موسوعة التفسير

سُورةُ يُونُس
الآيات (87-89)

ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ

غريب الكلمات:


تَبَوَّآ: أي: اتَّخِذا، وأصلُ (بوأ): يدُلُّ على رجوعٍ إلى الشَّيءِ [1057] ينُظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/254)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/312)، ((تفسير القرطبي)) (8/371)، ((تفسير ابن كثير)) (4/289). .
قِبْلَةً: أي: مَساجِدَ، وأصلُ (قبل): يدلُّ على مواجهةِ الشَّيءِ للشَّيءِ [1058] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 198)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/51)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 157). .
زِينَةً: الزِّينةُ: اسمٌ لكلِّ ما يُتَزَيَّنُ به: مِن مَلْبوسٍ ومركوبٍ وحِلْيَةٍ وفِراشٍ وسِلاحٍ، والزَّينُ نَقيضُ الشَّينِ، يُقال: زانَه كذا، وزَيَّنه: إذا أظْهَر حُسنَه؛ إمَّا بالفِعل، أو بالقولِ، وأصلُ (زين) يدلُّ على حُسنِ الشَّيءِ وتَحسينِه [1059] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/41)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 256)، ((المفردات)) للراغب (ص: 388- 389)، ((تفسير الشوكاني)) (2/532)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 493). .
اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ: أي: أهلِكْها، وأذهِبْ آثارَها. وأصلُ (طمس): يدلُّ على مَحوِ الشَّيءِ، ومَسحِه [1060] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/424)، ((المفردات)) للراغب (ص: 524)، ((غريب القرآن)) لقاسم الحنفي (ص: 94). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه أوحَى إلى موسَى وأخيه هارونَ أن يتَّخِذا لقومِهما بيوتًا في مِصرَ، تكونُ مساكِنَ لهم، وأن يجعَلوا بُيوتَهم مساجِدَ يُصلُّونَ فيها، وأن يؤدُّوا الصَّلاةَ المفروضةَ في أوقاتِها، وأن يبشِّرَ موسى المؤمنينَ بالنَّصرِ والثَّوابِ منه سبحانه وتعالى.
وقال موسى: ربَّنا إنَّك أعطيتَ فِرعونَ وأشرافَ قَومِه زينةً مِن متاعِ الدُّنيا؛ استدراجًا منك لِتَفتِنَهم فيَضِلُّوا ويُضِلُّوا غيرَهم؛ عقوبةً منك لهم، ربَّنا فأهلِكْ أموالَهم، فلا ينتَفِعوا بها، واختِمْ على قلوبِهم حتى لا تنشَرِحَ للإيمانِ، فلا يؤمِنوا حتى يَرَوا العذابَ الشَّديدَ المُوجِعَ، فلا ينفَعُهم إيمانُهم حينئذٍ. قال الله تعالى لهما: قد أجيبَت دَعوتُكما في فرعونَ ومَلَئِه وأموالِهم، فاستَقيما على دينِكما، واستَمِرَّا على دعوتِكما فرعونَ وقَومَه إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، ولا تَسلُكا طريقَ مَن لا يعلَمُ حقيقةَ وعيدي، وأنِّي لا أخلِفُ الميعادَ.

تفسير الآيات:


وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا أجابوه إلى إظهارِ الاعتمادِ عليه سُبحانَه، وفوَّضوا الأمورَ إليه؛ أتبَعَه ما يزيدُهم طُمأنينةً مِن التوطُّنِ في أرضِ العَدُوِّ؛ إشارةً إلى عدَمِ المبالاةِ به [1061] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/178). .
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا.
أي: وأوحَينا إلى موسى وأخيه هارونَ أن اتَّخِذا لِقَومِكما بني إسرائيلَ في أرضِ مِصرَ مساكِنَ [1062] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/254)، ((تفسير ابن عطية)) (3/138)، ((تفسير القرطبي)) (8/371)، ((تفسير ابن كثير)) (4/289)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). قال ابن عاشور: (معنى تبَوُّؤِ البيوتِ لِقَومِهما أن يأمُرا قومَهما باتخاذِ البُيوتِ على الوصفِ الذي يأمُرانِهم به، وإذ قد كان لبني إسرائيلَ ديارٌ في مصرَ مِن قَبلُ- إذ لا يكونونَ قاطنينَ مِصرَ بدون مساكِنَ-.. لا جرم أن تكونَ البيوتُ المأمورُ بتَبَوُّئِها غيرَ البُيوتِ التي كانوا ساكِنيها... فالذي يظهَرُ أنَّ هذه البيوتَ خِيامٌ أو أخصاصٌ أمَرَهم الله باتِّخاذِها تهيئةً للارتحالِ، وهي غيرُ ديارِهم التي كانوا يسكُنونَها). ((تفسير ابن عاشور)) (11/265). .
وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً .
أي: واجعَلوا مَساكِنَكم مساجِدَ تصلُّونَ فيها [1063] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/254)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 506)، ((تفسير الزمخشري)) (12/254)، ((تفسير القاسمي)) (6/56)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). وممن اختار هذا المعنى المذكور: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، والزمخشريُّ، والقاسمي، والسعدي. يُنظر: المصادر السابقة. .
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ.
أي: وأدُّوا ما أمَرَكم اللهُ به من الصَّلَواتِ بحُدودِها في أوقاتِها [1064] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/260)، ((تفسير ابن كثير)) (4/289)، ((تفسير الشوكاني)) (2/531)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). .
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
أي: وبَشِّر- يا موسى- المؤمنينَ بالنَّصرِ والثَّوابِ [1065] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/139)، ((تفسير القرطبي)) (8/373)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/10)، ((تفسير ابن كثير)) (4/289)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). .
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّه لَمَّا ختَمَ الآيةَ السابقةَ ببِشارةِ المؤمنينَ، وكان هلاكُ المُشانئِ مِن أعظَمِ البَشائِرِ، وكان ضلالُ فِرعونَ وقَومِه بالزِّينةِ والمالِ إضلالًا لِغَيرِهم، سأل موسى عليه السَّلامُ إزالةَ ذلك كلِّه؛ للرَّاحةِ مِن شرِّه [1066] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/179). .
وأيضًا فإنَّ موسى عليه السَّلامُ لَمَّا بالغَ في إظهارِ المُعجِزاتِ الظَّاهرةِ القاهرةِ، ورأى القومَ مُصرِّينَ على الجُحودِ والعِنادِ والإنكارِ، أخذ يدعو عليهم، ومن حَقِّ مَن يدعو على الغيرِ أن يذكُرَ أوَّلًا سبَبَ إقدامِه على تلك الجرائِمِ، وكان جُرمُهم هو أنَّهم لأجلِ حُبِّهم الدُّنيا تَرَكوا الدِّينَ؛ فلهذا السَّبَبِ قال موسى عليه السَّلامُ [1067] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (17/292). ، فيما يحكيه الله عنه:
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أي: وقال موسى: يا رَبَّنا إنَّك أعطيتَ فِرعونَ وأشرافَ قَومِه زينةً يتزَيَّنونَ بها، كالأثاثِ، وأنواعِ الحُلِيِّ، والثِّيابِ، والبيوتِ، والمَراكِبِ، وأعطيتَهم أموالًا كثيرةً في هذه الحياةِ الدُّنيا [1068] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/261)، ((تفسير ابن عطية)) (3/139)، ((تفسير ابن كثير)) (4/290)، ((تفسير أبي السعود)) (4/172)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). .
رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
قراءةُ لِيُضِلُّوا بمعنى: ليُضِلُّوا النَّاسَ عن سبيلِك، ويَصُدُّوهم عن دينِك [1069] قرأ بها عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وخَلَف. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/262). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (12/261)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/383)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 335). .
قراءةُ لِيَضِلُّوا بمعنى: ليَضِلُّوا هم أنفُسُهم عن سبيلِك [1070] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/262). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (12/261)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/383)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 336). .
رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ.
أي: قال موسى: يا ربَّنا إنَّك أعطيتَهم الزِّينةَ والأموالَ استدراجًا منك؛ كي تفتِنَهم فيَضِلُّوا ويُضِلُّوا غيرَهم عن اتِّباعِ دينِك؛ عقوبةً منك لهم [1071] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/261)، ((تفسير ابن عطية)) (3/139)، ((تفسير ابن كثير)) (4/290). ذهب بعض المفَسِّرين إلى أنَّ اللام في قوله تعالى: لِيُضِلُّوا هي لامُ كي (لام التعليل)، وممن اختار ذلك: ابنُ جريرٍ، وابنُ كثيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/263)، ((تفسير ابن كثير)) (4/290). قال ابن كثير: (رَبَّنَا لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكِ- بفتح الياء- أي: أعطيتَهم ذلك وأنت تعلَمُ أنَّهم لا يؤمِنونَ بما أرسلتَني به إليهم؛ استدراجًا منك لهم، كما قال تعالى: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ. وقرأ آخرون: لِيُضِلُّوا بضم الياء، أي: ليفتَتِنَ بما أعطيتَهم من شئتَ مِن خَلقِك، ليظُنَّ مَن أغويتَه أنَّك إنما أعطيتَ هؤلاءِ هذا؛ لحُبِّك إيَّاهم واعتنائِك بهم). ((تفسير ابن كثير)) (4/290). وذهَب بعضُهم إلى أنَّها لامُ العاقبةِ والصيرورةِ. وممن اختار ذلك: القرطبيُّ. يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/374)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/268). .
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا تقَدَّم ذِكرُ الأموالِ- وهي أعَزُّ ما ادُّخِر- دعا بالطُّموسِ عليها [1072] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/99). .
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ.
أي: يا ربَّنا أتْلِفْ أموالَ فِرعونَ ومَلَئِه، فلا ينتَفِعوا بها [1073] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/263)، ((البسيط)) للواحدي (11/293)، ((تفسير القرطبي)) (8/374)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). .
وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ.
أي: واطبعْ- يا ربَّنا- على قلوبِهم بالكُفرِ، واجعَلْها قاسيةً [1074] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/267)، ((البسيط)) للواحدي (11/295)، ((تفسير ابن عطية)) (3/139)، ((تفسير القرطبي)) (8/374)، ((تفسير الشوكاني)) (2/532)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 97)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372). .
فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ.
أي: فلا يُؤمِنوا بالحَقِّ حتى يُعايِنوا العذابَ المُوجِعَ الذي يَهلِكونَ به، فلا ينفعُهم إيمانُهم حينئذٍ [1075] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/268)، ((تفسير أبي السعود)) (4/172)، ((تفسير الشوكاني)) (2/533)، ((تفسير الألوسي)) (6/162). ذهب ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما إلى أنَّ العذابَ الأليمَ هنا: هو الغَرَقُ، وبه قال الواحديُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/270)، ((البسيط)) للواحدي (11/297). .
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89).
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا.
أي: قال الله: قد أجبتُ دَعوتَكما- يا موسى وهارونُ- على فِرعونَ ومَلَئِه [1076] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/270)، ((تفسير البغوي)) (2/432)، ((جامع الرسائل)) لابن تيمية (1/208)، ((تفسير الخازن)) (2/459)، ((تفسير أبي السعود)) (4/172). .
فَاسْتَقِيمَا .
أي: فاستَقِيما واثْبُتا على دينِكما، واستمِرَّا على دعوةِ فِرعونَ وقومِه إلى الحَقِّ إلى أن يأتيَهم العذابُ [1077] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/272)، ((البسيط)) للواحدي (11/298)، ((تفسير ابن عطية)) (3/140)، ((تفسير ابن كثير)) (4/291)، ((تفسير السعدي)) (ص: 372)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/273). .
وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ.
أي: ولا تسلُكا طريقَ الذين يَجهَلونَ أنَّ اللهَ لا يُخلِفُ الميعادَ، فيَستعجِلونَ وعيدَه وقضاءَه، فعذابي واقعٌ بفِرعونَ وقَومِه [1078] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/273)، ((البسيط)) للواحدي (11/301)، ((تفسير ابن عطية)) (3/140)، ((تفسير القرطبي)) (8/376). .

الفوائد التربوية:


قولُ الله تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قدَّم بين يدَي الدُّعاءِ ما آتاهم اللهُ مِن النِّعمةِ في الدُّنيا، وكان اللائقُ أن يكونَ ذلك سببًا للإيمانِ به ولِشُكرِ نِعَمِه، فجَعَلوا ذلك سببًا لِجُحودِه ولكُفرِ نِعَمِه [1079] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/99). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قال الله تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ استشكلَ بعضُ النَّاسِ هذه الآيةَ، فقال: كيف دعا عليهم، وحُكمُ الرُّسُلِ استدعاءُ إيمانِ قَومِهم؟ فالجوابُ: أنَّه لا يجوزُ أن يدعوَ نبيٌّ على قَومِه إلَّا بإذنٍ مِن اللهِ، وإعلامٍ أنَّه ليس فيهم من يؤمِنُ، ولا يخرجُ مِن أصلابِهم مَن يُؤمِنُ، دليلُه قَولُه تعالى لنوحٍ عليه السَّلامُ: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود: 36] وعند ذلك قال: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [1081] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/375). [نوح: 26].
في قَولِه تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ دليلٌ على جوازِ الدُّعاءِ على الظَّالمِ المعَيَّنِ بما يَستلزِمُ النَّقصَ في دينِه، وليس هو مِن طلَبِ وقوعِ المَعصيةِ، ولكِنْ مِن حيثُ إنَّه يؤدِّي إلى نِكايةِ الظَّالمِ وعُقوبتِه [1082] يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (2/241). .
قَولُه تعالى: وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ الشَّدُّ على القَلبِ: هو الصَّدُّ والمَنعُ، وهذا الشدُّ والتقسيةُ مِن كمالِ عَدْلِ الربِّ سُبحانه في أعدائِه؛ حيث جعَلَه عقوبةً لهم على كُفرِهم وإعراضِهم- وهذا كعُقوبتِه لهم بالمصائِبِ- ولهذا كان محمودًا عليه، فهو حسَنٌ منه سُبحانه، وأقبحُ شيءٍ منهم؛ فإنَّه عَدْلٌ منه وحِكمةٌ، وهو ظُلْمٌ منهم وسَفَهٌ، فالقضاءُ والقَدَرُ فِعلُ عادلٍ حكيمٍ غَنيٍّ عليمٍ، يضعُ الخَيرَ والشَّرَّ في أليقِ المواضِعِ بهما [1083] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 97). .
قَولُ الله تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا دليلٌ على أنَّ اللهَ يفعَلُ ذلك بمن يَشاءُ، ولولا ذلك ما حسُنَ مِن موسى هذا السُّؤالُ [1084] يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (2/557). .
قال الله تعالى: فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ جعلَ رُؤيةَ العَذابِ نهايةً وغايةً، وذلك لعِلمِه مِن قِبَلِ اللهِ أنَّ الذي يؤمن عند رؤيةِ العَذابِ لا ينفَعُه إيمانُه في ذلك الوقتِ، ولا يُخرِجُه مِن كُفرِه، ثم أجاب اللهُ هذه الدَّعوةَ في فرعونَ نَفسِه [1085] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/139). .
في قوله تعالى: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا بعد قَولِه تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ دلالةٌ على أنَّ فِرعونَ مات كافِرًا؛ لأنَّ اللهَ استجابَ دعوةَ موسى وهارون أنَّ فِرعونَ ومَلأَه لا يُؤمِنونَ حتى يَرَوا العذابَ الأليمَ [1086] يُنظر: ((جامع الرسائل)) لابن تيمية  (1/208). .
في قَولِه تعالى: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا إن قال قائِلٌ: كيف نُسِبَت الإجابةُ إلى اثنينِ، والدُّعاءُ إنَّما كان من واحدٍ؟ قيل: إنَّ الداعيَ وإن كان واحدًا، فإنَّ الثانيَ كان مؤَمِّنًا وهو هارونُ؛ فلذلك نُسِبَت الإجابةُ إليهما، لأنَّ المؤَمِّنَ داعٍ [1087] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/270)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (23/118). ، وقيل: إنَّما أُضيفَت الدَّعوةُ إلى ضميرِ التَّثنيةِ المخاطَبِ به موسى وهارونُ- وإن كانَت الدَّعوةُ إنَّما حُكِيَت عن موسى عليه السَّلامُ وحْدَه-؛ لأنَّ موسى عليه السَّلامُ دعا لِما كان هارونُ مُواطِئًا له، وقائِلًا بمِثلِه؛ لأنَّ دعوتَهما واحدةٌ [1088] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/272). .
قَولُ الله تعالى: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا بناه للمَفعولِ، والبناءُ للمَفعولِ أدَلُّ على القُدرةِ وأوقعُ في النَّفسِ، من جهةِ الدَّلالةِ على الفاعِلِ بالاستدلالِ [1089] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/182). .

بلاغة الآيات:


قوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
قولُه: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ فيه تنويعُ الخطابِ، حيث ثَنَّى أوَّلًا، ثمَّ جمَع، ثمَّ وحَّدَ آخِرًا؛ فخُوطِبَ موسى وهارونُ عليهما السَّلامُ أن يتَبوَّآ لقومِهما بُيوتًا، ويَختاراها للعِبادةِ، وذلك ممَّا يفوَّضُ إلى الأنبياءِ، ثمَّ سيقَ الخطابُ عامًّا لهما ولِقَومِهما باتِّخاذِ المساجدِ والصَّلاةِ فيها؛ لأنَّ ذلك واجبٌ على الجمهورِ، ثمَّ خُصَّ موسى عليه السَّلامُ بالبِشارةِ الَّتي هي الغرَضِ؛ تعظيمًا لها وللمُبشَّرِ بها [1090] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/364)، ((تفسير أبي حيان)) (6/97). .
وعَطفُ جملةِ: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ على ما قبلَها يؤذِنُ بأنَّ ما أُمِروا به مِن اتِّخاذِ البيوتِ، أمْرٌ بحالةٍ مُشعِرةٍ بتَرقُّبِ أخطارٍ وتَخوُّفٍ؛ فإنَّهم قالوا: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً...؛ فأمر موسى أن يُبشِّرَهم بحُسنِ العاقبةِ، وأنَّهم مَنصورون على عَدوِّهم، وناجون منه [1091] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/267). .
قوله تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
في قولِه: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا توطِئةٌ للدُّعاءِ عليهم؛ فليس المقصودُ به حَقيقةَ الإخبارِ؛ ضرورةَ أنَّ موسى يوقِنُ أنَّ اللهَ يَعلَمُ ذلك، فتَعيَّن أنَّ الخبَرَ مُستعمَلٌ في التَّمهيدِ لطَلبِ سَلْبِ النِّعمةِ عَنهم في قولِهم: لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ، ثمَّ الانتقالِ إلى الدُّعاءِ بسَلبِ ما أُوتوه [1092] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/268). .
واقترانُ الخبرِ بحَرفِ (إنَّ) في قولِه: إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ... مقصودٌ به الاهتمامُ بهذا المعنى الَّذي استُعمِل فيه الخبرُ؛ إذ ليس المقامُ مَقامَ دَفعِ تردُّدٍ، أو دفعِ إنكارٍ [1093] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/268). .
وعلى القولِ بأنَّ اللَّامَ في لِيُضِلُّوا للعِلَّةِ- لأنَّ إيتاءَ النِّعَمِ على الكُفرِ استِدْراجٌ، وتثبيتٌ على الضَّلالِ، ولأنَّهم لَمَّا جعَلوها ذَريعةً إلى الضَّلالِ فكأنَّهم أُوتوها ليُضِلُّوا- فيَكونُ رَبَّنَا تكريرًا للأوَّلِ؛ تأكيدًا أو تنبيهًا على أنَّ المقصودَ عرضُ ضلالِهم وكُفرانِهم؛ تَقْدِمةً لقولِه تعالى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، ففيه إعادةُ النِّداءِ رَبَّنَا بينَ الجملةِ المعَلَّلةِ إِنَّكَ آتَيْتَ... والجملةِ المعلِّلةِ لِيُضِلُّوا؛ لِتَأكيدِ التَّذلُّلِ والتَّعرُّضِ للإجابةِ، ولإظهارِ التَّبرُّؤِ مِن قصدِ الاعتراضِ، وتوكيدًا للدُّعاءِ والاستغاثةِ [1094] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/366)، ((تفسير أبي حيان)) (6/99)، ((تفسير أبي السعود)) (4 /172)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/269). .
وأُعيد النِّداءُ ثالِثَ مرَّةٍ في قولِهم: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ؛ لِزيادةِ تأكيدِ التَّوجُّهِ والتَّضرُّعِ [1095] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/270). .
وتعدِيَةُ اطْمِسْ بـ(عَلَى)؛ لإرادةِ تَمكُّنِ الفعلِ مِن المفعولِ، أو لِتَضمينِ الطَّمسِ مَعْنى الاعتلاءِ بآلةِ المحوِ والإزالةِ؛ فطَمْسُ الأموالِ إتلافُها وإهلاكُها [1096] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/270). .
قوله تعالى: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
قولُه: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فيه افتتاحُ الجملةِ بـ(قد)، والفعلُ الماضي أُجِيبَتْ يُفيدُ تَحقيقَ الحصولِ في المستقبَلِ؛ فشُبِّه بالمضيِّ [1097] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/272). .