موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (128-131)

ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ

غريب الكلمات:


يَا مَعْشَرَ: المعشَرُ: كلُّ جماعةٍ أمرُهم واحدٌ، وأصْلُ (عشر): يدلُّ على مُداخَلَة ومخالَطَةٍ [1950] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/324،327)، ((الكليات)) للكفوي (1/803).   .
مَثْوَاكُمْ: أي: مَنْزِلُكم، وأصْل الثَّواء: الإقامةُ مع الاستقرارِ، يُقال: ثوَى يثوي ثواءً [1951] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 410)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 424)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/393)، ((المفردات)) للراغب (ص: 181)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 295). .
نُوَلِّي: أي: نَجعلُ بعضَهم لبعضٍ وليًّا على الكُفرِ بالله، وأصْل (ولي) يدلُّ على القُرْب، سواءٌ من حيث: المكان، أو النِّسبة، أو الدِّين، أو الصَّداقة، أو النُّصرة، أو الاعتقاد، وكلُّ مَن وَلِي أمرَ آخَرَ فهو وَلِيُّه [1952] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 422)، ((تفسير ابن جرير)) (9/558، 559)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 63)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((المفردات)) للراغب (ص: 885)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 89). .
يَقُصُّونَ: يُخبِرونَكم، والقَصَص: الأخبارُ المتتبَّعَةُ، والأثَرُ؛ وأصْلُ القصِّ: تتبُّعُ الأثَرِ أو الشَّيءِ [1953] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/11)، ((المفردات)) للراغب (ص: 671)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 125). .
وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا: أي: أصابتْ غِرَّتَهم، ونالَتْ منهم ما تريدُه، وخَدَعتْهم عن الأخْذِ بنَصيبِهم من الآخِرَةِ حتى أتتْهم المنِيَّةُ، والغِرَّةُ: غفلةٌ في اليقَظَة، وأصلُ ذلك من الغُرِّ، وهو الأثرُ الظاهر مِن الشَّيْءِ، وأَصْلُ (غرر) يدلُّ أيضًا على النُّقْصانِ [1954] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/380)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603- 604). .

المعنى الإجمالي:


اذكُرْ- يا مُحمَّدُ- يومَ يَحْشُر اللهُ هؤلاء المشركينَ مع أوليائِهم مِن شَياطينِ الجِنِّ؛ فيقولُ اللهُ تعالى للجِنِّ: قد استكثَرْتُم من إضلالِ الإنسِ وإغوائِهم، وقال أولياءُ الجِنِّ مِنَ الإِنْسِ: ربَّنا تمتَّعَ بعضُنا ببعضٍ؛ فالجنيُّ تمتَّعَ بطاعةِ الإنسيِّ له، وعبادَتِه وتعظيمِه، والإنسيُّ تمتَّعَ بخِدمةِ الجنيِّ له، وتلبيةِ بعض أغراضِه وشَهَواتِه، وبَلَغْنا الوقتَ الذي وَقَّتَّه لنا يا رَبَّنا. قال اللهُ لهم: إنَّ النَّارَ هي مُستَقَرُّكم، خالدينَ فيها إلَّا ما شاءَ الله؛ إنَّ ربَّك- يا مُحمَّدُ- حكيمٌ عليمٌ، وكذلك يُوَلِّي اللهُ جلَّ وعلا بعضَ الظَّالِمينَ بعضًا بما كانوا يَكْسِبونَ.
ثم أخَبَر تعالى أنَّه يقولُ يومئذٍ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنسِ، ألَمْ يَأْتِكم رسُلٌ منكم يتلُونَ عليكم آياتي، ويُنْذِرونكم لقاءَ يومِكم هذا؟ قالوا: أَقْرَرْنا بأنَّها جاءَتنا فكذَّبْناها وجَحَدْناها، وبَيَّنَ تعالى أنَّ الحياةَ الدُّنيا غَرَّتْهم وخَدَعَتْهم، وشَهِدُوا على أنفُسِهم أنَّهم كانوا كافرينَ.
وأخبر أنَّ ذلك الإنذارَ والإعذارَ مِن قِبَل الرُّسُل في الدُّنيا واقِعٌ؛ مِن أجْلِ أنَّ الله تعالى لم يكُنْ لِيُهْلِكَ القرى بسبَبِ كُفْرِها ومعاصِيها، مع كونِهم لم يُنَبَّهُوا برسولٍ ولا كتابٍ.

تفسير الآيات:


وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:

لَمَّا اشتمَلَ سياقُ الآياتِ السَّابقةِ لهذه الآياتِ على وعيدٍ بما أعَدَّ اللهُ من العذابِ للمُجرمينَ، ووعْدٍ بالنَّعيم في دارِ السَّلامِ للمؤمنينَ في إثْرِ بيانِ أحوالِهم وأعمالِهم التي استحَقَّ بها كلٌّ منهما جزاءَه- رَبَطَ ذلك بحقيقةِ الجزاءِ في الآخِرَةِ على الكَسْبِ في الدُّنيا بعد النِّذارَةِ والبِشَارة؛ فَقَفَّى بذِكْر الحَشْرِ، وبعْضِ ما يكون في يوْمِه من الحِسابِ، وإقامةِ الحُجَّةِ على الكُفَّار [1956] يُنظر: ((تفسر المنار)) (8/55). فقال تعالى:
وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا.
أي: واذكرْ- يا مُحمَّدُ- يومَ يَحْشُرُ الله عزَّ وجلَّ هؤلاءِ المشركينَ مع أوليائِهم من الشَّياطينِ الَّذين كانوا يعبدونَهم في الدُّنيا، ويَعُوذون بهم ويُطيعُونهم، ويُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غرورًا؛ لِيُجادِلوا به المؤمنينَ، فيَجْمَعُهم سبحانه وتعالى جميعًا في موقِفِ القيامةِ [1957] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/555)، ((تفسير ابن كثير)) (3/338)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/227-229). .
ثم يقولُ الله تعالى مُوَبِّخًا للجِنِّ الَّذين أضَلُّوا الإنسَ، وزَيَّنوا لهم الشَّرَّ، وأزُّوهُم إلى المعاصِي:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ.
أي: قد استكثرتم أيُّها الشَّياطينُ من إضلالِ الإنسِ، وإغوائِهم، وصَدِّهِم عن سبيلِ الله، فأَضْلَلْتُم منهم أعدادًا طائلةً [1958] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/555)، ((تفسير ابن كثير)) (3/338)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (6/298)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/229-231). قال الشنقيطيُّ: (والتحقيقُ: أنَّ الله يكلِّم الكفَّار كلامَ توبيخٍ وتقريعٍ، الذي هو من جنسِ العذابِ، كقولِه لَمَّا قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ [المؤمنون: 107، 108] لأنَّ هذا التكليمَ لهم ليس تكليمَ تشريفٍ، إنَّما هو تكليمُ توبيخٍ وتقريعٍ، وهو مِن أنواعِ عذابِه لهم، ولا مانعَ منه) ((العذب النمير)) (2/229). .
كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ [يس: 60-62].
وقال عزَّ وجلَّ: قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: 62].
وقال سبحانه: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [سبأ: 20].
وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ.
أي: وقال أولياءُ الجِنِّ مِن الإنْسِ، وهم الَّذين كانوا يتَّبِعون تشريعَ الشَّياطينِ لهم في الدُّنيا، أو يطاوِعُونهم فيما زَيَّنوا لهم من الكُفْرِ وأنواعِ المعاصي: يا رَبَّنا، قد تمتَّعَ وانتفَعَ بعضُنا ببعضٍ في الدُّنيا؛ فالجنيُّ يستمتِعُ بطاعةِ الإنسيِّ له وعبادَتِه، وتعظيمِه، واستعاذَتِه واستعانَتِه به، وإعانَةِ الإنسيِّ على إضلالِ النَّاسِ، والإفسادِ في الأرضِ؛ والإنسيُّ يتمتَّعُ بخدمة الجنيِّ له، وتلبيةِ بعض أغراضِه وشهواتِه [1959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/556)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/80-85)، ((تفسير ابن كثير)) (3/338)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/69)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/243-244). .
وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا.
أي: استمتَعَ بعْضُنا ببعضٍ أيَّامَ حياتِنا الدُّنيا إلى أنْ بَلَغْنا الوَقْتَ الذي وُقِّتَ لِمَوتِنا [1960] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/556)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/244). والقولُ بأنَّ الأجلَ هو الموتُ، هو اختيارُ ابن جريرٍ في ((تفسيره)) (9/556)، والقرطبيِّ في ((تفسيره)) (7/84)، والشنقيطي في ((العذب النمير)) (2/244)، وهو قول السدِّيِّ. يُنظر: (تفسير ابن جرير)) (9/556). والقول بأنَّ الأجل هو البعثُ والقيامة، هو اختيارُ الواحديِّ في ((التفسير الوسيط)) (2/323)، وهو ظاهرُ اختيارِ السعدي في ((تفسيره)) (ص: 273)، وابنِ عاشورٍ في ((تفسيره)) (8-أ/70). وذهب ابنُ القيِّم إلى حملِ الآيةِ على كلا القولينِ فقال: (...وَبلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام: 128]. وهو يتناولُ أجلَ الموتِ، وأجلَ البعثِ. فكلاهما أجلٌ أجلَّه الله تعالى لعبادِه) ((إغاثة اللهفان)) (2/238). .
قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ.
أي: قال اللهُ لأولياءِ الجِنِّ مِنَ الإِنْسِ: نارُ جهنَّمَ هي المحلُّ الذي تقيمونَ فيه أبدًا، إلَّا من شاءَ الله عَدَمَ خُلودِه، وهم العصاةُ من المؤمنينَ الموحِّدينَ [1961] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/339) (4/351-352)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/244). وقيل في معنى الاستثناءِ هنا أقوالٌ أخرى. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/557)، ((تفسير ابن عطية)) (2/345-346)، ((تفسير ابن كثير)) (3/339)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/71). قال ابنُ عاشورٍ: (ولك أن تجعَلَ (ما) على هذا الوجهِ مَوصولةً، فإنَّها قد تُستعمَلُ للعاقِلِ بكثرةٍ. وإذا جُعِلَ قَولُه: خَالِدِينَ مِن جُملةِ المَقولِ في الحَشرِ، كان تأويلُ الآيةِ: أنَّ الاستثناءَ لا يُقصَدُ به إخراجُ أوقاتٍ ولا حالةٍ، وإنما هو كنايةٌ، يُقصَدُ منه أنَّ هذا الخُلودَ قَدَّرَه اللهُ تعالى، مُختارًا لا مُكرِهَ له عليه، إظهارًا لتمامِ القُدرةِ ومَحضِ الإرادةِ، كأنَّه يقولُ: لو شِئتُ لأبطَلْتُ ذلك. وقد يُعَضَّدُ هذا بأنَّ اللهَ ذَكَر نظيرَه في نعيمِ أهلِ الجَنَّةِ، في قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود: 106، 108] فانظُر كيف عَقَّبَ قَولَه: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في عِقابِ أهلِ الشَّقَاوةِ، بِقَولِه: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ! وكيف عَقَّبَ قَولَه: إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في نَعيمِ أهلِ السَّعادةِ بِقَولِه: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ، فأبطَلَ ظاهِرَ الاستثناءِ بِقَولِه: عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ فهذا معنى الكنايةِ بالاستثناءِ، ثمَّ المصيرُ بعد ذلك إلى الأدلَّةِ الدَّالةِ على أنَّ خُلودَ المُشركينَ غَيرُ مَخصوصٍ بزَمَنٍ ولا بحالٍ، ويكون هذا الاستثناءُ مِن تأكيدِ الشَّيءِ بما يُشبِهُ ضِدَّه) ((التحرير والتنوير)) (8-أ/72). .
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ.
مُناسَبَتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان هذا الحُكمُ في قولِه تعالى: النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ مِن مُقتَضى حِكْمَته وعِلْمِه- ناسَبَ ذلك خَتْمُ الآيةِ بِقَوْلِه سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فكما أنَّ عِلْمَه وَسِعَ الأشياءَ كُلَّها وعَمَّها، فحِكْمَتُه الغائيَّةُ شَمِلَت الأشياءَ وعَمَّتْها ووَسِعَتْها [1962] ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 273). .
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ.
أي: إنَّ ربَّك- يا محمَّدُ- حكيمٌ، يَضَعُ الأمورَ في مواضِعِها اللَّائقةِ، ويُوقِعُها في مواقِعها الصَّحيحة، ومن ذلك أنَّه لا يُعَذِّبُ إلَّا مَن يستَحِقُّ، وقد وَسِعَ عِلْمُه وشَمِلَ الأشياءَ كُلَّها؛ ومن ذلك عِلْمُه بالأشخاصِ والأحوالِ المستحِقَّة للعقابِ [1963] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/557)، ((تفسير السعدي)) (ص: 273)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/72-73)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/252-255). .
َكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ الله تعالى أنَّه وَلَّى الكَفَرةَ من ظالِمِي الجنِّ، ظالِمِي الإنسِ، وسَلَّطَهم عليهم؛ أخبَرَ تعالى أنَّ هذا عَمَلُه مع كلِّ ظالمٍ مِن أيِّ قبيلٍ كان، سواءٌ كان كافرًا أو لا [1964] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/270). .
وأيضًا لَمَّا حَكَم تعالى على الجنِّ والإنسِ أنَّ بعضَهم يتولَّى بعضًا؛ في قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ... بَيَّنَ أنَّ ذلك إنَّما يحصُلُ بتقديرِه وقضائِه سبحانه؛ فقال [1965] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/149). :
َكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129).
قيل المرادُ: وكما جعَلْنا بعضَ هؤلاءِ المشركينَ من الجِنِّ والإِنْسِ أولياءَ، كذلك نولِّي كلَّ ظالمٍ ظالِمًا مِثلَه، يَؤُزُّه إلى الشَّرِّ، ويُزَهِّدُه في الخَيْرِ؛ بسببِ ما كانُوا يعملونَه منَ المعاصِي [1966] واختار هذا المعنى: ابنُ جريرٍ في ((تفسيره)) (9/559)، والواحديُّ في ((الوجيز)) (ص: 375)، والسعديُّ في ((تفسيره)) (ص: 273-274). وهو مرويٌّ عن قتادة. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/558). .
وقيل: المعنى: وكما وَلَّيْنا هؤلاءِ الخاسرينَ من الإِنْسِ تلك الطَّائفةَ التي أغْوَتْهم من الجِنِّ فاستمتَعَ بعضُهم ببعضٍ، كذلك نفعَلُ بالظَّالمينَ، فنُسَلِّط بعضَهم على بعضٍ، ونُهْلِك بعضَهم ببعضٍ؛ جزاءً على ظُلْمِهم [1967] واختار هذا المعنى: ابنُ كثيرٍ في ((تفسيره)) (3/340). ورُوي نحوه عن ابنِ زيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/559). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/73-74)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/256-260). .
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا انقضت المحاورةُ السَّابقةُ وما أنتجَتْه من بغيضِ الموالاةِ والمجاورةِ، وكان حاصِلُها أنَّها موالاةُ مَن ضَرَّت مُوالاتُه؛ أتبَعَها سبحانه بمحاورةٍ أخرى حاصِلُها معاداةُ مَن ضَرَّت معاداتُه، فذَكَر كُفْرَهم به تعالى، وشهادَتَهم على أنفُسِهم بذلك [1968] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/271). ، فقال:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي.
أي: يقولُ الله تعالى يومئذٍ: ألم يأتِكم أيُّها الإنسُ والجِنُّ رسلٌ منكم [1969] قال الشنقيطي: (الذي عليه جماهيرُ العلماء، خلفًا وسَلَفًا، أنَّ الرُّسُل جميعَهم إنَّما هم مِنَ الإِنْس، وإنَّما قال: رُسُلٌ مِنْكُمْ لمجموع الإنسِ والجنِّ؛ نظرًا إلى أنَّ العرب تطلِقُ المجموع وتريد بَعْضَه. أي: مِن مجموعِكم الصَّادق بالإنْسِ دون الجنِّ. وهو كثيرٌ في القرآن، وفي كلام العرب) ((العذب النمير)) (2/268). يقْرَؤونَ عليكم آياتي التي أُنْزِلَت، ويُبَيِّنون لكم ما فيها من الأدلَّةِ على توحيدِ الله تعالى، وصِدْق رُسُلِه، وصِحَّة ما جاؤُوا به مِن عِنده، ويُبَيِّنون ما فيها من أحكامٍ، ووعدٍ ووعيدٍ [1970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/559-560)، ((تفسير ابن كثير)) (3/340)، ((تفسير السعدي)) (ص: 274)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/267-271). .
وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا.
أي: ويحذِّرونكم الأهوالَ والعذابَ الواقِعَ في يومِكم هذا، وعقابي على كُفْرِكم وشِرْكِكم بي، ومعصيتِكم لي؛ كي تنتهوا عن ذلك [1971] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/560)، ((تفسير السعدي)) (ص: 274)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/273). .
قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا.
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا وبَّخَهم الله هذا التوبيخَ، وقَرَّعَهم هذا التقريعَ، أقرُّوا نادمينَ حيث لا ينفَعُ النَّدَمُ؛ فقال الله تعالى عنهم [1972] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/274).      :
قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا.
أي: قالوا: أقْرَرْنا بأنَّ رُسُلَك قد أَتَتْنا بآياتِك، وحَذَّرَتْنا لقاءَ يومِنا هذا، فكَذَّبْناها، وجَحَدْنا رِسالَتَها، ولم نَتَّبِعْ آياتِك، ولم نؤمِنْ بها [1973] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/562)، ((تفسير ابن كثير)) (3/341)، ((تفسير السعدي)) (ص: 274)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/274).          .
كما قال تعالى: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك: 10-11].
ثم بيَّن اللهُ تعالى السَّبَبَ الذي كذَّبوا به الرُّسُلَ، ولم يَعْتَنوا بالإنذارِ؛ فقال [1974] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/274).      :
وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا.
أي: وغَرَّتْ هؤلاءِ المشركينَ وأولياءَهم من الجِنِّ زينةُ الحياةِ الدنيا وزُخْرُفُها وشَهَواتُها، وطَلَبُ الرِّياسةِ فيها، والمنافسةُ عليها، فَرَضُوا واطمَأَنُّوا بها، وألْهَتْهم عن العَمَلِ للدَّارِ الآخِرةِ [1975] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/562)، ((تفسير ابن كثير)) (3/341)، ((تفسير السعدي)) (ص: 274)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/274).          .
وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ.
أي: وشَهِدَ هؤلاء المشركونَ في يومِ القيامة أنَّهم كانوا في الدُّنيا كافرينَ باللهِ تعالى وبِرُسُلِه؛ لتَتِمَّ حجَّةُ الله عليهم بإقرارِهم على أنفُسِهم بما يُوجِبُ عليهم عُقوبَتَه، ويَعْلَم حينئذ كلُّ أحدٍ، حتى هم أنفسُهم، عَدْلَ اللهِ تعالى فيهم [1976] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/562)، ((تفسير ابن كثير)) (3/341)، ((تفسير السعدي)) (ص: 274)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/275). قال الشنقيطي: (ونصَّ على شهادتهم في دار الدنيا بالكُفْرِ أيضًا؛ حيث قال في سورة التوبة: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ [التوبة: 17] وهذه الشهادةُ؛ قيل: هي شهادةُ لسانِ الحال، وقيل أيضًا: شهادةُ مَقالٍ) ((العذب النمير)) (2/275). .
ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ الله تعالى أنَّه ما عَذَّبَ الكفَّارَ إلَّا بعد أن بَعَثَ إليهم الأنبياءَ والرُّسُلَ؛ بَيَّنَ بهذه الآيةِ أنَّ هذا هو العدْلُ والحقُّ والواجِبُ [1977] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/152). ، فقال تعالى:
ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131).
أي: ذلك الإنذارُ والإعذارُ على ألْسِنَة الرُّسُلِ في دارِ الدُّنيا واقعٌ؛ من أجل أنَّ ربَّك- يا محمَّد- لم يكُنْ لِيُهْلِكَ القرى بكُفْرِها ومعاصِيها، والحالُ أنَّهم غافِلونَ، لم يُنبَّهوا برسولٍ ولا بكتابٍ، بل لابدَّ من إزالةِ الغَفْلَةِ أولًا بإرسالِ الرُّسُلِ، وإنزال الكُتُبِ [1978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/563-564)، ((تفسير ابن كثير)) (3/341)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (2/279). .
كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15].
وقال سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165].

الفوائد التربوية:


1- مِن سنَّة الله تعالى أنَّه يُولِّي كلَّ ظالمٍ ظالِمًا مِثْلَه؛ يَؤُزُّه إلى الشَّرِّ ويَحثُّه عليه، ويُزَهِّده في الخير ويُنَفِّرُه عنه، وذلك من عقوباتِ الله العظيمةِ، الشَّنيعِ أثرُها، البليغِ خَطَرُها، والذَّنبُ ذنبُ الظالمِ؛ فهو الذي أدخَلَ الضَّرَر على نفسِه، وعلى نَفسِه جَنَى؛ قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [1979] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 273). .
2- وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ الآيةُ تدلُّ على أنَّ الرَّعِيَّةَ متى كانوا ظالمينَ؛ فالله تعالى يُسَلِّطُ عليهم ظالِمًا مِثْلَهم؛ فإنْ أرادوا أن يتخَلَّصوا من ذلك الأميرِ الظَّالم، فلْيَتْركوا الظُّلْمَ [1980] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/150). .
3- قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ المقصودُ من الآيَةِ الاعتبارُ والموعظةُ، والتَّحذيرُ من الاغترارِ بولايةِ الظَّالمينَ، وتوَخِّي الأَتْباعِ صلاحَ المتبوعينَ، وبيانُ سنَّةٍ مِن سُنَن اللهِ في العالَمينَ [1981] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/75). .
4- قولُ الله تعالى: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فيه الحَذَرُ من الاغترارِ بالحياةِ الدُّنيا واللَّذات الحاضرةِ؛ فإنَّما قال ذلك تحذيرًا للسَّامعينَ مثلَ حالِهم [1982] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/649). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قَوْلِه تعالى: وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ اقتصَرَ على حكايةِ جوابِ الإنسِ؛ لأنَّ النَّاسَ المشركينَ هم المقصودُ مِنَ الموعِظَةِ بهذه الآيَةِ [1983] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/68). .
2- قولُ اللهِ تعالى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ لَمَّا كان من المقَرَّر أنَّه لا تمامَ لِمُلك من يجِبُ عليه شيءٌ، ويَلْزَمُه بإيجابٍ أو إلزامِ غَيرِه، بحيث لا يَقْدِرُ على الانفكاكِ عنه؛ بَيَّنَ سبحانه أنَّ مُلْكَه ليس كذلك، بل هو على غايةِ الكَمالِ، لا يجِبُ عليه شيءٌ إلا ما أوجَبَه على نَفْسِه، بل كلُّ فِعْلِه جميلٌ، وجميعُ ما يبدو منه حَسَنٌ، فعَلَّقَ دوامَ عذابِهم على المشيئةِ [1984] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/269)، وهذا على أحدِ الأوجهِ في الاستثناءِ. .
3- قَولُه تعالى: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ، هذه الآيةُ الكريمةُ يُفهَمُ منها كَونُ عَذابِ أهلِ النَّارِ غَيرَ باقٍ بقاءً لا انقطاعَ له أبدًا، ونظيرُها قَولُه تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ [هود: 106-107]، وقولُه تعالى: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا[النبأ: 23]، وقد جاءت آياتٌ تدُلُّ على أنَّ عذابَهم لا انقطاعَ له، كَقولِه: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
والجوابُ عن هذا مِن أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّ قَولَه تعالى: إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ معناه: إلَّا مَن شاءَ اللهُ عَدَمَ خلودِه فيها مِن أهلِ الكبائِرِ مِنَ المُوحِّدينَ، وقد ثبت في الأحاديثِ الصَّحيحةِ أنَّ بَعضَ أهلِ النَّارِ يَخرُجونَ منها، وهم أهلُ الكبائِرِ مِنَ المُوحِّدينَ، ونظيرُه في القُرآنِ: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: 3].
الثاني: أنَّ المُدَّةَ التي استثناها اللهُ هي المُدَّةُ التي بين بَعثِهم مِن قُبورِهم واستقرارِهم في مَصيرِهم.
الثالث: أنَّ قَولَه: إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ فيه إجمالٌ، وقد جاءت الآياتُ والأحاديثُ الصَّحيحةُ مُصَرِّحةً بأنَّهم خالدونَ فيها أبدًا، وظاهِرُها أنَّه خُلودٌ لا انقطاعَ له، والظُّهورُ مِن المُرَجِّحاتِ، فالظَّاهِرُ مُقَدَّمٌ على المُجمَلِ كما تقَرَّرَ في الأصولِ [1985] ينظر: ((دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب)) للشنقيطي (1 /36). .
4- قولُ اللهِ تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا يدلُّ على تكليفِ الجِنِّ، وتعلُّقِ الأَمْرِ والنَّهي بهم، وكذلك تعلُّق الثَّوابِ والعقابِ بهم، كالإِنْسِ [1986] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (13/79)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 420). .
5- قولُ اللهِ تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا يدلُّ أنَّه لا يُعَذَّبُ أحدٌ حتى يُبعَثَ إليه رسولٌ، فتَبْلُغه الرِّسالةُ، وتقوم الحُجَّة عليه، فمن لم تَبْلُغْه الرسالةُ جملةً لم يُعَذِّبْه رأسًا، ومن بلَغَتْه جملةً دون بعضِ التَّفصيلِ لم يُعَذِّبْه إلا على إنكارِ ما قامت عليه الحُجَّة الرِّساليَّةِ [1987] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (12/493)، ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 413). .
6- قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ... وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ لَمَّا كان حالُ هؤلاء الجنِّ والإِنْسِ في التمَرُّد على الله، ونَبْذ العَمَل الصَّالح ظِهْريًّا، والإعراضِ عن الإيمانِ؛ حالَ مَن لم يَطْرُقْ سَمْعَه أمرٌ بمعروفٍ ولا نهيٌ عن منكرٍ- جيءَ في تقريرِهم على بَعثةِ الرُّسُلِ إليهم بصيغَةِ الاستفهامِ عن نفيِ مجيءِ الرُّسُل إليهم، حتى إذا لم يَجِدوا لإنكارِ مجيءِ الرُّسُل مَساغًا، واعترفوا بمجيئهم؛ كان ذلك أحرى لأخْذِهم بالعقابِ [1988] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/75، 76). .
7- في قَوْلِه تعالى: وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا لَمَّا كان اللقاءُ يومَ الحَشْرِ يتضمَّنُ خيرًا لأهلِ الخيرِ، وشَرًّا لأهلِ الشَّرِّ، وكان هؤلاء المخاطَبون قد تمحَّضوا للشرِّ- جَعَلَ إخبارَ الرُّسُل إيَّاهم بلقاءِ ذلك اليومِ إنذارًا؛ لأنَّه الطَّرَفُ الذي تحقَّقَ فيهم مِن جملةِ إخبارِ الرُّسُل إيَّاهم ما في ذلك اليومِ وشَرِّه [1989] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/78). .
8- قولُ اللهِ تعالى: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ كَرَّرَ ذِكْرَ شَهادَتِهم على أنفُسِهم؛ لاختلافِها باختلافِ المَشْهودِ به: فالأُولى: شهادَتُهم بتبليغِ الرُّسُل إليهم، والثَّانية: شهادَتُهم بكُفْرِهم [1990] ينظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 176). .
9- قولُ اللهِ تعالى: وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ لا تَنافيَ بينه وبين الآياتِ التي تدلُّ على إنكارِهم؛ كقولِه تعالى حكايةً عن قولِهم: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ لاحتمالِ أن يكونَ ذلك من طوائِفَ: طائفةٌ تَشهَدُ، وطائفة تُنكِرُ، أو من طائفةٍ واحدةٍ؛ لاختلافِ الأحوالِ ومواطِنِ القيامةِ في ذلك اليومِ المتطاوِلِ: فيُقِرُّون في بعضٍ، ويجحدونَ في بعضٍ، وذلكَ يدلُّ على شدَّةِ خَوفِهم، واضطرابِ أحوالِهم؛ فإنَّ مَنْ عَظُمَ خَوفُه كَثُرَ الاضطرابُ في كَلامِه [1991] ينظر: ((تفسير الرازي)) (13/151)، ((تفسير أبي حيان)) (4/649). .
10- قال تعالى: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّه لا وجوبَ ولا تكليفَ قبل وُرودِ الشَّرْعِ [1992] ينظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/437). .
11- قوله: لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ فيه شأنٌ عظيمٌ مِن شُؤونِ الله تعالى، وهو شَأْنُ عَدْلِه ورَحْمَتِه، ورضاه لعبادِه الخيرَ والصَّلاحَ، وكراهِيَتِه سوءَ أعمالِهم، وإظهارِه أثَرَ ربوبِيَّتِه إيَّاهم؛ بهدايَتِهم إلى سُبُلِ الخيرِ، وعَدَمِ مُباغَتَتِهم بالهلاكِ قبل التقَدُّمِ إليهم بالإِنْذارِ والتَّنبيهِ [1993] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/81). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا قرئُ بنونِ العَظَمةِ على الالتفاتِ؛ لتهويلِ الأمرِ [1994] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/184). ، وفيه: تأكيدٌ عامٌّ [1995] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/643). .
2- قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ فيه: إيجازٌ بالحذف؛ إذ إنَّ الجملة مقولٌ لقولٍ محذوفٍ يدلُّ عليه أسلوبُ الكلامِ، والتقديرُ: نقولُ أو قائلينَ [1996] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/67). ، ونداؤهم نداءُ شهرةٍ وتوبيخٍ على رؤوسِ الأشهادِ [1997] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/644). .
وفيه: تعريضٌ بتوبيخِ الإنسِ الَّذين اتَّبَعوهم وأَطاعُوهم، وأَفْرَطوا في مَرْضاتهم، ولم يسمَعوا مَن يدعوهم إلى نَبْذِ مُتابَعَتِهم [1998] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/68). .
- وقوله: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ فيه إيجازٌ بحذفِ مضافٍ، تقديرُه: منْ إضلالِ الإنس [1999] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/67). ، وفيه: التوبيخُ والتقريعُ للجِنِّ والإنكارُ عليهم، أي: كان أكثرُ الإنسِ طَوْعًا لكم [2000] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/184)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/68). .
3- قوله: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ فيه: استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نَشَأَ من حكايةِ كَلامِهم؛ كأنَّه قيل: فماذا قالَ الله تعالى حينئذٍ؟ فقيل: قال: النَّارُ مَثْوَاكُمْ [2001] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/185). .
- وقوله: قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ فيه: مجيءُ القولِ بصيغةِ الماضي؛ للتَّنبيهِ على تحقيقِ وُقوعِه، وهو مُستقبَلٌ؛ بقرينَةِ قولِه: يَحْشُرُهم [2002] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/70). .
4- قوله: إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ مِن أشَدِّ الوعيدِ، مع تهكُّمٍ بالموعدِ؛ لخروجِه في صورةِ الاستثناءِ الذي فيه إطماعٌ [2003] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/66). .
5- قوله: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فيه: تذييلٌ للاعتراضِ، وتأكيدٌ للمقصودِ من المشيئَةِ مِن جَعْل استحقاقِ الخلودِ في العذابِ مَنُوطًا بالمُوافاةِ على الشِّرْكِ [2004] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/72-73). .
6- قوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ هذا النِّداءُ أيضًا يومَ القيامَةِ، والهمزةُ الداخِلَةُ على نَفْي إتيانِ الرُّسُلِ في قوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ للإنكارِ التَّقريريِّ، وللتَّوبيخِ والتقريعِ [2005] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/66)، ((تفسير أبي حيان)) (4/647-648)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/75). ، حيث أعذَرَ اللهُ إليهم بإرسالِ الرُّسُلِ، فلم يَقْبَلوا منهم [2006] ينظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/647). .
- وقوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فيه تبكيتُ المشركينَ، وتحسيرُهم على ما فَرَطَ منهم في الدُّنيا من عبادَةِ الجِنِّ، أو الالتجاءِ إليهم [2007] ينظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/77). .
7- قوله: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالٍ نَشَأَ من الكلامِ السَّابقِ؛ كأنَّه قيل: فماذا قالوا عند ذلك التَّوبيخِ الشَّديدِ؟ فقيل: قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا [2008] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/186). .
8- قوله: وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا اعتراضٌ لبيانِ ما أدَّاهم في الدُّنيا إلى ارتكابِهم للقَبائِحِ التي ارتَكَبوها، وألجَأَهم بعد ذلك في الآخِرَةِ إلى الاعترافِ بالكُفْرِ، واستيجابِ العذابِ [2009] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/186). .
9- قوله: وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ يحتملُ أن يكون استئنافَ إخبارٍ من الله تعالى بإقرارِهم على أنفُسِهم بالكُفْرِ [2010] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/48). .
- قوله: وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ خبرٌ مستعمَلٌ في التَّعجُّبِ مِن حالِهم [2011] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/79). .
10- قوله: ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ استئنافٌ ابتدائيٌّ، تهديدٌ وموعظةٌ، وعِبرةٌ بتفريطِ أهْلِ الضَّلالةِ في فائدةِ دعوةِ الرُّسُلِ، وتنبيهٌ لجدوى إرسالِ الرُّسُل إلى الأُمَم؛ ليُعِيدَ المشركونَ نظرًا في أَمْرِهم، وإنذارٌ باقترابِ نُزُولِ العذابِ بهم [2012] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-أ/80). .