موسوعة التفسير

سُورَةِ البَقَرَةِ
الآيات (67-74)

ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ

غريب الكلمات:


فَارِضٌ: مُسنَّة، والفارض: المسنَّة من البَقر، أو الهَرمة، والفارض هُوَ الضَّخم من كل شَيْء، وأصل الفرض: التأثير في الشيء بقطع أو غيره [618] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 52)، ((المفردات)) للراغب (ص: 631)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 675، 976). .
بِكْرٌ: أي: صغيرة لم تلد، وأصله: أول الشيء وبدؤه؛ ولذا سُمِّيت التي لم تُفتضَّ بكرًا [619] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 53)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/287)، ((المفردات)) للراغب (ص: 140). .
عَوَانٌ: أي: نصف بَين الصَّغيرة والمُسِنَّة، والمتوسِّطة بين السِّنينِ [620] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 329)، ((المفردات)) للراغب (ص: 598)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 80). .
فَاقِعٌ: أي: ناصع صاف؛ يقال: أصفر فاقع: إذا كان صادِقَ الصفرة، كقولهم: أسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضِر؛ فهذه التوابع تدل على شِدَّة الوصف وخلوصه [621] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 53)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 359)، ((المفردات)) للراغب (ص: 642)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 566). .
ذَلُولٌ: التي قد أذلَّها العمل، وأصل الذل: الخضوع، والاستكانة، واللين. والذل: ضد العز، وخلاف الصُّعوبة. وقيل: بالضم ما كان عن قَهْر، وبالكسر: ما كان عن تصعُّب، وهو الذلول من الدَّواب [622] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/345)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 18)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 462-463). .
تُثِيرُ الْأَرْضَ: أي تقلبها للزراعة، وأصل الإثارة: الاستخراج والقلقلة من مكانٍ إلى مكان [623] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 54)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 81). .
مُسَلَّمَةٌ: أي: مُخلَّصة، ومبرَّأة من العيوب، وأصْل السلم والسلامة: الصحة والعافية، والتعرِّي من الآفات الظاهرة والباطنة [624] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/90)، ((المفردات)) للراغب (ص: 421)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 18)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 81). .
لَا شِيَةَ: لا لون فيها سِوى لون جميع جِلدها، والشية: مأخوذة من وشيت الثوب: إذا جعلت فيه أثرًا يُخالف معظمَ لونه، أو نسج على لونين مُخْتَلفين [625] يُنظر:  ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 54)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 543). .
فَادَّارَأْتُمْ: أي: تدافعتُم، واختلفتم، أو اختصمتم، وأصل الدَّرْء: دفْع الشيء [626] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 54)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/271)، ((المفردات)) للراغب (ص: 313)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 18)،  ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 82)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 68). .

مشكل الإعراب:


1- قوله لا فَارِضٌ: لا: نافية، لا عمل لها. وفارضٌ: مرفوع، صفة لـ(بقرةٌ) و(لا) معترضة بين الصِّفة والموصوف. ويجوز أن يكون (فارض) خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: لا هي فارض. ومثله وَلَا بِكْرٌ ومثله لَا ذَلُولٌ [627] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/98)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/74)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (1/419). .
2- قوله: عَوَانٌ: مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: هي عوانٌ. ويجوز أن يكون صفة لـ(بقرة) والأول أحسن؛ لبُعد الموصوف [628] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/98)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (1/74)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (1/419). .

المعنى الإجمالي:


يُذكِّر اللهُ سبحانه بني إسرائيل بإخبار موسى لآبائهم بأمْر اللهِ تعالى لهم بذْبْح بقرة؛ كي يضربوا القتيلَ بجزء منها، فيَحيَا ويُخبر بقاتله، فاستنكروا على موسى ذلك، وتَعنَّتوا كعادتِهم، واتَّهموه بأنَّه يسخَر منهم، فاستعاذ باللهِ أن يكون من السُّفهاءِ الذي يَسخَرون من الناس.
فقالوا لموسى- مشدِّدين على أنفسِهم ومُتعنِّتين-: اسأل ربَّك يَصِفْها لنا؛ لنعرفها، فذكَر لهم موسى بأنَّها بقرةٌ متوسِّطة السنِّ، ليست بالكبيرة الهَرِمة، ولا بالصَّغيرة، وأمرهم أنْ يقومُوا بفعل ما أُمِروا به، فطَلبوا منه أن يسأل ربَّه أيضًا عن لون البقرة! فكان الجوابُ: أنَّها بقرة صفراءُ صافيةٌ، شديدةُ الصُّفرة، تُدخِل السرورَ على مَن نظر إليها.
فعادوا طالبِين من موسى مُجدَّدًا أن يسأل ربَّه أن يُبيِّن لهم مزيدًا من أوصافها؛ وحُجَّتهم أنَّ البقرة المطلوبة الْتبَستْ عليهم بين غيرها من البَقر، وأوْضَحوا بأنَّهم بإذن الله سيهتدون.
فقال موسى: إنَّ الله يقول بأنَّ هذه البقرة ليستْ مُذلَّلة بالعمل، لم تُعَدَّ لتقليب الأرض للحَرْث، أو سقي الزَّرع، وهي أيضًا سليمةٌ من جميع العيوب، ولا يُخالِط لونَ جلدِها الأصفر الفاقِع أيُّ لونٍ آخَر.
فقالوا حِينها: اتَّضح الحقُّ الآن، وجئتَ بالصِّفات التي تُميِّزها عن غيرها يا موسى، فوجدوها، وذبحوها، وقد قارَبوا ألَّا يفعلوا!
ثمَّ ذكَّرهم سبحانه حين قتَلوا نفْسًا، ثم تنازَعوا فيها؛ كلٌّ يَدفَع القتلَ عن نفسه، والله سبحانه مُظهِرٌ القاتلَ؛ ليُعلم ما كانوا يُخفونَه، ولينتفيَ النِّزاع بينهم.
فأمَرَهم الله جلَّ وعلا أن يضرِبوا القتيل ببعض البَقرة، ففعلوا، فحَيِيَ بإذن الله، وأخبرهم بقاتله، وكما أحيا الله هذا القتيلَ، كذلك يُحيي الموتى بعد مماتهم، فيبعثهم يومَ القيامة، ويُظهر الله تعالى آياتِه الواضحاتِ؛ لعلَّهم ينزجرون ويمتنعون عن عِصيانه.
ثمَّ غلُظت قلوبُهم، ولم يكن ينبغي لهم ذلك بعدَما عاينوا تِلك الحادثةَ الخارقة للعادة! فصارتْ قلوبهم في غِلظتها كالحجارة، أو أشدَّ صلابةً من الحجارة؛ فإنَّ الحجارة مع قسوتها أفضلُ من قلوب أولئك القوم؛ فإنَّ منها ما يتصدَّع فيخرج منه الماء، ومنها ما يسقُط من علوٍّ إلى سُفول من خشيةِ الله سبحانه، وما الله تبارك وتعالى بغافلٍ ولا ساهٍ عن أفعالهم، بل سيُجازيهم عليها أتمَّ الجزاء.

تفسير الآيات:


وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.
أي: واذكروا يا بني إسرائيل، حين أخبَر موسى عليه السَّلام آباءَكم بأمْر الله تعالى لهم بذَبْح بقرة؛ كي يضربوا القتيل بجزء منها، فيَحيا القتيل، ويُخبرهم بقاتله، ولم يُحدِّد الله تعالى لهم بقرةً معيَّنة ولم يخبرهم بأوصاف محدَّدة، بل أي بقَرة ذبَحوها، فإنَّها تُفيد في تحقيق المطلوب [629] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/75)، ((تفسير ابن كثير)) (1/293)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/120، 121، 124). .
قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا.
أي: إنَّهم استنكروا على موسى عليه السَّلام أمْره بذَبح بقرة، ورأوا أنَّ جوابه غيرُ محقِّقٍ لمقصودهم، فظنوا بموسى عليه السَّلام أنَّه هازئٌ وساخرٌ بهم في ذلك [630] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/75)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/124). .
قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ.
أي: إنَّ موسى عليه السَّلام استعاذَ بربِّه عزَّ وجلَّ من أن يكونَ في عِداد السُّفهاء، الذين يَستهزِئون بالنَّاس [631] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/76)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/124). .
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68).
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ.
أي: يُخبِر سبحانه عن تعنُّت بني إسرائيل، وكثرةِ سؤالهم لموسى عليه السَّلام، وأنَّهم لَمَّا ضيَّقوا على أنفسهم ضُيِّق عليهم، ولو أنَّهم ذَبَحوا أيَّ بقرة لكفتْهم، لكنَّهم شدَّدوا، فشُدِّد عليهم، فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِي، أي: اسأل لنا ربَّك ما هذه البقرة؟ صفْها لنا؛ لنعرفَها [632] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/82، 83)، ((تفسير ابن كثير)) (1/298)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/125). .
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ.
أي: قال لهم موسى عليه السَّلام: إن الله تعالى يقول: إنَّ البقرة التي سألتُم عنها ليستْ في سِنِّها بالكبيرة الهَرِمة، وليست بالصَّغيرة التي لم يَنكِحْها الفحلُ فتلِد، بل هي متوسِّطة في السِّنِّ بين الكبيرة جدًّا، والصغيرة جدًّا. أَمَا وقد أتاكم العلمُ، فاذبحوا البقرةَ التي أُمرتم بذَبْحها؛ لتصِلوا إلى قاتل قتيلكم [633] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/83، 86، 87، 90، 91)، ((تفسير ابن كثير)) (1/298-299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/125-128) .
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69).
أي: طلَب بنو إسرائيل من موسى عليه السَّلام أن يَسألَ ربَّه عن لون البَقرة المطلوب ذبْحها، فجاءَهم الجوابُ بأنَّها بقرةٌ صفراءُ صافية، شديدةُ الصُّفرة، وتُدخِل السُّرورَ على مَن نظَر إليها؛ لشِدَّة حُسنها وجمال منظرها [634] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/91-96)، ((تفسير ابن كثير)) (1/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/128-130). .
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ (70).
أي: طلَبوا من موسى عليه السَّلام- من تعنُّتهم- طلبًا ثالثًا بسؤال ربِّه؛ كي يبيِّن لهم المزيدَ من صفات البقرة المطلوبِ ذبحُها، مُتذرِّعين في طلبهم هذا بحُجَّة الْتِباس البقرة المطلوبة من بين غيرها من البَقر، فلم يَهتدوا- بزَعْمِهم- إلى ما يُريدون، وأخَذوا على أنفسهم أنَّهم سيهتدون؛ ولكنَّهم علَّقوا ذلك بمشيئة الله تعالى [635] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/97-98، 103-105)، ((تفسير ابن كثير)) (1/300)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/131-132)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/237). .
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71).
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا.
أي: قال لهم موسى عليه السَّلام: إنَّ الله تعالى يقول: إنَّ البَقرة التي أمرتكم بذَبْحها ليستْ مُذلَّلة بالعمَل، فليست بالتي أُعِدَّت لتقليبِ الأرض للحَرْث، أو سَقي الزَّرع، كما أنَّها سليمةٌ من كلِّ عيب، ولا يخالط لونَ جلدها الأصفر الفاقِع أيُّ لون آخَر [636] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/105-109)، ((تفسير ابن كثير)) (1/300 (. ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/132-135). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ معنى لا ذَلُولٌ، أي: لم يذلَّها العملُ: أبو العالية، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسُّدِّي، والرَّبيع بن أنس، ومجاهد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/105)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/141). وممَّن قال من السَّلف بنحو قولنا في لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ: السُّدِّي، وأبو العالية. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/105)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/142). وممَّن قال من السَّلف: إنَّ معنى مُسلَّمة، أي: لا عيبَ فيها: ابن عبَّاس، وأبو العالية، والرَّبيع ابن أنس. ((تفسير ابن جرير)) (2/108)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/142). وممَّن قال من السَّلَف بمُجمَل ما ذُكر في قوله تعالى لا شِيةَ فيها: مجاهد، والحسَن، وأبو العالية، وقتادة، والرَّبيع بن أنس، وابن زيد، وأبو مُسلِم، وعطيَّة العوفي، ووهب بن منبِّه، والسُّدِّي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/110)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (1/142). .
قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ.
أي: قالوا قد اتَّضح للتوِّ الحقُّ في أمْر البقرة، وجئتَ لنا يا موسى بصِفاتها التي تُميِّزها عن غيرِها، فنستطيع معرفتَها، فوجدوها وذبَحوها، وقد أوشكوا على ترك ذبْحها [637] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/111-114)، ((تفسير ابن كثير)) (1/301)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55). قال ابن كثير: (يعني: أنَّهم- مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة، والإيضاح- ما ذَبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمٌٌّ لهم، وذلك أنه لم يكُن غرضهم إلا التعنُّت؛ فلهذا ما كادوا يَذبحونها) ((تفسير ابن كثير)) (1/301). واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ. فذهب ابن عاشور في ((تفسيره)) (1/557)، إلى أنَّ المعنى: أنهم أوشكوا حينما أرادوا مباشرةَ ذبحِها على ألَّا يفعلوا، فذبحوها بعد جهْدٍ كالمكرهين. ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/111-114). وذهب الشنقيطي في ((العذب النمير)) (1/140-141)، وابن عثيمين في ((تفسيرالفاتحة والبقرة)) (1/239)، إلى أن المعنى: قارَبوا ألا يذبحوها في زمن التعنت والأسئلة، فتعنتهم وكثرة أسئلتهم عنها دليلٌ على تباطؤهم عن الفعل منذ بداية الأمر، وعدم وجود رغبة في امتثال ما أمرَهم الله تعالى به. .
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72).
أي: واذكُروا يا بني إسرائيل، حين قتلتم نفسًا، فتنازعتُم واختلفتم فيها، كلٌّ يَدفَع قتْلَها عن نفْسه [638] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/117)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/141-144)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/239). .
وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.
أي: إنَّ الله تعالى مُظهِرٌ هذا القاتل؛ ليُعلَمَ [639] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/124)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/144)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/239). .
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73).
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا.
أي: أمَرَهم الله جلَّ ثناؤه أن يضربوا القتيلَ ببعض البقرة؛ ليحيا المضروب، فضَربوه، فحيِيَ بإذن الله عزَّ وجلَّ، وأخبرهم بقاتله [640] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/124-128)، ((تفسير ابن كثير)) (1/302)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/145، 147). .
كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى.
أي: كما أحيا اللهُ تعالى هذا القتيلَ في الدُّنيا، فكذلك يُحيي الموتى بعد مَماتِهم، فيبعثهم يومَ القِيامة [641] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/128)، ((تفسير ابن كثير)) (1/303)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/147). .
وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
أي: يُظهر اللهُ تعالى لكم العلاماتِ الواضحةَ على كمال قُدرته في إحيائه الموتى، وبَعثِهم بعد موتهم؛ كي تنزجِروا عمَّا يضرُّكم، وتمتنعوا عن عِصيانه جلَّ وعلا [642] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/128)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/152). .
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74).
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
أي: جَفَت قلوبُكم وغلُظت، ولم يكن ينبغي أن تكون كذلك من بَعدِ الأمرِ الذي عاينتموه، وهو إحياءُ القتيل، الذي هو سببٌ عظيمٌ للِين القلوبِ ورِقَّتِها، وانقيادِها للحقِّ؛ فقلوبكم في غِلظتها وشدَّتِها كالحجارة، أو أشدُّ صلابةً من الحجارة [643] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/128-133)، ((تفسير ابن كثير)) (1/304)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55). واختلف المفسِّرون في معنى أو هاهنا، فذهب ابن جرير في ((تفسيره)) (2/131، 133)، إلى أنَّها على معناها الأصلي وهو الشكُّ، لكنه ليس شكًّا من الله تعالى بل على معنى أنَّ قلوبهم في قسوتها كالحجارة، أو أشدُّ من الحجارة قسوةً عندهم وعِندَ مَن عَرَف شأنهم. قال ابن عطية: (وقالت فرقة: هي على بابها في الشكِّ، ومعناه: عندكم- أيُّها المخاطبون- وفي نظركم، أنْ لو شاهدتم قسوتَها لشككتُم أهي كالحِجارة أو أشدُّ من الحجارة) ((تفسير ابن عطية)) (1/166). وقيل: أو للتنويع، أي:إنَّ قلوب بعضهم كالحجارة، وقلوب البعض الآخَر أشدُّ صلابةً من الحجارة، وهو رأي استحسنه ابن جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/133)، واختاره الشنقيطي في ((العذب النمير)) (1/155). وقيل: هي لتحقيق ما سبَق، أي: إنَّ قلوبهم إن لم تكُن أشدَّ من الحجارة قسوةً فهي مثلها، وهذا اختيارُ السعدي في ((تفسيره)) (ص: 55). وقيل: هي بمعنى: بل، وهذا اختيارُ الواحدي في ((التفسير الوسيط)) (1 /158)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (1/563). .
وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله.
أي: إنَّ الحجارةَ مع قسوتها أفضلُ من قلوبِ أولئك القومِ التي لا تَلين ولا تخشع؛ ذلك بأنَّ هناك أنواعًا من الحجارة تَسيل منها أنهارٌ من المياه، ومنها أنواعٌ تلين وتتصدَّع فيَخرُج منها الماء، ومنها ما يَتردَّى من علوٍّ إلى سُفول؛ من خَشيةِ الله تبارك وتعالى [644] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/133-135)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/159-160)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/154). .
وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.
أي: إنَّ الله سبحانه غيرُ غافلٍ عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساهٍ عنها، بل هو حافظٌ لها، وسيُجازيهم على ذلك أتمَّ الجزاء [645] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/138-139)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (1/160)، ((تفسير السعدي)) (ص: 55)، ((تفسير ابن عاشور)) (1/566)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/247). .

الفَوائِد التربويَّة:


1- أنَّه ينبغي للإنسان أن يمهِّدَ للأمر، أو الخبر الذي يعتزم قوله، بما يؤدِّي إلى قَبوله؛ لقوله: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [646] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/241). .
2- أنَّ جميع الخَلْق محتاجون إلى الالتجاء إلى الله تعالى، والاعتصام به عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ موسى صلَّى الله عليه وسلَّمَ كان من أُولي العزمِ من الرُّسُل؛ ومع ذلك فهو محتاجٌ إلى الالتجاء إلى ربِّه تبارك وتعالى؛ لقوله تعالى: قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ [647] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 54). .
3- أنَّ الاستهزاءَ بالنَّاس من الجَهل، والحُمق، وقلة العقل؛ لقول موسى عليه الصَّلاة والسَّلام: أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ [648] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/241). .
4- أنَّ مَن شدَّد على نفْسه، شدَّد الله عليه، كما حصَل لبني إسرائيل؛ فإنَّهم لو امتثلوا أوَّلَ ما أُمِروا، فذبَحوا أيَّ بقرة، لكفاهم، ولكنَّهم شدَّدوا، وتعنَّتوا، فشدَّد الله عليهم [649] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/243). .
5- أنَّه ينبغي الاعتناءُ بمعنى القِصَّة، وغرضِها، دون النظر المجرد إلى مَن وقعَتْ عليه؛ لقوله تعالى: بِبَعْضِهَا ولم يعينْ لهم ذلك [650] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/243). .
6- أنَّ المُبهَم في أمور متعدِّدة أيسرُ على المكلَّف من المعيَّن؛ وذلك إذا كانوا قد أُمروا أن يَضرِبوه ببعضها فقط [651] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/243). .
7- أنَّ بيانَ الأمورِ الخفيَّة التي يحصُل فيها الاختلاف، والنِّزاع، من نِعمة الله عزَّ وجلَّ، كما قال تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [652] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/245). .
8- أنَّ الله سبحانه وتعالى يُخرِج ما يكتمُه أهلُ الباطل، ويبيِّنه للناس؛ لقوله تعالى: وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [653] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/245). ، فلْيحذرِ الإنسانُ من أن يكتُمَ شيئًا لا يرضاه الله عزَّ وجلَّ [654] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/245). .

الفوائد العلميَّة واللَّطائف:


1- تعنُّتُ بني إسرائيلَ، وسوءُ أدبِهم معَ أنبيائِهم؛ حيث قالوا لنبيِّهم عليه الصَّلاة والسَّلام: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا، وقالوا أيضًا: الْآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ؛ فكأنَّهم يقولون: الآن رَضِينا بوصف هذه البقرة، فقاموا بذبْحها بعد تعنُّتٍ منهم، وكل هذا يدلُّ على استهتارهم بأوامر الله عزَّ وجلَّ [655] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/241-243). .
2- استكبار بني إسرائيل؛ حيث قالوا لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ، فأمروه أمرًا، ثم أضافوا ربوبيَّة الله عزَّ وجلَّ إلى موسى، كأنَّهم متبرِّئون من ذلك، فلم يقولوا: «ادع ربَّنا»، أو «ادع الله»، وممَّا يدل على استكبارهم كونُهم طلبوا من موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، أن يُبيِّن لهم ما هذه البقرة، مع أنَّ البقرة معروفة، وهي عند الإطلاق تَشملَ أيَّ واحدة [656] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/242). .
3- أنَّ قول الرسول قولٌ لمرسِله إذا كان بأمْره؛ لقوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا [657] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/243). .
4- أنَّ هذه الآية من آيات الله عزَّ وجلَّ، وهي أن تكونَ البقرة التي تفارق الحياةَ سببًا لحياة هذا القتيل؛ إذ لا رابطةَ في المعقول بين أن تُذبَح البقرة، ويُضرَب القتيلُ ببعضها، فيحيا، فلو قِيل بضربِه بجزءٍ مِن بقرة حيةٍ لربما توهَّم متوهمٌ أنَّه استمدَّ الحياةَ مِن حياتها، ولكن أمرهم بضربِه بجزءٍ مِن بقرة ميتة، فعادت له الحياةُ [658] يُنظر: ((العذب النمير)) الشنقيطي (1/147-148). .
5- لؤم بني إسرائيل الذين جاءتهم هذه النِّعم، ومع ذلك فهُم لم يَلينوا للحقِّ، بل قسَت قلوبُهم على ظهور هذه النِّعم [659] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/247). ! كما قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً.
6- أنَّ الجماداتِ تَعرِف اللهَ عزَّ وجلَّ؛ لقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله [660] يُنظر: ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/248). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا عبَّر عن لونها بالاسم صَفراء ولم يُعبِّر بالفعل (يصفر)؛ لأنَّ اللون من الأشياء الثابتة التي لا تتجدَّد، وأفاد ذِكْر اللَّون في فَاقِعٌ لَوْنُها التوكيدَ، وهو أبلغُ من قول: (صفراء فاقعة)؛ لأنَّ اللون اسم للهيئة، وهي الصُّفرة [661] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/150)، ((تفسير الرازي)) (3/548)، ((تفسير أبي حيان)) (1/408). .
2- قوله: تَسُرُّ النَّاظِرينَ جاء الوصف بالفِعل تَسُرُّ؛ ليُشعرَ بالحدوث والتجدُّد. وتأخَّرَ هذا الوصفُ عن الوصف قبله صفراء؛ لأنَّه ناشئ عنه، أو كالناشئ. وجاء بصِيغة الجمْع في النَّاظِرينَ، وأدخل الألف واللام التي تدلُّ على الاستغراق؛ ليوضِّح أن أعينَ الناس كلِّهم طامحة إليها، متلذِّذة فيها بالنظر، فليست ممَّا تُعجِب شخصًا دون شخص [662] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/408-409). .
3- قوله: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ توسَّط قولُه: إِنْ شَاءَ اللهُ بين اسم إنَّ وبين خبرِها؛ ليحصل توافُق رؤوس الآي، وللاهتمام بتعليق الهداية بمشيئة الله، وجاء خبر إنَّ لَمُهْتَدُونَ اسمًا؛ لأنَّه أدلُّ على الثبوت، وعلى حُصولِ الهداية لهم، وأُكِّد بحَرفَيِ التأكيد: إنَّ واللام [663] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/411). .
4- قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
- قوله: ثُمَّ قَسَتْ  فيه مناسبة حسَنة، حيث كان حصولُ المعصية منهم- بعدَ رُؤية هذه الخارقة- مُستبعَدَ التصوُّر، فضلًا عن الوقوع [664] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي)) (1/478). .
قوله: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ فيه تشبيه مُرسَل مُجمَل [665] التشبيه: هو إلحاق شيء بذي وصف في وصفه. وقيل: أن تثبت للمشبه حُكمًا من أحكام المشبه به. وقد اتفق الأدباء على شرفه في أنواع البلاغة، وأنه إذا جاء في أعقاب المعاني أفادها كمالًا، وكساها حلة وجمالًا، وهو جار في كلام العرب بل هو أكثر كلامهم. وينقسم التشبيه عدة تقسيمات باعتبارات عِدَّة؛ فمنه: التشبيه المفرَد. ومنه: التشبيه المركَّب: هو الذي يكون وجه الشبه فيه منتزعًا من متعدِّد، أو من أمورٍ مجموعٍ بعضها إلى بعض، كقوله تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: 5]؛ فالتشبيه مركَّب من أحوال الحمار. وخصَّ البيانيون لفظ «التمثيل» بالتشبيه المركَّب. ومنه: التشبيه البليغ: وهو ما كانت أداة التشبيه فيه محذوفة. وينقسم باعتبار آخر إلى: مؤكَّد: وهو ما حُذفت فيه الأداة نحو: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل: 88]، أي: مثل مرِّ السحاب. ومُرْسل: وهو ما لم تُحذف فيه الأداة. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 332 وما بعدها)، ((البرهان)) للزركشي، (3/414، 422)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/146)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/66)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/161) لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني. ذُكرت فيه أداة الشَّبه وحُذِف وجهُ الشبه؛ حيث شبَّه قلوبهم في نبوِّها عن الحقِّ، وتجافيها مع أحكامِه بالحجارة القاسية، ثم ترقَّى في التشبيه، فجَعل الحجارة أكثرَ لِينًا من قلوبهم. وهو أيضًا من باب تشبيهُ المعقولِ بالمحسوس؛ فالحجارة أمرٌ محسوس، وقسوة القلب أمرٌ معقول [666] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/128)، ((تفسير ابن عُثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/247). .
ووجه تشبيه قلوبهم بأنَّها كالحجارة في القَسوة ولم يشبهها بالحديد، وهو أشد من الحجارة وأصلب؛ لأنَّ الحديدَ قابلٌ للين بالنار، وقد لان لداود عليه الصَّلاة والسلام، والحجارة ليست قابلةً للين، فلا تلين قط [667] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (1/95)، ((تفسير البغوي)) (1/110)، ((تفسير الخازن)) (1/55). .
قوله: أشدُّ قَسوةً عبَّر بالمصدر الصَّريح، ومصدر الفِعل (قسى)، مع أنَّه ممَّا يخرج منه أفعلُ التفضيل (أقسى)؛ لأنَّ هذا أدلُّ وأبين على فَرط القسوة؛ ولأنَّه قصَد وصف القَسوة بالشدَّة، لا قصدَ معنى الأقسى، كأنَّه قيل: اشتدَّت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدُّ قسوةً. وفي هذا التعبير أيضًا زيادةُ تقريع مناسِب لسِياق هذه القَصص [668] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) مع الحاشية (1/155). .
5- وفي هذه الآيات المتقدِّمة فنُّ التكرير، وهو داخلٌ في باب الإطناب [669] الإطناب: هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة، أو هو تأدية المعنى بعبارة زائدة عن متعارف أوساط البلغاء؛ لفائدة تقويته وتوكيده. وينقسم إلى: إطناب بالبسط، وإطناب بالزيادة. يُنظر: ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 201)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/62). ، كأنَّهم يُكرِّرون السؤالَ استكناهًا لحقيقة البقرة؛ لشدَّة تعنُّتهم [670] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لمحيي الدين درويش (1/124). .