موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (93-95)

ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ

غريب الكلمات:


مُبَوَّأَ صِدْقٍ: أي: مَنزِلًا مَحمودًا مُختارًا، وأصل (بوأ): يدلُّ على الرُّجوعِ إلى شَيءٍ [1125] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 199)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 122)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 157)، ((تفسير القرطبي)) (8/381)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 232). .
الْمُمْتَرِينَ: أي: المتردِّدينَ، من المِريةِ: وهي التردُّدُ في الأمرِ، وهي أخصُّ من الشَّكِّ [1126] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 434)، ((المفردات)) للراغب (ص: 766)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 97). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى عمَّا أنعَمَ به على بني إسرائيلَ مِن النِّعَمِ قائلًا: ولقد أنزَلْنا بني إسرائيلَ مَنازِلَ صالحةً محمودةً، ورَزَقناهم الرِّزقَ الحَلالَ الطَّيِّبَ مِن خيراتِ الأرضِ المُبارَكةِ، فما اختَلَفوا في تصديقِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه نبيٌّ حَقٌّ مَبعوثٌ، حتى جاءَهم القُرآنُ والبيانُ بأنَّه رسولُ اللهِ صِدقٌ، ودينَه حَقٌّ، إنَّ رَبَّك- أيُّها الرَّسولُ- يقضي بينهم يومَ القيامةِ، ويَفْصِلُ فيما كانوا يختَلِفونَ فيه مِن أمرِك، فيُدخِلُ المكَذِّبينَ النَّارَ، والمؤمنينَ الجنَّةَ، فإن كنتَ- أيُّها الرَّسولُ- في ريبٍ مِن حقيقةِ ما أخبَرناك به فاسألِ الذينَ يَقرؤونَ الكتابَ مِن قبلِك، من أهلِ التَّوراةِ والإنجيلِ؛ فإنَّ ذلك ثابِتٌ في كتُبِهم، لقد جاءك الحَقُّ اليقينُ مِن رَبِّك بأنَّك رسولُ الله، وأنَّ هؤلاءِ اليَهودَ والنَّصارى يعلمونَ صِحَّةَ ذلك، ويَجِدونَ صِفتَك في كُتُبِهم، ولكِنَّهم يُنكِرونَ ذلك مع عِلمِهم به، فلا تكونَنَّ من الشاكِّينَ في صِحَّةِ ذلك، ولا تكونَنَّ مِن الذينَ كذَّبوا بآياتِ القُرآنِ، فتكونَ مِن الخاسرينَ الذين سخِطَ اللهُ عليهم ونالوا عقابَه.

تفسير الآيات:


وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لمَّا ذكَر تعالى ما جرَى لفرعونَ وأتباعِه مِن الهلاكِ؛ ذكَر ما أحسنَ به لبني إسرائيلَ، وما امتنَّ به عليهم [1127]  يُنظر: (( تفسير أبي حيان)) (6/104). ، وكيف كانت عاقبتُهم الحسنَى؛ ليظهرَ الفرقُ بينَ مصيرَيْ فريقينِ جاءَهم رسولٌ، فآمنَ به فريقٌ، وكفَر به فريقٌ، ليكونَ ذلك ترغيبًا للمشركينَ في الإيمانِ، وبشارةً للمؤمنينَ مِن أهل مكةَ [1128] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/281). .
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ.
أي: ولقد أنزَلْنا وأسكنَّا بني إسرائيلَ مَنازِلَ حَسَنةً محمودةً مُختارةً [1129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/284)، ((البسيط)) للواحدي (11/310)، ((تفسير ابن عطية)) (3/142)، ((تفسير القرطبي)) (8/381)، ((مجموع رسائل ابن رجب)) (3/225)، ((تفسير الشوكاني)) (2/537)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/281، 282)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/161). والمرادُ ببني إسرائيلَ أصحابُ موسَى عليه السلامُ، وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/349). وقال ابنُ جرير في قولِه: مُبَوَّأَ صِدْقٍ: (قيل: عنَى بذلك الشَّامَ وبيتَ المَقدِس. وقيل: عنَى به الشَّامَ ومِصرَ). ((تفسير ابن جرير)) (12/284). .
كما قال الله تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ [الأعراف: 137].
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا ذكَر أنَّه بوَّأهم مُبوَّأَ صِدقٍ؛ ذكَر امتِنانَه عليهم بما رزَقهم مِن الطَّيباتِ [1130] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/105). .
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ.
أي: ورَزَقْنا بني إسرائيلَ مِن الرِّزقِ الحلالِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ، من الأطعِمةِ والأشرِبةِ وغَيرِها [1131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/284)، ((تفسير القرطبي)) (8/381)، ((تفسير ابن كثير)) (4/295)، ((تفسير السعدي)) (ص: 373). .
كما قال تعالى: وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: 57].
وقال سُبحانه: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60].
فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ  .
أي: فما اختلَفَ بنو إسرائيلَ في الإقرار بنبوَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلَّم وبمبعثِه، حتَّى جاءَهم ما كانوا به عالِمينَ، فبُعِثَ صلَّى الله عليه وسلَّم بنعتِه وصفتِه، وجاءَهم القُرآنُ، فاختَلفوا حينئذٍ، فآمن بعضُهم بنبوَّتِه، وكفر بها بعضُهم، ولم يكنْ ينبغي لهم ذلك [1132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/284)، ((الوسيط)) للواحدي (2/559)، ((تفسير القرطبي)) (8/381). وممن قال بأنَّ المرادَ بقولِه: فَمَا اخْتَلَفُوا- على التفسير المذكور- هم اليهودُ المعاصرونَ لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ممن كانوا في زمانه: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والقرطبيُّ. يُنظر: المصادر السابقة. قال الرازي عن هذا القول: (فهذا قال به قومٌ عظيمٌ مِن المفسِّرينَ). ((تفسير الرازي)) (17/299). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/537). وقيل: معنَى الآيةِ: فما اختَلف اليهودُ في أمرِ دينِهم، وتشعَّبوا فيه شعبًا بعدَ ما كانوا على طريقةٍ واحدةٍ غيرِ مختلفةٍ، حتى جاءَهم العلمُ؛ بقراءتِهم التوراةَ، وعلمِهم بأحكامِها. وممن اختار هذا المعنى: الزمخشري، والشوكاني، والقاسمي، ومحمد رشيد رضا. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/369)، ((تفسير الشوكاني)) (2/537)، ((تفسير القاسمي)) (6/61)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/391). قال ابنُ كثير: (وقولُه: فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ أي: ما اختلفوا في شيءٍ مِن المسائلِ إلَّا مِن بعدِ ما جاءَهم العلمُ، أي: ولم يكنْ لهم أن يختلفوا، وقد بيَّن الله لهم، وأزال عنهم اللبسَ). ((تفسير ابن كثير)) (4/295). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: 16 - 18].
إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
أي: إنَّ ربَّك- يا مُحمَّدُ- يحكُمُ بين المُختَلِفينَ فيك مِن بني إسرائيلَ يومَ القيامةِ فيما كانوا فيه يختَلِفونَ مِن أمرِك، فيُدخِلُ المؤمنينَ بك الجنَّةَ، ويُدخِلُ المكذِّبينَ بك النَّارَ [1133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/285، 286)، ((تفسير القرطبي)) (8/381)، ((تفسير ابن كثير)) (4/296). .
فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ اللهَ تعالى لَمَّا ذكرَ مِن قبلُ اختلافَ أهلِ الكتابِ عندما جاءَهم العِلمُ؛ أوردَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذه الآيةِ ما يُقَوِّي قلبَه في صِحَّةِ القُرآنِ والنبُوَّةِ [1134] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/299). .
وأيضًا فإنَّ هذه الآيةَ تَفريعٌ على سياقِ القِصَصِ التي جعَلَها اللهُ مَثلًا لأهلِ مكَّةَ، وعِظةً بما حَلَّ بأمثالِهم، فانتقل بهذا التَّفريعِ من أسلوبٍ إلى أسلوبٍ كِلاهما تعريضٌ بالمُكَذِّبينَ، فالأسلوبُ السَّابِقُ تعريضٌ بالتَّحذيرِ مِن أن يحُلَّ بهم ما حَلَّ بالأممِ المماثلةِ لهم، وهذا الأسلوبُ الموالي تعريضٌ لهم بشَهادةِ أهلِ الكتابِ على تلك الحَوادِثِ، وما في الكتُبِ السَّابقةِ مِن الإنباءِ برِسالةِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم [1135] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/284). .
فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ.
أي: فإنْ كنتَ- يا محمَّدُ- في شكٍّ من حقيقةِ ما أخبَرْناك في القرآنِ مِن أنَّ بني إسرائيلَ لم يختَلِفوا في أمرِك إلَّا مِن بعدِ مَجيئِك- لأنَّهم يَجِدونَك مكتوبًا عندهم، ويَعرِفونك بصِفاتِك الواردةِ في كُتُبِهم- فاسألْ أهلَ الكِتابِ الذين يقَرؤونَ التوراةَ والإنجيلَ مِن قبلِك؛ فإنَّهم يَعلَمونَ صحَّةَ ذلك [1136] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/285، 286)، ((تفسير ابن عطية)) (3/143)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/325)، ((الجواب الصحيح)) لابن تيمية (2/357، 358)، ((تفسير ابن كثير)) (4/296). قال ابنُ عطيةَ: (وقولُه: مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يريدُ به من أنَّ بني إسرائيلَ لم يختلفوا في أمرِه إلَّا مِن بعدِ مجيئِه، وهذا قولُ أهلِ التأويلِ قاطبةً. وهذا هو الذي يُشبه أن تُرتجَى إزالةُ الشكِّ فيه مِن قِبَلِ أهلِ الكتابِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/143). قال ابنُ القيِّمِ: (أشكلتْ هذه الآيةُ على كثيرٍ مِن النَّاس.. وليس في الآيةِ ما يدلُّ على وقوعِ الشكِّ، ولا السؤالِ أصلًا، فإنَّ الشرطَ لا يدلُّ على وقوعِ المشروطِ، بل ولا على إمكانِه، كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 22]، وقولِه: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء: 42]، وقوله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: 81]، وقوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65]، ونظائره، فرسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يشكَّ ولم يسألْ، .. فإنْ قيل: فإذا لم يكنْ واقعًا ولا ممكنًا فما مقصودُ الخطابِ والمرادُ به؟! قيل: المقصودُ به إقامةُ الحجةِ على منكري النبَّواتِ والتوحيدِ، وأنَّهم مقرُّونَ بذلك، لا يجحدونَه ولا ينكرونَه، وأنَّ الله سبحانه أرسَل إليهم رسلَه، وأنزَل عليهم كتبَه بذلك، وأرسَل ملائكتَه إلى أنبيائِه بوحيه وكلامِه، فمن شكَّ في ذلك فليسألْ أهلَ الكتابِ، فأخرَج هذا المعنَى في أوجزِ عبارةٍ، وأدلِّها على المقصودِ، بأن جعَل الخطابَ لرسولِه الذي لم يشكَّ قطُّ، ولم يسألْ قط، ولا عرَض له ما يقتضي ذلك، وأنت إذا تأمَّلتَ هذا الخطابَ بدا لك على صفحاتِه: مَن شكَّ فليسألْ، فرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يشكَّ ولم يسألْ). ((أحكام أهل الذمة)) (1/99 - 105). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/314، 316)، ((تفسير الرازي)) (17/300)، ((تفسير أبي حيان)) (5/191)، ((تفسير ابن كثير)) (4/296)، ((تفسير السعدي)) (ص: 373). وقيل: هذا خطابٌ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمرادُ به غيرُه على عادةِ العربِ، فإنَّهم يُخاطبونَ الرَّجلَ، ويُريدونَ به غيرَه، أو يكونُ الخطابُ شاملًا للخلقِ، والمعنى: فإنْ كنتُم في شكٍّ فاسألوا، والدليلُ علي ذلك قولُه في آخرِ السورةِ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ الآيةَ [يونس: 104]، فأعْلَم الله أنَّ نبيَّه ليس في شكٍّ، وأمَره أن يتلوَ عليهم ذلك. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/315)، ((تفسير البغوي)) (4/150)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/325). .
كما قال تعالى: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ [الرعد: 43].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ * أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء: 196-197].
وقال جلَّ جلالُه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ [القصص: 52-53].
وقال تبارك وتعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف: 10].
لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
أي: أُقسِمُ إنَّه قد جاءك- يا محمَّدُ- الحَقُّ اليقينُ مِن ربِّك بأنَّك رسولُ اللهِ، وأنَّ الذين أُوتوا الكتابَ مِن قَبلِك يَعلَمونَ ذلك، فلا تكوننَّ مِن الشاكِّينَ في صحَّةِ ذلك، واستمِرَّ على ما أنت عليه من اليَقينِ [1137] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/289)، ((تفسير ابن عطية)) (3/143)، ((تفسير أبي السعود)) (4/175)، ((تفسير الشوكاني)) (2/538)، ((تفسير السعدي)) (ص: 374). .
وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95).
أي: ولا تكوننَّ- يا محمَّدُ- من المكذِّبينَ بآياتِ القُرآنِ، فتكونَ من الخاسرينَ أنفُسَهم بدخولِ النَّارِ، المُضَيِّعينَ سعادةَ الدُّنيا والآخرةِ، فاثبُتْ على ما أنت عليه من التَّصديقِ بالقُرآنِ [1138] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/289)، ((تفسير النسفي)) (2/41)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/392)، ((تفسير السعدي)) (ص: 374). .

الفوائد التربوية :


1- قال الله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ . هذا هو الداءُ الذي يعرضُ لأهلِ الدِّينِ الصحيحِ، وهو: أنَّ الشيطانَ إذا أعجَزوه أن يُطيعوه في تركِ الدينِ بالكُلِّيةِ، سعَى في التحريشِ بينَهم، وإلقاءِ العداوةِ والبغضاءِ، فحصَل مِن الاختلافِ ما هو موجبُ ذلك، ثم حصَل مِن تضليلِ بعضِهم لبعضٍ، وعداوةِ بعضِهم لبعضٍ، ما هو قرةُ عينِ اللعينِ، وإلَّا فإذا كان ربُّهم واحدًا، ورسولُهم واحدًا، ودينُهم واحدًا، ومَصالِحُهم العامةُ متفقةً، فلأيِّ شيءٍ يختلفونَ اختلافًا يفرِّقُ شملَهم، ويشتتُ أمرَهم، ويحلُّ رابطتَهم ونظامَهم، فيفوتُ مِن مصالحِهم الدينيةِ والدنيويةِ ما يفوتُ، ويموتُ مِن دينِهم بسببِ ذلك ما يموتُ [1139] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:373). ؟!
2- قَولُ الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ جملةُ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تذييلٌ وتوعُّدٌ، والمقصودُ منه: أنَّ أولئك قومٌ مَضَوا بما عَمِلوا وأنَّ أمرَهم إلى ربِّهم، كقولِه تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة: 134] وفيه إيماءٌ إلى أنَّ على الحاضرينَ اليومَ أن يفَكِّروا في وسائلِ الخلاصِ مِن الضَّلالِ، والوقوعِ في المؤاخَذةِ يومَ القيامةِ [1140] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/283). .
3- قال الله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ فيه تنبيهٌ على أنَّ من خالجَتْه شبهةٌ في الدِّينِ، ينبغي أن يسارعَ إلى حَلِّها بالرُّجوعِ إلى أهلِ العِلمِ [1141] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/38).

الفوائد العلمية واللطائف:


1- في قَولِه تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يشُكَّ ولم يَسألْ، ولكنْ هذا حُكمٌ مُعَلَّقٌ بشَرطٍ؛ والمُعلَّقُ بالشَّرطِ يعدَمُ عند عَدَمِه، وفي ذلك سَعَةٌ لِمَن شكَّ، أو أراد أنْ يحتَجَّ، أو يزدادَ يقينًا [1143] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (4/209). .
2- قول الله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ الفائدةُ في إنزالِ هذه الآيةِ على الرسولِ: أنَّ تكثيرَ الدلائلِ وتقويتَها مما يزيدُ في قوةِ اليقينِ، وطمأنينةِ النفسِ، وسكونِ الصدرِ، ولهذا السببِ أكثَر الله في كتابِه مِن تقريرِ دلائلِ التوحيدِ والنُّبوةِ [1144] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/300). .
3- قَولُ الله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ فيه سؤالٌ: أنَّ كثيرًا من أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنَّصارى- بل ربما كان أكثَرُهم ومعظَمُهم- كذَّبوا رسولَ اللهِ وعانَدوه، ورَدُّوا عليه دَعوتَه. واللهُ تعالى أمر رسولَه أن يستشهِدَ بهم، وجعَلَ شهادتَهم حُجَّةً لِما جاء به، وبرهانًا على صِدقِه، فكيف يكونُ ذلك؟ الجوابُ من عدَّةِ أوجهٍ؛ منها: أنَّ الشَّهادةَ إذا أضيفَت إلى طائفةٍ، أو أهلِ مَذهبٍ أو بلدٍ، ونحوِهم، فإنَّها إنما تتناولُ العُدولَ الصادقينَ منهم. وأمَّا مَن عداهم، فلو كانوا أكثَرَ مِن غيرهم فلا عِبرةَ بهم؛ لأن الشَّهادةَ مَبنيَّةٌ على العدالةِ والصِّدقِ، وقد حصل ذلك بإيمانِ كثيرٍ مِن أحبارِهم الربَّانيِّين، كعبدِ اللهِ بنِ سَلامٍ وأصحابِه، وكثيرٍ ممَّن أسلم في وقتِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وخُلَفائِه ومَن بعده، وكعبِ الأحبارِ وغيرهما. ومنها: أنَّ شَهادةَ أهلِ الكِتابِ للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مبنيَّةٌ على كتابِهم التَّوراةِ الذي ينتسبونَ إليه، فإذا كان موجودًا في التوراةِ ما يوافِقُ القرآنَ ويُصَدِّقُه، ويشهَدُ له بالصحَّة؛ فلو اتَّفَقوا من أوَّلِهم لآخرِهم على إنكارِ ذلك، لم يقدَحْ بما جاء به الرَّسولُ. ومنها: أنَّ الله تعالى أمَرَ رسولَه أن يستشهِدَ بأهلِ الكتابِ على صحَّةِ ما جاءه، وأظهَرَ ذلك، وأعلَنَه على رؤوسِ الأشهادِ، ومن المعلومِ أنَّ كثيرًا منهم مِن أحرصِ النَّاسِ على إبطالِ دَعوةِ الرَّسولِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلو كان عندهم ما يرُدُّ ما ذكَرَه اللهُ، لأبدَوْه وأظهَروه وبَيَّنوه، فلمَّا لم يكنْ شَيءٌ من ذلك، كان عدَمُ رَدِّ المُعادي، وإقرارُ المُستجيبِ، مِن أدَلِّ الأدلَّةِ على صِحَّةِ هذا القرآنِ وصِدقِه. ومنها: أنَّه ليس أكثَرُ أهلِ الكتابِ رَدَّ دعوةَ الرَّسولِ، بل أكثَرُهم استجاب لها، وانقاد طَوعًا واختيارًا؛ فإنَّ الرَّسولَ بُعِث وأكثَرُ أهل الأرضِ المتَديِّنينَ أهلُ كتابٍ، فلم يمكُثْ دينُه مُدَّةً غيرَ كثيرةٍ، حتى انقاد للإسلامِ أكثَرُ أهل الشَّامِ ومصرَ والعراقِ، وما جاورَها من البلدانِ التي هي مقَرُّ دينِ أهلِ الكتابِ، ولم يبقَ إلَّا أهلُ الرِّياساتِ الذين آثَروا رياساتِهم على الحَقِّ، ومَن تَبِعَهم من العوامِّ الجَهَلةِ، ومَن تديَّنَ بدينِهم اسمًا لا معنًى، كالإفرنجِ الذين حقيقةُ أمرِهم أنَّهم دهريَّةٌ مُنحَلُّونَ عن جميعِ أديانِ الرُّسُل، وإنَّما انتَسَبوا للدِّينِ المَسيحيِّ؛ ترويجًا لمُلكِهم، وتمويهًا لباطِلِهم، كما يَعرِفُ ذلك مَن عرَفَ أحوالَهم البيِّنةَ الظَّاهرةَ [1145] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:373). .

بلاغة الآيات:


قولُه تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
قولُه: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا كلامٌ مُستأنَفٌ؛ سِيقَ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائضةِ عليهم إثْرَ نعمةِ الإنجاءِ على وجهِ الإجمالِ، وإخلالِهم بشُكرِها، وأداءِ حقوقِها [1146] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/174). .
وقولُه: فَمَا اخْتَلَفُوا تفريعٌ على بَوَّأْنَا وما عُطِف عليه، وهو تفريعُ ثناءٍ عليهم بأنَّهم شكَروا تِلك النِّعمَةَ، ولم يَكفُروها كما كفَرها المشرِكون الَّذين بوَّأهم اللهُ حرَمًا آمِنًا تُجبَى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ، فجَعَلوا للهِ شُركاءَ، ثمَّ كفَروا بالرَّسولِ المرسَلِ إليهم؛ فوقَع في الكلامِ إيجازُ حذفٍ، والتَّقديرُ: فشَكَروا النِّعمَةَ، واتَّبَعوا وصايا الأنبياءِ، وما خالَفوا ذلك إلَّا مِن بعدِ ما جاءَهم العلمُ [1147] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/282). .
قولُ اللهِ تعالى هنا: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 93]، وفي سورةِ الجاثيةِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية: 16-17]، ووجهُ هذا الاختلافِ الواردِ في هاتَين السُّورتَين، وزيادةِ ما ورَدَ في سورةِ الجاثيةِ مِن الألفاظِ، مع اتِّحادِ المعنى المقصودِ في الموضِعَينِ مِن مَنحِهم واختلافِهم: 
أنَّ آيةَ يونُسَ تقدَّم قبلَها دُعاءُ موسى عليه السَّلامُ على فِرْعونَ ومَلئِه بقولِه: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... [يونس: 88]، فأجاب سبحانه دُعاءَ نبيِّه، وطمَس على أموالِ آلِ فِرْعونِ ومَلئِه، وأغرَقه وآلَه، ونجَّى بَني إسرائيلَ مِن الغرَقِ، وقطَع دابِرَ عدوِّهم، وأورَث بني إسرائيلَ أرْضَهم وديارَهم، يتَبوَّؤون منها حيث شاؤوا، فقال سبحانه مُعرِّفًا نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ [يونس: 93]؛ فبعد تَمكُّنِ أمرِهم، واستِحْكامِ حالِهم، واستقرارِ أمرِ دينِهم بما شاهَدوه مِن الآياتِ، وعَظيمِ البَراهينِ المعْقِبَةِ لِمَن شاهَدَها اليقينَ، اختَلفوا جَرْيًا على ما سبَق لهم ولغيرِهم ممَّن أشار إليه قولُه تعالى في أوَّلِ هذه السُّورةِ: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس:19]، ويُناسِبُ هذا كلَّه تَناسُبًا لا تَوقُّف في وُضوحِه، ولم يتَقدَّمْ في سورةِ يونُسَ ما يَستدعي مِن حالِهم أكثرَ مِن هذا.
أمَّا آيةُ الجاثيةِ فتَقدَّمَ قبلَها بَسطُ الدَّلائلِ والبَراهينِ مِن لَدُنْ قولِه تعالى: إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية: 3]، إلى ما تَبِع هذا مِن التَّنبيهِ بخَلقِها، وما بثَّ سبحانه فيهما مِن أصنافِ المخلوقاتِ، واختلافِ اللَّيلِ والنَّهارِ وتَعاقُبِهما، وإنزالِ الرِّزقِ مِن السَّماءِ، وإحياءِ الأرضِ بعدَ مَوتِها، بما يَنزِلُ مِن الرِّزقِ إليها، وتَصريفِ الرِّياحِ، ثمَّ ذكَر سبحانه أنَّ هذه الآياتِ إنَّما يَعتبِرُ بها، ويَهتَدي بأنوارِها مَن منَحه اللهُ تعالى العقْلَ، وهَداه إلى الاعتبارِ، فقال: آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية: 5]، ولم يَرِدْ ذِكرُ هذه الجملةِ للاعتبارِ بها في موضعٍ مِن كتابِ اللهِ تعالى أوعَبَ مِنها في هذه السُّورةِ وفي سورةِ البقرةِ، وهي هناك أوعَبُ لذِكْرِ الفُلكِ، وجَرْيِها في مَنافعِ العبادِ، وتسخيرِ السَّحابِ بينَ السَّماءِ والأرضِ، وذِكْرِ تَصريفِ الرِّياحِ، وقد أعقَب ذِكْرَ هذه الآياتِ في الموضِعَين بقولِه في سورةِ البقرةِ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165]، إشارةً إلى كُفَّارِ العرَبِ، وسوءِ مُرتَكَبِهم، وتَعاميهم عن الاعتبارِ والاستدلالِ مع وُضوحِ الأمرِ؛ إذ لا يَقبَلُ العقلُ تَكوُّنَ هذه المخلوقاتِ العِظامِ بأنفُسِها، ولا أنَّ بعضَها أوجَد بعضًا؛ لِتَساويها فيما قام مِن دلائلِ الحدوثِ، فلا بدَّ مِن خالقٍ مُريدٍ مختارٍ قادرٍ منزَّهٍ عن شُبَهِ هذه الجملةِ، وإلَّا لافتقَرَ إلى موجِدٍ آخرَ، وذلك يؤدِّي إلى التَّسلسُلِ، وهو مُحالٌ عقلًا، والاثنينيَّةُ ممتنِعةٌ عقلًا: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: 22]، فتعيَّن توحيدُ الحقِّ، وأنَّه ليس كمِثْلِه شيءٌ.
ولَمَّا كان الاستدلالُ بهذه الجُمَلِ المفصَّلةِ أوضحَ شيءٍ؛ أتبعَها سبحانه بقولِه: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6]، ولكونِه أبسَطَ ما ذُكِّر به مَن خوطِب بالقرآنِ، ثمَّ لم يُجدِ ذلك في حقِّ مَن سبَق له الشَّقاءُ مِنهم إلَّا المنافَرةَ والمخالفةَ؛ أُعقِبَت بذِكرِ مَن ترادَفَت وتوالَت عليه الآياتُ، وكَثُرَت في حقِّه الشَّواهدُ، ثمَّ لم يُعقِبْه ذلك إلَّا الاختلافَ والعدولَ عن سُلوكِ المنهجِ الواضحِ، وهم الممتَحَنون بالاختلافِ مِن بني إسرائيلَ، ولَمَّا لم يَكُنْ تَقدَّم آيةَ سورةِ يونُسَ مِن الدَّلالاتِ مثلُ ما بُسِط في سورةِ الجاثيةِ مِن الاعتبارِ لِما يُناسِبُه الواقعُ في الجاثيةِ مِن الإطنابِ، فنُوسِب الإيجازُ بالإيجازِ، والإطنابُ بالإطنابِ، وجاء كلٌّ على ما يُناسِبُ، مع اتِّحادِ المقصودِ في السُّورتَين [1148] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/248-250). .
قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
قولُه: لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ جملةٌ مُستأنَفةٌ استئنافًا بيانيًّا، وقُرِنَت الجملةُ بحَرفَيِ التَّأكيدِ، وهُما: لامُ القسَمِ و(قد)؛ لِدَفعِ إنكارِ المُعَرَّضِ بهم [1149] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/285). .
قولُه: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ يجوزُ أن يَكونَ هذا النَّهيُ على طريقةِ التَّهْييجِ والإلهابِ، كقَولِه: فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ، وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللهِ بَعْدِ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ، ولزيادةِ التَّثبيتِ والعِصمةِ [1150] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/370). .
قوله تعالى: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ
قولُه: وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ هذا النَّهيُ مِن بابِ التَّهْييجِ والإلهابِ، والمرادُ به: إعلامُ أنَّ التَّكذيبَ مِن القُبحِ والمحذوريَّةِ بحيث يَنبَغي أن يُنْهَى عنه مَن لا يُتصوَّرُ إمكانُ صُدورِه عنه؛ فكيف بِمَن يُمكِنُ اتِّصافُه به، وفيه قطعٌ لأطماعِ الكفَرةِ [1151] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/175). ؟!
وفيه تأكيدُ الفعلِ المنهيِّ عنه تَكُونَنَّ بنونِ التَّوكيدِ؛ للمُبالَغةِ في النَّهيِ عنه؛ اعتِناءً بالتَّبرُّؤِ مِن الشِّركِ [1152] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/304). .