موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيتان (142-143)

ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ

غريب الكلمات:


مِيقَاتُ: المِيقَاتُ مِفعالٌ مِن الوَقْتِ، وهو الوقتُ المضروبُ للشَّيءِ، والوَعْدُ الَّذي جُعِلَ له وَقْتٌ، أو: هو القدرُ المحدَّدُ للفعلِ مِن الزَّمانِ أو المكانِ، وأصْلُ (وقت): يَدُلُّ عَلَى حَدِّ شَيْءٍ وَكُنْهِه؛ فِي زَمانٍ وَغَيْرِه [1604] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 456)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/131)، ((المفردات)) للراغب (ص: 879)، ((فتح الباري)) لابن حجر (2/3). .
اخْلُفْنِي: أي: قُمْ مَقامي، والخِلافةُ: النِّيابةُ عن الآخَرِ؛ يقال: خَلَفَ فلانٌ فلانًا، أي: قامَ بالأمْرِ عنه، إمَّا معه وإمَّا بَعدَه، وأصْلُه: مجيءُ شيءٍ بعْدَ شيءٍ يقوم مَقامَه [1605] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 206)، (( مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/210)، ((المفردات)) للراغب (1/294). .
تَجَلَّى: أي: ظَهَر وبانَ، أو ظَهَرَ من أَمْرِه ما شاء، وأصْلُ الجَلْو: الكَشْفُ الظَّاهرُ، وكذلك انْكِشافُ الشَّيْءِ وبُروزُه [1606] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 172)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 140)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/468)، ((المفردات)) للراغب (ص: 200)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 209). .
دَكًّا: أي: مَدكوكًا أو مُنْدَكًّا، أو: مستويًا مع وجهِ الأرضِ، أو: مُلصقًا بالأرضِ، والدَّكُّ: الأرضُ اللَّيِّنةُ السَّهلةُ، ويُقالُ: ناقةٌ دَكَّاءُ: إذا لم يَكُنْ لها سَنامٌ، وأصْلُ (دكك): تَطامُنٌ وانْسِطاحٌ [1607] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 172)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 218)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/258)، ((المفردات)) للراغب (ص: 316)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 118). .
وَخَرَّ: أي: سَقَط، وأصْلُ (خرر): اضْطِرابٌ وسُقوطٌ مَعَ صَوْتٍ [1608] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/149)، ((المفردات)) للراغب (ص: 277)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 436). .
صَعِقًا: أي: مَغْشِيًّا عليه مع صِياحٍ، وشِدَّةِ صَوْتٍ، وكذلك يقال: صَعِقَ، إِذا ماتَ [1609] يُنظر: (غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 172)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/285)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 118)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 436، 562). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
أَرْبَعِينَ: مَنصوبةٌ على أنَّها حالٌ، أي: تَمَّ كاملًا، أو بالغًا هذا العددَ. أو على أنَّها مَفعولٌ به لـ تَمَّ، على تَضْمينِ «تَمَّ» معنى «بَلَغَ». أو على أنَّها ظَرْفٌ؛ لأنَّها عَددُ أزمنةٍ. أو على أنَّها تمييزٌ محوَّلٌ عن الفاعلِ، والأصْلُ: فتمَّ أربعونَ مِيقاتِ رَبِّه، ثمَّ أُسْنِدَ التَّمامُ إلى ميقاتٍ، وانتصَب أَرْبَعِينَ على التَّمييز؛ كقولِه تعالى: وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا [1610] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/301)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/593)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/447-448). [مريم: 4].

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه واعَدَ موسى ثلاثين ليلةً، يرتقِبُ بعْدَها مُناجاةَ ربِّهِ، وإنزالَ التَّوراةِ عليه، وأتممَها عزَّ وجلَّ بعَشْرِ ليالٍ، فتَمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، وأمَرَ موسى أخاه هارونَ- لَمَّا أراد الذَّهابَ لمناجاةِ اللهِ- أنْ يخلُفَه في قومِه، وأنْ يُصلِحَ كلَّ ما يحتاجُ إلى صلاحٍ من أَمْرِهم، ونهاه أنْ يَتَّبِعَ طريقَ المفسدينَ.
ولَمَّا جاء موسى للموعِدِ الَّذي حدَّده له اللهُ عزَّ وجلَّ ليُناجيَه، ويُعطيَه التَّوراةَ، وكَلَّمَهُ عزَّ وجلَّ بلا واسطةٍ، طلَب موسى مِن ربِّه أنْ يراه، فأخبره تعالى أنَّه لن يقدِرَ على رُؤيتِه في الدُّنيا، وأمره أنْ ينظُرَ إلى الجبلِ فإنِ استقرَّ في مكانِه بعْدَ أنْ يتجلَّى له اللهُ، فسوف يرَى موسى ربَّه، فلمَّا ظهَرَ اللهُ للجبلِ جعله دكًّا، وسقَطَ موسى مَغْشِيًّا عليه مِن شِدَّةِ دَكِّ الجبلِ، فلمَّا أَفاقَ قال: سُبحانَكَ! تُبْتُ إليك، وأنا أوَّلُ المؤمنين.

تفسير الآيتين:


وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ
أي: وواعَدْنا [1611] يرَى الواحديُّ والشنقيطيُّ أنَّ المدَّةَ المضروبةَ لموسى عليه السلام إنما جُعلتْ؛ ليصوم أيَّامها، ويَتعبَّد فيها قَبْلَ المناجاةِ. يُنظر: ((التفسير الوسيط)) (9/330)، ((العذب النمير)) (4/141). موسى انقضاءَ ثلاثين ليلةً ينتظِرُ، ويترقَّب بعْدَها مُناجاتَنا، وإنزالَ التَّوراةِ عليه، وأَتْمَمْنا الثَّلاثينَ بعَشْرِ ليالٍ أُخْرى [1612] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/414)، ((الوسيط)) للواحدي (2/405)، ((تفسير ابن كثير)) (3/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/140، 143). قال ابنُ كثير: (وقد اختَلف المفسِّرون في هذه العَشْرِ ما هي؛ فالأكثرون على أنَّ الثلاثين هي ذو القَعدةِ، والعشْر عَشْرُ ذي الحِجَّةِ. قاله مجاهد، ومسروق، وابن جريج. ورُوِيَ عن ابن عبَّاس. فعلى هذا يكون قد كمَل الميقاتُ يومَ النَّحرِ، وحصَل فيه التَّكليمُ لموسى عليه السلام). ((تفسير ابن كثير)) (3/468). .
كما قال تعالى: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة: 51].
فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً
أي: فكمَلَ بذلك الوقتُ الَّذي واعَدَ اللهُ موسى أنْ يُناجيَه فيه، ويُنزِلَ عليه التَّوراةَ، أربعين ليلةً [1613] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/415)، ((تفسير المراغي)) (9/55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/141). .
وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ
أي: وقال موسى لأخيه النَّبيِّ هارونَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، لمَّا أراد أنْ يذهبَ إلى جبلِ الطُّورِ؛ لمناجاةِ اللهِ: كُنْ- يا هارونُ- خليفتي في بَني إسرائيلَ إلى أنْ أرجِعَ إليكم، وأَصْلِحْ كُلَّ ما يحتاجُ إلى الإصلاحِ من أَمْرِهم [1614] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/416)، ((البسيط)) للواحدي (9/331)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/87)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/143). .
قال سُبحانَه: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه: 83، 84].
وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
أي: وأَوْصى موسى عليه السَّلام أخاه هارونَ عليه السَّلامُ قائلًا له: ولا تَسْلُكْ طريقَ الَّذينَ يُفسِدون في الأرضِ بالمعاصِي [1615] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/417)، ((البسيط)) للواحدي (9/331)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/88)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/143). .
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
أي: ولَمَّا جاءَ موسى إلى جَبلِ الطُّورِ في الوقتِ الَّذي حدَّدْناه له؛ لنُناجيَه، ونُعطيَه التَّوراةَ، وكلَّمه ربُّه عزَّ وجلَّ من غير واسطةٍ، قال موسى: يا ربِّ، أَرِني نفْسَكَ؛ لأنظُرَ إليك [1616] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/418)، ((البسيط)) للواحدي (9/332)، ((تفسير البغوي)) (2/228)، ((تفسير القرطبي)) (7/278)، ((تفسير ابن كثير)) (3/468)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/90)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/144). .
قَالَ لَنْ تَرَانِي
أي: قال الله مُجيبًا موسى: لن تَقدِرَ على رُؤيتي في الدُّنيا [1617] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/418)، ((تفسير القرطبي)) (7/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/147). قال الشنقيطيُّ: (والمعنى: أنت أضعَفُ- يا موسى- من أن تقدِرَ على رؤية خالقِ السَّمواتِ والأرضِ؛ لأنَّ شأنَه أعظمُ، وأمْرَه أكبرُ وأجلُّ من أن يقدر على رؤيته أحدٌ في الدنيا؛ لأنَّ الناسَ في الدنيا مُركَّبون تركيبًا لا يبلغ غايةَ القوَّةِ، مُعرَّضون للموت والهلاكِ، فأنت بهذه الدَّارِ لا تَقدِر أنْ ترى ربَّ السَّموات والأرضِ). ((العذب النمير)) (4/147). وقال السعدي: (الله تبارك وتعالى أنشأ الخلْقَ في هذه الدار على نشأةٍ لا يقدِرون بها، ولا يثبُتون لرؤيةِ اللهِ، وليس في هذا دليلٌ على أنَّهم لا يَرَوْنَهُ في الجنَّةِ، فإنه قد دلَّت النصوص القرآنيَّةُ والأحاديث النبويَّة على أن أهل الجنةِ يَرَوْنَ ربهم تبارك وتعالى، ويتمتَّعون بالنظرِ إلى وجهه الكريمِ، وأنه يُنشِئهم نشأةً كاملةً، يقدِرون معها على رؤيةِ اللهِ تعالى؛ ولهذا رتَّبَ اللهُ الرؤيةَ في هذه الآيةِ على ثُبوت الجبلِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 302). ويُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/468). .
عن أبي موسى الأشعريِّ رضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قام فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم بخَمسِ كَلِماتٍ، فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا ينامُ، ولا ينبغي له أنْ ينامَ، يَخفِضُ القِسْطَ ويرفعُه، يُرفَعُ إليه عملُ اللَّيلِ قبلَ عملِ النَّهارِ، وعملُ النَّهارِ قبلَ عملِ اللَّيلِ، حِجابُه النُّورُ- وفي روايةِ أبي بكرٍ: النَّارُ- لو كشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِه [1618] سبحاتُ وجهِه: أي: نورُه وجلالُه وبهاؤُه. ينظر: ((شرح النووي على مسلم)) (3/13). ما انتهى إليه بصرُه مِن خَلْقِه )) [1619] رواه مسلم (179). .
ثمَّ بيَّنَ اللهُ تعالى لموسى عدمَ استطاعتِه رُؤيتَه في الدُّنيا، فقال مُقْنِعًا له بذلك [1620] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 302). :
وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي
أي: ولكن انظُرْ إلى الجبلِ- يا موسى- فإنْ تجلَّيْتُ له، وثَبَتَ مكانَه فسَوف تَراني، وإذا لم يَثْبُتْ مَكانَه- وهو أقوى منك، وأَشَدُّ صَلابةً- فإنَّك لن تُطيقَ رُؤيتي من بابٍ أَوْلى؛ فأنتَ أضعَفُ مِن أنْ تتحمَّلَ ذلك [1621] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/61)، ((البسيط)) للواحدي (9/334)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/147). .
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
القِراءاتُ ذاتُ الأثرِ في التَّفسيرِ:
في قولِه تعالى دَكًّا قراءتانِ:
قِراءة دَكَّاءَ، أي: جعَلها أرضًا دكَّاءَ، وهي الأرضُ المُستَوِيَةُ [1622] قرأ بها حمزة، والكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/272). قال ابن زنجلة: (قرأ حمزة والكسائي: جَعَلَهُ دَكَّاءَ بالمد والهمز، قال الأخفش: قوله تعالى: دَكَّاءَ أي: جعله مِثْلَ دكَّاءَ، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيمَ المضافُ إليه مُقامَه كما قال: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي [يوسف: 82]، والعربُ تقول: ناقةٌ دكاء، أي: لا سِنام لها، وقال قطرب: قوله: دَكَّاءَ صفة، التقدير: جعله أرضًا دكَّاءَ، أي: ملساء، فأُقيمَتِ الصِّفةُ مُقامَ الموصوفِ، وحُذِفَ الموصوفُ ودلَّ عليه الصفة؛ كما قال سبحانه: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: 83]، أي: قولًا حَسَنًا). ((حجة القراءات)) (ص: 295). ويُنظر: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 163)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/422)، ((البسيط)) للواحدي (9/337). .
قِراءة دَكًّا، أي: جعلها أرضًا مدكوكةً، أي: مُفَتَّتَةً كالتُّرابِ [1623] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/272). قال ابنُ زنجلة: (قرأ الباقون: دَكًّا مُنوَّنًا، جَعَلوا دكًّا مصدًرا من دككتُ الشَّيءَ إذا كسَّرْتَه وفتَّتْتَه، فتأويله: جعَلَه مُفتَّتًا كالتراب، وحُجَّتهم قوله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: 21]، المعنى: فلمَّا تجلَّى ربُّه للجبل جعَله مدكوكًا، فكأنَّه دكَّه، فيُجعل قوله: دَكًّا مصدرًا صَدَرَ عن معنى الفعل لا عن لفظِه). ((حجة القراءات)) (ص: 295). ويُنظر: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 163)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/422)، ((البسيط)) للواحدي (9/337). وقال الشنقيطيُّ: (وعلى كلِّ حالِ فالله جلَّ وعلا لمَّا تجلَّى للجبل دكَّ الجبلَ وأزاله وكسَّره، وصار رُفاتًا؛ لعَظَمَةِ خالق السمواتِ والأرضِ على القراءتين: جَعَلَهُ دَكًّا جعله دكَّاء). ((العذب النمير)) (4/154). .
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
أي: فلمَّا ظهر اللهُ تعالى وبانَ للجبلِ جعله اللهُ مُفَتَّتًا، مستويًا بالأرضِ [1624] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/427)، ((البسيط)) للواحدي (9/335)، ((تفسير البيضاوي)) (3/33)، ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 287)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/93)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/154). .
وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا
أي: وسقَط َموسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مَغْشِيًّا عليه من شِدَّةِ دكِّ الجبلِ [1625] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/427)، ((تفسير ابن كثير)) (3/471)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/148، 154). .
عن أبي سعيدٍ رضي الله عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((النَّاسُ يَصعَقونَ يَوْمَ القِيامةِ، فأكونُ أوَّلَ مَنْ يُفيقُ، فإذا أنا بموسى آخِذٌ بقائِمةٍ من قَوائمِ العَرْشِ؛ فلا أدْري أَفاقَ قَبْلي، أم جُوزيَ بصَعْقةِ الطُّورِ )) [1626] رواه البخاري (3398) ومسلم (2374). .
وقال سليمانُ بنُ حَرْبٍ: حدَّثَنا حمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ رضِيَ اللهُ عنه، ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قرأ هذه الآيةَ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا [الأعراف: 143]- قال حمَّادٌ: هكذا، وأَمْسَكَ سليمانُ بطَرَفِ إبهامِه على أُنْمُلَةِ إصْبَعِه اليُمنى، قال:-  فساخَ الجبلُ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)) [1627] أخرجه الترمذيُّ (3074)، وأحمد (13178)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (480)، وابن مَندَة في ((الرد على الجهمية)) (26). قال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ صحيح. وصحَّح أبو محمَّد الخلَّال إسنادَه كما في ((تفسير ابن كثير)) (3/467)، وقال ابنُ القيم في ((مدارج السالكين)) ( 3/421): إسنادُه على شرْط مسلم. وقال الشوكاني في ((فتح القدير)) (2/345): صحيحٌ على شرط مسلم. وصحَّحه الألبانيُّ في ((صحيح الترمذي)) (3074). .
فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ
أي: فلمَّا أفاق موسى من غَشْيَتِه قال: أُنزِّهُك- يا ألله- تنزيهًا عمَّا لا يَليقُ بكمالِك وجلالِك وعَظمتِك، ومن ذلك أنْ يَتحمَّلَ أحدٌ رؤيتَكَ في الدُّنيا ثمَّ يَعيشَ [1628] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/432)، ((شمس العلوم)) لنشوان الحميري (8/5280)، ((تفسير ابن كثير)) (3/471)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/94)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/155). قال ابنُ عاشور: (وسُبحانَك مصدرٌ جاء عِوَضًا عن فعْلِه، أي: أُسبِّحك، وهو هنا إنشاءُ ثناءٍ على الله، وتنزيهٍ عمَّا لا يليق به؛ لمناسَبةِ سؤاله منه ما تبيَّن له أنه لا يليقُ به سؤالُه دونَ استئذانه، وتحقُّقِ إمكانه؛ كما قال تعالى لنوحٍ: فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود: 46] في سورة هود). ((تفسير ابن عاشور)) (9/94). .
  تُبْتُ إِلَيْكَ
أي: قال موسى: إنِّي تُبْتُ إليك- يا ربِّ-؛ فلَنْ أعودَ إلى طَلَبِ رؤيتِكَ في الدُّنيا [1629] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/432)، ((البسيط)) للواحدي (9/340)، ((تفسير ابن كثير)) (3/471)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/94). .
كما قال نوحٌ عليه السَّلامُ: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود: 47].
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
أي: قال موسى: وأنا أوَّلُ المؤمنينَ بأنَّه لا يَراكَ أحدٌ في الدُّنيا إلَّا هَلَكَ [1630] يُنظر: ((الرد على الجهمية والزنادقة)) لأحمد بن حنبل (ص: 81)، ((تفسير ابن جرير)) (10/433)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/374)، ((البسيط)) للواحدي (9/342)، ((تفسير ابن كثير)) (3/472). وهذا المعنى هو اختيارُ الإمامِ أحمدَ، وابنِ جرير، والزَّجَّاج، واستحسنه ابنُ كثير، إلَّا أنَّ ابن جرير قيَّدَ هذه الأوَّليَّةَ ببني إسرائيلَ، أي: أنا أوَّلُ مَنْ آمَنَ من قومي بأنَّك لا تُرى في الدُّنيا. يُنظر: المصادر السابقة. وممَّن ذهب مِن السَّلف إلى أنَّ المعنى: أولُ المؤمنين بأنَّه لا يراك أحدٌ مِن خلقِك في الدُّنيا؛ ابنُ عبَّاس- في أحدِ قولَيْه- وأبو العاليةِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/433، 434)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/152)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/547). وقال قتادة فِي قَوْله: وَأَنَا أوَّلُ الْمُؤمنِينَ أَنَّه لن تراك نفسٌ فتحيا. يُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (3/547). .

الفوائد التربوية:


1- جَمَعَ موسى لهارونَ في وصيَّتِه مِلاكَ السِّيَاسةِ بقولِه: وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ؛ فإنَّ سياسةَ الأُمَّةِ تدور حوْلَ مِحورِ الإصلاحِ، وهو جَعْلُ الشَّيءِ صالحًا، فجميعُ تصرُّفاتِ الأُمَّةِ وأحوالِها يجب أن تكونَ صالحةً، وذلك بأنْ تكونَ الأعمالُ عائدةً بالخيرِ والصَّلاحِ لفاعِلِها ولغيرِه، فإنْ عادت بالصَّلاحِ عليه وبِضِدِّه على غيرِه لم تُعْتَبَرْ صلاحًا، ولا تلبَثُ أنْ تؤولَ فسادًا على مَنْ لاحَتْ عِنده صلاحًا، ثمَّ إذا تردَّدَ فعْلٌ بين كونِه خيرًا من جِهةٍ، وشرًّا من جِهةٍ أخرى وَجَبَ اعتبارُ أقوى حالتَيْهِ، فاعْتُبِرَ بها إنْ تعذَّرَ العُدولُ عنه إلى غيرِه، ممَّا هو أوفَرُ صلاحًا، وإنِ استوى جهتاه أُلْغِيَ إنْ أَمْكَنَ إلغاؤُه وإلَّا تخيَّرَ، وهذا أمْرٌ لهارونَ جامِعٌ لِمَا يتعيَّنُ عليه عملُه من أعمالِه في سياسةِ الأُمَّةِ [1631] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/87، 88). .
2- أَمَرَ اللهُ بالصَّلاحِ، ونَهَى عن الفَسادِ، وبَعَثَ رُسلَه بتَحصيلِ المصالحِ وتكميلِها، وتَعطيلِ المفاسدِ وتقليلِها؛ يُبيِّن ذلك قولُه تعالى: وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [1632] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (31/266). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ، واعَدَ اللهُ تعالى موسى ثَلاثين ليلةً، وأَتَمَّها بعشْرٍ، فصارتْ أربعين ليلةً؛ ليستعِدَّ موسى ويتهيَّأَ لوعْدِ اللهِ، ويكونَ لنُزولِ التَّوراةِ موقِعٌ كبيرٌ لديهم، وتشوُّقٌ إلى إنزالِها [1634] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 302). .
قوله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ سُمِّيَتْ زيادةُ اللَّيالي العشْرِ إتمامًا؛ إشارةً إلى أنَّ اللهَ تعالى أراد أنْ تكونَ مُناجاةُ موسى أربعين ليلةً، ولكنَّه لَمَّا أَمَرَه بها أمَرَه بها مُفرَّقةً؛ إمَّا لحِكْمةِ الاستيناسِ، وإمَّا لتكونَ تلك العشْرُ عبادةً أخرى؛ فيتكرَّرَ الثَّوابُ، والمرادُ اللَّيالي بأيامِها فاقْتُصِرَ على اللَّيالي؛ لأنَّ المُواعَدَةَ كانت لأجْلِ الانقطاعِ للعبادةِ وتلقِّي المناجاةِ، والنَّفسُ في اللَّيلِ أكثرُ تجرُّدًا للكمالاتِ النَّفسانيَّةِ، والأحوالِ الملكِيَّةِ منها في النَّهارِ [1635] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/86). .
قوله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ...، قال بعضُ العلماءِ: هذه الآيةُ الكريمةُ يُؤْخَذُ منها: أنَّ ضَرْبَ التَّأجيلِ، وتحديدَ المدَّةِ للمِيعادِ ونَحْوِه- أنَّه أمْرٌ مَعروفٌ قديمٌ، فيدُلُّ على ضرْبِ الأجَلِ والتَّحديدِ بثَلاثين أو أربعين لموعِدٍ ونحوِ ذلك، كَدَيْنٍ أو غيرِه ممَّا يحتاجُ إلى الآجالِ [1636] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/142). .
قوله تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ...، قال بعضُ العلماءِ: هذه الآيةُ من سُورةِ الأعرافِ دلَّتْ على أنَّ التَّأْريخَ باللَّيالي لا بالأيَّامِ، وذلك هو المقرَّرُ في فنِّ العربيَّة كما دلَّتْ عليه هذه الآيةُ أنَّ التَّأْريخَ باللَّيالي لا بالأيَّامِ، فتقول: وقَعَ هذا لكذا وكذا ليلةً، ولا تقولُ: لكذا يومًا، فالتَّأْريخُ باللَّيالي؛ لأنَّ اللَّياليَ أوائلُ الشُّهورِ وهي سابقةٌ للأيَّامِ، فالتَّأْريخُ بها لا بالأيَّامِ، وهذه الآيةُ نَصٌّ صريحٌ في ذلك؛ لأنَّ اللهَ قال: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً، ولم يقُلْ: ثلاثين يومًا، وقال: وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ، حَذَفَ منها التَّاءَ ولم يقُلْ: (بعشَرة)؛ لأنَّ اللَّياليَ مُؤنَّثةٌ، ولو أرادَ الأيَّامَ لقال: (بعشَرة) بالتَّاء، كما هو معروفٌ في محلِّه [1637] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/142). .
قولُ اللهِ تعالى: وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فيه أمْرُه إيَّاه بالصَّلاحِ، ونَهْيُه عن اتِّباعِ سبيلِ المفسِدين هو على سَبيلِ التَّأكيدِ، لا لِتَوَهُّمِ أنَّه يقَعُ منه خِلافُ الإصلاحِ واتِّباعُ تِلك السَّبيلِ؛ لأنَّ مَنْصِبَ النُّبوَّةِ مُنزَّهٌ عن ذلك [1638] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/161). .
قولُ اللهِ تعالى: وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ، لَمَّا تعلَّق النَّهْيُ بسُلوكِ طريقِ المفسِدين، كان تحذيرًا من كُلِّ ما يُسْتَرْوَحُ منه مآلٌ إلى فسادٍ؛ لأنَّ المفسِدينَ قد يَعْملون عملًا لا فَسادَ فيه؛ فنُهِي عن المشارَكةِ في عَملِ مَنْ عُرِفَ بالفسادِ؛ لأنَّ صُدورَه عن المعروفِ بالفَسادِ كافٍ في توقُّعِ إفضائِه إلى فسادٍ؛ ففي هذا النَّهْيِ سَدُّ ذريعةِ الفسادِ، وسَدُّ ذرائعِ الفَسادِ من أُصولِ الإسلامِ [1639] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/88). .
قولُ اللهِ تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، ممَّا يُؤْذِنُ بأنَّ التَّكليمَ هو الَّذي أَطْمَعَ موسى عليه السَّلامُ في حُصولِ الرُّؤيةِ جَعْلُ جُملةِ: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ شرطًا لحرفِ (لَمَّا)؛ لأنَّ (لَمَّا) تدُلُّ على شِدَّةِ الارتباطِ بين شَرْطِها وجوابِها؛ فلذلك يَكْثُرُ أنْ يكونَ عِلَّةً في حُصولِ جوابِها [1640] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/91). .
قال اللهُ تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي، تعلَّقَ نُفاةُ الرُّؤيةِ بظاهرِ هذه الآيةِ، وقالوا: قال اللهُ: لَنْ تَرَانِي، و(لن) تكون للتَّأبيدِ، ولا حُجَّةَ لهم فيها، ومعنى الآيةِ: لن تراني في الدُّنيا أو في الحالِ؛ لأنَّه كان يَسأل الرُّؤيةَ في الحالِ، و(لن) لا تكون للتَّأبيدِ؛ كقولِه تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا [البقرة: 95]، إخبارًا عن اليهودِ، ثمَّ أخبر عنهم أنَّهم يَتمنَّوْنَ الموتَ في الآخرةِ؛ كما قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف: 77]، ويَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة: 27]، والدَّليلُ عليه أنَّه لم يَنسُبْه إلى الجهلِ بسؤالِ الرُّؤيةِ، وأنَّه لم يَقُلْ: إنِّي لا أُرى، حتَّى تكونَ لهم حُجَّةً، بل علَّقَ الرُّؤيةَ على استقرارِ الجبلِ، واستقرارُ الجبلِ عِند التَّجلِّي غيرُ مستحيلٍ إذا جعل اللهُ تعالى له تلك القوَّةَ، والمعلَّقُ بما لا يَستحيلُ لا يكون مُحالًا [1641] ينظر: ((تفسير البغوي)) (2/229). .
قولُ اللهِ تعالى: قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي، نبَّه تعالى بذلك على أنَّ الجبلَ مع شِدَّتِه وصلابتِه إذا لم يَستقرَّ فالآدميُّ مع ضَعْفِ بِنْيَتِهِ أَوْلى بألَّا يستقِرَّ، وهذا تسكينٌ لقلبِ موسى، وتخفيفٌ عنه مِنْ ثِقَلِ أعباءِ المنْعِ [1642] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/164). .
قوله سُبحانَه وتعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا، وهذا مِن أَبْيَنِ الأدلَّةِ على جوازِ رُؤيتِه تبارَك وتعالى؛ فإنَّه إذا جازَ أنْ يَتجلَّى للجَبلِ الَّذي هو جمادٌ، لا ثَوابَ له، ولا عِقابَ عليه، فكيف يمتَنِعُ أنْ يتجلَّى لأنبيائِه ورُسلِه وأوليائِه في دارِ كرامتِهم، ويُريَهم نفْسَه؟! فأَعْلَمَ سُبحانَه وتعالى موسى أنَّ الجبلَ إذا لم يَثْبُتْ لرؤيتِه في هذه الدَّارِ فالبشرُ أَضْعَفُ [1643] ينظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: 287)، وينظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (14/356). .
قال تعالى: وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، رأى محمَّدٌ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما رأى في ليلةِ الإسراءِ، وهو ثابتُ الجأْشِ، حاضرُ القلبِ، لم يَفْنَ عن تلقِّي خِطابِ ربِّه وأوامرِه، ومراجعتِه في أمْرِ الصَّلاةِ مِرارًا، ولا رَيْبَ أنَّ هذا الحالَ أكمَلُ من حالِ موسى الكليمِ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهما؛ فإنَّ موسى خرَّ صَعِقًا، وهو في مَقامِه في الأرضِ، لَمَّا تجلَّى ربُّه للجبلِ، والنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَطَعَ تلك المسافاتِ، وخَرَقَ تلك الحُجُبَ، ورأى ما رأى، وما زاغَ بَصَرُهُ وما طَغى، ولا اضْطَرَبَ فؤادُه ولا صَعِقَ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، ولا ريبَ أنَّ الوِراثةَ المحمَّديَّةَ أكمَلُ مِنَ الوِراثةِ الموسويَّةِ [1644] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 323، 324). .
قولُه: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ، تَعبيرُه بالإيمانِ في غايةِ المناسَبةِ لعَدمِ الرُّؤيةِ؛ لأنَّ شرطَ الإيمانِ أنْ يكونَ بالغَيبِ [1645] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/79). .

بلاغة الآيتين:


قولُه تعالى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إنَّما قال: فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مع أنَّه قد عُلِم ذلِك عند انضمامِ العَشْرِ إلى الثَّلاثينَ؛ لوُجوهٍ: أحدُها: أنَّه للتَّأكيدِ والإيضاحِ. الثَّاني: ليدُلَّ أنَّ العشْرَ ليالٍ لا ساعاتٌ. الثَّالثُ: ليَنفيَ تمامَ الثَّلاثينَ بالعشْر أنْ تكونَ من جُملةِ الثَّلاثينَ؛ ولرَفْعِ توهُّم أنَّ العَشرَ داخلةٌ في الثَّلاثين، بمَعنَى أنَّها كانتْ عِشرينَ ليلةً فأُتِمَّتْ بعشْرٍ [1646] يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/151)، ((تفسير أبي حيان)) (5/161)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/207). .
وإِضَافَةُ الميقات إِلَى رَبِّهِ في قولِه: فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ؛ لِلتَّشْرِيفِ [1647] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/87). .
قوله: وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ: فيه التَّحذيرُ مِن الفَسادِ بأبلغ صِيغةٍ؛ لأنَّها جامعةٌ بين نَهيٍ، وبين تعليقِ النَّهيِ باتِّباعِ سَبيلِ المُفسِدين [1648] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/88). .
قوله: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا معنى اللَّام في لِمِيقَاتِنَا الاختِصاصُ، فكأنَّه قيل: واختصَّ مَجيئُه بمِيقاتِنا [1649] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/151). .