موسوعة التفسير

سورة هود
الآيات (116-119)

ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ

غريب الكلمات:


أُولُو بَقِيَّةٍ: أي: ذوو فَضلٍ ودينٍ وعِلمٍ، وسُمِّى الفضلُ (بقيةً)؛ لأنَّ الرجلَ يَستَبقي مِمَّا يُخرِجُه أجوَدَه وأفضَلَه، فصار لفظُ (البقيَّةِ) مثلًا في الجَودةِ والفَضلِ، وأصلُ (بقي): يدلُّ على الدَّوامِ [1243] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 210)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/276)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 238)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/184). .
أُتْرِفُوا: أي: أُعطوا من الأموالِ ونُعِّموا؛ مِن التَّرَف: وهو السَّعةُ والنَّعيمُ [1244] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 211)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 92)، ((المفردات)) للراغب (ص: 166)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 239)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/185). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ اللهُ تعالَى: فهلَّا وُجِدَ مِن القُرونِ الماضيةِ بقايا مِن أهلِ الخيرِ والصَّلاحِ، ينهونَ أهلَ الكُفرِ عن كُفرِهم، وعن الفَسادِ في الأرضِ، لم يُوجَدْ من أولئك الأقوامِ إلَّا قليلٌ ممَّن آمنَ، فنجَّاهم الله بسبَبِ ذلك مِن عذابِه حين أخذ الظَّالمينَ، واتَّبع عامَّتُهم- من الذين ظَلَموا أنفُسَهم- ما مُتِّعوا فيه مِن لذَّاتِ الدُّنيا ونعيمِها، وكانوا مُجرمينَ ظالمينَ باتِّباعِهم ما تنَعَّموا فيه، فحقَّ عليهم العذابُ.
 وما كان ربُّك- يا مُحمَّدُ- لِيُهلِكَ قريةً مِن القرى وأهلُها مُصلِحونَ في الأرضِ، مُجتَنِبونَ للفَسادِ والظُّلمِ، ولو شاء ربُّك لجعل النَّاسَ كُلَّهم جماعةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، وهو دينُ الإسلامِ، ولكنَّه سُبحانَه لم يشأْ ذلك، فلا يزالُ النَّاسُ مُختلفينَ في أديانِهم، إلَّا مَن رَحِمَ ربُّك فآمَنوا به واتَّبَعوا رُسُلَه، فإنَّهم لا يختَلِفونَ في توحيدِ اللهِ وما جاءت به الرُّسُلُ مِن عندِ الله، وقد اقتَضَت حِكمتُه سُبحانه وتعالى أنَّه خَلقَهم مُختَلفينَ: فريقٌ شَقيٌّ وفريقٌ سعيدٌ، وكلُّ ميسَّرٌ لِما خُلِق له، وبهذا يتحقَّقُ وعدُ رَبِّك في قضائِه وقَدَرِه: أنَّه سُبحانَه سيملأُ جهنَّمَ مِن الجِنِّ والإنسِ الذين اتَّبَعوا إبليسَ وجُندَه ولم يَهتَدوا للإيمانِ.

تفسير الآيات:


فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى أنَّ الأممَ المتقَدِّمينَ حَلَّ بهم عذابُ الاستِئصالِ؛ بيَّنَ أنَّ السَّببَ فيه أمرانِ: السَّببُ الأوَّل: أنَّه ما كان فيهم قومٌ ينهَونَ عن الفَسادِ في الأرضِ، والسَّببُ الثَّاني: قولُه: وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ [1245] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/409). .
وأيضًا لَمَّا ذكَرَ تعالى إهلاكَ الأُممِ المكَذِّبةِ للرُّسُل، وأنَّ أكثَرَهم مُنحَرِفونَ، حتى أهلَ الكُتُب الإلهيَّة، وذلك كلُّه يقضي على الأديانِ بالذَّهابِ والاضمحلالِ؛ ذكَرَ أنَّه لولا أنَّه جعلَ في القُرونِ الماضيةِ بقايا من أهلِ الخَيرِ يَدعُونَ إلى الهُدى، ويَنهَونَ عن الفَسادِ والرَّدَى، فحصل مِن نَفْعِهم ما بقِيَت به الأديانُ، ولكنَّهم قليلون جِدًّا، وغايةُ الأمرِ أنَّهم نَجَوا باتِّباعِهم المُرسَلين، وقيامِهم بما قاموا به مِن دينِهم، وبكونِ حُجَّةِ الله أجراها على أيديهم [1246] يُنظر: ((تفسر السعدي)) (ص:391). .
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ.
أي: فهلَّا وُجِدَ من أهلِ القُرونِ الماضيةِ- الذين أهلَكْناهم بذُنوبِهم ممَّن قصَصْتُ عليك يا محمَّدُ نبأَهم في هذه السُّورةِ- بقايا مِن أصحابِ العُقولِ والإيمانِ والخَيرِ، يَنهَونَ النَّاسَ عن الفَسادِ في الأرضِ بالكُفرِ والمعاصي [1247] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/627، 628)، ((تفسير القرطبي)) (9/113)، ((تفسير ابن كثير)) (4/360)، ((تفسير السعدي)) (ص: 391). .
إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ.
أي: لكن قليلًا مِن أولئك كانوا يَنهَونَ عن الفَسادِ في الأرضِ، وهم أتباعُ الرُّسُلِ الذين أنجاهم اللهُ تعالى من الهَلاكِ [1248] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/628)، ((تفسير القرطبي)) (9/113)، ((تفسير ابن كثير)) (4/361)، ((تفسير السعدي)) (ص: 391). .
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ.
أي: واتَّبَعَ الذين ظَلَموا أنفُسَهم من الأمَمِ الماضيةِ ما نُعِّموا فيه من لذَّاتِ الدُّنيا، وانشغلوا به، وآثَرُوه على الآخرةِ [1249] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/631)، ((تفسير السمرقندي)) (2/175)، ((تفسير القرطبي)) (9/113). .
وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ.
أي: وكان الظَّالِمونَ المُترَفونَ مُجرمينَ باكتسابِ الكُفرِ والمعاصي، فاستحَقُّوا عِقابَ اللهِ [1250] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/631)، ((تفسير الشوكاني)) (2/605)، ((تفسير السعدي)) (ص: 391)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/186). .
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا لاح بما مضَى أنَّ العِبرةَ في الإهلاكِ والإنجاءِ للأكثَرِ؛ قرَّرَه وأكَّدَه وبيَّنَه [1251] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/400). .
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117).
أي: وما كان ربُّك- يا محمَّدُ- ليُهلكَ أهل القرى بظلمٍ منه لهم، والحالُ أنَّ أهلَها مُصلِحونَ في أعمالِهم؛ فاللهُ تعالى لم يُهلِكْ قَريةً إلَّا وهي ظالِمةٌ لنَفسِها [1252] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/631)، ((تفسير ابن عطية)) (3/214)، ((تفسير ابن كثير)) (4/361)، ((تفسير السعدي)) (ص: 392)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/186، 187). قال ابن جرير: (وقد قيل: معنى ذلك: لم يكن ليُهلِكَهم بشِركِهم بالله، وذلك قولُه: بِظُلْمٍ، يعني: بشِركٍ، وأهلُها مُصلحون فيما بينهم لا يتظالَمون، ولكنَّهم يتعاطَونَ الحَقَّ بينهم، وإن كانوا مُشركين، وإنَّما يُهلِكُهم إذا تظالَموا). ((تفسير ابن جرير)) (12/631). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (9/114). .
كما قال تعالى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ [الأنعام: 131] .
وقال سُبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] .
وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا كان النَّعيُ على الأمَمِ الذين لم يقعْ فيهم من يَنهَونَ عن الفَسادِ، فاتَّبَعوا الإجرامَ، وكان الإخبارُ عن إهلاكِهم بأنَّه ليس ظُلمًا مِن اللهِ، وأنَّهم لو كانوا مُصلِحينَ لَما أُهلِكوا، لَمَّا كان ذلك كلُّه قد يثيرُ توَهُّمَ أنَّ تعاصيَ الأمَمِ عمَّا أراد اللهُ منهم خروجٌ عن قبضةِ القُدرةِ الإلهيَّةِ؛ أعقَبَ ذلك بما يرفَعُ هذا التوهُّمَ بأنَّ اللهَ قادِرٌ أن يجعَلَهم أمَّةً واحدةً متَّفِقةً على الحَقِّ، مُستمرَّةً عليه كما أمَرَهم أن يكونوا [1253] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/187). .
وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً.
أي: ولو شاء ربُّك- يا محمَّدُ- لجعل جميعَ النَّاسِ على ملَّةٍ واحدةٍ [1254] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/632)، ((تفسير القرطبي)) (9/114)، ((تفسير ابن كثير)) (4/361). .
كما قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ [الأنعام: 35] .
وقال سُبحانه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: 99] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل: 93] .
وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ.
أي: ولا يزالُ النَّاسُ مُختَلفينَ في أديانِهم ومذاهِبِهم وآرائِهم [1255] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/636)، ((تفسير القرطبي)) (9/114)، ((تفسير ابن كثير)) (4/361). .
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا أشعَرَ الاختلافُ بأنَّه اختلافٌ في الدِّينِ، وأنَّ معناه العدولُ عن الحَقِّ إلى الباطلِ- لأنَّ الحَقَّ لا يقبَلُ التعدُّدَ والاختلافَ- عقَّبَ عمومَ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ باستثناءِ مَن ثَبَتوا على الدِّينِ الحَقِّ ولم يُخالِفوه، بقَولِه تعالى [1256] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/189). :
إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ.
أي: إلَّا مَن رَحِمَهم اللهُ، فهداهم إلى الإيمانِ به، واتِّباعِ رُسُلِه؛ فإنَّهم لا يختَلِفونَ فيما جاءهم مِن عندِ ربِّهم [1257] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/636)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/52)، ((تفسير ابن كثير)) (4/361)، ((تفسير السعدي)) (ص: 392). .
عن عوفِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((افتَرَقت اليهودُ على إحدى وسبعينَ فِرقةً؛ فواحدةٌ في الجنَّةِ، وسبعونَ في النَّارِ، وافتَرَقت النَّصارى على ثِنتَينِ وسبعين فِرقةً؛ فإحدى وسبعونَ في النَّارِ، وواحِدةٌ في الجنَّةِ، والذي نفسُ محمَّدٍ بِيَدِه لتفتَرِقنَّ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ فِرقةً؛ واحدةٌ في الجنَّةِ، وثِنتانِ وسَبعون في النَّارِ، قيل: يا رسولَ اللهِ من هم؟ قال: الجماعةُ) ) [1258] أخرجه ابن ماجه (3992)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (63)، والطبراني (18/70) (129). قال ابن كثير في ((البداية والنهاية)) (19/36): إسنادُه لا بأسَ به، وجوَّد إسنادَه العراقي في ((الباعث على الخلاص)) (17)، ووثَّق رجالَه السخاوي في ((الأجوبة المرضية)) (2/571)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجه)) (3992). .
وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ.
أي: وللاختلافِ بالشَّقاءِ والسَّعادةِ خَلَقَهم، فخلَقَ قومًا للاختلافِ والشَّقاءِ، وقَومًا للرَّحمةِ والسَّعادةِ، وذلك بحسَبِ ما تقتَضيه حِكمتُه عزَّ وجلَّ [1259] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/640، 641)، ((تفسير القرطبي)) (9/115)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/236) و(8/188)، ((تفسير السعدي)) (ص: 392)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/47)، ((دفع إيهام الاضطراب)) للشنقيطي (ص: 120). وممن اختار هذا المعنى المذكور: ابنُ جريرٍ، والقرطبيُّ، وابنُ تيميةَ، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة. وممن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عباسٍ، والحسنُ، وعطاءٌ، ومالكُ بنُ أنسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/637-639 ). .
كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: 2] .
وعن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، قال: ((حدَّثنا رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: إنَّ أحَدَكم يُجْمَعُ خَلْقُه في بطنِ أُمِّه أربعينَ يومًا، ثُمَّ يكونُ في ذلك عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثُمَّ يكونُ في ذلك مُضغةً مثلَ ذلك، ثُمَّ يُرسَلُ الملَكُ فينفخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بأربعِ كلماتٍ: بكَتْبِ رِزْقِه، وأجَلِه، وعملِه، وشقِيٌّ أو سعيدٌ )) [1260]  أخرجه البخاري (3208) مسلم (2643). .
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
أي: وتمَّ أمرُ اللهِ ونفَذَ قضاؤُه بما سبقَ في عِلمه ليَمْلأنَّ جهنَّم ممَّن يستحِقُّها من الجِنِّ والإنسِ أجمعينَ [1261] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/641)، ((تفسير ابن عطية)) (3/216)، ((تفسير ابن كثير)) (4/363)، ((تفسير الشوكاني)) (2/606).  .
كما قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13] .
وقال سُبحانه مخاطبًا إبليسَ: قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: 84-85] .
وعن أبي هريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((احتجَّت النَّارُ والجنَّةُ، فقالت هذه: يَدخُلُني الجبَّارون والمتكَبِّرون، وقالت هذه: يَدخُلُني الضُّعَفاءُ والمساكينُ، فقال الله عزَّ وجلَّ لهذه: أنتِ عذابي أُعَذِّبُ بكِ من أشاء- وربَّما قال: أصيبُ بكِ من أشاء- وقال لهذه: أنتِ رحمتي أرحمُ بكِ من أشاء، ولكلِّ واحدةٍ منكما مِلؤُها )) [1262] أخرجه البخاري (7449) ومسلم (2846)، واللفظ له. .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ فيه تنبيهٌ لهذه الأمَّةِ، وحَضٌّ لها على تغييرِ المُنكَر [1263] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/224). ، وأن يكون فيهم بقايا مُصلِحون لِما أفسَدَ النَّاسُ، قائِمونَ بدِينِ اللهِ؛ يدعونَ من ضلَّ إلى الهُدى، ويَصبِرون منهم على الأذى، ويُبَصِّرونَهم مِن العَمى [1264] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:391).
2- قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ فيه أنَّه تعالى لا يُهلِكُ أهلَ القُرى بمجَرَّدِ كَونِهم مُشرِكينَ، إذا كانوا مُصلِحينَ في المُعاملاتِ فيما بينهم، بل إنَّما يُنزِلُ ذلك العذابَ إذا أساؤوا في المُعاملات وسَعَوا في الإيذاءِ والظُّلمِ [1266] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/410). ، وذلك على أحدِ أوجهِ تأويلِ الآيةِ.
3- قَولُ الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ الاختلافُ المذمومُ المحَذَّرُ منه هو الاختلافُ في أصولِ الدِّينِ الذي يترتَّبُ عليه اعتبارُ المخالفِ خارجًا عن الدِّينِ، وإن كان يزعُمُ أنَّه مِن متَّبِعيه، فإذا طرأ هذا الاختلافُ وجبَ على الأمَّةِ قَصمُه، وبَذلُ الوُسعِ في إزالتِه مِن بينهم بكُلِّ وسيلةٍ مِن وسائلِ الحَقِّ والعدلِ، بالإرشادِ والمُجادَلة الحَسَنة والمُناظَرة، فإنْ لم يَنجَعْ ذلك فبالقِتالِ، كما فعل أبو بكرٍ رَضِيَ الله عنه في قتالِ العَرَبِ الذين جَحَدوا وجوبَ الزَّكاةِ، وكما فعل عليٌّ رَضِيَ الله عنه في قِتالِ الحَرُوريَّة الذين كفَّروا المُسلمينَ، وهذه الآيةُ تحذيرٌ شديدٌ من ذلك الاختلافِ [1267] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/189). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ في تعقيبِ هذه الآيةِ لآيةِ الصَّبرِ إشارةٌ إلى أنَّ الصَّبرَ على الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكَر، في الذِّروةِ العُليا [1268] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/399). .
2- قَولُ الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ في هذا تنويهٌ بأصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّهم أولو بقيَّةٍ مِن قُريشٍ، يَدعونَهم إلى الإيمانِ حتى آمنَ كُلُّهم، وأولو بقيَّةٍ بين غيرِهم من الأُمَم الذين اختَلَطوا بهم، يدعونَهم إلى الإيمانِ والاستقامةِ بعد الدُّخولِ فيه، ويُعَلِّمونَ الدِّينَ، كما قال تعالى فيهم: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [1269] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/184). [آل عمران: 110] .
3- الاختلافُ في كتابِ الله على وجهينِ:
أحدُهما: أن يكونَ كلُّه مذمومًا، كقولِه: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: 176] .
والثاني: أن يكونَ بعضُهم على الحقِّ، وبعضُهم على الباطلِ، كقولِه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ [البقرة: 253] . لكن إذا أُطلِق الاختلافُ، فالجميعُ مذمومٌ، ومِن ذلك قوله: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ... [1270]  يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (5/258). .
4- إن قيل: ظاهرُ قوله تعالَى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ يتعارضُ مَعَ قولِه تعالَى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
فالجوابُ عن هذا: أنَّ الإرادةَ في قوله:وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ إرادةٌ كونيةٌ قدريةٌ، والإرادةُ في قوله:وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ إرادةٌ شرعيةٌ دينيةٌ، فبيَّن في قولِه : وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، وقوله :وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛ أنَّه أراد بإرادتِه الكونيةِ القدريةِ صيرورةَ قومٍ إلى السعادةِ، وآخرين إلى الشقاوةِ، وبيَّن بقولِه : إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أنه يريدُ العبادةَ بإرادتِه الشرعيةِ الدينيةِ مِن الجنِّ والإنسِ، فيوفِّق مَن شاء بإرادتِه الكونيةِ فيعبده، ويخذلُ مَن شاء فيمتنع مِن العبادةِ، وقيل غيرُ ذلك [1271] يُنظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (ص: 121). .
5- لا تجِدُ اتِّفاقًا وائتلافًا إلَّا بسبَبِ اتِّباعِ آثارِ الأنبياءِ مِن القُرآنِ والحَديثِ، وما يَتبعُ ذلك، ولا تجِدُ افتراقًا واختلافًا إلَّا عند مَن ترَكَ ذلك، وقدَّمَ غَيرَه عليه؛ قال تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ  فأخبَرَ أنَّ أهلَ الرَّحمةِ لا يَختَلِفونَ، وأهلُ الرَّحمةِ هم أتباعُ الأنبياءِ قولًا وفِعلًا، وهم أهلُ القرآنِ والحديثِ مِن هذه الأمَّةِ، فمَن خالَفَهم في شيءٍ فاته مِن الرَّحمةِ بقَدرِ ذلك [1272] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/52). .
6- أهلُ الإشراكِ مُتفَرِّقون، وأهلُ الإخلاصِ متَّفِقونَ؛ قال الله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ فأهلُ الرَّحمةِ مُتَّفِقونَ مُجتَمِعونَ، والمُشرِكونَ فَرَّقوا دينَهم، وكانوا شِيَعًا [1273] يُنظر: ((اقتضاء الصراط المستقيم)) لابن تيمية (2/380). .
7- قال الله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ قال قتادةُ: (أهلُ رَحمةِ اللهِ أهلُ الجَماعةِ، وإن تفَرَّقت ديارُهم وأبدانُهم، وأهلُ مَعصيتِه أهلُ فُرقةٍ، وإن اجتَمَعت دِيارُهم وأبدانُهم) [1274] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/362). .
8- قولُ الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً فيه ردٌّ على القَدَريَّةِ [1275] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:152). .
9- قولُ الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ صريحٌ بأنَّ اللهَ تعالى خلقَ أقوامًا للجنَّةِ والرَّحمةِ، فهداهم ووفَّقَهم لأعمالِ أهلِ الجنَّةِ، وخلقَ أقوامًا للضَّلالةِ والنَّار، فخَذَلهم ومنَعَهم من الهدايةِ [1276] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/86). .
10- في قَولِه تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ بيانُ الكلامِ الكونيِّ، ويُقابِلُه الكلامُ الدينيُّ، كقولِه تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [1277] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 282). [التوبة: 6] .
11- اتَّفقَ العُلَماءُ على أنَّ كفَّارَ الجِنِّ يَدخُلونَ النَّارَ، كما أخبَرَ الله بذلك في قولِه تعالى: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [1278] يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (2/1009). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ
- قولُه: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ فيه الإتيانُ بفاءِ التَّفريعِ؛ لأنَّه في موقعِ التَّفصيلِ والتَّعليلِ لِجُملةِ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: 112] وما عُطِف عليها، كأنَّه قيل: (وإنَّ كُلًّا لَمَّا ليُوفِّينَّهم ربُّك أعمالَهم؛ فلَولا كان مِنهم بَقيَّةٌ ينهَوْن عن الفسادِ في الأرضِ...) إلى آخرِه، أي: فاحْذَروا أن تَكونوا كما كانوا، فيُصيبَكم ما أصابَهم، وكُونوا مُستَقيمين ولا تَطْغَوا، ولا تَرْكَنوا إلى الظَّالِمين، وأقيموا الصَّلاةَ، فغيَّر نَظْمَ الكلامِ إلى هذا الأسلوبِ الَّذي في الآيةِ؛ لِتَفنُّنِ فَوائدِه ودَقائقِه، واستقلالِ أغراضِه، مع كونِها آيِلَةً إلى غرَضٍ يَعُمُّها، وهذا مِن أبدَعِ أساليبِ الإعجازِ الَّذي هو كَرَدِّ العجُزِ على الصَّدرِ مِن غَيرِ تَكلُّفٍ، ولا ظُهورِ قَصدٍ [1279] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/183). .
- وفيه إطلاقُ البقيَّةِ على الفضلِ؛ وهي كنايةٌ غَلَبَت فسارَت مَسْرى الأمثالِ؛ لأنَّ شأنَ الشَّيءِ النَّفيسِ أنَّ صاحِبَه لا يُفرِّطُ فيه [1280] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/183). .
2- قولُه تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ
- صيغةُ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ تَدُلُّ على قوَّةِ انتفاءِ الفعلِ؛ وأصلُ هذا التَّركيبِ في الكلامِ: ما كان فُلانٌ فاعِلًا كذا، فلمَّا أُريدَتِ المبالغةُ في النَّفيِ عُدِل عن نفْيِ الفعلِ إلى نفْيِ المصدَرِ الدَّالِّ على الجنسِ، وجُعِل نفْيُ الجنسِ عن الشَّخصِ بواسِطَةِ نَفْيِ الاستحقاقِ؛ فصار التَّركيبُ: ما كان له أن يَفعَلَ [1281] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/186) و(3/293). .
- واللَّامُ في قولِه: لِيُهْلِكَ لِتَأكيدِ النَّفيِ [1282] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/1159)، ((تفسير أبي السعود)) (4/247). ، وهي لامُ الجُحودِ؛ لِقَصدِ المبالَغةِ في النَّفيِ، بحيث يُنفَى أن يَكونَ وُجودُ المسنَدِ إليه مَجعولًا لأجْلِ فِعْلِ كذا، أي: فهو بَريءٌ منه بالأصلِ؛ ولذلك سُمِّيَت جُحودًا [1283] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (3/293). .
- وتَنكيرُ بِظُلْمٍ؛ للتَّفخيمِ، والإيذانِ بأنَّ إهلاكَ المصلِحين ظُلمٌ عظيمٌ، والمرادُ: تنزيهُ اللهِ تعالى عن ذلك بالكُلِّيَّةِ بتَصْويرِه بصورةِ ما يَستَحيلُ صُدورُه عنه تعالى [1284] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/247). .
- وفيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيث قال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ، وفي سورةِ (القَصصِ) قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] ، فقال في أُولَى الآيتَينِ: وَمَا كَانَ رَبُّكَ، وفي الثَّانيةِ: وَمَا كُنَّا؛ ووجهُ ذلك: أنَّ آيةَ (هودٍ): وَمَا كَانَ رَبُّكَ بإضافةِ اسْمِ الرَّبِّ جلَّ وتعالى إلى ضميرِ نَبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المخاطَبِ بهذه؛ مُلاطَفةً له صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتأنيسًا له ولأُمَّتِه، وإشعارًا بعظيمِ حَظْوَتِه ومَنزِلتِه لدَيه سبحانَه، ثمَّ أتبَع تعالى هذا بقولِه: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] ؛ فأخبَر تعالى أنَّه ما أهلَكَهم إلَّا بعدَ استِحْقاقِ جَميعِهم العذابَ وتَساويهم في الظُّلمِ، وقيل في هذه الآيةِ الأخيرةِ: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى؛ لئلَّا يتَكرَّرَ اللَّفظُ بعينِه مع الاتِّصالِ والقربِ وليس مِن مَواضِعِه [1285] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/264-265). .
- ومِن المناسَبةِ أيضًا قولُه هنا في سورةِ (هودٍ): لِيُهْلِكَ الْقُرَى، وقال في سورةِ (القَصصِ): مُهْلِكَ الْقُرَى، ومُهْلِكِي الْقُرَى [القصص: 59] ؛ فاختصَّتِ الآيةُ الَّتي في سورةِ (هودٍ) بلَفظِ الفعلِ في خبَرِ كان، والأُخرَيانِ بالاسْمِ وهو (مُهْلِكَ)؛ ووجهُ ذلك: أنَّ اللَّامَ في قولِه لِيُهْلِكَ تُسمَّى لامَ الجُحودِ، ولا تَخْلو منه، فالمعنى: لم يَكُنْ فيما مضى يقَعُ منِّي هذا الفعلُ، ولا يقَعُ فيما يُستقبَلُ ولا في الحالِ، وإذا كان كذلك وكان هذا نهايةَ ما يُخاطِبُ به العرَبُ في نفْيِ الفعلِ، وامتِناعِ وُقوعِه، خصَّه اللهُ تعالى بالمكانِ الَّذي لا يقَعُ ذلك مِنه أبدًا، ولم يقَعْ منه قَطُّ، وهو أنَّه لم يَكُنْ فيما مَضى يُهلِكُ القرى ظالِمًا لها مع صلاحِ أهلِها، ولا يَفعَلُه، ولا يَليقُ بعَدلِه، وهو مُنزَّهٌ عنه تعالى اللهُ عن ذلك.
وأمَّا قولُه تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] ، فإنَّه لم يَكُنْ فيها صريحُ ظُلمٍ يُنسَبُ إليه، ولم يَكُنْ مَلفوظًا به، فيُؤتى باللَّفظِ الأبلَغِ في نفْيِه، كما كان في قولِه: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ، فإنَّه أبلَغُ في الانتفاءِ مِن الظُّلمِ [1286] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/783-789)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 147)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص:272). .
وفيه وجهٌ آخَرُ: أنَّه جيءَ بالفعلِ في قولِه: لِيُهْلِكَ إشارةً إلى التَّكرُّرِ بحسَبِ ما يَكونُ منهم؛ فلو كان في كلِّ أمَّةٍ وقَرْنٍ بعدَ قرنٍ مَن يَنهى عن الفسادِ والظُّلمِ، لَمَا أخَذ بِذَوي الظُّلمِ منهم، ولكان تعالى يَدْفَعُ بعضَهم عن بعضٍ، ولكنْ تَكرَّرَ الفسادُ وعَمَّ كلَّ قرنٍ، فتكرَّر عليهم الجزاءُ والأخذُ، فأشار الفعلُ إلى التَّكرُّرِ، ولم يَكُنِ الاسمُ لِيُعطِيَ ذلك، وهذا كقَولِه تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ [الملك: 19] ، ولَم يَقُلْ: (وقَابِضاتٍ)؛ لِمَا قصَده مِن مَعنى التَّكرُّرِ، وأمَّا قولُه في سورةِ (القصصِ): وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا [القصص: 59] ؛ فإنَّه تَقدَّم هذا في قولِه تعالى: وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص: 51] ، أي: أَتْبَعْنا ووالَيْنا التَّذكارَ، ويَشهَدُ له قولُه تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: 24] ، فلمَّا أعلَم سبحانه تَتابُعَ التَّذكارِ وتَعاقبُ الإنظارِ، قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا [القصص: 59] ، وناسب هذا ذِكْرَ اسْمِ الفاعلِ؛ لأنَّه قصَد ذِكْرَ الاتِّصافِ بهذا، ولم يَقصِدِ التَّكرُّرَ، ولم يَكُنْ حاصِلَه [1287] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/264-265). .
- ومن المناسَبةِ الحسَنةِ كذلك: قولُه أيضًا في الأولى: مُصْلِحُونَ وفي الثَّانيةِ: حَتَّى نَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا، وفي الثَّالثةِ: إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ؛ لأنَّ آيةَ هودٍ تَقدَّمَها قولُه تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ [هود: 116] ، أي: فهَلَّا كان مِنهم خِيارٌ يَنهَوْن عن الفسادِ والظُّلمِ؛ فلو كان مِنهم ذلك لَمَا هلَكوا، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 117] ، أي: ما كان لِيَفعَلَ بهم ذلِك وإنْ وقَع منهم ظُلمٌ، إذا كان فيهم مُغيِّرٌ للظُّلمِ وناهٍ عن الفسادِ، ولكنَّهم كانوا كما أخبَر تعالى عن المعتَدِين مِن بَني إسرائيلَ في قولِه تعالى عنهم: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [1288] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/264-265). [المائدة: 79] .
3- قولُه تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
- في قولِه: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً حُذِفَ مفعولُ فِعْلِ المشيئةِ؛ لأنَّ المرادَ منه ما يُساوي مَضْمونَ جَوابِ الشَّرطِ؛ فحُذِف إيجازًا، والتَّقديرُ: ولو شاء ربُّك أن يَجعَل النَّاسَ أمَّةً واحدةً لجعَلهم كذلك [1289] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (12/188). .
4- قولُه تعالى: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
-  قَولُ الله تعالى: مِنَ الْجِنَّةِ أي: قَبيلِ الجِنِّ، قيل: قدَّمَهم لأنَّهم أصلٌ في الشَّرِّ، ثمَّ عَمَّ فقال: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [1290] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/403). ، ويحتمِلُ أنَّه قدَّمهم لسبقِهم في الخلقِ.