موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (171-174)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ

غريب الكلمات:


نَتَقْنَا الجَبَلَ: أي: قَلَعْناه مِن أَصلِه، ورَفَعْناه فوقَهم، أو زعزَعْناه؛ يُقالُ: نتَقَ الشيءَ: جذبَه، ونزَعَه حتى يسترخِيَ [2070] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 174)، ((تفسير ابن جرير)) (9/565)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 461)، ((المفردات)) للراغب (ص: 790)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 120)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 212)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 914). .
ظُلَّةٌ: الظُّلَّة: مَا غطَّى وستَرَ، وأصلُ (ظلل) يدلُّ على سَترِ شَيءٍ لِشيءٍ [2071] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 325)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/461)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 126). .
ذُرِّيَّتَهُمْ: الذُّرِّيَّة: الأولادُ وأولادُ الأولادِ، و(ذُريَّة) مأخوذةٌ مِن (ذَرَأَ)، أي: خَلَق؛ لأنَّ الذُّريَّة خَلْقُ اللهِ؛ يُقال: ذَرَأ اللهُ الخَلْقَ، أي: خَلَقَهم فهو يَذْرَؤُهم، وتُرِكتِ الهَمزةُ فيها؛ لكثرةِ ما يُتكلَّم بِها [2072] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/230)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/352)، ((المفردات)) للراغب (1/327)، ((النهاية)) لابن الأثير (2/157)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 92). .
الْمُبْطِلُونَ: أي: الآخِذونَ بالباطِلِ. والبَاطِلُ: نقيضُ الحقِّ، وهو ما لا ثباتَ له عند الفَحصِ عنه، وأصلُه: ذهابُ الشَّيءِ، وقلَّةُ مُكثِه ولُبثِه [2073] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/258)، ((المفردات)) للراغب (ص: 129- 130)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/170). .

المعنى الإجمالي:


واذكُر- يا محمَّدُ- حين اقتلَعْنا الجبلَ، فرَفَعْناه فوقَ بني إسرائيلَ كأنَّه سحابةٌ تُظِلُّهم، وظنُّوا أنَّه ساقِطٌ عليهم، وقُلْنا لهم: اعمَلوا بما آتَيناكم في التَّوراةِ بجِدٍّ واجتهادٍ، واذكروا ما فيه، لعلَّكم تتَّقونَ اللهَ ربَّكم بالعَمل ِبه.
واذكُرْ- يا محمَّدُ- حين استخرجَ ربُّك من ظهورِ بني آدمَ ذُرِّيَّتَهم، وأشهَدَهم على أنفُسِهم، فقال لهم: ألستُ بربِّكم؟ قالوا: بلى شَهِدْنا، وكان إشهادُهم على أنفُسِهم كراهةَ أن يُنكِروا يومَ القيامةِ، ويقولوا: إنَّه لا عِلمَ لنا بأنَّ اللهَ هو الرَّبُّ المعبودُ بحَقٍّ وَحدَه لا شريكَ له، أو يقولوا: إنَّما حصل الشِّركُ مِن آبائنا قبل زَمانِنا، وكنَّا ذريَّةً من بَعدِهم، فاقتدَينا بهم عن جَهلٍ، أفتُهلِكُنا بما فعل آباؤُنا الذين أتَوا بالباطِلِ، وتَرَكوا التَّوحيدَ؟!
ثم بيَّنَ تعالى أنَّه كما وضَّحَ هذه الآياتِ، يوضِّحُ أيضًا غيرَها من آياتِ القُرآنِ الكريمِ؛ لكي يهتديَ بها النَّاسُ.

تفسير الآيات:


وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ
أي: واذكُر- يا مُحمَّد- حين اقتَلَعْنا جبلَ الطُّورِ، فرَفَعْناه فوقَ بني إسرائيلَ، كأنَّه سحابةٌ تُظِلُّهم [2074] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/542)، ((البسيط)) للواحدي (9/440)، ((تفسير القرطبي)) (7/313)، ((تفسير ابن كثير)) (3/499)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/165)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/305). قال السعدي: (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْحين امتنعوا مِن قَبول ما في التَّوراة، فألزَمَهم اللهُ العمل، ونتَقَ فوق رؤوسهم الجبل). ((تفسير السعدي)) (ص: 308). .
كما قال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 63].
وقال سبحانه: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ [النساء: 154].
وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ
أي: وغلَبَ على ظَنِّهم أنَّ الجَبلَ ساقِطٌ عليهم [2075] يُنظَر: ((البسيط)) للواحدي (9/441)، ((تفسير ابن عطية)) (2/474)، ((تفسير الشوكاني)) (2/298). .
خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ
أي: وقُلْنا لهم: خُذوا ما أعطيناكم في التَّوراةِ، فاقبَلوه، واعمَلُوا به بجِدٍّ واجتهادٍ، من غيرِ تقصيرٍ ولا تفريطٍ [2076] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/542)، ((تفسير الشوكاني)) (2/298)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/306). .
كما قال تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا [الأعراف: 145].
وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي: وقُلْنا لهم: واذكروا ما في التَّوراةِ مِن العقائِدِ والأوامِرِ والنَّواهي، وتدارَسُوها؛ كي تتَّقوا ربَّكم بالعَمَل بها [2077] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/542)، ((تفسير الشوكاني)) (2/298)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/307 - 308). .
وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)
وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
أي: واذكُرْ- يا مُحمَّدُ- حين استخرجَ ربُّك ذريَّةَ بني آدَمَ، بَعضَهم من ظهورِ بَعضٍ، وأخرَجَ جميعَ ذلك من صُلبِ آدَمَ في صورةِ الذَّرِّ؛ ليأخُذَ عليهم العَهدَ [2078] وممَّن اختار هذا المعنى: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والقرطبيُّ، والشوكانيُّ، والشنقيطيُّ، ونسبه إلى جمهورِ السَّلف. يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/546، 552- 561)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 420)، ((تفسير القرطبي)) (7/314)، ((تفسير الشوكاني)) (2/299)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/310)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/43). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلف ابنُ عبَّاس، وعبدُ الله بنُ عمرٍو، وأبيُّ بنُ كعبٍ، وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وعطاءٌ، ونضرُ بنُ عربي، والضحَّاكُ، والسُّديُّ. ((تفسير ابن جرير)) (10/547، 560). قال الواحدي: (قال أبو بكر بن الأنباري: مذهبُ أصحاب الحديثِ، وكبراءِ أهلِ العِلمِ في هذه الآيةِ؛ هو: أنَّ الله عزَّ وجلَّ أخرج ذريَّاتِ آدمَ مِن صُلبِه وأصلابِ أولادِه، وهم في صُوَرِ الذَّرِّ، وأخذ عليهم الميثاقَ أنَّه خالِقُهم وأنَّهم مصنوعونَ، فاعترفوا بذلك وقَبِلوا، وذلك بعد أن ركَّبَ فيهم عقولًا، عرَفوا بها ما عَرَضَ عليهم). ((البسيط)) (9/448). وقال الرازي: (ظاهِرُ الآيةِ يدلُّ على أنَّه تعالى أخرج الذَّرَّ مِن ظُهورِ بني آدمَ، فيُحمَلُ ذلك على أنَّه تعالى يعلَمُ أنَّ الشَّخصَ الفُلانيَّ يتولَّدُ منه فلانٌ، ذلك الفلانُ فلانٌ آخر، فعلى الترتيبِ الذي عَلِمَ دخولَهم في الوجودِ يُخرِجُهم، ويميِّزُ بَعضَهم من بعض، وأمَّا أنَّه تعالى يُخرِجُ كلَّ تلك الذريَّة مِن صُلبِ آدَمَ، فليس في لفظِ الآيةِ ما يدلُّ على ثُبوتِه، وليس في الآيةِ أيضًا ما يدلُّ على بُطلانِه، إلَّا أنَّ الخبَرَ قد دلَّ عليه، فثبت إخراجُ الذريَّةِ مِن ظهورِ بني آدَمَ بالقرآن، وثبت إخراجُ الذريَّةِ مِن ظَهرِ آدمَ بالخَبرِ، وعلى هذا التقديرِ: فلا منافاةَ بين الأمرينِ ولا مدافعةَ، فوجب المصيرُ إليهما معًا). ((تفسير الرازي)) (15/402). وقال البغوي: (فإن قيل: ما معنى قَولِه: وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ وإنَّما أخرَجَهم مِن ظهرِ آدَمَ؟ قيل: إنَّ الله أخرجَ ذريَّةَ آدمَ بَعضَهم من ظهورِ بَعضٍ، على نحو ما يتوالَدُ الأبناءُ مِن الآباءِ في الترتيبِ، فاستُغنيَ عن ذكرِ ظَهرِ آدمَ؛ لِما عُلِم أنَّهم كُلَّهم بَنُوه وأُخرِجوا مِن ظَهْرِه). ((تفسير البغوي)) (2/247). ويُنظَر: ((تفسير القرطبي)) (7/317). وقيل: معنى الآية: واذكُرْ حين استخرجَ ربُّك ذريَّةَ آدمَ مِن أصلابِ آبائِهم، وجعَلَهم يتناسلونَ في الدُّنيا قرنًا بعد قَرنٍ. وممَّن اختار هذا القَولَ: ابنُ تيميَّة، وابنُ القَيِّم، وابنُ كثيرٍ، والسَّعدي. يُنظَر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/487)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (2/1058)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 12، 13)، ((تفسير ابن كثير)) (3/500)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308). .
عن أبي هُريرةَ رَضِي اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لَمَّا خلَقَ اللهُ آدمَ مَسحَ ظَهرَه، فسقَطَ مِن ظَهرِه كُلُّ نَسَمةٍ هو خالِقُها مِن ذُرِّيَّتِه إلى يومِ القيامةِ )) [2079] أخرجه الترمذي (3076)، والبزار (8892)، والفريابي في ((القدر)) (20)، والحاكم في ((المستدرك)) (4132). قال الترمذي : حسن صحيح، وصحَّحه ابن بطال في ((شرح البخاري)) (3/370)، وابن العربي في ((أحكام القرآن)) (2/333)، والألباني في ((صحيح الترمذي)) (3076 ). .
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أخذ اللهُ تبارك وتعالى الميثاقَ مِن ظَهرِ آدمَ بـ (نَعمان)- يعني عرفة- فأخرج مِن صُلبِه كلَّ ذريَّةٍ ذرَأَها، فنَثَرَهم بين يديه كالذَّرِّ، ثمَّ كَلَّمَهم قُبُلًا، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)) [2080] أخرجه أحمد (2455)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (202)، والفريابي في ((القدر)) (59)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11127). قال الشوكاني في ((فتح القدير)) (2/370): إسنادُه لا مَطعَنَ فيه. وصحَّح إسنادَه أحمد شاكر في ((مسند أحمد)) (4/151)، والألباني في ((تخريج مشكاة المصابيح)) (117 ). وقال ابن حجر في ((تحفة النبلاء)) (134 ): وقفُه أصَحُّ. قال الواحدي: (وقال صاحب النظم: ليس بين قَولِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ مسحَ ظَهرَ آدمَ، فأخرج منه ذُرِّيَّتَه)) وبين الآيةِ؛ اختلافٌ- بحَمدِ اللهِ؛ لأنَّه- عزَّ وجَلَّ- إذا أخَذَهم من ظَهرِ آدمَ فقد أخَذَهم من ظهورِ ذُريَّتِه؛ لأن ذرِّيَّةَ آدمَ ذرِّيَّةٌ لذريَّتِه، بعضُهم مِن بَعضٍ. قال: وحاصل الفائدةِ بهذا الفَصلِ، أنَّه قد أثبت الحجَّةَ على كلِّ مَنفوسٍ- ممَّن بُلِّغ، وممَّن لم يُبَلَّغ- بالميثاقِ الذي أخَذَه عليهم، وزاد على من بُلِّغَ منهم الحُجَّة بالآياتِ والدَّلائلِ التي نصَبَها في نفسِه وفي العالَم، وبالرُّسُلِ المُنْفَذةِ إليهم، مُبَشِّرينَ ومُنذِرينَ، وبالمواعِظِ والمَثُلات المنقولةِ إليهم أخبارُها). ((البسيط)) (9/449). .
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
أي: قرَّرَهم على توحيدِه، حين أخرجَهم مِن صُلبِ آدمَ في صُورةِ الذَّرِّ، فقال لهم: ألسْتُ أنا خالِقَكم ومَعبُودَكم [2081] وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والقرطبي، والشوكاني، والشنقيطي. يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/546، 552- 561)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 420)، ((تفسير القرطبي)) (7/314)، ((تفسير الشوكاني)) (2/299)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/310)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/43). قال ابنُ جُزيٍّ: (في معناها قولان: أحدُهما: أنَّ اللهَ لَمَّا خلق آدمَ أخرَجَ ذريَّتَه من صُلبِه، وهم مِثلُ الذَّرِّ، وأخذ عليهم العَهدَ بأنَّه ربُّهم، فأقرُّوا بذلك والتَزَموه؛ رُوِيَ هذا المعنى عن النبيِّ- صلَّى اللهُ تعالى عليه وآلِه وسلَّم- مِن طُرُقٍ كثيرةٍ، وقال به جماعةٌ من الصحابةِ وغَيرِهم. والثاني: أنَّ ذلك من بابِ التَّمثيلِ، والأول هو الصَّحيحُ؛ لتواتُرِ الأخبارِ به، إلَّا أنَّ ألفاظَ الآيةِ لا تُطابِقُه بظاهِرِها، فلذلك عَدَلَ عنه من قال بالقَولِ الآخَرِ، وإنَّما تُطابِقُه بتأويلٍ: وذلك أنَّ أخْذَ الذرِّيَّة إنَّما كان مِن صُلبِ آدَمَ، ولفظُ الآية يقتضي أنَّ أخْذَ الذرِّيَّة من بني آدَمَ، والجمعُ بينهما أنَّه ذَكَرَ بني آدَمَ في الآيةِ، والمرادُ آدَمُ؛ كقوله: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف: 11]). ((تفسير ابن جزي)) (1/312). ويُنظَر: ((معاني القرآن)) للزجاج (2/390). وقال الشوكاني: (وقيل: المرادُ ببني آدَمَ هنا: آدمُ نَفسُه؛ كما وقع في غَيرِ هذا الموضِعِ. والمعنى: أنَّ الله سُبحانه لَمَّا خلَقَ آدمَ مَسحَ ظَهرَه فاستخرجَ منه ذرِّيَّتَه، وأخذ عليهم العَهدَ، وهؤلاء هم عالَمُ الذَّرِّ، وهذا هو الحقُّ الذي لا ينبغي العدولُ عنه، ولا المصيرُ إلى غيره؛ لثبوته مرفوعًا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وموقوفًا على غيرِه من الصَّحابة، ولا مُلجِئَ للمصيرِ إلى المجازِ، وإذا جاء نَهرُ اللهِ بطَلَ نَهرُ مَعقِل). ((تفسير الشوكاني)) (2/299). وقال ابنُ عبد البر: (ومعنى الآيةِ والحديثِ: أنَّه أخرج ذرِّيَّةَ آدم مِن ظَهرِه كيف شاء ذلك، وألهَمَهم أنَّه ربُّهم، فقالوا: بلى؛ لِئلَّا يقولوا يومَ القيامةِ إنَّا كنَّا عن هذا غافلينَ، ثم تابَعَهم بحجَّةِ العَقلِ عند التَّمييزِ، وبالرُّسُلِ بعد ذلك؛ استظهارًا بما في عقولِهم من المنازعةِ إلى خالِقٍ مُدَبِّرٍ حكيمٍ، يُدَبِّرُهم بما لا يتهيَّأُ لهم، ولا يُمكِنُهم جَحدُه، وهذا إجماعُ أهلِ السُّنَّة، والحمد لله). ((التمهيد)) (18/89، 95، 96). وقيل: أي: خَلَقَهم حين وُلِدوا على الفِطرةِ مُقِرِّينَ بأنَّ اللهَ رَبُّهم، ففِطَرُهم شاهدةٌ عليه، ويكونُ سبحانه بذلك قد أشهَدَهم على أنفُسِهم وقرَّرَهم، وممَّن اختار هذا القولَ: ابنُ تيميَّةَ، وابنُ القيِّم، وابنُ كثيرٍ، والقاسميُّ، والسعديُّ. يُنظَر: ((جامع الرسائل لابن تيمية)) (1/11، 12)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/482 - 491)،  ((الروح)) لابن القيم (ص: 163-171)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (2/948)، ((تفسير ابن كثير)) (3/500)، ((تفسير القاسمي)) (5/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308). ؟
قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا
أي: قال بنو آدَمَ: قد أقرَرْنا بأنَّك ربُّنا [2082] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/564)، ((تفسير ابن عطية)) (2/476)، ((تفسير القرطبي)) (7/318)، ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (1/11، 12)، ((الروح)) لابن القيم (ص: 163 - 171)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (2/948)، ((تفسير ابن كثير)) (3/500)، ((تفسير الشوكاني)) (2/299)، ((تفسير القاسمي)) (5/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/315 - 316). اختلف المُفَسِّرونَ تبعًا للاختلافِ السَّابِقِ، هل أقرُّوا بذلك بلِسانِ المَقالِ أم بلسانِ الحالِ. يُنظَر: المصادر السابقة. .
أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
أي: أشهَدْناكم على أنفُسِكم بأنَّ اللهَ ربُّكم؛ لِئَلَّا تقولوا يومَ القيامةِ: إنَّه لا عِلمَ لنا بأنَّ اللهَ هو الرَّبُّ المعبودُ بحَقٍّ، وَحْدَه لا شريكَ له [2083] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/565)، ((البسيط)) للواحدي (9/451-452)، ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/489)، ((تفسير ابن كثير)) (3/506)، ((تفسير الشوكاني)) (2/300). وممَّن اختار أنَّ الإشارةَ في قوله تعالى: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا تعودُ إلى معرفةِ الخالقِ وتوحيدِه سبحانه: ابنُ جرير، وابنُ تيمية، وابنُ كثير، والشوكاني. يُنظَر: المصادر السَّابقة. قال ابنُ عطية: (المعنى في هذه الآياتِ أنَّ الكَفَرة لو لم يُؤخَذْ عليهم عَهدٌ، ولا جاءَهم رسولٌ مُذَكِّرٌ بما تضمَّنَه العهدُ من توحيدِ اللهِ وعبادتِه، لكانت لهم حُجَّتانِ؛ إحداهما: كنَّا غافلينَ، والأخرى: كنَّا أتباعًا لأسلافِنا، فكيف نُهلَك، والذَّنبُ إنَّما هو لِمَن طَرَّقَ لنا وأضَلَّنا؟! فوقَعَت شهادةُ بَعضِهم على بعضٍ، أو شهادةُ الملائكةِ عليهم؛ لتنقَطِعَ عنهم هذه الحُجَجُ). ((تفسير ابن عطية)) (2/476). .
أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173)
أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ
أي: وَلئلَّا تعتذِرُوا يومَ القيامةِ، فتقولوا: إنَّما أشرَكَ آباؤُنا مِن قَبلِ زَمانِنا، فنَقَضوا الميثاقَ، وكُنَّا ذرِّيَّةً أتينا مِن بَعدِهم، فاقتَدَينا بهم عن جَهلٍ منَّا [2084] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/565)، ((البسيط)) للواحدي (9/455)، ((تفسير الشوكاني)) (2/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308). قال الشوكاني: (أي: فعَلْنا ذلك كراهةَ أن تعتَذِروا بالغَفلةِ، أو تنسُبوا الشِّركَ إلى آبائِكم دونَكم... بَيَّنَ اللهُ سبحانَه في هذه الحِكمةِ التي لأجْلِها أخرَجَهم من ظَهرِ آدَمَ وأشهَدَهم على أنفُسِهم، وأنَّه فعَلَ ذلك بهم؛ لئلَّا يقولُوا هذه المقالةَ يومَ القيامةِ، ويعتَلُّوا بهذه العِلَّةِ الباطلةِ، ويعتَذِروا بهذه المَعذِرةِ السَّاقطةِ). ((تفسير الشوكاني)) (2/300). .
أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
أي: أتُعامِلُنا بغيرِ ما فَعَلْنا، فتُعَذِّبَنا بِشِرْك آبائِنا الذين أتَوْا بالباطِلِ، وتركوا التَّوحيدَ [2085] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/565)، ((الوسيط)) للواحدي (2/426)، ((تفسير البيضاوي)) (3/41)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/170)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/317 - 318). ؟!
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ
أي: وكما بيَّنَّا هذه الآياتِ [2086] ذهب ابنُ جَريرٍ إلى أنَّ المعنيَّ آياتُ هذه السُّورةِ الكريمةِ. يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/566). وذهب الواحديُّ إلى أنَّ المرادَ أمرُ الميثاقِ الذي تقدَّمَ ذِكرُه. يُنظَر: ((التفسير البسيط)) (9/459). وذهب الشِّنقيطيُّ إلى أنَّ المرادَ: أخبارُ الأمَمِ، وما جرى عليها، وسبَبُ إهلاكِ مَن هلَكَ منها، ونجاةُ مَن نجا منها. يُنظَر: ((العذب النمير)) (4/318). ووضَّحْناها، نبيِّنُ أيضًا غيرَها من آياتِ القُرآنِ الكَريمِ [2087] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/566)، ((البسيط)) للواحدي (9/459)، ((تفسير السعدي)) (ص: 308)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/170)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/318). .
كما قال تعالى: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأعراف: 32].
وقال سبحانه: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: 24].
وقال عزَّ وجلَّ: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الروم: 28].
وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
أي: ووضَّحْنا الآياتِ؛ لكي يهتَديَ بها النَّاسُ فيرجِعوا عن الشِّركِ والمعاصي إلى التَّوحيدِ والطَّاعةِ [2088] يُنظَر: ((تفسير ابن جرير)) (10/566)، ((البسيط)) للواحدي (9/459)، ((تفسير الشوكاني)) (2/300)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/318). قال الواحدي في قوله: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ: (وقيل: إلى ما أُخِذَ عليهم من الميثاقِ في التوحيدِ، والرُّجوعُ إلى ذلك الميثاقِ رجوعٌ إلى التوحيدِ). ((التفسير البسيط)) (9/459). وقال السَّعدي: (وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلى ما أودَعَ اللهُ في فِطَرِهم، وإلى ما عاهَدوا اللهَ عليه، فيرتدعونَ عن القبائِحِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 308). .
كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا [طه: 113].
وقال سبحانه: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 27- 28].
وقال عزَّ وجلَّ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29].

الفوائد التربوية:


الجِدُّ وقوَّةُ العَزمِ في إقامةِ الدِّينِ، يُهذِّبُ النَّفسَ ويُزَكِّيها، والتَّهاونُ والإغماضُ فيه، يُدَسِّيها ويُغوِيها؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [2089] يُنظَر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/325). .
قال اللهُ تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ يُفهَمُ مِن هذه الآيةِ أنَّه يَجِبُ على مَن خُوطِبَ بأوامِرِ اللهِ في كُتُبِه المُنَزَّلة، أن يلتَزِمَها بقوةٍ ونَشاطٍ واجتهاد، فلا يضعُف فيها، ولا يُفَرِّط فيها؛ لأنَّها لا تُمتثَلُ على الوجهِ الأكمَلِ إلَّا بالقوَّةِ والجِدِّ والاجتهادِ [2090] يُنظَر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/307). .
النَّفسُ بِفِطرتِها إذا تُرِكَت كانت مُقِرَّةً لله بالإلهيَّة، مُحبَّةً له، تعبُدُه لا تُشرِكُ به شيئًا؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُ الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [2091] يُنظَر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (14/296). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ هذه آيةٌ أظهَرَها اللهُ لهم تخويفًا لهم؛ لتكونَ مُذَكِّرةً لهم، فيَعقُب ذلك أخذُ العَهدِ عليهم بعزيمةِ العَمَلِ بالتَّوراةِ [2092] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/165). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ عَرَّفَ الْجَبَلَ لمَعرِفَتِهم به، وعبَّرَ به لدَلالةِ لفْظِه على الصُّعوبةِ والشِّدَّة، دونَ (الطُّورِ) كما في البَقرةِ؛ لأن السِّياقَ لبيانِ نَكَدِهم بإسراعِهم في المعاصي الدَّالَّةِ على غِلظِ القَلبِ [2093] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/150). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أصلٌ في الإقرارِ [2094] يُنظَر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:131)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/167). .
شأنُ الذرِّيَّةِ الاقتداءُ بالآباءِ، وإقامةُ عوائدِهم؛ يُبَيِّنُ ذلك قَولُ اللهِ تعالى: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [2095] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/170). .
لا يُعاقِبُ اللهُ تعالى أحدًا بِذَنبِ غَيرِه؛ يُبَيِّنُ ذلك قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ فأخبَرَ سُبحانه أنَّه استخرَجَ ذُرِّياتِهم، وأشهَدَهم على أنفُسِهم؛ لئلَّا يقولوا: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [2096] يُنظَر: ((جامع المسائل)) لابن تيمية (3/235). .

بلاغة الآيات:


قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
قَولُ اللهِ تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أتى بنونِ العَظَمةِ في نَتَقْنَا لزيادةِ التَّرهيبِ [2097] يُنظَر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/150). .
في قَولِه وَاقِعٌ بِهِمْ عُدِّيَ وَاقِعٌ بالباءِ؛ للدَّلالةِ على أنَّهم كانوا مُستقريِّنَ في الجبلِ، فهو إذا ارتفَعَ وقَعَ ملابسًا لهم ففتَّتَهم، فهم يرَونَ أعلاه فوقَهم، وهم في سَفْحِه، وهذا وجهُ الجمعِ بين قولِه فَوْقَهُمْ وبين باءِ المُلابسةِ. وقيل: إنَّ الباءَ بِمَعنى (على) [2098] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/165). .
قوله وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
في قَولِه: أَخَذَ رَبُّكَ إيثارُ الأخذِ على الإخراجِ؛ للإيذانِ بالاعتناءِ بِشَأنِ المأخوذِ؛ لِما فيه من الإنباءِ عن الاجتباءِ والاصطفاء، هو السببُ في إسنادِه إلى اسمِ الربِّ بطريق الالتفات، مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي [2099] يُنظَر: ((تفسير أبي السعود)) (3/289). ، وقِيل: إنَّ إيثارَ الأخذِ على الإخراجِ؛ لمناسبةِ ما تضمَّنتْه الآيةُ مِن الميثاقِ؛ فإنَّ الذي يناسبُه هو الأخذُ دونَ الإخراجِ، وإضافتُه إلى ضميره صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للتشريف [2100] يُنظَر: ((تفسير الألوسي)) (5/94). .
وقولُه تعالى: مِنْ ظُهُورِهِمْ بدلٌ من بَنِي آدَمَ بدل البَعضِ بتكريرِ الجارِّ، وفيه مزيدُ تقريرٍ؛ لابتنائِه على البيانِ بعد الإبهامِ، والتفصيلِ بعد الإجمالِ [2101] يُنظَر: ((تفسير أبي السعود)) (3/289). .
والاستفهامُ في قَولِه: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ تقريريٌّ، وجملة: قَالُوا بَلَى جوابٌ عَنِ الاستفهامِ التَّقريريِّ، وفُصِلَت؛ لأنَّها جاءَت على طريقةِ المُحاورةِ، وقوله: شَهِدْنَا تأكيدٌ لِمَضمونِ بلى، والشَّهادةُ هنا أيضًا بمعنى الإقرارِ [2102] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/168-169). .
قوله: أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ فيه تحويلٌ مِن خِطابِ الرَّسولِ في قَولِه: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ إلى خطابِ قَومِه؛ تصريحًا بأنَّ المقصودَ مِن قِصَّةِ أخْذِ العَهدِ تذكيرُ المُشركينَ بما أودَعَ اللهُ في الفِطرةِ مِن التَّوحيدِ، وهذا الأسلوبُ هو مِن تَحويلِ الخِطابِ عن مخاطَبٍ إلى غيرِه، وليس مِن الالتفاتِ؛ لاختلافِ المُخاطبينَ [2103] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/169). .
والإشارةُ بـ هَذَا إلى مَضمونِ الاستفهامِ وجَوابِه، وهو الاعترافُ بالربوبيَّةِ لله تعالى، على تقديرِه بالمذكورِ [2104] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/169). .
والاستفهامُ في قوله: أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ إنكاريٌّ [2105] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/170). .
قولُه: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فيه شَبَّه الإقلاعَ عن الحالةِ التي هم متلبِّسونَ بها، بِتَركِ مَن حَلَّ في غيرِ مَقَرِّه، الموضِعَ الذي هو به؛ ليرجِعَ إلى مَقَرِّه، وهذا التشبيهُ يقتضي تشبيهَ حالِ الإشراكِ بمَوضِعِ الغُربةِ؛ لأنَّ الشِّركَ ليس مِن مُقتضى الفِطرةِ، فالتلبُّسُ به خروجٌ عن أصلِ الخِلقةِ، كخُروجِ المُسافِرِ عن مَوطِنِه، ويقتضي أيضًا تشبيهَ حالِ التَّوحيدِ بمحَلِّ المَرءِ وحَيِّه الذي يأوِي إليه، وهو تعريضٌ بالعَرَبِ؛ لأنَّهم المُشركونَ مِن عَقِبِ إبراهيمَ [2106] يُنظَر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/171).  .