شديدٌ مُوجِعٌ [71] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/212)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((تفسير ابن كثير)) (6/495)، ((تفسير السعدي)) (ص: 675)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/143، 144)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/264)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 53، 54). ممن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: آَيَاتِنَا: القرآنُ: مقاتلُ بنُ سليمان، والسمرقندي، والنسفي، وجلال الدين المحلي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/524)، ((تفسير السمرقندي)) (3/79)، ((تفسير النسفي)) (3/53)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 563). وممن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ: أدلتُنا وحجَجُنا: ابنُ جريرٍ، ومكِّي، والبغوي، والخازن، والعليمي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/212)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (9/5886)، ((تفسير البغوي)) (3/671)، ((تفسير الخازن)) (3/442)، ((تفسير العليمي)) (5/401).  قال ابنُ عثيمين: (والصوابُ: أنَّ آَيَاتِنَا هنا أعَمُّ من القرآنِ؛ لأنَّ الساعينَ في آياتِ الله تعالى ليسوا هم مِن هذه الأُمَّةِ فقَطْ، حتى في الأُمَمِ السابِقةِ فإنَّ فيهم مَن يَسعَى في آياتِ الله تعالى... في إبطالِها وصدِّ الناسِ عنها، وعلى هذا فنَقولُ: إنَّ المُرادَ بآياتِ الله تعالى هنا أعمُّ مِن القرآنِ، يَشمَلُ السَّعيَ في أيِّ آيةٍ مِن آياتِ الله تعالى). ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 52). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [الجاثية: 11].
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى إنكارَ مَن أنكَرَ البَعثَ، وأنَّهم يَرَونَ ما أنزَل على رَسولِه ليس بحَقٍّ؛ ذكَرَ حالةَ الموفَّقينَ مِن العبادِ -وهم أهلُ العِلمِ- وأنَّهم يَرَونَ ما أَنزلَ اللهُ على رَسولِه مِن الكِتابِ، وما اشتَمَل عليه مِن الأخبارِ: هو الحَقَّ [72] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 675). ؛ فذكَرَ ذلك إعلامًا بأنَّ الَّذي أورَثَ الكَفَرةَ التَّكذيبَ: الجَهلُ [73] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/448، 449). .
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ.
أي: ويرى أهلُ العِلمِ [74] ممَّن اختار أنَّ المرادَ بـ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: مؤمنو أهلِ الكتابِ؛ كعبدِ الله بنِ سَلَامٍ وأصحابِه: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/524)، ((تفسير ابن جرير)) (19/213). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، والضَّحَّاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/490)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/674). وممَّن اختار أنَّهم أصحابُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: الشوكانيُّ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/359)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/146). قال ابن عاشور: (والأظهَرُ أنَّ المرادَ مِن الَّذينَ أُوتوا العِلمَ: مَن آمَنوا بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ مَكَّةَ؛ لأنَّهم أُوتوا القرآنَ). ((تفسير ابن عاشور)) (22/146). وقيل: المرادُ: جميعُ المسلِمينَ. وممَّن رجَّح ذلك: القرطبيُّ، واختاره ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 57، 58). أنَّ ما أنزَلَ اللهُ إليك -يا مُحمَّدُ- مِنَ القُرآنِ: هو الحَقُّ وحْدَه دونَ ما سِواه [75] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/213)، ((تفسير القرطبي)) (14/261)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/449)، ((تفسير السعدي)) (ص: 675)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/145، 146). .
قال تعالى: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: 114، 115].
وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.
أي: ويَرَونَ أنَّ القُرآنَ يَهدي مَن اتَّبَعه إلى طريقِ اللهِ المَنيعِ الجَنابِ، المنتَقِمِ مِن أعدائِه، والقاهِرِ لكُلِّ شَيءٍ فلا يُغالَبُ؛ الحامِدِ لعبادِه، والمحمودِ مِن خَلقِه [76] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (19/214)، ((تفسير القرطبي)) (14/262)، ((تفسير ابن كثير)) (6/28)، ((تفسير السعدي)) (ص: 675)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/146)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 61، 62). .
كما قال تعالى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15، 16].

الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:


1- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إلى قولِه سُبحانَه في حقِّ الكفَّارِ: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ أنَّه يَنبغي في الخِطابِ أنْ يكونَ جامعًا بيْنَ أسبابِ الخَوفِ وأسبابِ الرَّجاءِ؛ لأنَّه إذا ذُكِرَ الخَوفُ فقط فقد يَستولي على القَلبِ القُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، وإذا ذُكِرَ الرَّجاءُ فقط فقد يَستولي عليه الأمنُ مِن مَكرِ اللهِ سُبحانَه وتعالى [77] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 55). .
2- في قَولِه تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ التَّحذيرُ مِن سَعيِ الإنسانِ في إبطالِ آياتِ اللهِ تعالى، والقاعِدةُ في التَّفسيرِ: أنَّه إذا نُهِيَ عن شَيءٍ فهو أمرٌ بضِدِّه؛ فتَكونُ هذه الآيةُ مُتضَمِّنةً للحثِّ على السَّعيِ في آياتِ الله؛ لِتَقريرِها وتَثبيتِها؛ فإنَّنا مأمورونَ بأنْ نسعَى قَدْرَ استطاعتِنا في تثبيتِ آياتِ اللهِ، ونَشْرِها بينَ الأُمَّةِ؛ حتَّى تقومَ المِلَّةُ [78] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 56). .
3- قَولُ الله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فيه مَنقَبةٌ لأهلِ العِلمِ، وفَضيلةٌ وعَلامةٌ لهم، وأنَّه كُلَّما كان العبدُ أعظَمَ عِلمًا وتَصديقًا بأخبارِ ما جاء به الرَّسولُ، وأعظَمَ مَعرِفةً بحُكمِ أوامِرِه ونواهيه؛ كان مِن أهلِ العِلمِ الَّذين جعَلَهم اللهُ حُجَّةً على ما جاء به الرَّسولُ؛ احتَجَّ اللهُ بهم على المكَذِّبينَ المعانِدينَ كما في هذه الآيةِ وغَيرِها [79] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 675). .
4- قَولُه تعالى: أُوتُوا الْعِلْمَ فيه إشارةٌ إلى أنَّه لا يَنبغي للإنسانِ أنْ يُعجَبَ بعِلمِه؛ فبِناءُ الفِعلِ للمَفعولِ يُشيرُ إلى أنَّهم ما أدركوه بأنفُسِهم، ولكنَّ اللهَ تعالى مَنَّ عليهم به، فلا يَنبغي للإنسانِ أنْ يقولَ مُعجبًا بنفسِه: العِلمُ حصَّلْتُه أنا بفَهْمي وحِرْصي ومُثابرتي! وقد أخبَر الله تعالى بما صنَع بالَّذي قال عن مالِه: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 78]، وأنَّه خَسَف به الأرضَ. وإنَّما على الإنسانِ أنْ يَلجأَ إلى اللهِ تعالى في تحصيلِ العِلمِ، وأنْ يسألَه أنْ يُؤتيَه إيَّاه [80] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 64). .

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ هذه إحدَى الآياتِ الثَّلاثِ الَّتي لا رابِعَ لهنَّ ممَّا أمر اللهُ رَسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يُقسِمَ برَبِّه العظيمِ على وُقوعِ المَعادِ، لَمَّا أنكَرَه مَن أنكَرَه مِن أهلِ الكُفرِ والعِنادِ؛ فإحداهنَّ في سورةِ (يونس): وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس: 53]، والثَّانيةُ هذه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ، والثَّالثةُ في التَّغابُنِ: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [81] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/495). [التغابن: 7].
2- في قَولِه تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ إباحةُ القَسَمِ، وقد يجبُ إذا دَعَتِ الحاجةُ إليه؛ نأخُذُه مِن أمرِ اللهِ تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يُقْسِمَ على قيامِ السَّاعةِ [82] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 36). .
3- في قَولِه تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ كمالُ رحمةِ اللهِ بعبادِه؛ حيث أخبرَهم بالبَعثِ، وأكَّدَه بالمؤَكِّداتِ اللَّفظيَّةِ والمعنَويَّةِ والحِسِّيَّةِ أيضًا؛ لأنَّ الإيمانَ بالبَعثِ هو الَّذي يَحمِلُ الإنسانَ على القيامِ بطاعةِ اللهِ؛ إذْ لو لم يكنْ هناك بَعثٌ ما عَمِلَ الإنسانُ للآخِرةِ أبدًا [83] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 34). !
4- قولُه تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ لَقَّنَ اللهُ نَبيَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجوابَ عن قَولِ الكافرينَ بالإبطالِ المُؤكَّدِ، على عادةِ إرشادِ القُرآنِ في انتهازِ الفُرَصِ لِتَبليغِ العقائدِ [84] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/139). .
5- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ أنَّ أفعالَ اللهِ مُعَلَّلةٌ، بمعنى: أنَّ لها عِلَّةً؛ يُؤخَذُ مِن اللَّامِ في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ؛ لأنَّ اللَّامَ للتَّعليلِ، وهذا يُؤَيِّدُ مَذهَبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ الَّذين يقولون: إنَّ أفعالَ اللهِ تعالى مقرونةٌ بالحِكمةِ، ومعلومٌ أنَّ الجَهميَّةَ وكذلك بعضُ الأشاعرةِ يُنكِرونَ أنْ تكونَ أفعالُ اللهِ تعالى لحِكمةٍ، ويقولون: إنَّ أفعالَه لمجرَّدِ المشيئةِ! ونقولُ لهم: إنَّ هذا مُصادَمةٌ للنُّصوصِ، ولو تأمَّلْنَا القرآنَ لوجَدْنا فيه آلافَ الآياتِ تدُلُّ على إثباتِ الحكمةِ للهِ تعالى [85] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 45). .
6- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الفَرقُ بيْنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ عندَ الجَمعِ بيْنَهما؛ فإنَّه إذا جُمِعَ بيْنَهما صار الإيمانُ في القلبِ، والعملُ الصَّالحُ في الجوارحِ [86] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 46). .
7- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الإشارةُ إلى أنَّ الإيمانَ الَّذي في القَلبِ فقط لا يكفي عن العَمَلِ الصَّالحِ؛ لأنَّه رَتَّبَ الجزاءَ على قيامِ الوَصفَينِ بالفاعِلِ، وهما الإيمانُ والعَمَلُ الصَّالحُ [87] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 46). .
8- قَولُ الله تعالى: أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فيه سؤالٌ: ميَّز الرِّزقَ بالوَصفِ بقَولِه: كَرِيمٌ، ولم يَصِفِ المَغفِرةَ؟
الجوابُ: المَغفِرةُ واحِدةٌ هي للمُؤمِنينَ، والرِّزقُ منه شَجَرةُ الزَّقُّومِ والحَميمُ، ومنه الفَواكِهُ والشَّرابُ الطَّهورُ، فميَّز الرِّزقَ؛ لحُصولِ الانقِسامِ فيه، ولم يميِّزِ المغفرةَ؛ لعدَمِ الانقِسامِ فيها [88] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/193)، ((تفسير الشربيني)) (3/279). .
9- في قَولِه تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ دليلٌ ظاهرٌ أنَّ الَّذي نراه معارِضًا للنَّقلِ، ويُقَدِّمُ العقلَ عليه ليس مِن الَّذين أُوتوا العِلمَ في شَيءٍ، لا قليلٍ ولا كثيرٍ! وقد شهِد الله سبحانَه بالعِلمِ لمَن يرَى أنَّ ما جاء به النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن عندِ اللهِ هو الحَقُّ لا آراءَ الرِّجالِ [89] يُنظر: ((الصواعق المرسلة)) لابن القيم (1/155) و (3/851). .
10- في قَولِه تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ أنَّ العقلَ الصَّريحَ لا يُخالِفُ السَّمعَ الصَّحيحَ، بل يُصَدِّقُه ويُوافِقُه [90] يُنظر: ((شرح العقيدة الأصفهانية)) لابن تيمية (ص: 101). .
11- في قَولِه تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ أنَّ أعلَمَ النَّاسِ مَن كان رأيُه واستِصلاحُه واستِحسانُه وقياسُه مُوافقًا للنُّصوصِ، كما قال مجاهِدٌ: (أفضلُ العبادةِ الرَّأيُ الحسَنُ، وهو اتِّباعُ السُّنَّةِ) [91] يُنظر: ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (2/204). وأثرُ مجاهدٍ رواه الأصبهاني في ((حلية الأولياء)) (3/293). .
12- في قَولِه تعالى: وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أنَّ مَنِ ابتغَى الهدَى مِن غيرِ القرآنِ ضَلَّ؛ لأنَّه إذا كان هو الَّذي يَهدي إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ؛ فإذا ابتغيتَ الهدى مِن غيرِه -المخالِفِ له- فإنَّك لا تُهدى إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ! ولهذا لَمَّا طَلَب أهلُ البدعِ الوُصولَ إلى الخالقِ عن طريقِ غيرِ القرآنِ ضَلُّوا وتاهوا، وبقُوا مُتحيِّرينَ مُضطربينَ [92] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 65، 66). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قَولُه تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ
- قولُه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ كان ذِكرُ ما يَلِجُ في الأرضِ وما يَخرُجُ منها مُشعِرًا بحالِ الموتَى عندَ وُلوجِهم القُبورَ، وعندَ بَعْثِهم منها، كما قال تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتًا [المرسلات: 25- 26]، وكان ذِكرُ ما يَنزِلُ مِن السَّماءِ وما يَعرُجُ فيها مُومِئًا إلى عُروجِ الأرواحِ عندَ مُفارَقةِ الأجسادِ، ونُزولِ الأرواحِ لِتُرَدَّ إلى الأجسادِ الَّتي تُعادُ يومَ القيامةِ؛ فكان ذلك مع ما تَقدَّمَ مِن قولِه: وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ [سبأ: 1] مُناسبةً للتَّخلُّصِ إلى ذِكرِ إنكارِ المُشركينَ الحشْرَ؛ لأنَّ إبطالَ زَعْمِهم مِن أهمِّ مَقاصدِ هذه السُّورةِ؛ فكان التَّخلُّصُ بقولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [93] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/138). .
- وفي قولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ تَعريفُ المُسنَدِ إليه بالمَوصوليَّةِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لأنَّ هذا الموصولَ صار كالعَلَمِ بالغَلَبةِ على المُشركينَ في اصطِلاحِ القُرآنِ، وتَعارُفِ المسلمينَ، والسَّاعةُ: عَلَمٌ بالغَلَبةِ في القُرآنِ على يَومِ القِيامةِ وساعةِ الحشْرِ، وعُبِّرَ عن انتفاءِ وُقوعِها بانتفاءِ إتيانِها على طَريقِ الكِنايةِ؛ لأنَّها لو كانتْ واقعةً لَأتَتْ؛ لأنَّ وُقوعَها هو إتيانُها [94] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/139). ، وإنَّما عبَّروا عنه بذلك لأنَّهم كانوا يُوعَدون بإتيانِها، ولأنَّ وُجودَ الأُمورِ الزَّمانيَّةِ المُستقبَلةِ -لا سيَّما أجْزاءُ الزَّمانِ- لا يكونُ إلَّا بالإتيانِ والحُضورِ. وقيل: هو استبطاءٌ لإتيانِها الموعودِ بطَريقِ الهُزءِ والسُّخريةِ كقولِهم: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [95] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/121)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/138). [الملك: 25].
- قولُه: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ أكَّدَ ما اقتضاهُ (بلى) مِن إثباتِ إتيانِ السَّاعةِ بالقَسَمِ على ذلك؛ للدَّلالةِ على ثِقةِ المُتكلِّمِ بأنَّها آتيةٌ، وليس ذلك لإقناعِ المخاطَبينَ، وهو تأْكيدٌ يُروِّعُ السَّامعينَ المُكذِّبينَ. وعُدِّيَ إتيانُها إلى ضَميرِ المخاطبينَ مِن بيْنِ جَميعِ النَّاسِ دونَ: (لِتَأتِينَّا)، ودونَ أنْ يُجرَّدَ عن التَّعديةِ لِمَفعولٍ؛ لأنَّ المُرادَ إتيانُ السَّاعةِ الَّذي يكونُ عندَه عِقابُهم، كما يُقالُ: أتاكُمُ العَدُوُّ، وأتاكَ أتاكَ اللَّاحقونَ؛ فتَعلُّقُه بضَميرِ المُخاطَبينَ قَرينةٌ على أنَّه كِنايةٌ عن إتيانِ مَكروهٍ فيه عَذابٌ [96] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/139). .
- وقولُه: وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ تَأكيدٌ لِرَدِّ كَلامِهم على أتمِّ الوُجوهِ وأكمَلِها، وقولُه: عَالِمِ الْغَيْبِ ... إلخ: إمدادٌ للتَّأكيدِ، وتَسديدٌ له إثرَ تَسديدٍ، وكَسرٌ لِسَورةِ نَكيرِهم واستبعادِهم؛ فإنَّ تَعقيبَ القسَمِ بجَلائلِ نُعوتِ المُقسَمِ بهِ على الإطلاقِ يُؤذِنُ بفَخامةِ شَأنِ المُقْسَمِ عليه، وقُوَّةِ ثَباتِه وصِحَّتِه؛ لِمَا أنَّ ذلك في حُكمِ الاستِشهادِ على الأمْرِ، ولا رَيبَ في أنَّ المُستشهَدَ به كلَّما كان أجَلَّ وأعْلَى، كانتِ الشَّهادةُ آكَدَ وأقْوى، والمُستشهَدُ عليه أحقَّ بالثُّبوتِ وأَولى، لا سيَّما إذا خُصَّ بالذِّكرِ مِن النُّعوتِ ما له تَعلُّقٌ خاصٌّ بالمُقسَمِ عليه كما نحنُ فيهِ؛ فإنَّ وَصْفَه بعِلمِ الغَيبِ الَّذي أشهَرُ أفرادِه وأدخَلُها في الخَفاءِ هو المُقسَمُ عليهِ -إتيانُ السَّاعةِ- تَنبيهٌ لهمْ على عِلَّةِ الحُكمِ وكَونِه ممَّا لا يَحومُ حوْلَه شائبةُ رَيبٍ ما. وفائدةُ الأمْرِ بهذه المَرتبةِ مِن اليمينِ ألَّا يَبقَى للمُعاندينَ عُذرٌ ما أصلًا؛ فإنَّهم كانوا يَعرِفون أمانتَه ونَزاهتَه عن وَصْمةِ الكذِبِ فضْلًا عن اليمينِ الفاجِرةِ، وإنَّما لم يُصَدِّقوه مُكابَرةً [97] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/567)، ((تفسير البيضاوي)) (4/241)، ((تفسير أبي حيان)) (8/519، 520)، ((تفسير أبي السعود)) (7/121)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/140). .
- وجاء القسَمُ بقولِه: وَرَبِّي مُضافًا إلى الرَّسولِ؛ لِيَدُلَّ على شِدَّةِ القَسَمِ؛ إذ لم يَأتِ به في الاسمِ المُشترَكِ بيْنَه وبيْنَ مَن أنكَرَ السَّاعةَ، وهو لَفظُ (اللهِ) [98] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/519). .
- قولُه: عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ أشارَ بقولِه: مِثْقَالُ ذَرَّةٍ إلى تَقريبِ إمكانِ الحشْرِ؛ لأنَّ الكافرينَ أحالوهُ بعِلَّةِ أنَّ الأجسادَ تَصيرُ رُفاتًا وتُرابًا، فلا تُمكِنُ إعادتُها؛ فنُبِّهوا إلى أنَّ عِلمَ اللهِ مُحيطٍ بأجزائِها [99] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/141). .
- قولُه: وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ جُملةٌ مُؤكِّدةٌ لِنَفْيِ العُزوبِ [100] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/241)، ((تفسير أبي السعود)) (7/121). .
- وقد تَكرَّرَ في القرآنِ إتْباعُ ذِكرِ السَّاعةِ بذِكرِ انفِرادِه تعالى بعِلْمِها؛ لأنَّ الكافرينَ بها جَعَلوا مِن عَدَمِ العِلمِ بها دَليلًا سُفسطائيًّا على أنَّها ليستْ بِواقعةٍ؛ ولذلك سمَّاها القرآنُ الواقعةَ في قولِه: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ [101] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/140). [الواقعة: 1، 2].
- وفيه مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيثُ قال هنا: عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ: 3]، وقال بعْدَه في هذه السُّورةِ: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: 22]، وقال في سُورةِ (يُونسَ): وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [يونس: 61]؛ فقدَّمَ السَّمواتِ على الأرضِ في المَوضعينِ مِن سُورةِ (سَبأٍ)، وقدَّمَ الأرضَ على السَّماءِ في سُورةِ (يُونسَ)؛ وَوجْهُ ذلك: أنَّه قدَّمَ ذِكرَ السَّمواتِ على الأرضِ في سُورةِ (سَبأٍ)؛ لأنَّ هذه الآيةَ مَبنيَّةٌ على مُفتتَحِ السُّورةِ، وهو قولُه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سبأ: 1]، فقدَّمَ ذِكرَ السَّمواتِ؛ لأنَّ مُلْكَها أعظَمُ شَأنًا وأكبَرُ سُلطانًا، وكذلك الآيةُ الَّتي بعْدَها مِن سُورتِها. وأمَّا الآيةُ الَّتي في سورةِ (يُونسَ) فإنَّها جاءتْ عَقِيبَ قولِه: وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ [يونس: 61]؛ فكان القصْدُ إلى ذِكرِ عِلمِه بما يَتصرَّفُ فيه العِبادُ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، وذلك في الأرضِ، فأتَمَّه بقولِه: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ، فاستوعَبَ جميعَ ما في الأرضِ، ثمَّ أتْبَعَهُ بذِكرِ السَّماءِ؛ لأنَّ الابتداءَ وقَعَ بما يَتعلَّقُ بها، وما يَعمَلُ العِبادُ فيها؛ فلذلك قُدِّمَت الأرضُ عليها [102] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (ص: 1074-1076)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 207، 208)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/383). .
- وأيضًا فقد قَدَّمَ سُبحانَه ذِكْرَ السَّمَواتِ على الأرضِ لأنَّ الساعةَ إنَّما تأتي مِن قِبَلِها، وهي غَيْبٌ فيها، ومِن جهتِها تَبتدِئُ وتَنشأُ، ولهذا قَدَّمَ صَعْقَ أهلِ السمواتِ على أهلِ الأرضِ عندَها، فقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [الزمر: 68]، وأمَّا تقديمُ الأرضِ على السماءِ في سورةِ (يونسَ): فإنَّه لَمَّا كان السِّياقُ سياقَ تحذيرٍ وتهديدٍ للبشرِ، وإعلامِهم أنه سُبحانَه عالِمٌ بأعمالِهم دقيقِها وجليلِها، وأنَّه لا يَغيبُ عنه منها شَيءٌ؛ اقتضَى ذلك ذكرَ مَحلِّهم -وهو الأرضُ- قبْلَ ذكرِ السَّماءِ [103] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/74). .
2- قَولُه تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
- قولُه: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ عِلَّةٌ لقولِه تعالى: لَتَأْتِيَنَّكُمْ، وبَيانٌ لِمَا يَقْتضي إتيانَها [104] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/568)، ((تفسير البيضاوي)) (4/242)، ((تفسير أبي السعود)) (7/121 - 122)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/142). . وذلك على قولٍ.
- قولُه: أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ فيه الإتيانُ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ المُشارَ إليه جَديرٌ بما سَيَرِدُ بعدَ اسمِ الإشارةِ مِن الحُكمِ؛ لأجْلِ ما قبْلَ اسمِ الإشارةِ مِن الأوصافِ، وما فيهِ مِنْ معنَى البُعدِ؛ للإيذانِ ببُعدِ مَنزلتِهم في الفضْلِ والشَّرفِ [105] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (15/447)، ((تفسير أبي السعود)) (7/122)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/142). .
3- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ
- قولُه: وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ مُعَاجِزِينَ مُبالَغةٌ في مُعجِزينَ، وهو تَمثيلٌ: شُبِّهت حالُهم في مَكرِهم بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحالِ مَن يَمْشي مَشيًا سَريعًا؛ لِيَسبِقَ غيرَه ويُعجِزَه [106] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/143، 144). .
- وقُوبِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بـ (الَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا)؛ لأنَّ السَّعيَ في آياتِ اللهِ يُساوي معنى: كَفَروا بها، وبذلك يَشملُ عمَلَ السَّيِّئاتِ، وهو سيِّئةٌ مِن السَّيِّئاتِ؛ فقد عبَّرَ عنهم بعْدَ ذلك بقولِه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ ... [سبأ: 7] إلخ [107] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/143). .
- قولُه: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ فيه الإتيانُ باسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ المُشارَ إليه جَديرٌ بما سَيَرِدُ بعدَ اسمِ الإشارةِ مِن الحُكمِ؛ لأجْلِ ما قبْلَ اسمِ الإشارةِ مِن الأوصافِ. وما فيهِ منْ معنَى البُعدِ؛ للإيذانِ ببُعدِ دَرجتِهم في سُوءِ الحالِ [108] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/122)، ((تفسير ابن عاشور)) (22/142). .
4- قَولُه تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
- قولُه: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ كَلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ للاستِشهادِ بأُولي العِلمِ على الجَهَلةِ السَّاعينَ في الآياتِ [109] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/520)، ((تفسير أبي السعود)) (7/122). . وقيل: هو عطْفٌ على لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [سبأ: 4]، وهو مُقابِلُ جَزاءِ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ، فالمُرادُ بالَّذين سَعَوا في الآياتِ الَّذين كَفَروا، وعُدِلَ عن جَعلِ صِلَةِ اسمِ الموصولِ (كَفَرُوا)؛ لِتَصلُحَ الجُملةُ أنْ تَكونَ تَمهيدًا لإبطالِ قَولِ المشركينَ في الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ: 8]؛ لأنَّ قَولَهم ذلك كِنايةٌ عن بُطلانِ ما جاءهُم به مِن القرآنِ في زَعْمِهم؛ فكان جَديرًا بأنْ يُمهَّدَ لإبطالِه بشَهادةِ أهْلِ العِلمِ بأنَّ ما جاء به الرَّسولُ هو الحقُّ دونَ غيرِه مِن باطلِ أهْلِ الشِّركِ الجاهلينَ؛ فعَطْفُ هذه الجُملةِ مِن عطْفِ الأغراضِ. وهذه طَريقةٌ في إبطالِ شُبَهِ أهْلِ الضَّلالةِ والملاحدةِ؛ بأنْ يُقدَّمَ قبْلَ ذِكرِ الشُّبهةِ ما يُقابِلُها مِن إبطالِها. ويجوزُ أنْ تكونَ جُملةُ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ عَطفًا على جُملةِ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [سبأ: 5]؛ فبَعدَ أنْ أُورِدتْ جُملةُ وَالَّذِينَ سَعَوْا لِمُقابَلةِ جُملةِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إلخ [سبأ: 4]، اعتُبِرتْ مَقصودًا مِن جِهَةٍ أُخرى، فكانت بحاجةٍ إلى رَدِّ مَضمونِها بجُملةِ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛ للإشارةِ إلى أنَّ الَّذين سَعَوا في الآياتِ أهْلُ جَهالةٍ، فيكونُ ذِكرُها بعْدَها تَعقيبًا للشُّبهةِ بما يُبطِلُها [110] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/144، 145). .
والرُّؤيةُ عِلميَّةٌ، واختِيرَ فِعلُ الرُّؤيةِ هنا دونَ (ويَعلَم)؛ للتَّنبيهِ على أنَّه عِلمٌ يَقينِيٌّ بمَنزلةِ العِلمِ بالمَرئيَّاتِ الَّتي عِلْمُها ضَروريٌّ [111] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/145). .
- قولُه: مِنْ رَبِّكَ إضافةُ الرُّبوبيَّةِ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والمرادُ الرُّبوبيَّةُ الخاصَّةُ، وفي ذلك فضيلةُ للنَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ [112] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 65). .
- وضَميرُ (هو) في قولِه: الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ للفصْلِ، يُفِيدُ حَصْرَ الحقِّ في القُرآنِ حَصرًا إضافيًّا، أي: لا ما يَقولُه المشرِكونَ ممَّا يُعارِضون به القُرآنَ. ويَجوزُ أيضًا أنْ يُفِيدَ قَصْرًا حَقيقيًّا ادِّعائيًّا [113] الحَصرُ أو القَصرُ في اصطِلاحِ البلاغيِّينَ هو: تَخصيصُ شَيءٍ بشَيءٍ وحصْرُه فيه، ويُسمَّى الأمرُ الأوَّلُ: مَقصورًا، والثَّاني: مقصورًا عليه؛ مثل: إنَّما زَيدٌ قائمٌ، و: ما ضرَبتُ إلَّا زيدًا. وينقسِمُ إلى قَصْرٍ حقيقيٍّ، وقصرٍ إضافيٍّ، وادِّعائيٍّ، وقصرِ قَلْبٍ؛ فالحقيقيُّ هو: أن يختصَّ المقصورُ بالمقصورِ عليه بحسَبِ الحقيقةِ والواقِع، بألَّا يتعدَّاه إلى غيرِه أصلًا، مِثل: لا إلهَ إلَّا اللهُ، حيثُ قُصِر وصفُ الإِلَهيَّةِ الحقِّ على موصوفٍ هو الله وحْدَه، وهذا مِن قصرِ الصِّفةِ على المَوصوفِ، وهو قصرٌ حقيقيٌّ. والقصرُ الإضافيُّ: أن يكونَ المقصورُ عنه شيئًا خاصًّا، يُرادُ بالقصرِ بيانُ عدَمِ صحَّةِ ما تصوَّره بشأنِه أو ادَّعاه المقصودُ بالكلامِ، أو إزالةُ شكِّه وترَدُّدِه، إذا كان الكلامُ كلُّه منحصرًا في دائرةٍ خاصَّةٍ؛ فليس قصرًا حقيقيًّا عامًّا، وإنَّما هو قصرٌ بالإضافةِ إلى موضوعٍ خاصٍّ، يَدورُ حوْلَ احتمالَينِ أو أكثرَ مِن احتمالاتٍ محصورةٍ بعددٍ خاصٍّ، ويُستدَلُّ عليها بالقرائنِ. مِثلُ قولِه تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [آل عمران: 144]. والقصرُ الادِّعائيُّ: ما كان القصرُ الحقيقيُّ فيه مبنيًّا على الادِّعاءِ والمبالَغةِ؛ بتنزيلِ غيرِ المذكور منزلةَ العدَمِ، وقصْر الشَّيءِ على المذكورِ وحْدَه. وقصْرُ القَلبِ: أن يَقلِبَ المتكلِّمُ فيه حُكمَ السامعِ؛ كقولِك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لِمَن يَعتقِدُ أنَّ شاعرًا في قبيلةٍ معيَّنةٍ أو طرَفٍ مُعَيَّنٍ، لكنَّه يقولُ: ما زيدٌ هناك بشاعِرٍ. وللقَصرِ طُرُقٌ كثيرةٌ؛ منها: القصرُ بالنَّفيِ والاستثناءِ، والقصرُ بـ (إنَّما)، والقصرُ بتقديمِ ما حَقُّه التأخيرُ، وغيرُ ذلك. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكَّاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118) و(3/6)، ((التعريفات)) للجُرْجاني (1/175، 176)، ((الإتقان)) للسيوطي (3/167)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167، 168)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن ابن حسن حَبَنَّكَة الميداني (1/525). ، أي: قَصْرَ الحقِّيَّةِ المَحضِ عليه؛ لأنَّ غيرَه مِن الكُتبِ خُلِطَ حقُّها بِباطلٍ [114] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/145). .
- قولُه: وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ مِن عَطْفِ الفِعْلِ على الاسمِ، والعُدولُ عن الوَصفِ (الهادي إلى صِراطِ العزيزِ) إلى صِيغَةِ المُضارِعِ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ؛ لإشعارِها بتَجدُّدِ الهِدايةِ وتَكرُّرِها [115] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/146). .
- وإيثارُ وَصْفيِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ دونَ بقيَّةِ الأسماءِ الحُسنى إيماءٌ إلى أنَّ المؤمنينَ حينَ يُؤمِنون بأنَّ القُرآنَ هو الحقُّ والهِدايةُ، يَستشعِرون مِن الإيمانِ أنَّه صِراطٌ يُبلَغُ به إلى العِزَّةِ؛ قال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: 8]، ويُبلَغُ به إلى الحمْدِ، أي: الخِصالِ المُوجِبةِ للحمْدِ، وهي الكمالاتُ مِن الفضائلِ والفواضلِ [116] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (22/146). ، ولذا أضافَ الصِّراطَ إلى هذا الاسمِ العظيمِ الدَّالِّ على العِزَّةِ؛ إشارةً إلى أنَّ مَن تَمَسَّك بهذا الصِّراطِ كانت له العِزَّةُ، وإلى اسمِه الْحَمِيدِ أيضًا إشارةً إلى أنَّ مَن لَزِمَ هذا الصِّراطَ كان في مقامٍ محمودٍ، وأنَّ مَن تمسَّكَ بالقرآنِ فله العِزَّةُ، وله الحمدُ؛ يُحْمَدُ على فعلِه وقولِه وتركِه [117] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة سبأ)) (ص: 61، 66). .
- وقدَّم الْعَزِيزِ على الْحَمِيدِ؛ لأنَّ كونَه عزيزًا تامَّ الهَيبةِ شَديدَ الانتِقامِ: يقوِّي جانِبَ الرَّغبةِ؛ لأنَّ رضا الجبَّارِ العزيزِ أعَزُّ وأكرَمُ مِن رضا مَن لا يكونُ كذلك، فالعِزَّةُ كما تخوِّفُ تُرجِّي أيضًا، وكما تُرغِّبُ عن التَّكذيبِ تُرغِّبُ في التَّصديقِ؛ ليَحصُلَ القُربُ مِن العزيزِ [118] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/194). .