موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (62-66)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ

غريب الكلمات:


وَالصَّابِئِينَ: جمْع صابئ، وهو الخارج من دِينه إلى دينٍ آخَر، وأصله الخروج، يقال: صبأت النُّجُوم خرجت من مطالعها [588] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 475)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 18)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 79). . وهم فِرق؛ منها: الصابئة الحُنفاء [589] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/250-252). .
نَكَالًا: أي: تنكيلًا وعقوبةً، وعِبرةً وعِظةً لمن وراءهم، وأصله: المنع والامتناع؛ وسمِّي النَّكال؛ لأنَّه فعل به ما يمنعه من المعاودة، ويمنع غيرَه من إتيان مِثل صنيعه [590] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 52، 180)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 458)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/473)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 18)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 80)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 914). .
خَاسِئِينَ: أي: باعِدين ومبعدين، وهو إبعاد بمكروهٍ، صاغرين ذَليلين، أو مُنزجِرين، ومنه: خسَأ البَصرُ، أي: انقبَض عن مَهانةٍ [591] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 52)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 205)،  ((المفردات)) للراغب (ص: 282)،  ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 80)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 438). .

المعنى الإجمالي:


يُخبر تعالى أنَّ الذين آمَنوا من أمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ومَن كان منهم على الدِّين الحقِّ في وقْته قَبلَ وقوع النَّسخ، أو حدوث التحريفِ، من اليهود، والنَّصارى، والصَّابئين- يخبر أنَّ الذين أحسنوا منهم، وأطاعوا، فلهم ثوابُهم عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يُخلِّفونه، وأمَّا بعد بعثةِ النبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فلا يَدخُل في هذا الوعدِ بـهذا الأجْر إلَّا مَن آمن به، والْتزَم بشَرعِه.
ثم ذكَّر سبحانه وتعالى بني إسرائيل حين أَخَذ عليهم عهدًا مُؤكَّدًا، بالإيمانِ به وبرُسلِه، والالتزامِ بشَرْعِه، وأنَّه رفَع فوقهم الجبلَ لتخويفهم؛ كي يُقرُّوا بما عُوهدوا عليه، وأمَرَهم بأخْذ التوراة بهِمَّة وحزْم، وأن يذكروا ما فيها، بأنْ يتلوها ويَعمَلوا بما فيها؛ رجاءَ أن يكونوا من المتَّقين.
ثم أخبَر سبحانه وتعالى أنَّهم نقَضُوا العهدَ، وأعرضوا عنه، فلولا أنْ أكرمَهم الله تعالى، فتداركهم بالتوبةِ، لكانوا من الهالِكين في الدُّنيا والآخِرة.
وقد عَرفتم يا معشرَ اليهود، الذين تَعدَّوْا حدودَ الله منكم، وتجاوزوا ما أمرهم الله به مِن تَرْك صَيد البَحر يومَ السَّبت، فمَسخَهم الله في صور قِردَةٍ حَقيرينَ ذَليلينَ، فجَعَل الله هذه العقوبةَ رادعةً لِمَن حول الممسوخين، وتذكرةً للمتَّقين؛ ليعتبروا بها.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62).
مُناسبة الآية لِمَا قبلها:
في توسط هذه الآية بين آيات ذِكر بني إسرائيل بما أنعم الله عليهم وبما قابلوا به تلك النعم من الكفران وقلة الاكتراث، مناسبة بليغة؛ إذ بيَّن لهم في هذه الآية أنَّ باب الله مفتوح لهم، وأن اللجأ إليه أمر هيِّن عليهم، وذلك بأن يؤمنوا ويعملوا الصالحات، بعدما تقدم من حكاية سوء مقابلتهم لنعم الله تعالى، وما أصابهم من ضرْب الذلة والمسكنة ورجوعهم بغضب من الله تعالى عليهم، وما في هذا من إفزاع لهم [592] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/531).   فقال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62).
أي: إنَّ الله تعالى لَمَّا ذكَر قبائح بني إسرائيل وذمَّهم، بيَّن طائفةً لم يَلحقْها هذا الذمُّ، ولَمَّا كان ذِكرُ بني إسرائيل خاصَّةً يُوهِم اختصاصهم بهذا الفضل، ذكَر سبحانه حُكمًا عامًّا يشمل عددًا من أتباع الشَّرائع الأخرى.
وعنَى بالذين آمنوا: أُمَّة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لأنَّهم هم الذين يستحقُّون الوصفَ بالإيمان المطلَق؛ حيث آمنوا بجميع الكتُب، والرُّسل؛ ولكثرة إيمانهم، وشِدَّة إيقانهم. واليهود هم أتباعُ موسى عليه السَّلام قَبل نَسْخ دِينهم، وقبل تحريفِه، والنصارى أتباعُ عيسى عليه السَّلام قَبل نسْخ دِينهم، وقبل تحريفه، وأمَّا الصابئون فهم فِرق؛ منها: الصَّابئة الحُنفاء، الذين بَقُوا على فِطرتهم بتوحيد الله عزَّ وجلَّ، وتحريم الظُّلم والفواحِش، وغير ذلك، من غير تقيُّد بمِلَّة ولا نِحلة، ودون أن يُحدِثوا كُفرًا.
فمَن أحسن مِن هذه الأُمم السالِفة، وأطاع، فإنَّ لهم الثوابَ من عند الله عزَّ وجلَّ، ولهم السَّعادة الأبديَّة، فلا خوفَ عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يُخلِّفونه.
وهذا الحُكم بين هذه الطَّوائف من حيثُ هم؛ فإنَّ هذا إخبارٌ عنهم قَبل بعثةِ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأمَّا بعدَ بعثةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فلا يُعدُّ مؤمنًا، ولا ينال هذا الأجْر مَن لم يؤمنْ برسالة محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ولم يعملْ بمقتضاها [593] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/32-40)، ((تفسير ابن كثير)) (1/284-287)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/531)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/221-222). وما ذكرناه في معنى (الصَّابئين) هو اختيار ابن تيمية في ((الجواب الصحيح)) (3/123)، وابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) (2/250-252)، وابن كثير في ((تفسيره)) (1/287)، وابن عثيمين في ((تفسيره - الفاتحة والبقرة)) (1/222). قال ابن كثير: (وأظهر الأقوال، والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنَّما هم قوم باقون على فِطرتهم ولا دِينَ مُقرَّر لهم يتبعونه ويَقتفونه؛ ولهذا كان المشركون يَنبِزون مَن أسلم بالصَّابئي، أي: أنَّه قد خرج عن سائرِ أديان أهلِ الأرض إذ ذاك) ((تفسير ابن كثير)) (1/287). وممَّن ذهَب في تفسير الصَّابئة إلى نحو ما ذُكر: ابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/36). .
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63).
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ.
أي: واذكُروا حِين أخْذنا عليكم عهدًا مؤكَّدًا بالإيمان به وبرُسله، والالتزام بشَرْعه، ورَفعْنا فوقكم الجبلَ لتخويفكم؛ كي تُقرُّوا بما عُوهِدتم عليه، وتَعمَلوا به [594] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/46-48)، ((الروح)) لابن القيم (ص: 167)، ((تفسير ابن كثير)) (1/287)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/541-542). .
خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.
أي: قُلنا لهم: تلقَّوُا التوراةَ التي أعطيناكم إيَّاها، بهمَّةٍ وحَزمٍ، وجدٍّ ونشاط، واذكُروا ما فيها بأنْ تتلوها، وتتعلَّموا ما فيها، وتتدبَّروها، وتعمَلوا بمقتضاها، من أجل أن تكونوا من المتَّقين [595] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/51-54)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/151)، ((تفسير القرطبي)) (1/437)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/542). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ المقصود بقوله: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ: التوراة: الحسن، وأبو العالية، والرَّبيع بن أنس. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/54)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/130). .
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64).
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ.
أي: بعد هذا المِيثاق المؤكَّد أعرضتُم عنه، ونقضتموه بترْك العمل به [596] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/55-56)، ((تفسير ابن كثير)) (1/288)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54). .
فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
أي: لولا أنْ أكرمكم الله تعالى، فتداركَكم بالتوبةِ وإرسالِ الرُّسل، وآخِرهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، لكُنتم من الهالِكين في الدُّنيا والآخِرة [597] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/56، 58)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/151)، ((تفسير القرطبي)) (1/438، 439)، ((تفسير ابن كثير)) (1/288)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/542)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/226). .
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65).
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ.
أي: قد عرفتُم يا معشرَ اليهود، ما حلَّ بمَن جاوزوا منكم ما أُمِروا به مِن ترْك صيدِ البحر يومَ السَّبت، فاحتالوا على هذا الأمر، مُتعدِّين حدود الله عزَّ وجلَّ [598] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/59)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/151-152)، ((تفسير ابن عطية)) (1/159-160)، ((تفسير ابن كثير)) (1/288)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/543)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/228-229). .
فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ.
أي: لَمَّا فَعلوا ذلك، مَسخَهم اللهُ تعالى، فصيَّرهم بقُدرته سبحانه في صورة القِرَدة، حَقيرينَ ذَليلِين [599] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/65-67)، ((تفسير ابن كثير)) (1/288، 291)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54). وممَّن قال: إنَّهم مُسِخُوا على صورة القِردة: ابن عبَّاس، وقتادة. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/132). .
فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66).
أي: جعَلْنا هذه العقوبةَ رادعًا لِمَن حول أولئك الممسوخين قِردةً، وتذكرةً نافعةً للمتَّقين؛ لينزجِروا بها ويَعتبِروا [600] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/69، 72، 73)، ((تفسير ابن عطية)) (1/161)، ((تفسير ابن كثير)) (1/291-293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 54)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/546)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/229-230). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- إذا ذُكِر الثناءُ بالشرِّ على طائفة، وكان منهم أهلُ خير، فإنَّه ينبغي ذِكرُ أولئك الذين اتَّصفوا بالخير؛ حتى لا يكون قدحًا عامًّا [601] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/224). .
3- مِن ثمرات الإيمان بالله واليومِ الآخِر، حصولُ الأجْر، وانتفاء الخوف ممَّا يُستقبل، وانتفاء الحزن على ما مضَى، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [602] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/223). .
4- الأخْذ بالكتاب المُنَزَّل يوجِب التقوى؛ لقوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [603] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/227). .
5- الإنسان لا يستقلُّ بنفسه في التوفيق؛ لقوله تعالى: فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [604] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/228). .
6- تحريم الحِيَل، وأنَّ المتحيِّل على المحارم لا يخرُج عن العدوان؛ لقوله تعالى: الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [605] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/230). .
7- أنَّ العقوبات فيها تنكيلٌ حتى لغيرِ الواقِع في الذَّنب؛ لقوله تعالى: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا، ومن ذلك الحدود الشرعيَّة نكالٌ للفاعل أن يعودَ مرَّةً أخرى إلى هذا الذَّنب، ولغيرِ الفاعل [606] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/232). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- عُتوُّ بني إسرائيل؛ حيثُ لم يؤمِنوا إلَّا حين رُفع فوقهم الطور، كأنَّه ظُلَّة، وظنُّوا أنَّه واقع بهم؛ فحينئذٍ آمنوا [607] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/227). .
2- لُؤم بني إسرائيل؛ لأنَّهم بعد أن رجَع الجبلُ إلى مكانه تولَّوْا، كما قال تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وهذا من اللؤم [608] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/228). .
3- توبيخُ اليهود الموجودِين في عهد الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على عدمِ الإيمان به؛ ووجه ذلك: أنَّهم علِموا ما حلَّ بأسلافِهم من النَّكال بسببِ المخالَفة، كما قال سبحانه: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ...؛ فكان ينبغي أن يتعظوا بذلك، ويرتدعوا به عن مَعصيةِ الله تعالى ورسولِه عليه السلام [609] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/230). .

بلاغة الآيات:


1- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
- هذه الآية تكررت أيضًا في سورة المائدة وسورة الحج مع اختلاف بتقديم الصُّنوف وتأخيرها، واختلاف في إعراب الصَّابِئِينَ حيث نُصِبت هنا وفي سورة الحجِّ أيضًا، بينما رُفعت في سورة المائدة؛ وهذا لفائدةٍ تقتضي ذلك؛ فقيل: لأنَّ النصارى مقدَّمون على الصَّابِئِينَ في الرتبة؛ لأنَّهم أهل كتاب، فقدَّمهم في البقرة. والصابئون مقدَّمون على النصارى في الزمان؛ لأنهم كانوا قبلَهم، فقدَّمهم في الحج. وراعى في المائدة المعنيين فقدَّمهم في اللفظ وأخَّرهم في التقدير؛ لأنَّ تقديره عند البصريِّين، وأكثر الكوفيين: التأخير على معنى والصابئون كذلك [610] يُنظر: ((غرائب التفسير وعجائب التأويل)) لتاج القراء الكرماني (1/145). وقيل: آية البقرة والمائدة هي فيمَن آمن بمحمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا آية الحج فهي فيمن بقِي على دِينه ولم يؤمن بالنبي محمد صلَّى الله عليه وسلَّمَ؛ لذا شملت كلَّ مَن لم يؤمن بدين محمد عليه الصلاة والسلام، بما فيهم المجوس والذين أشركوا، و(الصَّابئين) تأخَّرت عن النصارى؛ لأنهم فِرقة قليلة، لا تمثِّل جمهرة كثيرة كالنصارى، أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين لدين، ولكنهم سلكوا طريقًا مخالفًا؛ فجاءت هذه الآية لتلفتنا أنَّ هذه التصفية تشمل الصابئين أيضًا، فقدَّمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان بقوة. ((تفسير الشعراوي)) (1/369). وقيل: إنَّ كل آية من الآيات الثلاث تختصُّ بفترة زمنية؛ فآية البقرة تتحدَّث عن الفِرق الثَّلاث ومصيرها قبل بعثة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أمَّا آية المائدة فإنها تخصُّ فترة ما بعد الإسلام منذ بعثة النبي صلَّى الله عليه وسلَّمَ وإلى قيام الساعة، وأمَّا آية الحج فإنَّها تختصُّ بيوم القيامة يوم الفصل بين الخلائق جميعًا. .
- ومن بديع البلاغة: أنْ قرن مع اليهود في ذلك ذكر بقيةٍ من الأُمم؛ ليكون ذلك تأنيسًا لوحشة اليهود من القوارع السَّابقة في الآيات الماضية، وإنصافًا للصالحين منهم، واعترافًا بفضلهم، وتبشيرًا لصالحي الأُمم من اليهود وغيرهم الذين مضَوْا؛ فقدْ وفَت الآية حقَّ الفريقين من الترغيب والبشارة، وراعت المناسبتين للآيات المتقدِّمة مناسبةَ اقتران الترغيب بالترهيب، ومناسبةَ ذِكْر الضدِّ بعد الكلام على ضدِّه [611] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/531). .
- ومجيء (إنَّ) هنا لمجرد الاهتمام بالخبر، وتحقيقه لدفع توهُّم أنَّ ما سبق من المذمَّات شامل لجميع اليهود؛ فإنَّ كثيرًا من الناس يتوهم أن سلف الأمم التي ضلت كانوا مثلهم في الضلال [612] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/531). .
- وابتُدئ بذكر المؤمنين للاهتمام بشأنهم؛ ليكونوا في مقدمة ذِكر الفاضلين، فلا يذكر أهل الخير إلَّا ويذكرون معهم [613] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/532). .
- وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ: التعبير في نفي الخوف بالخبر الاسمي؛ لإفادة نفْي جنس الخوف نفيًا قارًّا؛ لدلالة الجملة الاسميَّة على الدوام والثبات، والتعبير في نفي خوف الحزن بالخبر الفعلي وهو (يحزنون)؛ لإفادة تخصيصهم بنفي الحزن في الآخِرة بخلاف غير المؤمنين [614] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/540-541). .
وفي ختْم هذه الآية بقوله: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ مناسبة ظاهرة؛ لأنَّ من استقرَّ أجره عند ربه لا يلحقه حزنٌ على ما مضَى، ولا خوف على ما يُستقبل [615] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/406). .
2- قوله: ميثاقكم جاء على صيغة الإفراد ولم يقل: (مواثيقكم)؛ للدَّلالة على أنَّ كل واحد منهم قد أخَذ ذلك، ولبيان أنَّه كأن شيئًا واحدًا أُخذ من كل واحد منهم، كما أُخذ على غيره، فكان كله ميثاقًا واحدًا، ولو قيل: (مواثيقكم) لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد [616] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (3/538). .
 3- وَلَقَدْ عَلِمْتُم اللام في (لقد) لام توكيد، ويحتمل أن تكون جوابًا لقسم محذوف، ولكنه جيء على سبيل التوكيد باللام، و(قد) والقَسم المحذوف؛ لأنَّ مثل هذه القصة يمكن أن يُبهِتوا في إنكارها؛ وذلك لما نال في عقبى أولئك المعتدين من مسخهم قردة، فاحتيج في ذلك إلى توكيد، وأنهم علموا ذلك حقيقة [617] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/408)، ((دليل البلاغة القرآنية)) للدبل (ص: 101). .