موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيتان (144-145)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ

غريب الكلمات:


اصْطَفَيْتُكَ: أي: اخترْتُكَ، وأَصْلُ (صفو): يدُلُّ على خُلوصٍ من كُلِّ شَوْبٍ [1650] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/292)، ((المفردات)) للراغب (ص: 488). .
مَوْعِظَةً: الموعظةُ هي التَّخويفُ، أو الزَّجْرُ المُقترِنُ بتخويفٍ، وهي أيضًا تذكيرٌ بالخيرِ وما يَرِقُّ له القلبُ [1651] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 411)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/126)، ((المفردات)) للراغب (ص: 876)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 80). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
مِنْ كُلِّ جارٌّ ومجرورٌ متعلِّقٌ بمحذوفٍ، حالٌ مِن مَوْعِظَةً، ومَوْعِظَةً مفعولٌ به منصوبٌ بالفعلِ (كتب)، وتَفْصِيلًا معطوفٌ على مَوْعِظَةً منصوبٌ، والتقديرُ: كتبْنا له في الألواح موعظةً مِن كُلِّ شَيءٍ وتَفصيلًا، ويجوزُ أن يكونَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ في محلِّ نصبٍ، مفعولَ كَتَبْنَا ، وعليه فـ مَوْعِظَةً بَدَلٌ مِن محلِّ الجارِّ والمجرورِ، وتفصيلًا معطوفٌ منصوبٌ، والمعنى: كَتَبْنا له كلَّ شيءٍ كان بنو إسرائيلَ يَحْتاجون إليه في دينِهم؛ مِن المواعِظِ، وتَفصيلِ الأحكامِ، وقيل: مفعولُ كَتَبْنا محذوفٌ دَلَّ عليه الفِعلُ، تقديرُه: وكَتَبْنا له مكتوبًا مِن كُلِّ شَيءٍ [1652] وقدَّر أبو حيَّان المحذوفَ كلمةَ: (أشياءَ) أي: كتبْنا له أشياءَ مِن كلِّ شَيءٍ. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/170). ، وانتصَبَ مَوْعِظةً وَتَفْصِيلًا على المفعولِ مِن أجلِه، أي: كَتَبْنا له ذلك المكتوبَ للاتِّعاظِ وللتَّفصيلِ، أو انتصَبَ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا على الحالِ مِن الضَّميرِ المرفوعِ في قَولِه: وَكَتَبْنَا لَهُ أي: واعظينَ ومُفَصِّلينَ. وقيل غيرُ ذلك [1653] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/170)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/452-453)، ((تفسير ابن عاشور)) (8/280-281)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (9/72). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه قال لموسى: إنَّه اختارَه وفضَّلَه على أهلِ زمانِه، بإرسالِه إلى بني إسرائيلَ، وتكْليمِه إيَّاه بلا واسِطةٍ، وأمَرَه أنْ يأخُذَ ما آتاه من التَّوراةِ ويتمسَّكَ بها، وأنْ يكونَ من الشَّاكرينَ.
وأخبَرَ تعالى أنَّه كتَبَ له في الألواحِ المُشتمِلةِ على التَّوراةِ كُلَّ شيءٍ تحتاج إليه أُمَّتُه في دِينِها، موعظةً، وتفصيلًا لكلِّ شيءٍ ممَّا يُحتاجُ إلى تَبْيينِه، وأمَرَه أنْ يتمسَّكَ بما كُتِبَ له بقوَّةٍ، وأنْ يأمُرَ قومَه أنْ يَتمسَّكوا بأحسنِ ما في التَّوراةِ، ثم قال تعالى: سَأُرِيكُمْ دَارَ من عصاني، وخالف أمري.

تفسير الآيتين:


قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) 
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا طلَبَ موسى عليه السَّلامُ الرُّؤيةَ ومُنِعَها، عدَّدَ عليه تعالى وُجوهَ نِعَمِه العظيمةِ عليه، وأمَرَه أنْ يَشتغِلَ بشُكْرِها، وهذه تَسليةٌ منه تعالى له [1654] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/359)، ((تفسير أبي حيان)) (5/169). .
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي
القراءاتُ ذاتُ الأَثَرِ في التَّفسيرِ:
في قولِه تعالى: بِرِسَالَاتِي قراءتانِ:
قراءة بِرِسَالَتِي، قيل: على معنى أنَّ اللهَ تعالى أرسَلَه مرَّةً واحدةً بكلامٍ كثيرٍ [1655] قرأ بها نافعٌ وابنُ كثيرٍ وأبو جعفرٍ المدني ورَوح. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/272). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 163- 164)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 295)، ((الكشف)) لمكي (1/476)، ((تفسير الرازي)) (14/359)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/95). وقال ابنُ عطية: (وقرأ ابن كثير ونافع: (بِرِسَالَتِي) على الإفراد الذي يُرادُ به الجَمْعُ). ((تفسير ابن عطية)) (2/452) فـ(رسالة) مفردٌ مضافٌ إلى معرفةٍ (الضمير) فهو بمعنَى الجمعِ. .
قراءة بِرِسَالَاتِي، قيل: على معنى أنَّه تعالى أَوْحى إليه مرَّةً بَعْدَ أُخْرى [1656] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/272). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 163- 164)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 295)، ((الكشف)) لمكي (1/476)، ((تفسير الرازي)) (14/359)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/95). .
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي
أي: قال اللهُ: يا موسى، إنِّي اخترْتُكَ وفضَّلْتُكَ على أهلِ زمانِكَ بسببِ إرْسالي لك إلى بني إسرائيلَ، وتَكْليمي إيَّاكَ بلا واسطةٍ، دونَ غيرِكَ مِنَ النَّاسِ [1657] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/436)، ((تفسير القرطبي)) (7/280)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/451)، ((تفسير ابن كثير)) (3/473)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/156- 157). قال البغوي: (فإنْ قيل: فما معنى قوله: اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وقد أُعْطِيَ غيرُه الرسالةَ؟ قيل: لَمَّا لم تكن الرسالةُ على العُموم في حقِّ النَّاسِ كافَّةً استقام قوله: اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ وإنْ شارَكه فيه غيرُه، كما يقولُ الرجلُ: خصصْتُك بمشورتي، وإنْ شاوَر غيرَه، إذا لم تكن المشورةُ على العموم يكون مستقيمًا). ((تفسير البغوي)) (2/231). وقال الرازي: (فإنْ قيل: كيف اصطفاه على النَّاس برِسالاتِه مع أنَّ كثيرًا من الناسِ قد ساواه في الرسالةِ؟ قُلْنا: إنَّه تعالى بيَّنَ أنَّه خصَّهُ من دونِ الناسِ بمجموعِ الأمرين وهو الرِّسالة مع الكلامِ بغير واسطةٍ، وهذا المجموعُ ما حَصَلَ لغيرِه؛ فثَبَتَ أنَّه إنَّما حصَلَ التَّخصيصُ هاهنا؛ لأنَّه سمِع ذلك الكلامَ بغيرِ واسطةٍ). ((تفسير الرازي)) (14/359). .
كما قال سُبحانَه: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه: 13].
فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ
أي: فَخُذْ ما أعطيْتُكَ من التَّوراةِ، وتمسَّكْ بها- يا موسى- واعمَلْ بما فيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهي [1658] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/436)، ((تفسير ابن كثير)) (3/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/157). .
وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
أي: وكُنْ- يا موسى- مِنَ الشَّاكرينَ [1659] قال الشنقيطيُّ: (الشُّكر في لغة العربِ: الظُّهورُ... و(الشَّكيرُ): الغُصْنُ الذي يَظْهَرُ في الجِذْعِ الذي كان مقطوعًا، كما هو معروفٌ). ((العذب النمير)) (4/157). قال القرطبيُّ: (وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، أي: من المظهِرين لإحساني إليك، وفَضْلي عليك، يُقالُ: دابَّةٌ شَكورٌ إذا ظهَرَ عليها مِنَ السِّمَنِ فوق ما تُعْطى من العَلَفِ). ((تفسير القرطبي)) (7/280). للهِ تعالى بطاعتِه على ما آتاكَ مِنَ الرِّسالةِ، وخَصَّكَ به من الكلامِ، ومَنَحَكَ من النِّعَمِ [1660] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/436)، ((تفسير البغوي)) (2/231)، ((تفسير ابن كثير)) (3/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/157). قال الرازي: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، يعني: فخُذْ هذه النِّعمةَ، ولا يَضيقُ قلبُك بسبب منْعِك الرُّؤيةَ، واشتغِلْ بشُكر الفَوْزِ بهذه النِّعمةِ، والاشتِغالُ بشُكرها إنما يكون بالقيام بلوازمِها عِلْمًا وعملًا. والله أعلم). ((تفسير الرازي)) (14/359). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/474). .
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّنَ تعالى أنَّه خَصَّ موسى عليه السَّلامُ بالرِّسالةِ، ذكَرَ في هذه الآيةِ تفصيلَ تلك الرِّسالةِ، فقال [1661] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/359). :
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
أي: وكتبْنا لموسى في ألواحِه [1662] قال القرطبيُّ: (أصلُ اللُّوح: (لَوْحٌ)- بفتْح اللام- ؛ قال الله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: 21-22]، فكأنَّ اللَّوْحَ تَلوحُ فيه المعاني). ((تفسير القرطبي)) (7/281). - المُشتمِلةِ على التَّوراةِ [1663] ذهب الواحديُّ، والرَّازي، والقرطبيُّ، وابنُ تيميةَ، وابنُ كثيرٍ، والشنقيطيُّ، وابنُ عثيمينَ، إلى أنَّ المرادَ بهذه الألواحِ: التَّوراةُ. يُنظر: ((الوجيز)) (ص: 412)، ((تفسير الرازي)) (14/360)، ((تفسير القرطبي)) (7/281)، ((مجموع الفتاوى)) (16/6)، ((تفسير ابن كثير)) (3/474)، ((العذب النمير)) (2/392) (4/181)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة آل عمران)) (1/277). قال ابنُ كثير: (كانت هذه الألواحُ مُشتمِلةً على التَّوراة التي قال الله تعالى فيها: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ [القصص: 43]، وقيل: الألواحُ أُعْطِيَها موسى قبْلَ التَّوراةِ، فالله أعلم. وعلى كلِّ تقديرٍ كانت كالتَّعويضِ له عمَّا سأل من الرُّؤية ومُنِعَ منه، والله أعلم). ((تفسير ابن كثير)) (3/474). وقال الرازيُّ: (واعلَمْ أنه ليس في لفظ الآيةِ ما يدُلُّ على كيفيَّةِ تلك الألواحِ، وعلى كيفيَّة تلك الكتابةِ، فإنْ ثبَتَ ذلك التَّفصيلُ بدليلٍ مُنفصِلٍ قويٍّ وجَبَ القولُ به وإلَّا وجب السُّكوتُ عنه). ((تفسير الرازي)) (14/360). - كلَّ شيءٍ تحتاجُ إليه أُمَّتُه في دينِها [1664] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/437)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 412)، ((تفسير ابن عطية)) (2/452)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/452)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/97). وذهب ابن عاشور إلى أنَّ مِنْ في قوله تعالى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تبعيضيَّةٌ، أي: كتَبْنا له أشياءَ من كلِّ شيءٍ. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/97). .
عن أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، خيَّبْتَنا وأخرجْتَنا منَ الجنَّةِ، فقالَ لَهُ آدمُ: أنتَ موسَى، اصطفاكَ اللهُ بِكَلامِهِ، وخطَّ لَكَ بيدِه، أتلومُني على أمْرٍ قدَّرَهُ اللهُ عليَّ قبلَ أنْ يخلُقَني بأربعينَ سنةً؟! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: فحَجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى ))، وفي حديثِ ابنِ أبي عُمَرَ وابنِ عَبْدَةَ: ((قالَ أحدُهما: خَطَّ، وقالَ الآخَرُ: كتبَ لَكَ التَّوراةَ بيدِهِ)) [1665] رواه مسلم (2652). .
وفي روايةٍ أُخْرى عن أبي هريرةَ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((احتجَّ آدمُ وموسى عليهما السَّلامُ عِندَ ربِّهما، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنتَ آدمُ الَّذي خلقَكَ اللهُ بيدِه، ونفخَ فيكَ من رُوحِهِ، وأَسْجَدَ لَكَ ملائِكَتَهُ، وأسكنَكَ في جنَّتِهِ،ثمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بخطيئتِكَ إلى الأرضِ، فقال آدمُ: أنتَ موسى الَّذي اصطفاكَ اللهُ برسالتِهِ، وبِكَلامِهِ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تِبيانُ كلِّ شيءٍ، وقرَّبَكَ نجيًّا، فبِكَمْ وجدْتَ اللهَ كتَبَ التَّوراةَ قبْلَ أن أُخْلَقَ؟ قال موسى: بأربعينَ عامًا، قال آدمُ: فَهَل وجدْتَ فيها: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى؟ قالَ: نَعَمْ، قال: أفتلومُني على أنْ عَمِلْتُ عملًا كتبَهُ اللهُ عليَّ أنْ أعمَلَهُ قبْلَ أنْ يخلُقَني بأربعينَ سنةً؟! قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فَحجَّ آدمُ موسى )) [1666] رواه مسلم (2652). .
مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
أي: كتَبْنا لموسى في التَّوراةِ من كلِّ شيءٍ؛ تذكيرًا وتحذيرًا، وترغيبًا وترهيبًا لقومِه، ومَن أُمِر بالعملِ بما كُتِب في الألواحِ، وتبيينًا لكلِّ شيءٍ مِن الأمرِ والنَّهي، والحلالِ والحرامِ، والحدودِ، والأحكامِ، والعقائدِ، والأخلاقِ، والآدابِ [1667] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/437)، ((تفسير البغوي)) (2/233)، ((تفسير الزمخشري)) (2/158)، ((تفسير الرازي)) (14/360)، ((تفسير ابن كثير)) (3/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303). .
كما قال تعالى: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 154].
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ
أي: فقُلْنا: يا موسى، تَمَسَّكْ بما كتَبْنا لك في الألواحِ بِجِدٍّ واجتهادٍ، وصبرٍ وعزمٍ، ونشاطٍ على إقامةِ ما فيها [1668] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/439)، ((تفسير ابن عطية)) (2/452)، ((تفسير القرطبي)) (7/281)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/468)، ((تفسير ابن كثير)) (3/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303). .
وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا
أي: وَأْمُرْ- يا موسى- قومَكَ بني إسرائيلَ بأنْ يتمسَّكوا بأحسَنِ ما يجِدونَ في التَّوراةِ، فيعملوا بأوامِرِها، ويَترُكوا نواهيَها، ويتدبَّروا مواعِظَها [1669] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/440)، ((تفسير القرطبي)) (7/282)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303). قال ابنُ الجوزي: (إنْ قيل: كأنَّ فيها ما ليس بحَسَنٍ، فعنه جوابان؛ أحدُهما: أنَّ المعنى: يأخذوا بحَسَنِها، وكلُّها حَسَنٌ... والثَّاني: أنَّ بعضَ ما فيها أحْسَنُ من بعضٍ. ثم في ذلك خمسةُ أقوالٍ؛ أحدُها: أنهم أُمِروا فيها بالخير، ونُهوا عن الشَّرِّ، ففِعْلُ الخيرِ هو الأحسنُ. والثاني: أنها اشتملت على أشياءَ حسنةٍ بعضُها أحسنُ من بعضٍ؛ كالقِصاصِ والعفوِ والانتصارِ والصَّبرِ، فأُمِروا أن يأخذوا بالأحسنِ، ذَكَرَ القولين الزجاجُ. فعلى هذا القولِ يكون المعنى: أنهم يتَّبعون العزائمَ والفضائلَ، وعلى الذي قبْلَه يكون المعنى: أنهم يتَّبعون الموصوفَ بالحُسْن، وهو الطاعة، ويَجتنِبون الموصوفَ بالقُبْح وهو المعصية. والثالث: أحسنها: الفرائضُ والنوافلُ، وأدونها في الحُسْن: المباح. والرابع: أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة، فتُصْرَفَ إلى الأشْبَهِ بالحقِّ. والخامس: أنَّ أحسنَها: الجمعُ بين الفرائضِ والنوافلِ). ((زاد المسير)) (2/153). وهذا القول الخامس هو اختيار السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 303). .
ثمَّ توعَّدَ اللهُ مَنْ يُضيعُ العملَ بالتَّوراةِ من بني إسرائيلَ، فقال لهم مُهدِّدًا [1670] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/441)، ((تفسير ابن عطية)) (2/453)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/101). وقيل: يحتمِلُ أن يكون كلامًا مُنفصِلًا عمَّا قَبْلَه، فيكونَ استئنافًا ابتدائيًّا: هو وَعْدٌ له بدُخولِهم الأرضَ الموعودةَ، وفَتْحِ بلادِهم. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/101). :
سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
أي: سأُريكم دارَ [1671] اختلف المفسِّرون في المرادِ بقولِه: دَارَ الفَاسِقِينَ فقيل:دَارَ الفَاسِقِينَ هي: جَهنَّمُ، والمعنى: سأُريكم في الآخِرةِ دارَ الفاسِقين. وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ، والواحديِّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/441)، ((الوجيز)) (ص: 412). وممن رُوي عنه هذا القولُ من السَّلف مجاهدٌ، والحسنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/441). وقيل: هذا وعدٌ من الله لبني إسرائيلَ بأنَّه سيُريهم في الدُّنيا دارَ الفاسقين، وهي الأرض المقدَّسةُ التي كان يسكُنُها الجبابرةُ المشركون. واختاره القاسميُّ، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (5/182)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/101). وممن رُوي عنه هذا القولُ من السَّلف قتادةُ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/442)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/154) قال ابنُ عاشور: (والمرادُ بالفاسقين المشرِكون، فالكلامُ وعْدٌ لموسى وقومِه بأنْ يفتحوا ديارَ الأممِ الحالَّةِ بالأرض المقدَّسةِ التي وعَدَهم اللهُ بها... ويُؤيِّده ما رُوِيَ عن قَتادةَ أنَّ دارَ الفاسقين هي دارُ العمالقةِ والجبابرةِ، وهي الشامُ، فمِن الخطأ تفسيرُ مَن فسَّروا دارَ الفاسقين بأنَّها أرضُ مصرَ؛ فإنهم قد كانوا بها وخرجوا منها ولم يرجِعوا إليها). ((تفسير ابن عاشور)) (9/101- 102). وقيل: هي مصر (دارُ فرعونَ وقومِه)، واختاره الزمخشري، وابن جزي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/158)، ((تفسير ابن جزي)) (1/301). وممن قال بذلك مِن السَّلف عطيةُ العوفيُّ، وقتادةُ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/154)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/562). وقيل: هي الأرضُ المقدَّسةُ ومِصرُ، واختاره ابن تيمية. يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (18/283). وقيل: هي منازِلُ القرونِ الذين أُهْلِكوا؛ كعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ ومدينَ وقومِ فرعونَ، فيُمُّرون عليها إذا سافَروا. وهو قول الكَلْبِيِّ. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (9/348). وقيل: الدَّارُ: الهلاكُ، أي: سأُريكم هلاكَ الفاسقين. وهو قولُ سفيانَ الثوري. يُنظر: ((تفسير سفيان الثوري)) (ص: 114)، ((تفسير الشوكاني)) (2/278). قال القرطبيُّ مُبيِّنًا معنى هذا القولِ: (وقيل: الدَّارُ: الهلاكُ، وجمعُه أدوارٌ، وذلك أن اللهَ تعالى لمَّا أغرق فرعونَ أوحى إلى البحر أن اقذِفْ بأجسادهم إلى الساحِل، قال: ففَعَلَ، فنظَرَ إليهم بنو إسرائيلَ؛ فأراهم هَلاكَ الفاسقين). ((تفسير القرطبي)) (7/282). مَن عَصاني وخالَفَ أَمْري [1672] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/441)، ((تفسير ابن كثير)) (3/474)، ((تفسير السعدي)) (ص: 303). .

الفوائد التربوية:


1- قولُه تعالى: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، أمْرُ اللهِ تعالى لموسى بأَخْذِ ما آتاه، والشُّكرِ على الاصطفاءِ والعطاءِ، هو أمْرُ التَّعليمِ والتَّوجيهِ لِمَا ينبغي أنْ تُقابَلَ به نِعمةُ اللهِ. والرُّسلُ- صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم- قُدوةٌ للنَّاسِ، وللنَّاسِ فيهم أُسْوَةٌ، وعلى النَّاسِ أنْ يأخُذوا ما آتاهم اللهُ بالقَبولِ والقَناعةِ والرِّضا بعَطاءِ اللهِ والشُّكرِ عليه؛ استِزادةً من النِّعمةِ، وإصلاحًا للقلبِ، وتحرُّزًا من البَطَرِ، واتِّصالًا باللهِ، فقولُه تعالى: فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ فيه تأديبٌ وتقنيعٌ، وحَمْلٌ على جادَّةِ السَّلامةِ، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حالِه، فإنَّ جميعَ النِّعَمِ من عِندِه بمقدارٍ، وكُلَّ الأمورِ بمَرْأَى من اللهِ ومَسْمَعٍ [1673] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/452)، ((تفسير أبي حيان)) (5/169).
2- الكتابُ الإلهيُّ يجِبُ أخْذُه بقوَّةٍ وإرادةٍ وجِدٍّ وعزيمةٍ؛ لتنفيذِ ما هَدَى إليه من الإصلاحِ، وتكوينِ الأُمَّةِ تكوينًا جديدًا صالحًا، ويتأكَّدُ ذلك في الدَّاعي إليه، والمُنفِّذِ له بقولِه وعملِه؛ ليكونَ لقومِه فيه أُسوةٌ حَسَنةٌ؛ يُرْشِدُ إلى ذلك قولُ اللهِ تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا [1674] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/167). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قولُه تعالى: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي، الاصطِفاءُ: الاجتِباءُ، أي: فضَّلْتُك، ولم يَقُلْ: على الخَلْقِ؛ لأنَّ من هذا الاصطفاءِ أنَّه كلَّمَه، وقد كلَّمَ الملائكةَ، وأرسَلَه وأرسَلَ غيرَه، فالمرادُ: عَلَى النَّاسِ المرسَلِ إليهم [1675] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (7/280). .
قال الله تعالى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا لم يُعَدَّ فِعْلُ الأَخْذِ بالباءِ في قولِه: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ؛ لأنَّه مُستعمَلٌ في معنى التَّلقِّي والحِفْظِ؛ لأنَّه أَهَمُّ من الأخْذِ بمعنى التَّمسُّكِ والعملِ؛ فإنَّ الأوَّلَ حَظُّ وَلِيِّ الأمْرِ، والثَّانِيَ حَظُّ جميعِ الأُمَّةِ [1676] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/100). .
قولُ اللهِ تعالى: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ: الإِراءَةُ مِن (رأى) البَصَريَّةِ؛ لأنَّها عُدِّيَتْ إلى مَفعولَيْنِ فقط، وأُوثِرَ فِعْلُ: سَأُرِيكُمْ دونَ نَحْوِ: (سَأُدْخِلُكم)؛ لأنَّ اللهَ مَنَعَ مُعظَمَ القومِ الَّذينَ كانوا مع موسى مِن دُخولِ الأرضِ المقدَّسةِ لَمَّا امتَنَعوا من قِتالِ الكَنْعَانِيِّينَ [1677] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/102). وذلك على أحدِ أوجهِ التأويلِ في هذه الآيةِ.

بلاغة الآيتين:


قوله: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
قوله: يَا مُوسَى النِّداءُ فيه للتأنيسِ، وإزالةِ الرَّوعِ [1678] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/95). .
وقوله: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ: فيه تأكيدُ الخبرِ للاهتمامِ به؛ إذ ليسَ محلًّا للإنكارِ؛ والاصطفاءُ افتعالٌ مبالغةً في الإصفاءِ أيضًا [1679] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/95). .
والإخبارُ عن كُنْ بقولِه: مِنَ الشَّاكِرِينَ: أبلغُ مِن أنْ يُقال: (كن شاكرًا)؛ لأنَّ هذه الصِّيغةَ تُفيدُ كونَه مَعدودًا في زُمرةِ الشَّاكِرينَ، ومَعروفًا إسهامُه لهم في الشُّكرِ [1680] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/263- 265) و(9/95). .
وحذف مُتعلَّق الشُّكْرِ في قولِه تعالى: وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ يدُلُّ على عُمومِه، كما أنَّ صِيغةَ الصِّفةِ منه تدُلُّ على التَّمكُّنِ منه والرُّسوخِ فيه، والمعنى: كُنْ من الرَّاسِخينَ في الشُّكرِ لنِعمتي بها عليك وعلى قومِكَ [1681] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/112). .
قوله: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ عرَّفَ (الألواحَ) لِعَظَمَتِها؛ تَنْبيهًا على أنَّها لجَلالةِ ما اخْتَصَّتْ به كأنَّها المُخْتَصَّةُ بهذا الاسمِ [1682] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/80). .
قوله: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا
قوله: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ فيه تمثيلٌ لحالةِ العزمِ على العملِ بما في الألواحِ، بمنتهَى الجدِّ والحِرص دون تأخيرٍ ولا تساهُلٍ، ولا انقطاعٍ عند المشقَّةِ ولا مَللٍ- بحالةِ القويِّ الذي لا يَستعصي عليه عملٌ يُريده [1683] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/100). .
وفي قوله: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا جُزِمَ الفِعلُ يَأْخُذُوا جوابًا لقولِه: وَأْمُرْ تَحقيقًا لحُصولِ امتثالِهم عندَما يأمرُهم [1684] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/100). .
وقوله: بِأَحْسَنِهَا وصْفٌ مَسلوبُ المفاضَلةِ، مقصودٌ به المبالغةُ في الحُسنِ؛ فإضافتُها إلى ضَميرِ الألواحِ على معنَى اللام، أي: بالأحسنِ الذي هو لها، وهو جميعُ ما فيها؛ لظُهورِ أنَّ ما فيها من الشرائع ليس بَينَه تفاضُلٌ بين أحسن ودُون الأحسن، بل كلُّه مَرتبةٌ واحدةٌ فيما عُيِّن له [1685] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/101). ، وهذا على أحدِ الأوجهِ في هذه الآيةِ.
قوله: سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ فيه تلوينٌ للخِطابِ، وتوجيهٌ له إلى قَومِه- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- بطريقِ الالتفاتِ؛ لاستِرعاءِ الاهتمامِ، وحملًا لهم على الجِدِّ في الامتثالِ بما أُمِروا به؛ إمَّا على نهجِ الوعيدِ والترهيبِ على أنَّ المرادَ بـدَارَ الفَاسِقِينَ دِيارُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم؛ فإنَّ رُؤيتَها- وهي الخاليةُ عن أهلِها- خاوية على عُروشِها، موجبةٌ للاعتبارِ والانزجارِ عن مِثلِ أعمالِ أهلِها؛ كيلَا يَحُلَّ بهم ما حَلَّ بأولئك. وإمَّا على نهجِ الوَعدِ والتَّرغيبِ على أنَّ المرادَ بـدَارَ الفَاسِقِينَ إمَّا أرضُ مصرَ خاصَّةً، أو مع أرضِ الجَبابرةِ والعمالقةِ بالشَّامِ [1686]  يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/271)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (3/453). ، وهذا على أحدِ أوجهِ تأويلِ هذه الآيةِ.