موسوعة التفسير

سورةُ القَصَصِ
الآيات (57-59)

ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ

غَريبُ الكَلِماتِ:


نُتَخَطَّفْ: أي: نُؤخَذْ لقِلَّتِنا، والتَّخَطُّفُ: الانتِزاعُ بسُرعةٍ، وأصلُ (خطف): يدُلُّ على استِلابٍ في خِفَّةٍ [728] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/196)، ((البسيط)) للواحدي (17/424)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 283)، ((تفسير ابن كثير)) (6/247). .
يُجْبَى: أي: يُجمَعُ ويُجلَبُ، مِن قَولِهم: جَبَيتُ الماءَ في الحَوضِ: إذا جمَعْتَه فيه، والاجتباءُ: الجَمعُ على طريقِ الاصطِفاءِ، وأصلُه: يدُلُّ على جَمعِ الشَّيءِ [729] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/289)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 536)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/503)، ((المفردات)) للراغب (ص: 186)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 329)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 989). .
بَطِرَتْ: أي: أشِرَتْ وطَغَتْ وبَغَتْ، وأصلُ (بطر): يدُلُّ على الطُّغيانِ في النِّعمةِ [730] يُنظر: ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/108)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 334)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (13/228)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/262)، ((المفردات)) للراغب (ص: 129). .
أُمِّهَا: أي: أصلِها وأعظمِها، قيل: المرادُ مكَّةُ، ويُقالُ لكلِّ ما كان أصلًا لوجودِ شيءٍ أو تربيتِه أو إصلاحِه أو مبدئِه: أمٌّ، وأصلُ (أمم) هنا: الأصلُ والمرجعُ [731] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 334)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/21)،  ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (1/104)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 85)، ((تفسير الزمخشري)) (3/424)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 283)، ((تفسير ابن كثير)) (6/248). .

مُشكِلُ الإعرابِ:


قَولُه تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا
قَولُه: مَعِيشَتَهَا: فيه أوجُهٌ:
أحَدُها: أنَّه مفعولٌ به على تَضمينِ بَطِرَتْ معنى «خَسِرَت».
الثَّاني: أنَّه مَنصوبٌ على نَزعِ الخافِضِ «في»، أي: في مَعيشتِها.
الثَّالِثُ: أنَّه منصوبٌ على التمييزِ عندَ مَن يُجَوِّزُ تعريفَه، وهو قَريبٌ مِن قَولِه تعالى: إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [732] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (17/428)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكِّي (2/546)، ((تفسير أبي حيان)) (8/316)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/687)، ((تفسير الألوسي)) (10/305). .

المعنى الإجماليُّ:


يَذْكُرُ الله تعالى بعضَ الأعذارِ الواهيةِ التي تعلَّق بها المشركونَ في عدَمِ اتِّباعِ الهُدى، ويَرُدُّ عليها، فيقولُ: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: إنْ نُؤمِنْ بك -يا محمَّدُ- ونَعْبُدِ اللهَ وحْدَه، يُخرِجْنا مُشرِكو العرَبِ مِن مكَّةَ، أو يَقتُلونا؛ لِمُخالَفتِنا دينَهم. أوَلَمْ نجعَلْ لأهلِ مكَّةَ بلدًا آمِنًا مِن انتِهاكِ حُرمتِه بقِتالٍ وغَيرِه، تُجلَبُ إليه الثَّمَراتُ المتنَوِّعةُ مِن مختَلِفِ البلادِ، عطاءً من عِندِنا؟ ولكِنَّ أكثَرَ كُفَّارِ مكَّةَ لا يَعلمونَ، ويَكفُرون ولا يَشكُرونَ.
ثمَّ يُبيِّنُ سبحانَه الأسبابَ الَّتي تؤدِّي إلى الهلاكِ وزَوالِ النِّعَمِ، مُعَرِّضًا بأهلِ مَكَّةَ، فيقولُ: وما أكثَرَ القُرى الَّتي أهلَكْناها لَمَّا طغى أهلُها وتكَبَّروا! فتلك بيوتُهم لم يَسْكُنْها أحدٌ مِن بعدِ هَلاكِهم إلَّا قليلًا مِنَ السُّكنَى لبَعضِ مَن يَمُرُّ بها، وكنَّا نحن الوارِثينَ لِمَساكِنِهم.
ولم يكُنْ ربُّك -يا محمَّدُ- لِيُهلِكَ القُرى حتَّى يَبعَثَ في أصْلِها الَّذي تتبَعُه هذه القُرى رَسولًا يَتْلو عليهم آياتِ اللهِ، ولم نكُنْ مُهلِكينَ القُرى إلَّا وأهلُها ظالِمونَ مُستَحِقُّون للهَلاكِ.

 تَفسيرُ الآياتِ:


وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
بعدَ أنْ ذَكَرَ اللهُ سُبحانَه بعضَ شُبَهِ المشركينَ وأجاب عنها بالأجوِبةِ الواضِحةِ، وبَيَّنَ أنَّ وُضوحَ الدَّلائلِ لا يكفي ما لم يَنضَمَّ إليه هِدايةُ اللهِ تعالى؛ حكَى عنهم شُبهةً أخرى مُتعَلِّقةً بأحوالِ الدُّنيا [733] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/6). ، فقال تعالى:
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا .
أي: وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: إنْ نُؤمِنْ بك -يا مُحمَّدُ- فنَعبُدِ اللهَ وَحْدَه، ينتَزِعْنا مُشرِكو العَرَبِ سَريعًا مِن مكَّةَ، فيُخرِجونا منها أو يَأْسِرونا أو يَقتُلونا؛ لِمُخالَفتِنا دينَهم [734] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/287)، ((تفسير السمرقندي)) (2/614)، ((تفسير ابن جزي)) (2/116)، ((تفسير ابن كثير)) (6/247)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/319)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/148). قال ابنُ جُزَي: (والهُدى هو الإسلامُ، ومعناه: الهُدى على زَعمِك. وقيل: إنَّهم قالوا: قد عَلِمْنا أنَّ الَّذي تقولُ حَقٌّ، ولكِنْ إنِ اتَّبَعْناك تَخَطَّفَتْنا العرَبُ، أي: أهلَكونا بالقِتالِ؛ لِمُخالَفةِ دينِهم). ((تفسير ابن جزي)) (2/116). .
أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا.
أي: أوَلَمْ نجعَلْ لأهلِ مكَّةَ بلَدًا حرَّمْنا على النَّاسِ انتِهاكَ حُرمتِه بقِتالٍ وغيرِه، فجعَلْناه آمِنًا [735] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/287)، ((تفسير البيضاوي)) (4/181)، ((تفسير ابن كثير)) (6/247)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/320)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 285، 286). قال ابن كثير: (فقال الله تعالى مجيبًا لهم: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يعني: هذا الَّذي اعتَذَروا به كَذِبٌ وباطِلٌ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَهم في بلدٍ أمينٍ، وحَرَمٍ مُعَظَّمٍ آمِنٍ منذُ وُضِعَ، فكيف يكونُ هذا الحَرَمُ آمِنًا في حالِ كُفرِهم وشِرْكِهم، ولا يكونُ آمِنًا لهم وقد أسلَموا وتابَعوا الحقَّ؟!). ((تفسير ابن كثير)) (6/247). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/148، 149). ؟
كما قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: 67].
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا وَصَفَ سُبحانَه الحَرَمَ بالأمنِ؛ أتْبَعَه بما تَطلُبُه النَّفْسُ بعْدَه، فقال [736] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/324). :
يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ.
أي: تُجمَعُ وتُجلَبُ إليه الثَّمَراتُ الكَثيرةُ المُتنَوِّعةُ مِن البُلدانِ المُختَلِفةِ [737] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/289)، ((تفسير القرطبي)) (13/300)، ((تفسير ابن كثير)) (6/247)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/324)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 286، 287). .
رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا.
أي: عَطاءً خاصًّا مِن عِندِنا [738] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/289)، ((تفسير القرطبي)) (13/300)، ((تفسير ابن كثير)) (6/247)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/325)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 287). .
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ .
أي: ولكِنَّ أكثَرَ كُفَّارِ مكَّةَ لا يَعلَمونَ أنَّ مَن رزَقَهم وأمَّنَهم فيما مضَى حالَ كُفرِهم يَرزُقُهم لو أسلَموا، ويمنَعُ الكُفَّارَ عنهم حالَ إسلامِهم [739] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/289)، ((تفسير القرطبي)) (13/300)، ((تفسير ابن كثير)) (6/247)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/326)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/149، 150)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 287). .
كما قال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش: 3، 4].
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
ذَكَر سُبحانَه إهلاكَ القُرى السَّابقةِ لأجْلِ أن يُقالَ لِقُرَيشٍ: «الكفرُ لا يمنَعُ الخَوفَ، ولا يمنَعُ العُقوبةَ»، بل إنَّه سببُ العُقوبةِ، فأنتم تقولونَ: «إنَّنا إذا آمَنَّا تخطَّفَنا النَّاسُ»! هذا ليس بالحقيقةِ، بل العكسُ هو الحَقيقةُ؛ ولهذا قال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا، فكأنَّ اللهَ يُدَلِّلُ لتكذيبِ هؤلاء بأنَّ الكُفرَ أهلَكَ الأُمَمَ السَّابقةَ الَّتي بَطِرَتْ مَعيشتَها [740] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 289). .
وأيضًا لَمَّا قال الكُفَّارُ: «إنَّا لا نُؤمِنُ؛ خَوفًا مِن زَوالِ نِعمةِ الدُّنيا»؛ بَيَّن اللهُ تعالى لهم أنَّ الإصرارَ على عدَمِ قَبولِ الإيمانِ هو الَّذي يُزيلُ هذه النِّعَمَ؛ لا الإقدامَ على الإيمانِ [741] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/7). !
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا.
أي: وما أكثَرَ القُرَى الَّتي طغَى أهلُها بالنِّعَمِ وتكَبَّروا بها، وألْهَتْهم وأشْغَلَتْهم عن شُكرِ رَبِّهم؛ فكَفَروا به، فأهلَكَهم وأزال عنهم نِعَمَه [742] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/289)، ((تفسير القرطبي)) (13/300، 301)، ((تفسير ابن كثير)) (6/248)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/326، 327)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة القصص)) (ص: 289، 290). !
كما قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [النحل: 112، 113].
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا تَسَبَّبَ عن الإخبارِ السَّابقِ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى آثارِ هذه الدِّيارِ؛ سَبَّبَ عنه الإشارةَ بأداةِ البُعدِ إلى مَنازلِهم؛ تَنبيهًا على كَثرتِها، وسُهولةِ الوُصولِ إليها في كلِّ مكانٍ؛ لِكَونِها بحيثُ يُشارُ إليها، وعلى بُعْدِ رُتبتِها في الهلاكِ دليلًا على الجُملةِ التي قَبْلَها، فقال: فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ، ولَمَّا كان المعنى أنَّها خاويةٌ على عروشِها؛ وَصَل به قولَه: لَمْ تُسْكَنْ [743] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/328). .
فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا.
أي: فتلك بُيوتُ القَومِ الَّذين أهلَكْناهم لم يَسكُنْها أحَدٌ مِن بعْدِ هلاكِهم إلَّا قَليلًا مِن السُّكْنى حينَ يَنزِلُ بعضُ المارَّةِ فيما بَقِيَ منها [744] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/540)، ((تفسير القرطبي)) (13/301)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/328)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/151). .
وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ.
أي: وكُنَّا نحنُ الوارِثينَ لِمَساكِنِهم، ولم يَملِكْها أحدٌ مِن بَعْدِهم [745] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/290)، ((تفسير الزمخشري)) (3/424)، ((تفسير القرطبي)) (13/301). .
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أُعْقِبَ الاعتِبارُ بالقُرَى المُهْلَكةِ ببيانِ أشراطِ هلاكِها وسببِه؛ استِقصاءً للإعذارِ لِمُشرِكي العَربِ [746] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/152). .
وأيضًا فإنَّ الله سبحانَه لَمَّا ذَكَر أنَّه أهْلَك تلك القُرَى بسببِ بَطَرِ أهلِها، فكأنَّ سائلًا أورَدَ سؤالًا: لماذا ما أهلَك اللهُ الكفَّارَ قبْلَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع أنَّهم كانوا مُستغرِقينَ في الكفرِ والعِنادِ؟ فأجاب عن هذا السُّؤالِ بقولِه [747] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/7). :
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59).
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا.
أي: ولم يكُنْ ربُّك -يا محمَّدُ- لِيُهلِكَ القُرى حتَّى يَبعَثَ في أعظَمِها وأصْلِها الَّذي تَتْبَعُه القُرى رَسولًا يَتْلو على أهلِها آياتِ اللهِ الدَّالَّةَ على صِدقِ رِسالتِه، فيُقيمَ الحُجَّةَ عليهم [748] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/404)، ((تفسير الزمخشري)) (3/424)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/389)، ((تفسير البيضاوي)) (4/182)، ((تفسير ابن كثير)) (6/248)، ((تفسير الشوكاني)) (4/209)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/152، 153). قال ابنُ عطيَّة: (إن كانتِ الإرادةُ بـ الْقُرَى المُدُنَ الَّتي في عصرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فـ «أُمُّ القُرى» مكَّةُ، وإن كانتِ الإرادةُ القُرى بالإطلاقِ في كلِّ زمَنٍ؛ فـ أُمِّهَا في هذا المَوضِعِ: أعظَمُها وأفْضَلُها الَّذي هو بمَثابةِ مكَّةَ في عصرِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإن كانتْ أمَّ القرى كلِّها أيضًا مِن حيثُ هي أوَّلُ ما خُلِقَ مِن الأرضِ، ومِن حيثُ فيها البيتُ). ((تفسير ابن عطية)) (4/293). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بـأُمِّ القُرى: مكَّةُ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والزجاج، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور. ونسَبَه الواحديُّ لأكثَرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/351)، ((تفسير ابن جرير)) (18/291)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/150)، ((تفسير القرطبي)) (13/302)، ((تفسير ابن كثير)) (6/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/152)، ((البسيط)) للواحدي (17/429). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (9/2997). قال ابن عاشور: (وقُرى بِلادِ العَرَبِ كثيرةٌ؛ مِثلُ مكَّةَ، وجدَّةَ، ومِنًى، والطَّائفِ، ويَثْرِبَ، وما حَوْلَها مِنَ القُرى؛ وكذلك قُرى اليَمَنِ، وقُرى البَحرَينِ. وأُمُّ القُرى هي القريةُ العظيمةُ منها، وكانت مكَّةُ أعظَمَ بلادِ العربِ شُهرةً، وأَذْكَرَها بيْنَهم، وأكثَرَها مارَّةً وزُوَّارًا؛ لِمكانِ الكعبةِ فيها، والحجِّ لها). ((تفسير ابن عاشور)) (20/152). وممَّن اختار أنَّ القرَى على عُمومِها، وأنَّ المرادَ بأُمِّها: أعْظَمُها: الواحديُّ، والبيضاوي، والبِقاعي، والشوكاني، والسعدي. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (17/430)، ((تفسير البيضاوي)) (4/182)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/330)، ((تفسير الشوكاني)) (4/209)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621). قال ابن كثير: (وقيل: المرادُ بقَولِه: حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا أي: أصْلِها وعَظيمتِها؛ كأُمَّهاتِ الرَّساتِيقِ والأقاليمِ. حكاه الزمخشريُّ وابنُ الجوزي وغيرُهما، وليس ببعيدٍ). ((تفسير ابن كثير)) (6/248). ويُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/424)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/389). .
وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ.
أي: وما كُنَّا لِنُهلِكَ القُرى إلَّا وأهلُها مُستَحِقُّون للهَلاكِ؛ بسبَبِ اتِّصافِهم بالظُّلمِ -بالكُفرِ وغيرِه- وذلك مِن بَعْدِ الإعذارِ إليهم [749] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (18/291)، ((تفسير ابن عطية)) (4/293)، ((تفسير القرطبي)) (13/302)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (14/330)، ((تفسير السعدي)) (ص: 621)، ((تفسير ابن عاشور)) (20/153). .
كما قال تعالى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: 131].
وقال سُبحانَه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 117].

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- في قَولِه تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ دَلالةٌ على صِحَّةِ الحِجاجِ الَّذي يُتوصَّلُ به إلى إزالةِ شُبهةِ المُبطِلينَ [750] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/6). .
2- في قَولِه تعالى: رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا أنَّ فِعلَ العبدِ خَلْقُ اللهِ تعالى، وبيانُه أنَّ تلك الأرزاقَ إنَّما كانت تَصِلُ إليهم؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا يَحمِلونَها إليهم، فلو لم يكُنْ فِعلُ العبدِ خَلْقًا للهِ تعالى لَمَا صَحَّتْ تلك الإضافةُ [751] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (25/6). .
3- قولُه تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا وهي مكَّةُ -على قولٍ في التفسيرِ- رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا فيه دلالةٌ على أنَّ النبيَّ الأُميَّ، وهو محمَّدٌ، صلواتُ الله وسلامُه عليه، المبعوثُ مِن أمِّ القُرَى، رسولٌ إلى جميعِ القُرَى، مِن عربٍ وأعجامٍ، كما قال تعالى: لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى: 7]، وقال تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: 19]، وقال: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [752] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/248). [هود: 17].
4- في قَولِه تعالى: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ أنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ أحدًا إلَّا بظُلمِه، وإقامةِ الحُجَّةِ عليه [753] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 621). .

بلاغةُ الآياتِ:


1- قوله تعالى: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
- قولُه: نُتَخَطَّفْ التَّخطُّفُ مُبالَغةٌ في الخَطْفِ، وهو انتِزاعُ شَيءٍ بسُرعةٍ [754] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/148). .
- والاستِفهامُ في قولِه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا استِفْهامُ إنكارٍ أنْ يكونَ اللهُ لم يُمَكِّنْ لهم حَرَمًا، ووَجْهُ الإنْكارِ أنَّهم نُزِّلوا مَنزِلةَ مَن يَنْفي أنَّ ذلكَ الحَرَمَ مِن تَمْكينِ اللهِ، فاستُفْهِموا على هذا النَّفْيِ استِفهامَ إنكارٍ، وهذا الإنكارُ يَقتضي تَوبيخًا على هذه الحالةِ الَّتي نُزِّلوا لأجْلِها مَنزِلةَ مَن يَنفي أنَّ اللهَ مَكَّنَ لهم حَرَمًا [755] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/149)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/354). .
- قولُه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ حَصَل في خلالِ الرَّدِّ لقَولِهم إدْماجٌ [756] الإدماجُ: هو أنْ يُدمِجَ المتكلِّمُ غرضًا في غَرضٍ، أو بديعًا في بديعٍ، بحَيثُ لا يَظهرُ في الكلامِ إلَّا أحدُ الغرَضينِ أو أحدُ البَديعينِ، بمعنى: أن يَجعلَ المتكلِّمُ الكلامَ الذي سِيق لِمعنًى -مِن مَدحٍ أو غيرِه- مُتضمِّنًا معنًى آخَرَ، كقولِه تعالى: لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ [القصص: 70]؛ فهذا مِن إدماجِ غرَضٍ في غَرَضٍ؛ فإنَّ الغرَضَ منها تَفرُّدُه تعالى بوصْفِ الحمدِ، وأُدمِجَ فيه الإشارةُ إلى البعثِ والجزاءِ، وقيل: أُدمِجَتِ المبالغةُ في المطابقةِ؛ لأنَّ انفرادَه بالحمدِ في الآخِرَةِ -وهي الوقتُ الَّذي لا يُحمَدُ فيه سِواه- مبالَغةٌ في الوَصفِ بالانفرادِ بالحَمدِ. يُنظر: ((الإتقان)) للسيوطي (3/298)، ((علوم البلاغة البيان المعاني البديع)) للمراغي (ص: 344)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/427). للامْتِنانِ عليهم بهذه النِّعمةِ؛ ليَحْصُلَ لهم وازِعانِ عن الكُفْرِ بالمُنْعِمِ؛ وازِعُ إبْطالِ مَعْذِرتِهم عن الكُفرِ، ووازِعُ التَّذْكيرِ بنِعْمةِ المَكْفورِ به [757] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/149). .
- وفي قولِه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ نَفْيُ العِلْمِ عن أكثَرِهم؛ لأنَّ بعضَهم أصحابُ رأْيٍ، فلو نَظَروا وتَدَبَّروا لَمَا قالوا مَقالتَهم تلكَ [758] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/150). .
2- قولُه تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ كلامٌ مُستأنَفٌ مَسوقٌ لتَخْويفِ أهْلِ مكَّةَ مِن سُوءِ مَغَبَّةِ مَنْ كانوا في نِعمةٍ، فغَمَطُوها وقابَلُوها بالأَشَرِ والبَطَرِ [759] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/423)، ((تفسير أبي حيان)) (8/316)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (7/355). . وقيل: هو عَطْفٌ على جُملةِ: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا [القصص: 57]، باعتِبارِ ما تَضَمَّنَتْه مِنَ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ فإنَّ ذلك يَقتضي التَّعرُّضَ للانتِقامِ شأنَ الأُمَمِ الَّتي كَفَرَتْ بنِعَمِ اللهِ؛ فهو تَخْويفٌ لقُريشٍ مِنْ سُوءِ عاقبةِ أقوامٍ كانوا في مِثْلِ حالِهم مِنَ الأمنِ والرِّزقِ، فغَمَطُوا النِّعمةَ، وقابَلُوها بالبَطَرِ [760] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/150). .
- قولُه: فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ الإشارةُ بـ (تِلْكَ) إلى مَساكِنِهم الَّذي بُيِّنَ به اسمُ الإشارةِ؛ لأنَّه في قوَّةِ تلكَ المَساكِنِ، وبذلك صارَتِ الإشارةُ إلى حاضِرٍ في الذِّهْنِ مُنَزَّلٍ مَنزِلةَ الحاضرِ بمَرْأَى السَّامِعِ [761] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/151). .
- وقولُه: لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ أيْ: لم يَتْرُكوا فيها خَلَفًا لهم، وذلك كنايةٌ عن انقِراضِهم  على بَكْرةِ أبيهم [762] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/151). .
- وقولُه: إِلَّا قَلِيلًا احتِراسٌ، أيْ: إلَّا إقامةَ المارِّينَ بها المُعتَبِرينَ بهَلاكِ أهلِها، والسَّكَنُ القليلُ هو مُطلَقُ الحُلولِ بغيرِ نيَّةِ إطالةٍ؛ فهي إلْمامٌ لا سُكْنَى؛ فإطلاقُ السُّكْنَى على ذلك مُشاكَلةٌ لِيَتأتَّى الاستِثْناءُ [763] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/151). .
- وفي قولِه: وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ قَصْرُ إرْثِ تلكَ المَساكِنِ على اللهِ تعالى، أيْ: لا يَرِثُها غيرُنا، وهو كِنايةٌ عن حِرْمانِ تلكَ المَساكِنِ مِنَ السَّاكِنِ، وتلكَ الكِنايةُ رمْزٌ إلى شِدَّةِ غَضَبِ اللهِ تعالى على أهْلِها الأوَّلينَ؛ بحيثُ تَجاوَزَ غضَبُه السَّاكِنِينَ إلى نَفْسِ المَساكِنِ، فعاقَبَها بالحِرمانِ مِن بَهْجةِ المَساكِنِ؛ لأنَّ بَهجةَ المَساكِنِ سُكَّانُها [764] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/151، 152). .
3- قولُه تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ بَيانٌ للعِنايةِ الرَّبَّانيَّةِ إثْرَ بَيانِ إهْلاكِ القُرى المَذكورةِ [765] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/20). .
- قولُه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا ... المُرادُ بإهْلاكِ القُرى: إهْلاكُ أهلِها، وإنَّما عُلِّقَ الإهلاكُ بالقُرى؛ للإشارةِ إلى أنَّ شِدَّةِ الإهلاكِ بحيثُ يأتي على الأُمَّةِ وأهلِها، وهو الإهلاكُ بالحَوادثِ الَّتي لا تَستَقِرُّ معها الدِّيارُ، بخِلافِ إهلاكِ الأُمَّةِ؛ فقد يكونُ بطاعُونٍ ونحوِه، فلا يَترُكُ أثرًا في القُرى [766] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/153). .
وقيل: خُصَّتِ القُرى بالذِّكْرِ؛ لأنَّ العِبْرةَ بها أظْهَرُ؛ لأنَّها إذا أُهْلِكَتْ بَقِيَتْ آثارُها وأَطْلالُها، ولم يَنقَطِعْ خَبَرُها مِنَ الأجيالِ الآتيةِ بعْدَها، ويُعْلَمُ أنَّ الخِيامَ مِثْلُها بحُكْمِ دَلالةِ الفَحْوى [767] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/152). فَحْوى الخِطاب: هو إثباتُ حُكمِ المنطوقِ به لِلمَسكوتِ عنه بطريقِ الأولَى، وهو نوعان: تنبيهٌ بالأقَلِّ على الأكثَرِ؛ كقولِه تعالى: فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء: 23]؛ فإنَّه نبَّه بالنَّهيِ عن قولِ أُفٍّ على النَّهيِ عن الشَّتمِ والضَّربِ وغيرِ ذلك. وتنبيهٌ بالأكثَرِ على الأقَلِّ؛ كقولِه تعالى: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [آل عمران: 75]. يُنظر: ((تقريب الوصول إلى علم الأصول)) لابن جزي (ص: 163). .
- وإفراغُ النَّفْيِ في صيغةِ (ما كان فاعِلًا) ونَحْوِه مِن صِيَغِ الجُحُودِ؛ كما في قولِه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى ...؛ يُفيدُ رُسوخَ هذِه العادةِ واطِّرادَها [768] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/152). .
- قولُه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا في إسنادِ الخبَرِ إلى اللهِ بعُنوانِ رُبوبيَّتِه للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رَبُّكَ؛ إيماءٌ إلى أنَّ المقصودَ بهذا الإنذارِ هم أُمَّةُ محمَّدٍ الَّذينَ كَذَّبوا -أي: مِن أمةِ الدعوةِ-؛ فالخِطابُ للنَّبيِّ عليه السَّلامُ لهذا المَقصدِ؛ ولهذا وقَعَ الالتِفاتُ عنه إلى ضَميرِ المُتكلِّمِ في قولِه: آَيَاتِنَا؛ للإشارةِ إلى أنَّ الآياتِ مِن عندِ اللهِ، وأنَّ الدِّينَ دينُ اللهِ [769] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/153). . وقيل: الالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمةِ لتَربيةِ المَهابةِ، وإدخالِ الرَّوْعةِ [770] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/20). .
- وحصَلَ في هذه الجُملةِ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا تفنُّنٌ في الأساليبِ؛ إذْ جَمَعَتِ الاسمَ الظَّاهرَ، وضمائرَ الغَيْبةِ والخِطابِ والتَّكَلُّمِ [771] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (20/153). .