موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (138-141)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ

غريب الكلمات:


يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ: أي: يُقيمونَ عليها مُعَظِّمين، ويَعبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، والعُكوفُ: الإقبالُ على الشَّيءِ، وملازَمتُه على سبيلِ التَّعظيمِ له [1541] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 172)، ((تفسير ابن جرير)) (10/409)،  ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 507)، ((المفردات)) للراغب (ص: 579)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص:117). . وأَصْنَامٍ: جَمْعُ صَنَمٍ، والصَّنمُ: جُثَّةٌ مُتَّخَذَةٌ من فِضَّةٍ، أو نُحاسٍ، أو خشبٍ، أو غير ذلك، كانوا يَعبدونها مُتقرِّبينَ بها إلى اللهِ تعالى [1542] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/314)، ((المفردات)) للراغب (1/493). .
مُتَبَّرٌ: أي: مُهْلَكٌ أو هَالِكٌ، والتَّبْرُ: الكَسْرُ والإهلاكُ [1543] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 172)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 438)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/362)، ((المفردات)) للراغب (ص: 162)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 117)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 877) .
أَبْغِيكُمْ: أي: أَلْتَمِسُ لكم وأطْلُبُ، وأصل (بغى): يدلُّ على طَلَبِ الشَّيءِ [1544] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/271)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 247). .
يَسُومُونَكُمْ: أي: يُولُونَكُمْ؛ يُقالُ: فلانٌ يَسومُكَ خَسْفًا؛ أي: يُولِيكَ إذلالًا واستِخفافًا، أو يُريدونه منكم ويَطلُبونه، أو يَبْغُونَكُمْ، يُقالُ: سامَه: كلَّفَه العَملَ الشَّاقَّ، وقيل: يُرسلِون عليكم، مِن إرْسالِ الإبِلِ المَرْعى، والسَّوْمُ أصْلُه: الذَّهابُ في ابتِغاءِ الشَّيءِ وطَلَبِه [1545] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 48)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 502)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/118)، ((المفردات)) للراغب (ص: 438)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 17)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 993). .
وَيَسْتَحْيُونَ: أي: ويَسْتَبقُون فلا يَقتُلونَ، والاستِحياءُ: الإبقاءُ حيًّا، و(استفعل) فيه بمَعنَى (أفعل)، وأصلُ (حيي): خِلافُ المَوتِ [1546] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (1/650)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 502)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/122)، ((المفردات)) للراغب (ص: 270)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 74). .
بَلَاءٌ: أي: اختبارٌ، وأَصْلُ البَلاء: الاختبارُ، ثمَّ صار يُطلَقُ على المكروهِ والشِّدَّةِ [1547] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 48)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/292)، ((المفردات)) للراغب (ص: 146)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 74)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 249-250، 253). .

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ
كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ: الكافُ في كَمَا حرفُ جرٍّ وتشبيهٍ، وهو مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ وقَعَ صفةً لـ إِلَهًا، أي: إلهًا مماثِلًا لإِلهِهم، و(مَا) فيها ثلاثةُ أوجُهٍ: الأوَّلُ: أن تكونَ مَوصولةً، ولَهُمْ شِبْهُ جملةٍ متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرُه (استقرَّ)، وهو صِلَةُ (ما)، وآلِهَةٌ بَدَلٌ مِن الضَّميرِ في (استقرَّ) المحذوفِ، والتَّقديرُ: كالَّذي استقرَّ هو لهم آلهةٌ. الثَّاني: أنْ تكونَ كافَّةً لعَملِ حرفِ الجرِّ (الكاف)، وهي جملةٌ مِن خبرٍ مُقدَّمٍ لَهُمْ، ومبتدأٍ مُؤخَّرٍ: آلِهَةٌ الثَّالثُ: أن تكونَ (ما) مصدريَّةً- أي: موصولًا حرفيًّا-، وصِلتُها محذوفةٌ، والتَّقديرُ: كما ثبَتَ لهم آلهةٌ، فـ آلهةٌ على هذا الوجْهِ فاعِلٌ بـ (ثبَتَ) المحذوفِ [1548] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/587-588)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (5/4442-443). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه جاوز ببني إسرائيلَ البحرَ بعْدَ أنْ أَغْرقَ عدُوَّهم فرعونَ وقومَه، فمرُّوا على قومٍ مشركين، مُلازِمين أصنامًا لهم، يعبدونها مِن دونِ اللهِ، فقالوا لموسى عليه السَّلامُ: اجْعَلْ لنا إلهًا كما لهؤلاءِ آلهةٌ يعبدونها، فقال لهم موسى: إنَّكم قومٌ تَجْهَلونَ، إنَّ هؤلاءِ المشركين محكومٌ على ما هم فيه بالدَّمارِ، وزائلٌ ما كانوا يَعملونه من عبادةِ الأصنامِ؛ فلا يَنتفِعون بها.
وقال لهم موسى مُنْكِرًا عليهم طَلَبَهم ومُتعجِّبًا منه: أَغَيْرَ اللهِ أَطْلُبُ لكم إلهًا، وهو الَّذي فضَّلكم على العالَمين؟!
ثمَّ قال اللهُ تعالى مُذكِّرًا بني إسرائيلَ بنعمتِه العظيمةِ عليهم: واذْكروا حين أنجيناكم من آلِ فرعونَ، الَّذينَ كانوا يُذيقونكم سُوءَ العذابِ، ويُنكِّلونَ بكم؛ يُقتِّلونَ أبناءَكم الذُّكورَ، ويُبْقون إناثَكم أحياءً؛ لِيَقُمْنَ بخِدْمتِهم، ولِيَعْتَدوا على أعراضِهِنَّ، وفي ذلك امتحانٌ واختبارٌ عظيمٌ من اللهِ لكم.

تفسير الآيات:


وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى أنواعَ نِعَمِه على بني إسرائيلَ بإهلاكِ عدُوِّهم، أَتْبَعَ بالنِّعمةِ العُظْمى مِنْ إِرَاءَتِهم هذه الآيةَ العظيمةَ، وقَطْعِهم البحرَ مع سلامتِهم [1549] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/349)، ((تفسير أبي حيان)) (5/156). ، فقال تعالى:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ
أي: وقَطَعْنا ببني إسرائيلَ البحرَ؛ فَتَخَطَّوْهُ بعْدَ أنْ أغرقْنا عدُوَّهم فرعونَ وقومَه، ورَأَوْا من آياتِ اللهِ ما رَأَوْا [1550] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/408)، ((تفسير ابن كثير)) (3/467)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/130). قال ابن عاشور: (المجاوَزةُ: البُعْدُ عن المكانِ عَقِبَ المرورِ فيه... معنى قولِه هنا: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ قدَّرنا لهم جوازَه ويسَّرْناه لهم. والبحرُ هو بحرُ القُلْزُمِ- المعروفُ اليومَ بالبحر الأحمر... والمعنى: أنَّهم قَطَعوا البحرَ وخرَجوا على شاطئِه الشَّرقيِّ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/79- 80). .
فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ
أي: فمَرَّ بنو إسرائيلَ على مُشرِكين مُلازِمينَ أصنامًا لهم، يَعبُدونَها مِن دونِ اللهِ سُبحانَه [1551] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/408- 409)، ((تفسير ابن كثير)) (3/467)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/80)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/132- 133). .
قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ
أي: قال بَنو إسرائيلَ لنبيِّهم موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا موسى، اصْنَعْ لنا صَنَمًا نتَّخِذْهُ إلهًا كما لهؤلاءِ القومِ أصنامٌ يَعبُدونها [1552] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/133). !
عن أبي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا خرَجَ إلى حُنَيْنٍ مَرَّ بشجرةٍ للمشركين يُقالُ لها: ذاتُ أَنْواطٍ، يُعلِّقونَ عليها أسلحتَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((سُبحانَ اللهِ! هذا كما قال قومُ موسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، والَّذي نَفْسي بيدِه لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كان قَبْلَكم )) [1553] أخرجه الترمذي (2180)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (11121)، وأحمد (21897)، وابن حبان في ((الصحيح)) (6702). قال الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ، وقال ابنُ القيِّم في ((إغاثة اللهفان)) (2/418): ثابتٌ، وصحَّح إسنادَه ابنُ باز في ((مجموع فتاواه)) ( 337/3)، والألبانيُّ في ((تخريج أحاديث المشكاة)) (5335). .
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
أي: قال موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لقومِه: إنَّكم قومٌ تَجْهَلونَ عظمةَ اللهِ، ووُجوبَ إفرادِه بالعِبادةِ وحْدَهُ لا شريكَ له [1554] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/409)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/82). .
ثُمَّ أَعْلَمَهم موسى بفَسادِ حالِ أولئك القومِ؛ لِيَزولَ ما استحسَنوه من حالِهم، فقال لهم [1555] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/448). :
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا اسْتُفيدَ من كلامِه السَّابقِ لهم غايةُ الإنكارِ عليهم، ذَكَرَ هنا ما علَّلَ به هذا الإنكارَ [1556] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/79). .
وأيضًا بَعْدَ أنْ ذكَّرهم بسُوءِ حالِهم مِن جهلِهم وسَفاهةِ أنفُسِهم، بيَّنَ لهم فسادَ ما طلبوه في نفْسِه؛ عسى أنْ تستعِدَّ عقولُهم لِفَهْمِه، واستبانةِ قُبْحِه [1557] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/97). ، فقال:
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ
أي: إنَّ هؤلاءِ المشركين سيُدمِّرُ اللهُ تعالى تلك الأصنامَ التي يعبدونها، ويُهلِكُ ما هُمْ فيه من الشِّرْكِ، ويُعذِّبهم [1558] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/411)، ((تفسير القرطبي)) (7/273)، ((تفسير ابن كثير)) (3/467)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/2- 83)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/134). .
كما قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود: 16].
وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
أي: وزائلٌ ما كانوا يَعمَلونه من عِبادةِ الأصنامِ؛ فلَنْ يَنتفِعوا بها [1559] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/411)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/134). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: 197].
وقال سُبحانَه: وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر: 13-14].
وقال عزَّ وجلَّ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23].
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا بيَّن أنَّ هذه الأصنامَ الَّتي مَرُّوا عليها لا تَصْلُحُ لِأَنْ تُعْبَدَ، كان ذلك غيرَ كافٍ لهم؛ لِمَا تَقرَّرَ من جَهلِهم، فربَّما ظَنُّوا أنَّ غيرَها ممَّا سِوى اللهِ تجوزُ عِبادتُه، فأَنْكَرَ أنْ يُتَأَلَّهَ غيرُه تعالى، وحَصَرَ الأمْرَ فيه [1560] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/71-72). .
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا
أي: قال موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مُنْكِرًا على قومِه ومُتعجِّبًا من طَلَبِهم: أأطلُبُ لكم إلهًا غيرَ اللهَ العظيمِ، المعبودِ بحقٍّ، الكاملِ في ذاتِه وصِفاتِه وأفعالِه [1561] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/83)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/134). ؟!
وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ
أي: أفأطلُبُ لكم معبودًا لا يَنفُعُكم ولا يَضُرُّكم، وتَترُكون عِبادةَ اللهِ تعالى، والحالُ أنَّه هو الَّذي فضَّلكم على عالَمِي زمانِكم، وأُمَمِ عَصْرِكم [1562] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/84)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/135). قال ابن عطيَّة: (والعالَمينَ لفظٌ عامٌّ يُراد به تخصيصُ عالَـمي زمانِهم؛ لأنَّ أمَّةَ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أفضلُ منهم بإجماعٍ، ولقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110]، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يُرادَ بالفضلِ كثرةُ الأنبياءِ منهم؛ فإنَّهم فُضِّلوا في ذلك على العالَمينَ بالإطلاقِ). ((تفسير ابن عطية)) (2/448). وقال ابنُ عاشور: (وظاهرُ صَوْغِ الكلامِ على هذا الأُسلوبِ أنَّ تفضيلَهم على العالَمين كان معلومًا عندهم؛ لأنَّ ذلك هو المناسِبُ للإنكارِ، ويحتملُ أنَّه أراد إعلامَهم بذلك، وأنَّه أمْرٌ محقَّقٌ... وتفضيلهم عليهم بأنَّهم ذُرِّيَّةُ رسولٍ وأنبياءَ، وبأنَّ منهم رُسلًا وأنبياءَ، وبأنَّ اللهَ هداهم إلى التَّوحيدِ والخَلاصِ من دِينِ فرعونَ بعد أن تخبَّطوا فيه، وبأنَّه جعَلَهم أحرارًا بعد أنْ كانوا عبيدًا، وساقَهم إلى امتلاكِ أرضٍ مُبارَكةٍ، وأيَّدَهم بنصْرِه وآياتِه، وبعَثَ فيهم رسولًا، لِيُقيمَ لهم الشَّريعةَ، وهذه الفضائلُ لم تَجتمِعْ لأُمَّةٍ غيرِهم يومئذٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (9/84). وقال الشنقيطي: (ومِن تفضيلِه لكم: أنْ أهلَكَ عدوَّكم، وأنجاكم وأنقذَكم من هذا الطَّاغيةِ العظيمِ، وهم في ذلك الوقت جميعُ النَّاسِ كَفَرَةٌ، وهم عندَهم إيمانٌ؛ فهُمْ أحسنُ الموجودين على ما كان منهم ممَّا لا يَنبغي). ((العذب النمير)) (4/135). ؟!
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى يُبيِّنُ أنَّه هو الَّذي أَنْعَمَ عليهم بهذه النِّعمةِ العَظيمةِ؛ فكيف يَليقُ بهم الاشتغالُ بعبادةِ غيرِه تعالى [1563] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/351). ؟!
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
القِراءاتُ ذاتُ الأَثَرِ في التَّفسيرِ:
في قولِه تعالى: أَنْجَيْنَاكُمْ قِراءتانِ:
قِراءة أَنْجَاكُمْ على أنَّها من إخبارِ موسى عليه السَّلامُ عن اللهِ سُبحانَه وتعالى بـ(نون) التَّعظيمِ [1564] قرأ بها ابن عامر. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/271). وهذا المعنى هو اختيارُ ابن خالويه، وظاهرُ اختيار مكيٍّ، واختاره أبو حيان. قال ابن خالويه: (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ يُقرأ بإثبات الياء والنون وبحذفهما... والحُجَّة لمَنْ حذفها: أنَّه من إخبار النَّبيِّ عليه السَّلامُ عن الله، والفاعل مُستتِرٌ في الفعل، و(إذ) في أوَّلِ الكلام متعلِّقةٌ بفِعْلٍ دليلُه قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ [الأنفال: 26]). ((الحجة في القراءات السبع)) (ص: 162- 163). ويُنظر: ((الكشف)) لمكي (1/475)، ((تفسير أبي حيان)) (5/159). وذَهب الأزهريُّ إلى أنَّها إخبارٌ من الله تعالى عن نفْسِه؛ فمعنى القراءتين لديه واحدٌ، حيثُ قال: (ومعنى أنجيناكم وأنجاكم واحدٌ؛ لأنَّ الإنجاءَ لله جلَّ وعزَّ). ((معاني القراءات)) (1/422). .
قِراءة أَنْجَيْنَاكُمْ على أنَّها من إخبارِ اللهِ تعالى عن نفْسِه [1565] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/271). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 162- 163)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 294)، ((الكشف)) لمكي (1/475). .
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
أي: قال اللهُ مُذكِّرًا بني إسرائيلَ نِعمتَه العظيمةَ عليهم [1566] قال ابنُ جرير: (واذكروا مع قِيلِكم هذا الَّذي قُلْتُموه لموسى بعدَ رُؤيتِكم من الآياتِ والعِبَرِ، وبعدَ النِّعَمِ التي سَلَفَتْ منِّي إليكم، والأيادي التي تقدَّمَتْ فعلَكم ما فعلْتُم). ((تفسير ابن جرير)) (10/413). : واذْكُروا حينَ أَنجيناكُم من فِرعونَ وقومِه [1567] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((تفسير الشوكاني)) (2/275)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/135). وذَهَب ابنُ جرير وابنُ عاشور إلى أنَّ المخاطَبين بذلك هم اليهودُ الذين كانوا في زمن محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمرادُ أسلافُهم الذين كانوا مع موسى عليه السَّلامُ، أي: واذكروا إذ أَنجَيْنا أسلافَكم. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/489). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (7/274)، ((تفسير الشوكاني)) (2/275). ورجَّح ابنُ عطية أنَّ هذه الآيةَ خاطَبَ بها موسى عليه السَّلامُ مَنْ حضَره من بني إسرائيلَ. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/449). .
كما قال تعالى: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [البقرة: 49].
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ
أي: كانوا يُذيقونكم- يا بني إسرائيلَ- ويُكلِّفونكم أَقْبَحَ العذابِ وأفظَعَه [1568] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((تفسير ابن عطية)) (2/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/136). قال ابنُ عاشور: (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ حالٌ من آل فرعون يَحصُل بها بيانُ ما وقَعَ الإنجاءُ منه، وهو العذابُ الشَّديدُ الذي كان الإسرائيليُّون يُلاقونه من معاملة القِبط لهم). ((تفسير ابن عاشور)) (1/492). .
ثمَّ بيَّن اللهُ تعالى العَذابَ الَّذي كانوا يُسامونَ سُوءَهُ، فقال [1569] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/449)، ((تفسير السعدي)) (ص: 302)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/492)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/136). :
يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ
أي: يُكثِرون مِن قتْلِ أبنائِكم الذُّكورِ [1570] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/413)، ((تفسير البغوي)) (2/228)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/136). .
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ
أي: ويُبقون إناثَكم أحياءً؛ لِيَقُمْنَ بخِدْمتِهم، ويَعْتَدوا على أعراضِهِنَّ [1571] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/414)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/492- 493)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/136- 138). .
وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
أي: وفي سَوْمِ آلِ فرعونَ لكم سُوءَ العذابِ مِحنةٌ واختبارٌ مِنَ اللهِ لكم عظيمٌ [1572] وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ، وابنِ عطيةَ، وابنِ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/414)، ((تفسير ابن عطية)) (2/449)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/493) (9/85).  .
وقيل: وفي إنجائِنا لكم مِن عذابِ آلِ فرعونَ نِعمةٌ من اللهِ لكم عَظيمةٌ [1573] وهو اختيارُ السعديِّ، وفسَّر به ابنُ جريرٍ نظيرَ هذه الآيةِ في سورةِ البقرةِ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:302)، ((تفسير ابن جرير)) (1/652-653). ويُنظر أيضًا: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/139- 140). .

الفوائد التربوية:


كفَى بأيِّ أُمَّةٍ خِسَّةَ عُقولٍ أنْ تَعُدَّ القبيحَ حَسَنًا، وأنَّ تتَّخِذَ المظاهرَ المُزَيَّنَةَ قُدوةً لها، وأنْ تنخلِعَ عن كمالِها في اتِّباعِ نقائِصِ غيرِها؛ يُرشِدُ إلى ذلك قولُ اللهِ تعالى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [1574] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/81).

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ اللهِ تعالى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ، وَجَاوَزْنَا، أي: قَطَعْنا بما لنا مِن العَظَمةِ، فساقَه على طريقِ المفاعَلةِ؛ تعظيمًا له تعالى [1576] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/68). .
2- قولُ اللهِ تعالى: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ سَمَّوُا الصَّنمَ إلهًا؛ لجهلِهم؛ فهُمْ يَحسَبونَ أنَّ اتِّخاذَ الصَّنمِ يُجْدي صاحِبَه، كما لو كان إلهَه معه، وهذا يدُلُّ على أنَّ بني إسرائيلَ قد انخلعوا في مُدَّةِ إقامتِهم بمصرَ عن عَقيدةِ التَّوحيدِ، وحَنيفيَّةِ إبراهيمَ ويعقوبَ الَّتي وصَّى بها في قولِه: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132]؛ لأنَّهم لَمَّا كانوا في حالِ ذُلٍّ واستِعبادٍ ذهب عِلْمُهم، وتاريخُ مَجْدِهم، واندمَجوا في دِيانةِ الغالِبين لهم؛ فلم تَبْقَ لهم مِيْزَةٌ تُميِّزُهم إلَّا أنَّهم خَدَمَةٌ وعَبيدٌ [1577] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/81). .
3- الفائدةُ في وصْف الأصنامِ بأنَّها لَهُمْ، وعدمِ الاقتصارِ على قوله: أَصْنامٍ في قولِ اللهِ تعالى: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، زِيادةُ التَّشنيعِ، والتَّنبيهُ على جَهلِهم وغَوايتِهم في عِبادتِهم ما هو مِلْكٌ لهم عليهم أَشَدُّ [1578] يُنظر: ((تفسير ابن عرفة)) (2/247). .
4- قولُ اللهِ تعالى: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، لم يَصْدُرْ هذا القولُ من جميعِهم؛ فإنَّه كان فيهم السَّبعونَ المُختارونَ ومَنْ لا يَصْدُرُ منه هذا السُّؤالُ الباطلُ، لكنَّه نَسَبَ ذلك إلى بني إسرائيلَ؛ لِمَا وقَعَ من بعضِهم، على عادةِ العربِ في ذلك [1579] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/157). .
5- قال اللهُ تعالى: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، ما أَحْسَنَ ما خاطَبَهم موسى عليه السَّلامُ! بدأهم أوَّلًا بنِسبتِهم إلى الجهلِ، ثمَّ ثانيًا أخبرهم بأنَّ عُبَّادَ الأصنامِ ليسوا على شيءٍ، بل مآلُ أمْرِهم إلى الهلاكِ، وبُطلانِ العملِ، وثالثًا أنكَرَ وتعجَّبَ أنْ يقَعَ هو عليه السَّلامُ في أنْ يَبْغِيَ لهم غيرَ اللهِ إلهًا، أي: أَغَيْرَ المُستحِقِّ للعبادةِ والألوهيَّةِ أَطْلُبُ لكم معبودًا، وهو الَّذي شرَّفكم واخْتَصَّكم بالنِّعَمِ الَّتي لم يُعطِها مَنْ سَلَفَ من الأُمَمِ، لا غَيرُه؛ فكيف أَبْغِي لكم إلهًا غيرَه [1580] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/159)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/83). ؟!
6- قال اللهُ تعالى: قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، كان جوابُ موسى عليه السَّلامُ بعُنْفٍ وغِلظةٍ بقولِه: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ؛ لأنَّ ذلك هو المناسِبُ لحالِهم [1582] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/81). .
7- قولُ اللهِ تعالى: قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، وَصَفَهم فيه بالجهلِ المُطلَقِ، غيرَ مُتعلِّقٍ بشيءٍ؛ لِيَشْمَلَ كلَّ ما يصلُحُ له من الجهلِ الَّذي هو فَقْدُ العِلْمِ، والجهلِ الَّذي هو سَفَهُ النَّفسِ، وطَيْشُ العقلِ، وأهمُّه المناسِبُ للمَقامِ جَهْلُ التَّوحيدِ، وما يجب من إفرادِ الرَّبِّ تعالى بالعبادةِ من غيرِ واسطةٍ [1583] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/97). .
8- الاشتغالُ بعبادةِ غيرِ اللهِ مُتَبَّرٌ وباطلٌ وضائعٌ؛ يُبيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [1584] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/350-351). .
9- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُسلوبُ استئنافٍ مُفيدٌ للتَّعليلِ والدَّليلِ؛ ليُبيِّنَ لهم فسادَ ما طَلبوه في نفْسِه؛ عسى أنْ تستعِدَّ عُقولُهم لِفَهْمِه، واستبانةِ قُبْحِه [1585] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/97). .
10- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ، لَمَّا كان الشَّيءُ قد يَهلِكُ في الدُّنيا أو في الآخرةِ عُبِّرَ بالجُملةِ الاسميَّةِ؛ إشارةً إلى أنَّه الآنَ كذلك، وإنْ رُئِيَ بخِلافِه [1586] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/71). .
11- قولُ اللهِ تعالى: قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، أنْكَرَ أنْ يُتَأَلَّهَ غيرُه، وحَصَرَ الأمْرَ فيه، ثمَّ بيَّنَه بقولِه: وَهُوَ، أي: والحالُ أنَّه هو وحْدَهُ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، أي: لو لم يكُنْ لوجوبِ اختصاصِهم له بالعِبادةِ سببٌ سوى اختصاصِه لهم بالتَّفضيلِ لكان كافيًا [1587] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/72). .
12- قولُ اللهِ تعالى: قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، فَغَيْرُ اللهِ أَعَمُّ الألفاظِ الدَّالَّةِ على المُحْدَثاتِ؛ فهو يشمَلُ أَخَسَّ المخلوقاتِ وأَعْجَزَها عن النَّفعِ والضُّرِّ؛ كالأصنامِ، ويشمَلُ أفضلَها وأكملَها؛ كالملائكةِ والنَّبيِّينَ عليهم السَّلامُ؛ لِيُثْبِتَ أنَّه لا يوجد مخلوقٌ يَستحِقُّ العبادةَ مع اللهِ تعالى [1588] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/100). .
13- قولُ اللهِ تعالى عن مُوسَى عليه السَّلام: قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ أي فضَّلَهم بفضائلَ لم تجتمِعْ لأُمَّةٍ غيرِهم يَومئذٍ، ومِن جُملةِ العالَمين هؤلاءِ القومُ الذين أَتَوْا عليهم، ورأوهم يَعكُفون على أصنامٍ لهم، وذلك كِنايةٌ عن إنكارِ طَلَبِهم اتِّخاذَ أصنامٍ مِثْلَهم؛ لأنَّ شأْنَ الفاضلِ ألَّا يُقَلِّدَ المفضولَ؛ لأنَّ اقتباسَ أحوالِ الغَيْرِ يتضمَّنُ اعترافًا بأنَّه أَرْجَحُ رأْيًا وأَحْسَنُ حالًا في تلك النَّاحيَةِ [1589] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/84). .
14- قال تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، إنَّما جُعِلَتِ النَّجاةُ من آلِ فرعونَ، ولم تُجْعَلْ من فرعونَ، مع أنَّه الآمِرُ بتعذيبِ بني إسرائيلَ؛ تعليقًا للفعلِ بمَنْ هو مِن متعلِّقاتِه على طريقةِ الحقيقةِ العقليَّةِ، وتنبيهًا على أنَّ هؤلاءِ المكلَّفين ببني إسرائيلَ كانوا يَتجاوَزون الحَدَّ المأمورَ به في الإعناتِ على عادةِ المُنفِّذينَ؛ فإنَّهم أقلُّ رحمةً، وأَضْيَقُ نُفوسًا من وُلاةِ الأُمورِ [1590] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/490). .

بلاغة الآيات:


قوله: فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
قوله: عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ: فيه اختيارٌ لطريقِ التَّنكيرِ في أَصْنامٍ، ووصْفُها بأنَّها لهم؛ ليُتوسَّل به إلى إرادةِ تحقيرِ الأصنامِ وأنَّها مجهولةٌ؛ لأنَّ التنكيرَ يستلزمُ خفاءَ المعرفةِ [1591] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/80). .
والتَّشبيهُ في قولِه: كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ أرادوا به حَضَّ موسى على إجابةِ سؤالِهم، وابتِهاجًا بما رَأَوْا من حالِ القومِ الَّذينَ حَلُّوا بَيْنَ ظَهْرَانَيهم [1592] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/81). .
قوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ: خبرٌ مُستعمَلٌ في مَعنَييهِ- الصَّريحِ والكِناية- مُكنًّى به عن التعجُّبِ مِن فداحةِ جَهلِهم [1593] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/82). .
ووصْفُهم بالجَهلِ المُطلَق، ومَجيئُه بصِيغة المضارِع تَجْهَلُونَ يُشيرُ إلى أنَّ الجهلَ كأنَّه معهم في الحالِ والمستقبلِ لا يُفارقهم [1594] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (4/133). .
وإسنادُ الجهلِ إلى القومِ في قوله: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ أبلَغُ من إسنادِه إلى ضَميرِ المخاطَبين؛ لأنَّه حُكْمٌ على جماعتِهم بما هو كالمتحقِّقِ المعروفِ من حالِهم، الَّذي هو عِلَّةٌ لمقالِهم، يدخُلُ فيه الَّذينَ سألوه ذلك منهم دُخولًا أوَّليًّا [1595] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/97). .
قوله: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
قوله: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ جملةٌ تَعليليَّةٌ لمضمونِ جُملة إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ؛ فلذلِكَ فُصِلتْ، ولم تُعطَفْ عليها، وأُكِّدتْ وجُعِلتِ اسميَّةً [1596] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/82). .
وقولُه تعالى: مُتَبَّرٌ أي: مُكَسَّرٌ مُفَتَّتٌ مُهْلَكٌ على وجهِ المبالَغةِ [1597] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/71). .
وفي إيقاع هؤُلاءِ اسمًا لـ إنَّ، وتَقديمِ خَبرِ المبتدأ مُتَبَّرٌ مِن الجملة الواقعةِ خبرًا لها؛ وسْمٌ لعَبَدةِ الأصنامِ بأنَّهم هم المُعرَّضون للتَّبارِ أي: الهَلاكِ، وأنَّه لا يَعْدُوهم البتَّةَ، وأنَّه لهم ضربةُ لازبٍ؛ ليُحَذِّرهم عاقبةَ ما طَلَبوا، ويُبغِّض إليهم ما أحبُّوا [1598] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/150). .
وقوله: وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ: الإخبار بالباطِل هنا كالإخبارِ بالمصدرِ؛ يُفيدُ المبالغةَ في بُطلانِه؛ لأنَّ المَقامَ مقامُ التوبيخِ، والمبالغةِ في الإنكارِ [1599] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/83). .
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ إِعَادَةُ لَفْظِ قَالَ مُسْتَأْنَفًا في حِكايةِ تَكملةِ جوابِ موسَى عليه السَّلامُ؛ لأنَّه يُعادُ في حِكايةِ الأقوال إذا طال المقولُ، أو لأنَّه انتقالٌ مِن غرَضِ التوبيخِ على سؤالِهم إلى غرَضِ التَّذكيرِ بنِعمةِ الله عليهم، وأنَّ شُكرَ النِّعمةِ يَقتضي زَجْرَهم عن مُحاولةِ عِبادةِ غيرِ المنعِم [1600] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/83). .
والاستفهامُ في قوله: أَغَيْرَ اللَّهِ: للإنكارِ والتعجُّبِ مِن طَلِبَتِهم- مع كونِهم مَغمورِينَ في نِعمةِ اللهِ- عِبادةَ غيرِ الله، وقدْ أُولي المستَفْهَم عنه الهمزةُ؛ للدَّلالةِ على أنَّ مَحَلَّ الإنكارِ هو اتخاذُ غيرِ الله إلهًا؛ فتقديمُ المفعولِ الثاني للاختصاصِ؛ للمبالغةِ في الإنكارِ، أي: اختصاص الإنكارِ ببَغيِ غير الله إلهًا [1601] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/150)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/83). .
وقوله: وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ فيه مَجيءُ المُسنَدِ فَضَّلَكُمْ فعليًّا؛ ليُفيدَ تقديمُ المسنَدِ إليه عليه تخصيصَه بذلك الخبرِ الفِعلي، أي: وهو فَضَّلَكم، لم تُفضِّلْكم الأصنامُ؛ فكان الإنكارُ عليهم تحميقًا لهم في أنَّهم مغمورونَ في نِعمة اللهِ ويَطلُبون عِبادةَ ما لا يُنعِم [1602] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/84). .
قولُه تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فيه انتقالٌ إلى كَلامِه تعالى عن نَفْسِه؛ خاطَبَ به مَنْ أَنْزَلَ إليهم هذا الوحيَ مِن خَلْقِه؛ تَنبيهًا لهم بتَلوينِ الكَلامِ، وبما في مُخاطَبةِ الرَّبِّ لهم كِفاحًا مِنَ التَّأثيرِ الخاصِّ إلى كَوْنِه هو المُسْدِي لهذا الإنعامِ [1603] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/101). .