موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيات (117-119)

ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ

غريب الكلمات:


يَزِيغُ: أي: تَعدِلُ وتَميلُ عن الحَقِّ، وأصلُ (زيغ): يدلُّ على مَيلِ الشَّيءِ عن الاستقامةِ [1986] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 193)، ((تفسير ابن جرير)) (12/49)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/40)، ((المفردات)) للراغب (ص: 387)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 148)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 229). .
رَءُوفٌ: أي: شديدُ الرَّحمةِ، أو ذو رحمةٍ واسعةٍ، وأصلُ (رأف): يدلُّ على رِقَّةٍ ورَحمةٍ [1987] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (3/595)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 235)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/471)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 114). .
رَحُبَتْ: أي: اتَّسَعَت، وأصلُ (رحب): يدلُّ على سَعةٍ [1988] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 193)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/499)، ((المفردات)) للراغب (ص: 346)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 222). .
مَلْجَأَ: أي: حِرْزَ أو مَعْقِلَ، أو نَجاة، وأصلُ (لجأ): يدلُّ على المكانِ يُلتَجأُ إليه [1989] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 193)، ((تفسير ابن جرير)) (11/502، 504)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/235)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 140). .

المعنى الإجمالي:


يخبِرُ تعالى أنَّه تاب على النبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ، الذين أطاعوه بالخُروجِ معه في غَزوةِ تَبوكَ في حرٍّ شَديدٍ، وطولِ سَفَرٍ، وضِيقٍ في الزَّادِ والماءِ والرَّاحِلةِ، لقد تاب عليهم مِن بَعدِ ما أوشَكَت قلوبُ بعضِ أولئك الصَّحابةِ أن تميلَ عنِ الحَقِّ، ثم تاب عليهم؛ إنَّه بهم رؤوفٌ رحيمٌ، وبيَّنَ تعالى أنَّه تاب أيضًا على أصحابِ النبيِّ الثَّلاثةِ الذين أخَّرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحُكمَ في أمْرِهم إلى أن يَحكُمَ اللهُ تعالى فيهم، حتى إذا ضاقَتِ الأرضُ عليهم مع سَعَتِها، وضاقت عليهم أنفُسُهم؛ بسَبَبِ ما أصابَهم مِن الهَمِّ والكَربِ والحَزَنِ، وأيقَنوا أنَّه لا مَلجأَ مِن اللهِ إلَّا إليه، ثم تاب عليهم سبحانَه وتعالى لِيَتوبوا؛ إنَّه هو التَّوَّابُ الرَّحيمُ، ثمَّ أمر اللهُ الذين آمَنوا أن يتَّقوه ويكونوا مع الصَّادِقينَ.

تفسير الآيات:


لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تقَدَّمَ الكلامُ في أحوالِ المُنافِقينَ مِن تَخَلُّفِهم عن غزوةِ تَبوكَ، واستطرَدَ إلى تقسيمِ المُنافِقينَ إلى أعرابٍ وغَيرِهم، وذكَرَ ما فعلوا مِن مَسجِدِ الضِّرارِ، وذكَرَ مُبايعةَ المؤمنينَ اللهَ في الجِهادِ وأثنَى عليهم، وأنَّه ينبغي أن يُباينوا المُشرِكينَ، حتى الذين ماتوا منهم بتَرْكِ الاستغفارِ لهم- عاد إلى ذِكْرِ ما بَقِيَ مِن أحوالِ غَزوةِ تَبوكَ [1990] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/516). ، فـهذه الآياتُ تَتِمَّةُ ما تقَدَّمَ مِن موضوعِ تَوبةِ المتخَلِّفينَ عن غزوةِ تَبُوكَ، أُخِّرَت على سُنَّةِ القرآنِ في تفريقِ الآياتِ في الموضوعِ الواحِدِ؛ لأنَّه أدنى ألَّا يَسأَمَ التَّالي لها في الصَّلاةِ وغَيرِها، وأقوى في تجديدِ الذِّكرى، والتأثيرِ في النَّفسِ [1991] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/52). .
لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ.
أي: لقد رزَق الله الإنابةَ إلى أمرِه وطاعتِه، نبيَّه محمَّدًا، وأصحابَه الذينَ هاجَروا مِن دِيارِهم، وأهلَ المدينةِ النبويَّةِ، الذين نَصَروا دينَ اللهِ، وناصَروا مَن هاجَرَ إليهم، وتجاوَز عنهم، وغفَر لهم [1992] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/49)، ((تفسير البغوي)) (2/396)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/50). قال ابنُ عطيَّةَ: (التَّوبةُ مِن الله: رجوعُه بعَبْدِه من حالةٍ إلى أرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجوعًا مِن حالةِ طاعةٍ إلى أكمَلَ منها، وهذه توبتُه في هذه الآيةِ على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه رجع به من حالَةٍ قبل تحصيلِ الغَزوةِ وأَجْرِها وتحمُّلِ مَشَاقِّها إلى حالَةٍ بعد ذلك أكمَلَ منها، وأمَّا توبتُه على المُهاجِرينَ والأنصارِ، فحالُها معرَّضةٌ لأنْ تكونَ مِن تَقصيرٍ إلى طاعةٍ وَجِدٍّ في الغَزوِ ونُصرةِ الدِّينِ، وأمَّا توبتُه على الفَريقِ الذي كاد أن يزيغَ، فرجوعٌ من حالةٍ مَحطوطةٍ إلى حالِ غُفرانٍ ورِضًا). ((تفسير أبي حيان)) (5/516). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/92). وقال القرطبي: (اختلَفَ العُلَماءُ في هذه التَّوبةِ التي تابها اللهُ على النبيِّ والمُهاجِرينَ والأنصارِ على أقوالٍ: فقال ابنُ عبَّاسٍ: كانت التوبةُ على النبيِّ؛ لأجل إذْنِه للمُنافِقينَ في القعودِ. دليلُه قَولُه تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [التوبة: 43]. وعلى المؤمنينَ مِن مَيلِ قُلوبِ بَعضِهم إلى التخَلُّفِ عنه. وقيل: توبةُ اللهِ عليهم استِنقاذُهم مِن شِدَّةِ العُسرةِ. وقيل: خَلاصُهم مِن نكايةِ العَدُوِّ، وعبَّرَ عن ذلك بالتَّوبةِ وإن خرَجَ عن عُرفِها؛ لوجودِ معنى التوبةِ فيه، وهو الرُّجوعُ إلى الحالةِ الأولى. وقال أهلُ المعاني: إنَّما ذُكِرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في التوبةِ؛ لأنَّه لَمَّا كان سبَبَ تَوبَتِهم ذُكِرَ معهم، كقوله تعالى: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: 41]). ((تفسير القرطبي)) (8/278). ويُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/161، 162)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/51). .
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ.
أي: الذين أطاعوا نبيَّه بالخُروجِ معه في غزوةِ تَبُوكَ في وقتِ العُسرةِ؛ بسَبَبِ شِدَّةِ الحَرِّ، وطُولِ السَّفَرِ، وقِلَّةِ الرَّاحلةِ والماءِ، والطَّعامِ والنَّفَقةِ [1993] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/49)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/474)، ((البسيط)) للواحدي (11/81)، ((تفسير ابن عطية)) (3/92، 93)، ((تفسير القرطبي)) (8/278)، ((تفسير ابن كثير)) (4/228، 229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/50). قال الواحدي: (قولُه تعالى: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ، قال أبو إسحاق: معناه في وقتِ العُسرةِ؛ لأنَّ السَّاعةَ تقَعُ على كلِّ الزَّمانِ، فهي عبارةٌ عن جميعِ وَقتِ تلك الغَزوةِ، وهذا معنى قولِ الكلبي: «في حينِ العُسرةِ». وقال غيره: يريدُ أشَدَّ السَّاعاتِ التي مَرَّت بهم في تلك الغزوةِ، وهي السَّاعةُ التي كادت قلوبُهم تزيغُ فيها، والعُسرةُ: تعَذُّرُ الأمرِ وصُعوبتُه). ((البسيط)) (11/81). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، أنَّه قيل لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه في شَأنِ العُسرةِ، فقال عمر: ((خَرَجْنا مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى تَبُوكَ في قَيظٍ شَديدٍ، فنَزَلْنا مَنزِلًا أصابَنا فيه عطَشٌ، حتى ظنَنَّا أنَّ رِقابَنا ستنقَطِعُ، حتى إن كان الرَّجُلُ لَيَذهَبُ يلتَمِسُ الماءَ فلا يرجِعُ حتى يظُنَّ أنَّ رَقَبتَه ستنقَطِعُ، حتى إنَّ الرَّجُلَ لَينحَرُ بَعيرَه فيعصِرُ فَرْثَه فيَشرَبُه، ويَجعَلُ ما بَقِيَ على كَبِدِه؛ فقال أبو بكرٍ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الله قد عَوَّدَك في الدُّعاءِ خيرًا، فادعُ لنا. قال: تحِبُّ ذلك؟ قال: نعم. فرَفَعَ يدَيه، فلم يَرجِعْهما حتى قالتِ السَّماءُ، فأظَلَّتْ ثم سَكَبَت، فمَلَؤوا ما معهم، ثم رَجَعْنا ننظُرُ فلم نَجِدْها جاوَزَتِ العَسكَرَ)) [1994] أخرجه البزار (214)، وابن خزيمة (101)، وابن حبان (1383)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (3292). قال الضياء المقدسي في ((السنن والأحكام)) (1/232): إسناده على شرط الصحيح، وحسَّنه وقوَّاه الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (2/635)، وجوَّد إسناده وقوَّاه ابنُ كثير في ((البداية والنهاية)) (6/96)، وقال ابنُ الملقِّن في ((شرح البخاري)) (4/453): إسنادُه على شرطِ الصحيح كما قال الضياء، ووثَّق رجالَه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (6/197)، وقال الألباني في ((فقه السيرة)) (407): حسنٌ أو صحيحٌ. !
مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ.
أي: تاب اللهُ على النبيِّ وأصحابِه الذين اتَّبَعوه في غزوةِ تَبُوكَ، من بعد ما أوشَكَت قلوبُ بعضِ الصَّحابةِ أن تميلَ عَنِ الحَقِّ، فيَشُكُّوا ويَرتابوا؛ بسبَبِ المشَقَّةِ الشَّديدةِ التي نالَتْهم في تلك الغَزوةِ [1995] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/49)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/474)، ((البسيط)) للواحدي (11/82)، ((تفسير الرازي)) (16/163)، ((تفسير القرطبي)) (8/280، 281)، ((تفسير ابن كثير)) (4/229)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/50). وممن اختار هذا المعنى المذكور: ابنُ جريرٍ، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/49)، ((تفسير ابن كثير)) (4/229). وقيل: المرادُ: مِن بَعدِ ما كادوا يَرجِعونَ مِن غَزوتِهم؛ للشِّدَّةِ، وليس المرادُ الزَّيغَ عن الإيمانِ. وممَّن اختار ذلك: الزجاج. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) (2/474). وقيل: المرادُ: مِن بَعدِ أن خامَرَ فريقًا منهم خاطرُ التَّثاقُلِ والقُعودِ والمعصيةِ، بحيث يُشبِهونَ المُنافِقينَ، وذلك قبل الخروجِ للغَزوِ. وممن اختار ذلك: ابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/50). .
ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ.
أي: ثمَّ رزق اللهُ الصَّحابةَ- الذين كادَتْ قُلوبُهم أن تزيغَ- الإنابةَ إلى ربِّهم، والرجوعَ إلى الثباتِ على دينِه [1996] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/49، 50)، ((تفسير ابن كثير)) (4/229)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/51). .
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
أي: تاب اللهُ على الفريقِ الذين كادَتْ قُلوبُهم أن تزيغَ عنِ الحَقِّ؛ لأنَّ اللهَ بصَحابةِ نَبيِّه رؤوفٌ رحيمٌ، ومن رأفَتِه ورَحمَتِه بهم أنَّه لا يريدُ إهلاكَهم، بل رزَقَهم التَّوبةَ وعافاهم مِن زَيغِ القُلوبِ وثَبَّتَهم [1997] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/50)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/51). .
وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا صَرَّحَ تعالى بالتَّوبةِ على مَن قارب الزَّيغَ، وخَلَطَ معهم أهلَ الثَّباتِ؛ إشارةً إلى أنَّ كُلَّ أحدٍ فَقيرٌ إلى الغنيِّ الكبيرِ، ولِيَكونَ اقترانُهم بأهلِ المعالي، وجعلُهم في حَيِّزِهم تشريفًا لهم وتأنيسًا؛ لئلَّا يشتدَّ إنكارُهم- أتبَعَه التَّوبةَ على مَن وقَعَ منه الزَّيغُ، فقال غيرَ مصَرِّحٍ بالزَّيغِ تعليمًا للأدبِ، وجَبرًا للخواطِرِ المُنكَسِرةِ [1998] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/38). :
سببُ النُّزولِ:
عن كَعبِ بنِ مالكٍ رَضِيَ الله عنه، يحَدِّثُ حَديثَه حين تخلَّفَ عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تَبُوكَ، قال كعبُ بنُ مالكٍ: ((لمْ أتخلَّفْ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غزوةٍ غزاها قطُّ، إلَّا في غزوةِ تبوكَ، غيرَ أنِّي قد تخلَّفتُ في غزوةِ بدرٍ، ولم يعاتِبْ أحدًا تخلَّفَ عنه، إنَّما خرج رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسلِمونَ، يريدون عِيرَ قريشٍ، حتى جمَع اللهُ بينهم وبينَ عدوِّهم على غيرِ مِيعادٍ، ولقد شهدتُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ليلةَ العَقَبةِ حين تواثقْنا على الإسلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لي بها مَشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكَرَ في النَّاسِ مِنها، وكان مِن خَبَري حين تخلَّفتُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في غزوةِ تبوكَ أنِّي لم أكُنْ قَطُّ أقْوى، ولا أيسَرَ منِّي حين تخلَّفتُ عنه في تلك الغزوةِ؛ واللهِ ما جمعتُ قبلَها راحلتَين قطُّ، حتى جمعتُهما في تلك الغزوةِ، فغزاها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حرٍّ شديدٍ، واستقبَلَ سفرًا بعيدًا ومَفازًا [1999] مَفازًا: أي: بَرِّيَّةً طويلةً قليلةَ الماءِ، يُخافُ فيها الهلاكُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/88). ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجَلَا للمُسلِمينَ أمرَهم؛ ليتأهَّبوا أُهبَةَ غَزوِهم، فأخبَرَهم بوجهِهم الذي يريدُ، والمُسلِمونَ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كثيرٌ، ولا يَجمَعُهم كتابٌ حافظٌ- يريد بذلك الدِّيوانَ- قال كعبٌ: فقلَّ رجلٌ يريدُ أن يتغيَّبَ يَظُنُّ أنَّ ذلك سيَخفى له، ما لم يَنزِلْ فيه وحيٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ، وغزا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تلك الغزوةَ حين طابتِ الثِّمارُ والظِّلالُ، فأنا إليها أصعَرُ [2000] أصعَرُ: أي: أَميلُ. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (8/275). ، فتجهَّز رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ والمُسلِمونَ معه، وطفِقتُ أغدو لكي أتجهَّزَ معهم، فأرجِعُ ولم أقضِ شيئًا، وأقولُ في نفسي: أنا قادرٌ على ذلك إذا أردتُ، فلم يزلْ ذلك يتمادَى بي حتى استمرَّ بالنَّاسِ الجِدُّ، فأصبح رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ غاديًا والمُسلِمونَ معه، ولم أقضِ من جَهازي شيئًا، ثمَّ غدوتُ فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، فلم يزلْ ذلك يتمادَى بي حتى أسرعوا، وتفارَطَ الغَزْوُ [2001] تفارَطَ الغَزْوُ: أي: فات وسبَقَ. ((شرح القسطلاني)) (6/453). ، فهمَمْتُ أن أرتحلَ فأُدرِكَهم، فيا ليتني فعلتُ! ثم لم يُقَدَّرْ ذلك لي، فطفقتُ إذا خرجتُ في النَّاسِ بعدَ خروجِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يَحزُنُني أنِّي لا أرى لي أُسوةً إلَّا رجلًا مغموصًا عليه [2002] مغموصًاً عليه: أي: مُتَّهمًا مُستحقَرًا. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (8/275) في النِّفاقِ، أو رجلًا ممَّن عذَر اللهُ من الضُّعفاءِ، ولم يَذكُرْني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ حتى بلغَ تَبوكَ، فقال وهو جالسٌ في القومِ بتَبوكَ: ما فعل كعبُ بنُ مالكٍ؟ قال رجلٌ من بَني سَلِمةَ: يا رسولَ اللهِ، حبَسه بُرْدَاه، والنَّظَرُ في عِطْفَيه [2003] عِطفَيه: أي: جانِبَيه، وهو إشارةٌ إلى إعجابِه بنَفسِه ولِباسِه. ((شرح النووي على مسلم)) (17/89). ، فقال له معاذُ بنُ جبلٍ: بئسَ ما قلتَ، واللهِ يا رسولَ اللهِ، ما علِمْنا عليه إلَّا خَيرًا. فسَكَتَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مُبَيِّضًا [2004] مُبَيِّضًا: أَي: عليه ثِيابٌ بِيضٌ. يُنظر: ((كشف المشكل من حديث الصحيحين)) لابن الجوزي (2/125). يزولُ به السَّرابُ [2005] يَزولُ به السَّرابُ: أي: يتحَرَّكُ ويَنهَضُ. والسَّرابُ: هو ما يظهَرُ للإنسانِ في الهواجِرِ في البراري، كأنَّه ماءٌ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/90). ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كُن أبا خَيثمةَ، فإذا هو أبو خيثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تصدَّق بصاعِ التَّمرِ حين لَمَزَه المُنافِقونَ. فقال كعبُ بنُ مالكٍ: فلمَّا بلَغَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد توجَّه قافِلًا من تبوكَ، حَضَرني بثِّي [2006] البثُّ: أشَدُّ الحُزنِ. يُنظر: ((إكمال المعلم بفوائد مسلم)) للقاضي عياض (8/276). ، فطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذبَ، وأقولُ: بم أَخرجُ من سخَطِه غَدًا؟ وأستعينُ على ذلك كلَّ ذي رأيٍ من أهلي، فلمَّا قيل لي: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد أظلَّ قادمًا، زاح عني الباطلُ، حتى عرفتُ أنِّي لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمعتُ صِدْقَه، وصبَّحَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قادمًا، وكان إذا قدِم مِن سَفَرٍ بدأَ بالمَسجِدِ، فركع فيه ركعتَينِ، ثمَّ جلَسَ للنَّاسِ، فلما فعل ذلك جاءَه المُخلَّفونَ، فطَفِقوا يَعتَذِرونَ إليه ويحلِفون له، وكانوا بِضعةً وثمانينَ رَجُلًا، فقَبِل منهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علانِيَتَهم، وبايعَهم، واستغفَرَ لهم، ووكَل سرائرَهم إلى اللهِ، حتى جئتُ، فلمَّا سَلَّمتُ تبسَّمَ تبسُّمَ المُغضَبِ، ثم قال: تعالَ، فجِئْتُ أمشي حتى جلَسْتُ بين يدَيه. فقال لي: ما خلَّفَك؟ ألم تكُنْ قد ابتَعْتَ ظهرَك؟ قال: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي- واللهِ- لو جلستُ عند غيرِك مِن أهلِ الدُّنيا، لرأيتُ أنِّي سأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، ولقد أُعطِيتُ جَدَلًا، ولَكنِّي- واللهِ- لَقَد عَلِمْتُ لئن حدَّثتُك اليومَ حديثَ كَذِبٍ ترضَى به عني، لَيُوشِكَنَّ اللهُ أن يُسخِطَك عليَّ، ولَئِنْ حدَّثتُك حديثَ صدقٍ تجِدُ عليَّ فيه، إنِّي لأرجو فيه عُقبَى اللهِ [2007] عُقبى اللهِ: أي: أن يُعقِبَني خيرًا، وأن يُثيبَني عليه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/91). ، واللهِ ما كان لي عُذرٌ. واللهِ ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمَّا هذا فقَد صَدَق، فقُمْ حتى يقضيَ اللهُ فيك، فقُمْتُ وثار رجالٌ من بني سَلِمةَ فاتَّبَعوني، فقالوا لي: واللهِ ما علِمْناك أذنبتَ ذنبًا قبلَ هذا. لقد عَجَزتَ في ألَّا تكونَ اعتذرتَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما اعتذر به إليه المُخلَّفونَ؛ فقد كان كافِيَك ذنبَك استغفارُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لك. قال: فواللهِ ما زالوا يُؤنِّبونَني حتى أردتُ أن أرجِعَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأُكذِّبَ نفسي. قال: ثمَّ قلتُ لهم: هل لقِيَ هذا معي من أحدٍ؟ قالوا: نعم، لَقِيه معك رَجُلانِ قالا مثلَ ما قلتَ. فقيل لهما مثلُ ما قيل لك. قال: قلتُ: مَن هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيعةَ العامريُّ، وهلالُ بنُ أميَّةَ الواقِفيُّ. قال: فذكروا لي رجلَينِ صالِحَينِ قد شَهِدا بدرًا فيهما أُسْوةٌ. قال فمضيتُ حين ذَكَروهما لي. قال: ونهَى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُسلِمينَ عن كلامِنا أيُّها الثلاثةُ، مِن بينِ مَن تخلَّف عنه. قال: فاجتنَبَنا النَّاسُ، وقال: تغيَّروا لنا حتى تنكَّرَتْ لي في نَفسي الأرضُ؛ فما هي بالأرضِ التي أعرِفُ، فلَبِثْنا على ذلك خمسينَ ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقَعَدا في بُيوتِهما يَبكِيانِ، وأمَّا أنا فكنتُ أشَبَّ القَومِ وأجلدَهم، فكُنتُ أخرُجُ فأَشهَدُ الصَّلاةَ، وأطوفُ في الأسواقِ، ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأسَلِّمُ عليه وهو في مجلسِه بعد الصَّلاةِ، فأقولُ في نفسي: هل حرَّك شفتَيه بردِّ السلامِ أم لا؟ ثم أصلِّي قريبًا منه، وأُسارِقُه النَّظرَ، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظَرَ إليَّ، وإذا التفتُّ نَحوَه أعرَضَ عنِّي، حتى إذا طال ذلك عليَّ مِن جَفوةِ المُسلِمينَ، مَشيتُ حتى تسوَّرتُ جِدارَ حائطِ أبي قتادةَ، وهو ابنُ عمِّي، وأحَبُّ النَّاسِ إليَّ، فسَلَّمتُ عليه، فواللهِ ما ردَّ عليَّ السلامَ، فقلتُ له: يا أبا قتادةَ، أَنشُدُك باللهِ، هل تعلمَنَّ أنِّي أُحِبُّ اللهَ ورسولَه؟ قال: فسَكَتَ. فعُدتُ فناشَدْتُه فسَكَتَ. فعُدْتُ فناشَدْتُه. فقال: اللهُ ورسولُه أعلمُ. ففاضَتْ عينايَ، وتَولَّيتُ حتى تسوَّرتُ الجدارَ، فبَيْنا أنا أمشِي في سوقِ المدينةِ، إذا نَبَطِيٌّ [2008] النَّبَطُ والأنباطُ: فلَّاحو العَجَمِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/93). مِن نَبَطِ أهلِ الشَّامِ، ممَّن قَدِمَ بالطعامِ يبيعُه بالمَدينةِ، يقول: مَن يدلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ؟ قال: فطفِق النَّاسُ يُشيرونَ له إليَّ. حتى جاءني فدفَعَ إليَّ كتابًا من ملِك غسَّانَ، وكنتُ كاتبًا فقرأتُه، فإذا فيه: أمَّا بعدُ؛ فإنَّه قد بلَغَنا أنَّ صاحبَك قد جفَاك، ولم يَجعَلْك اللهُ بدارِ هوانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحَقْ بنا نُواسِكَ. قال: فقلتُ حين قرأتُها: وهذه أيضًا من البلاءِ، فتيامَمتُ [2009] تَيامَمْتُ: أي: قَصَدتُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/94). بها التَّنُّورَ فسجَرتُه بها [2010] سَجَرْتُه بها: أي: أوقَدْتُه. يُنظر: ((مصابيح الجامع)) للدماميني (8/131). ، حتى إذا مَضَت أربعونَ مِن الخَمسينَ واستلبَثَ الوحيُ [2011] واستلبثَ الوَحيُ: أي: أبطأَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/94). ، إذا رسولُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأتيني، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يأمُرُك أن تعتزلَ امرأتَك. قال: فقُلتُ: أُطلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بل اعتَزِلْها فلا تقرَبَنَّها. قال: فأرسَلَ إلى صاحِبَيَّ بمثلِ ذلك. قال: فقلتُ لامرأَتي: الْحَقي بأهلِكِ فكوني عِندَهم حتى يقضِيَ اللهُ في هذا الأمرِ. قال: فجاءت امرأةُ هلالِ بنِ أميَّةَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقالت له: يا رسولَ اللهِ، إنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ شيخٌ ضائِعٌ، ليس له خادِمٌ، فهل تكرَهُ أن أخدمَه؟ قال: لا، ولكِنْ لا يَقربَنَّكِ، فقالت: إنَّه- واللهِ- ما به حركةٌ إلى شَيءٍ، وواللهِ ما زال يبكي منذ كان مِن أمرِه ما كان إلى يومِه هذا. قال: فقال لي بعضُ أهلي: لو استأذنتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في امرأتِك؟ فقد أذِن لامرأةِ هلالِ بنِ أميَّةَ أن تخدمَه. قال: فقلتُ: لا أستأذنُ فيها رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما يُدريني ماذا يقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا استأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ. قال: فلبثْتُ بذلك عشرَ ليالٍ، فكَملَ لنا خمسونَ ليلةً مِن حينِ نُهِيَ عن كلامِنا. قال: ثمَّ صلَّيتُ صلاةَ الفَجرِ صباحَ خَمسينَ ليلةً على ظهرِ بيتٍ مِن بيوتِنا، فبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذكَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَّا؛ قد ضاقَت عليَّ نَفسِي، وضاقَتْ عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت- سَمِعْتُ صوتَ صارخٍ أَوفَى على سَلْعٍ [2012]  أَوْفَى عَلَى سَلعٍ: أي: صَعِدَه وارتفَعَ عليه. وسَلْعٌ: جبَلٌ بالمدينةِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/95). يقولُ بأعلى صوتِه: يا كعبُ بنَ مالكٍ أبشِرْ! قال فخَرَرْتُ ساجِدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء فَرَجٌ. قال: فآذَنَ [2013] آذَنَ: أي: أعلَمَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/95). رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الناسَ بتوبةِ اللهِ علينا، حين صلَّى صلاةَ الفجرِ، فذهَبَ الناسُ يبَشِّرونَنا، فذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبشِّرون، ورَكَضَ رجلٌ إليَّ فَرسًا، وسعى ساعٍ مِن أسلمَ قِبَلي، وأوفى الجبلَ، فكان الصوتُ أسرعَ من الفَرَسِ، فلمَّا جاءني الذي سمعتُ صوتَه يُبشِّرُني، فنزعتُ له ثوبَيَّ فكَسوتُهما إيَّاه ببِشارتِه، واللهِ ما أملِك غيرَهما يومَئذٍ، واستَعَرْتُ ثوبَين فلَبِسْتُهما، فانطلقتُ أتأمَّمُ [2014] أَتَأَمَّمُ: أي: أَقْصِدُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/96). رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يتلقَّاني الناسُ فوجًا فوجًا، يُهنِّئونَني بالتوبةِ، ويقولون: لِتَهنِئْكَ [2015] لِتَهنِئْكَ: كلمةٌ تُقال عند التهنئةِ، من هنَّأَه بالأمرِ والولايةِ تَهْنِئَةً وتَهْنِيئًا، وهَنَأَه هَنْأً إذا قال له: لِيَهْنِئْكَ. يُنظر: ((تاج العروس)) للزبيدي (1/287). توبةُ اللهِ عليك، حتى دخلتُ المسجدَ، فإذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جالسٌ في المسجدِ، وحولَه الناسُ، فقام طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ يُهروِلُ حتى صافحَني وهنَّأني، واللهِ ما قام رجلٌ من المهاجرينَ غَيرُه. قال: فكان كعبٌ لا ينساها لطلحةَ. قال كعبٌ: فلما سلَّمتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال، وهو يبرُقُ وَجهُه من السُّرورِ ويقول: أبشِرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذُ ولدَتْك أمُّك. قال: فقلتُ: أمِن عِندِك يا رسولَ اللهِ، أم مِن عندِ اللهِ؟ فقال: لا، بل مِن عندِ اللهِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه، كأنَّ وجهَه قِطعةُ قمَرٍ. قال: وكنَّا نَعرِفُ ذلك. قال: فلمَّا جلستُ بين يدَيه، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ من توبتي أن أنخلِعَ من مالي صدقةً إلى اللهِ وإلى رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ. فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أمسِكْ بعضَ مالِك؛ فهو خيرٌ لك. قال: فقلتُ: فإني أُمسِكُ سَهمي الذي بخَيبرَ. قال: وقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ إنَّما أنجاني بالصِّدقِ، وإنَّ مِن تَوبتي ألَّا أُحدِّثَ إلَّا صِدْقًا ما بقِيتُ. قال: فواللهِ ما علمتُ أنَّ أحدًا من المسلمينَ أبلاه اللهُ [2016] أبلاه اللهُ: أي: أنعَمَ عليه. والبلاءُ والإبلاءُ يكونُ في الخيرِ والشَّرِّ، لكنْ إذا أُطلِقَ كان للشَّرِّ غالبًا، فإذا أريد الخيرُ قُيِّدَ كما قيَّدَه هنا، فقال: (أحسن مما أبلاني). يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/97). في صدقِ الحديثِ منذ ذكرتُ ذلك لِرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يومي هذا، أحسنَ ممَّا أبلاني اللهُ به. واللهِ ما تعمَّدتُ كَذبةً منذُ قلتُ ذلك لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظَني اللهُ فيما بقِيَ، فأنزل الله عزَّ وجَلَّ: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 118-119]. قال كعب: واللهِ ما أنعَمَ اللهُ عليَّ من نعمةٍ قطُّ- بعد إذ هداني اللهُ للإسلامِ- أعظَمَ في نفسي مِن صِدقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّم، ألَّا أكونَ كَذَبتُه فأهلِكَ كما هلك الذين كَذَبوا، إنَّ الله قال للذينَ كَذَبوا- حين أنزل الوَحْي- شَرَّ ما قال لأحدٍ، وقال الله: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 95-96]، قال كعبٌ: كنا خُلِّفنا- أيُّها الثَّلاثةُ- عن أمْرِ أولئك الذينَ قَبِل منهم رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حين حَلَفوا له، فبايَعَهم واستغفَرَ لهم، وأرجأَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمْرَنا حتى قضَى اللهُ فيه، فبذلك قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة: 118]، وليس الذي ذكَرَ اللهُ ممَّا خُلِّفْنا، تَخَلُّفَنا عن الغَزْوِ، وإنَّما هو تخليفُه إيَّانا، وإرجاؤُه أمْرَنا، عمَّنْ حلَفَ له واعتذَرَ إليه فقَبِلَ منه )) [2017] رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769) واللفظ له. .
وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ.
أي: وتاب اللهُ على أصحابِ النبيِّ الثَّلاثةِ الذين أخَّرَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الحُكمَ في أمْرِهم إلى أن يَحكُمَ اللهُ تعالى فيهم، ويبُتَّ في شأنِهم [2018] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/53، 54)، ((البسيط)) للواحدي (11/84)، ((تفسير ابن عطية)) (3/94)، ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/518)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/51، 52). .
حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ.
أي: حتى إذا ضاقَتِ الأرضُ على هؤلاء الثلاثةِ مع سَعَتِها، وذلك أنَّهم أُمِروا باعتزالِ أزواجِهم، ومُنِع المسلمون مِن معاملتِهم وكلامِهم، مع إعراضِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنهم [2019] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/84)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/308) ((تفسير الرازي)) (16/165)، ((تفسير القرطبي)) (8/287)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/51، 52). وقال ابنُ جريرٍ: (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ يقول: بسعتِها غمَّا وندمًا على تخلفِهم عن الجهادِ مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم). ((تفسير ابن جرير)) (12/54). وقال ابنُ عطيةَ: (وإنَّما ضاقتْ عليهم الأرضُ عن تخليفِهم عن قبولِ العذرِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/94). .
وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ.
أي: وضاقَتْ عليهم أنفُسُهم؛ بسبَبِ الهَمِّ والكَربِ والحُزنِ الذي أصابَهم [2020] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/54)، ((البسيط)) للواحدي (11/85)، ((تفسير القرطبي)) (8/287)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/53). .
وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ.
أي: وأيقَنوا أنَّه لا شَيءَ لهم يَرجِعونَ إليه؛ لِيَسلَموا مِن عَذابِ اللهِ وسَخَطِه، ويرتَفِع عنهم الكَربُ والبَلاءُ، إلَّا اللهُ وَحْدَه دُونَ مَن سِواه [2021] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/54)، ((البسيط)) للواحدي (11/85)، ((تفسير القرطبي)) (8/287)، ((تفسير البيضاوي)) (3/101)، ((تفسير أبي السعود)) (4/109)، ((تفسير الشوكاني)) (2/471)، ((تفسير القاسمي)) (5/520)، ((تفسير المنار)) لمحمد ر شيد رضا (11/53)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/53). قال محمد رشيد رضا: (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ واعتَقَدوا أنَّه لا ملجأَ لهم مِن سَخَطِ الله يلجَؤونَ إليه إلَّا إليه تعالى، بأن يتوبوا إليه ويَستَغفِروه، ويَرجوا رَحمَتَه؛ فإنَّ الرَّسولَ البَرَّ الرَّؤوفَ الرَّحيمَ بأصحابِه، ما عاد ينظُرُ إليهم ولا يكَلِّمُهم، حتى يطلُبوا دُعاءَه واستغفارَه). ((تفسير المنار)) (11/53). .
ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ.
أي: ثمَّ وفَّقَ اللهُ الأصحابَ الثَّلاثةَ للتَّوبةِ؛ لِتَقَعَ منهم فيَرجِعُوا إلى اللهِ، ويَستَقيموا على طاعَتِه [2022] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/54)، ((البسيط)) للواحدي (11/86)، ((تفسير الخازن)) (2/419)، ((تفسير القاسمي)) (5/520)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/53، 54). .
إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ .
أي: إنَّ اللهُ هو كثيرُ قَبولِ التَّوبةِ، فيُوفِّقُ مَن يشاء مِن عِباده للتَّوبةِ، ويَقبَلُها منهم، واسِعُ الرَّحمةِ، ومِن رَحمتِه ألَّا يُعاقِبَ التَّائبينَ بعد تَوبتِهم [2023] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/54)، ((تفسير الشوكاني)) (2/471)، ((تفسير الألوسي)) (6/40)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/54)، ((تفسير السعدي)) (ص: 354). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119).
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
هذا الأمرُ بالكَونِ مع أهلِ الصِّدقِ حَسُنَ بعد قصَّةِ الثَّلاثةِ حين نفَعَهم الصِّدقُ، وذهَبَ بهم عن منازِلِ المُنافِقينَ، فجاء هذا الأمرُ اعتراضًا في أثناءِ الكلامِ؛ إذ عنَّ في القِصَّةِ ما يجب التنبيهُ على امتثالِه [2024] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/94). .
وأيضًا أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا حكَمَ بِقَبولِ تَوبةِ الثَّلاثةِ؛ ذكَرَ ما يكونُ كالزَّاجِرِ عَن فِعلِ ما مضَى، وهو التخَلُّفُ عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الجِهادِ [2025] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/166). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ.
أي: يا أيُّها المُؤمِنونَ اتَّقُوا اللهَ، بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نواهِيه [2026] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/67)، ((تفسير البيضاوي)) (3/101)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/58)، ((تفسير السعدي)) (ص: 355). .
وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ.
أي: وكونوا- أيُّها المُؤمِنونَ- مع الصَّادقينَ في إيمانِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، لا تتخَلَّفوا عن صُحبَتِهم، واتَّبِعوا سبيلَهم، والزَموا الصِّدقَ؛ لِتَكونوا معهم في الآخرةِ [2027] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/67)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/475)، ((البسيط)) للواحدي (11/87)، ((تفسير ابن عطية)) (3/94، 95)، ((تفسير الرازي)) (16/166)، ((تفسير القرطبي)) (8/288، 289)، ((تفسير ابن كثير)) (4/230)، ((تفسير السعدي)) (ص: 355). .
عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((عليكم بالصِّدقِ؛ فإنَّ الصِّدقَ يهَدي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنَّةِ، وما يزالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ، ويتحَرَّى الصِّدقَ حتى يُكتَبَ عند اللهِ صِدِّيقًا، وإيَّاكم والكَذِبَ؛ فإنَّ الكَذِبَ يَهدي إلى الفُجورِ، وإنَّ الفُجورَ يَهدي إلى النَّارِ، وما يزالُ الرَّجُلُ يَكذِبُ ويتحَرَّى الكَذِبَ حتى يُكتَبَ عند اللهِ كذَّابًا )) [2028] رواه البخاري (386)، ومسلم (2607) واللفظ له. .
وعن حُذيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّها سَتَكونُ أُمَراءُ يَكذِبونَ ويَظلِمونَ، فمن صدَّقَهم بكَذِبِهم، وأعانهم على ظُلمِهم، فليس منِّي ولستُ منه، ولا يَرِدُ عليَّ الحوضَ، ومَن لم يُصَدِّقْهم بكَذِبِهم، ولم يُعِنْهم على ظُلْمِهم، فهو منِّي وأنا منه، وسَيَرِدُ عليَّ الحوضَ )) [2029] أخرجه أحمد (23308)، والبزار (2834). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/251): رجالُه رجالُ الصحيحِ، وصحَّحه ابنُ حجرٍ في ((الأمالي المطلقة)) (216)، وجوَّد إسنادَه الألباني في ((تخريج كتاب السنة)) (759). وأخرجه من طريق آخر البزار (2832)، والطبراني (3/168) (3020). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (5/251) في إسنادِ البزارِ: رجالُه رجالُ الصحيحِ.  .

الفوائد التربوية:


قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ هو بَعثٌ للمُؤمِنينَ على التَّوبةِ، وأنَّه ما من مؤمِنٍ إلَّا وهو مُحتاجٌ إلى التَّوبةِ والاستغفارِ، حتى النبيُّ والمهاجرون والأنصارُ، وإبانةٌ لِفَضلِ التَّوبةِ ومِقدارِها عند الله، وأنَّ صِفةَ التَّوابينَ الأوَّابينَ صِفةُ الأنبياءِ [2030] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/316). .
قولُه تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ هذا مِن أعظَمِ ما يُعَرِّفُ العَبدَ قَدْرَ التَّوبةِ وفَضْلها عند اللهِ، وأنَّها غايةُ كَمالِ المؤمِنِ؛ فإنَّه سُبحانه أعطاهم هذا الكَمالَ بعد آخِرِ الغَزَواتِ بعد أن قَضَوا نَحْبَهم، وبَذَلوا نفوسَهم وأموالَهم وديارَهم لله، وكان غايةَ أمْرِهم أن تابَ عليهم؛ ولهذا جعل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ توبةِ كَعبٍ رَضِيَ اللهُ عنه خيرَ يَومٍ مَرَّ عليه منذ ولَدَتْه أمُّه إلى ذلك اليومِ، ولا يَعرِفُ هذا حَقَّ مَعرِفَتِه إلَّا مَن عرَفَ اللهَ، وعرَفَ حُقوقَه عليه، وعرَفَ ما ينبغي له من عبوديَّتِه، وعرف نفسَه وصِفاتِها وأفعالَها، وأنَّ الذي قام به من العبوديَّةِ بالنِّسبةِ إلى حَقِّ رَبِّه عليه كقَطرةٍ في بَحرٍ، هذا إذا سَلِمَ مِن الآفاتِ الظَّاهرة والباطنةِ، فسُبحان مَن لا يسَعُ عبادَه غيرُ عَفْوِه ومَغفِرتِه وتَغَمُّدِه لهم بمَغفِرتِه ورَحمتِه، وليس إلَّا ذلك أو الهَلاك، فإنْ وضَعَ عليهم عَدْلَه فعَذَّبَ أهلَ سَمواتِه وأرضِه، عذَّبَهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، وإنْ رَحِمَهم فرَحْمَتُه خيرٌ لهم من أعمالِهم، ولا يُنجي أحدًا منهم عمَلُه [2031] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/517 - 518). .
قَولُ الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فيه التَّنبيهُ على لُطفِ اللهِ بعِبادِه، وتَثبيتِهم في إيمانِهم عند الشَّدائِدِ، والنَّوازِلِ المُزعِجةِ [2032] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:354). ، فسُنَّةُ الحقِّ مع أوليائه إذا أشْرَفوا على العَطَب، ووطَّنوا أنفُسَهم على الهلاكِ، أمطَرَ عليهم سحائِبَ الجُودِ، فأحيا قُلوبَهم [2033] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/281). .
العبادةُ الشَّاقَّةُ على النَّفسِ، لها فضلٌ ومَزيَّةٌ ليست لِغَيرِها، وكلَّما عَظُمَت المشقَّةُ، عَظُمَ الأجرُ؛ نستفيدُ ذلك من قَولِ اللهِ تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ [2034] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:354). .
توبةُ الله على عَبدِه بحَسَبِ نَدَمِه وأسَفِه الشَّديدِ، وأنَّ مَن لا يُبالي بالذَّنبِ، ولا يُحرَجُ إذا فعَلَه، فإنَّ تَوبتَه مَدخولةٌ، وإن زَعَم أنَّها مقبولةٌ؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ الله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [2035] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:354). .
علامةُ الخَيرِ، وزَوالِ الشِّدَّةِ: إذا تعلَّقَ القَلبُ باللهِ تعالى تعلُّقًا تامًّا، وانقطَعَ عن المَخلوقينَ؛ يُرشِدُ إلى ذلك قولُ الله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [2036] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:354). .
قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ دالٌّ على فَضلِ الصِّدقِ، وكمالِ دَرَجتِه [2037] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/167). .
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ حَقُّ مَن فَهِمَ عن الله وعَقَلَ عنه، أن يُلازِمَ الصِّدقَ في الأقوالِ، والإخلاصَ في الأعمالِ، والصَّفاءَ في الأحوالِ، فمَن كان كذلك لَحِقَ بالأبرارِ، ووصَلَ إلى رِضا الغفَّارِ [2038] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/289). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ذَكَرَ التوبةَ في أوَّلِ الآيةِ وفي آخِرِها، فما الفائدةُ في التَّكرارِ؟ قيل: فيه وجوه:
الوجه الأول: أنَّه تاب عليهم أوَّلًا بتوفيقِهم للتَّوبةِ، فلمَّا تابوا تاب عليهم ثانيًا بِقَبولِها منهم، وهو الذي وفَّقَهم لفِعْلِها، وتفضَّل عليهم بقَبولِها [2039] يُنظر: ((زاد المعاد)) لابن القيم (3/518). ، فتوبةُ العَبدِ إلى اللهِ مَحفوفةٌ بتَوبةٍ مِن اللهِ عليه قَبْلَها، وتوبةٍ منه بَعْدَها، فتَوبتُه بين تَوبتَينِ مِن رَبِّه؛ سابقةٍ ولاحقةٍ، فإنَّه تاب عليه أوَّلًا إِذْنًا وتوفيقًا وإلهامًا، فتاب العبدُ، فتاب اللهُ عليه ثانيًا قبولًا وإثابةً [2040] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/319). .
الوجه الثاني: أنَّه تعالى ابتدأ بذِكرِ التَّوبةِ قَبلَ ذِكرِ الذَّنبِ؛ تَطييبًا لِقُلوبِهم، ثمَّ ذكَرَ الذَّنبَ، ثمَّ أردَفَه مرَّةً أخرى بذِكرِ التَّوبةِ، والمقصودُ منه تعظيمُ شأنِهم.
الوجه الثالث: أنَّه إذا قيل: عفا السُّلطانُ عن فلانٍ، ثم عفا عنه، دلَّ ذلك على أنَّ ذلك العفوَ عَفوٌ مُتأكِّدٌ، بلغ الغايةَ القُصوى في الكَمالِ والقُوَّةِ.
الوجه الرابع: أنَّه قال: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ وهذا الترتيبُ يدلُّ على أنَّ المرادَ أنَّه تعالى تاب عليهم مِن الوَساوِسِ التي كانت تقَعُ في قلوبِهم في ساعةِ العُسرةِ، ثم إنَّه تعالى زاد عليه فقال: مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ فهذه الزيادةُ أفادت حصولَ وَساوِسَ قَويَّةٍ، فلا جرَمَ أتبَعَها تعالى بذِكرِ التَّوبةِ مرَّةً أخرى؛ لئلَّا يبقى في خاطِرِ أحَدِهم شَكٌّ في كَونِهم مُؤاخَذينَ بتلك الوساوِسِ [2041] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/163). .
قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الأنبياءُ صَلَواتُ الله وسلامُه عليهم معصومونَ مِن الإقرارِ على الذُّنوبِ كبارِها وصِغارِها، ومع هذا جاء الإخبارُ عنهم من اللهِ تعالى بالتَّوبةِ، وهم بما أخبَرَ الله به عنهم من التَّوبةِ، يرفَعُ دَرجاتِهم، ويُعَظِّم حسناتِهم، فإنَّ اللهَ يحِبُّ التوَّابينَ، ويحِبُّ المتطَهِّرينَ، وليست التوبةُ نَقصًا، بل هي من أفضَلِ الكمالاتِ، وهي واجبةٌ على جميعِ الخَلقِ كما قال تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ فغايةُ كُلِّ مُؤمنٍ هي التوبةُ، ثمَّ التَّوبةُ تتنَوَّعُ، كما يقال: حَسَناتُ الأبرارِ سَيِّئاتُ المقَرَّبينَ [2042]  قال ابنُ تيمية: (هذا اللَّفْظُ ليس محفوظًا عَمَّن قَوْلُه حجَّةٌ؛ لا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن أحدٍ من سلفِ الأمةِ وأئمتِها، وإنَّما هو كَلامٌ، وله معنًى صحيحٌ، وَقد يُحملُ على معنًى فاسدٍ). ثم ذكَر تفصيلَ ذلك. يُنظر: ((جامع الرسائل لابن تيمية)) (1/251). ، واللهُ تعالى قد أخبَرَ عن عامَّةِ الأنبياءِ بالتَّوبةِ والاستغفارِ؛ عن آدَمَ ونوحٍ، وإبراهيمَ وموسى وغَيرِهم [2043] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/51). .
قَولُ الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ كان جيشُ العُسرةِ من المهاجِرينَ والأنصارِ ومِن غَيرِهم مِن القَبائِلِ التي حَولَ المَدينةِ ومَكَّةَ، ولكنَّهم خُصُّوا بالثَّناءِ؛ لأنَّهم لم يتردَّدوا ولم يَتَثاقلوا، ولا شَحُّوا بأموالِهم، فكانوا أُسوةً لِمَن ائتَسى بهم مِن غَيرِهم من القَبائِلِ [2044] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/50). .
قَولُ الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ سمَّاها (ساعة) تهوينًا لأوقاتِ الكُروبِ، وتشجيعًا على مُواقعةِ المَكارِه؛ فإنَّ أمَدَها يسيرٌ، وأجْرَها عظيمٌ خَطيرٌ [2045] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/36). .
قال تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إنما عَظُمَ ذَنْبُهم، واستحَقُّوا عليه ذلك؛ لأنَّ الشَّرعَ يَطلُبُهم مِن الجِدِّ فيه بحسَبِ مَنازِلِهم منه وتَقَدُّمِهم فيه؛ إذ هم أُسوةٌ وحُجَّةٌ للمُنافقين والطَّاعنينَ، إذ كان كعبٌ من أهلِ العَقَبةِ، وصاحباه من أهلِ بَدرٍ، وهذا يقتضي أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ والمُقتَدَى به، أقَلُّ عُذرًا في السُّقوطِ مِن سِواه [2046] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/94). .
معنى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا أي: لطَفَ لهم في التَّوبةِ ووفَّقَهم لها، وهذا دليلٌ على أنَّه ما لم يُرِدِ اللهُ تعالى توبةَ العبدِ ولم يُوَفِّقْه لها، لا يُمكِنُه ذلك [2047] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/86). ، فالله تعالى أخبَرَ أنَّ تَوبتَه عليهم سبَقَت توبتَهم، وأنَّها هي التي جعَلَتْهم تائبينَ، فكانت سببًا مُقتضيًا لِتَوبتِهم، فدلَّ على أنَّهم ما تابوا حتى تاب اللهُ تعالى عليهم، والحُكمُ ينتفي لانتفاءِ عِلَّتِه [2048] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/319). .
قَولُ الله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا مِن لُطفِ اللهِ بالثَّلاثةِ أنْ وَسَمَهم بوَسْمٍ ليس بعارٍ عليهم، فقال: خُلِّفُوا إشارةً إلى أنَّ المُؤمِنينَ خَلَّفوهم، أو خُلِّفوا عمَّنْ بَتَّ في قَبولِ عُذرِهم، أو في رَدِّه، وأنَّهم لم يكُن تَخلُّفُهم رَغبةً عن الخَيرِ؛ ولهذا لم يقُلْ: (تَخَلَّفوا) [2049] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:354). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ذِكرُ الرَّحِيمُ عَقِبَ ذِكرِ التَّوَّابُ يدلُّ على أنَّ قَبولَ التَّوبةِ؛ لِمَحضِ الرَّحمةِ والكَرَمِ [2050] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (10/234). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي: في كلِّ أمرٍ يُطلَبُ منهم، ولعلَّه أخرَجَ الأمرَ مَخرَجَ العُمومِ؛ لِيشملَ كُلَّ مُؤمِنٍ، فمن كان مُقصِّرًا كانت آمرةً له باللَّحاقِ، ومن كان مُسابِقًا كانت حاثَّةً له على حِفظِ مَقامِ الاسْتِباقِ [2051] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/41-42). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ لعَلَّه عَبَّرَ بـ مَعَ ليشمَلَ أدنى الدَّرَجاتِ، وهو الكَونُ بالجُثَثِ [2052] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/42). .
قَولُ اللهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أمرَ المؤمنينَ بالكَونِ مع الصَّادقينَ، ومتى وجبَ الكَونُ مع الصَّادقينَ، فلا بدَّ مِن وجودِ الصَّادقينَ في كُلِّ وقتٍ، وذلك يمنَعُ من إطباقِ الكُلِّ على الباطِلِ، ومتى امتنع إطباقُ الكُلِّ على الباطِلِ، وجب إذا أطبَقوا على شَيءٍ أن يكونوا مُحِقِّينَ، فهذا يدلُّ على أنَّ إجماعَ الأمَّةِ حُجَّةٌ [2053] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/166). .
قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ: هم أصحابُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا ريبَ أنَّهم أئمَّةُ الصَّادِقينَ، وكُلُّ صادِقٍ بَعدَهم، فبهم يأتَمُّ في صِدْقِه، بل حَقيقةُ صِدقِه اتِّباعُه لهم، وكونُه معهم، ومعلومٌ أنَّ مَن خالَفَهم في شيءٍ- وإن وافَقَهم في غيرِه- لم يكن معهم فيما خالَفَهم فيه، وحينئذٍ فيَصْدُقُ عليه أنَّه ليس معهم، فتَنتفي عنه المعيَّةُ المُطلَقةُ، وإن ثبَتَ له قِسطٌ مِن المعيَّةِ فيما وافَقَهم فيه، فلا يَصدُقُ عليه أنَّه معهم بهذا القِسطِ [2054] يُنظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (4/101). .
استُدلَّ بقولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ على خلافةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ فقَدْ بيَّن الله تعالى فِي سورةِ الحشرِ مَن الصادِقونَ، وأنَّهم المهاجرون، بقولِه: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلى قولِه: أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر: 8] فأمر الذين تبوَّؤا الدَّارَ والإيمانَ أَنْ يكونُوا معهم، أي: تَبَعًا لهم، فحصَلَتْ الخلافَةُ في الصادقِينَ بهذه الآيةِ، فاسْتَحَقُّوها بهذا الاسمِ، ولم يَكُنْ في الصادقِينَ مَن سمَّاه اللهُ الصِّدِّيقَ إلَّا أبو بكرٍ، فكانت له خَاصَّةً، ثُمَّ لِلصَّادِقينَ بعدَه [2055]   يُنظر: ((الروض الأنف)) للسهيلي (6/85). .

بلاغة الآيات:


قولُه تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ استِئنافٌ ابتدائيٌّ، وفي افتِتاحِ الآيَةِ بحَرفِ التَّحقيقِ لَقَدْ تَأكيدٌ لِمَضمونِها المتقرِّرِ فيما مَضى مِن الزَّمانِ [2056] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/49). .
قولُه: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فيه ضمُّ ذِكْرِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم إلى ذِكْرِهم؛ تَنبيهًا على عِظَمِ مَراتِبِهم في قَبولِ التَّوبةِ [2057] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/517). ، وتَقديمُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم في تعَلُّقِ فِعْلِ التَّوبةِ بالغزاةِ؛ للتَّنويهِ بشَأنِ هذه التَّوبةِ، وإتيانِها على جَميعِ الذُّنوبِ؛ إذ قد عَلِم المسلِمون كُلُّهم أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم قد غفَر اللهُ ما تقَدَّم مِن ذَنبِه وما تأخَّر [2058] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/49). .
قولُه: وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ... فيه وصفُ المهاجِرين والأنصارِ بـالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ؛ للإيماءِ إلى أنَّ لصِلَةِ الموصولِ تَسبُّبًا في هذه المغفرةِ [2059] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/50). .
قولُه: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ تعليلٌ لِما قَبلَها [2060] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/51). .
قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
قولُه: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ مثَلٌ للحَيرةِ في أمرِهم، كأنَّهم لا يَجِدون فيها مَكانًا يَقَرُّون فيه قَلقًا وجزَعًا ممَّا هم فيه [2061] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/318). .
وفيه ترتيبٌ حسَنٌ؛ حيثُ ذكَر أوَّلًا ضِيقَ الأرضِ عليهم، وهو كِنايةٌ عَن استِيحاشِهم، ونَبْوَةِ النَّاسِ عَن كَلامِهم، وثانيًا وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وهو كِنايةٌ عن تَواتُرِ الهمِّ والغمِّ على قُلوبِهم، حتَّى لم يَكُنْ فيها شيءٌ مِن الانشِراحِ والاتِّساعِ، فذَكَر أوَّلًا ضِيقَ المحَلِّ، ثمَّ ثانيًا ضِيقَ الحالِ فيه [2062] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/520). .
قولُه: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا فيه تكريرٌ للتَّأكيدِ، وتنبيهٌ على أنَّه يُتابُ عليهم؛ مِن أجلِ ما كابَدوا مِن العُسْرةِ [2063] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/318)، ((تفسير أبي السعود)) (4/109). .
وأيضًا في قولِه: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا مِن مَحاسِنِ البلاغةِ، وإعجازِ النَّظْمِ القرآنيِّ: أنَّه لَمَّا كان هذا القولُ في تَعْديدِ نِعَمِه بدَأ في تَرتيبِه بالجِهَةِ الَّتي هي عَنِ اللهِ تعالى؛ لِيَكونَ ذلك مُنبِّهًا على تلَقِّي النِّعْمةِ مِن عِندِه لا ربَّ غَيرُه، ولو كان القولُ في تَعديدِ ذَنبٍ لَكانَ الابتِداءُ بالجِهَةِ الَّتي هي عَن المذنِبِ، كما قال تَعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5]؛ لِيَكونَ هذا أشدَّ تَقْريرًا للذَّنبِ عَليهِم، وهذا مِن فَصاحةِ القرآنِ وبَديعِ نَظْمِه ومُعجِزِ اتِّساقِه [2064] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/520- 521). .
قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، هذه الآيةُ بمَنزِلَةِ التَّذييلِ للقِصَّةِ؛ فإنَّ القِصَّةَ مُشتمِلةٌ على ذِكْرِ قومٍ اتَّقَوُا اللهَ فصَدَقوا في إيمانِهم وجِهادِهم فرَضِيَ اللهُ عنهم، وذِكْرِ قومٍ كذَبوا في ذلك، واختَلَقوا المعاذيرَ وحَلَفوا كَذِبًا، فغَضِبَ اللهُ عليهِم، وقوم تَخلَّفوا عَن الجهادِ، وصدَقوا في الاعتِرافِ بعدَمِ العُذرِ فتابَ اللهُ علَيهم، فلمَّا كان سببُ فَوزِ الفائزين في هذه الأحوالِ كلِّها هو الصِّدْقَ، أمَر اللهُ المؤمِنين بتَقْواه وبأن يَكونوا في زُمْرَةِ الصَّادِقين، مِثْلَ أولئكَ الصَّادِقين الَّذين تضَمَّنَتهم القِصَّةُ [2065] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/54). .
والأمرُ بقَولِه: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أبلَغُ في التَّخَلُّقِ بالصِّدْقِ مِن نحوِ: (اصْدُقوا) [2066] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/54). .