موسوعة التفسير

سُورةِ الأنعام
الآيات (84 - 90)

ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ

غريب الكلمات:


وَذُرِّيَّاتِهِمْ: أي: أولادِهم، وأولادِ أولادِهم، و(ذُريَّة) مأخوذةٌ مِن (ذَرَأَ)، أي: خَلَق؛ لأنَّ  الذُّريَّة خَلْقُ اللهِ؛ يُقال: ذَرَأ اللهُ الخَلْقَ، أي: خَلَقَهم فهو يَذْرَؤُهم، وتُرِكتِ الهَمزةُ فيها؛ لكثرةِ ما يُتكلَّم بِها [1328] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 175)، ((تفسير ابن جرير)) (9/565)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1/230)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/352)، ((المفردات)) للراغب (ص: 327). .
وَاجْتَبَيْنَاهُمْ: اصطفَيناهم، وخصَّصْناهم بالفَضْل، والاجتباءُ: الجمعُ على طريقِ الاصطفاءِ، وأصلُ (جبي): يدلُّ على جمعِ الشَّيءِ، والتجمُّعِ [1329] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/503)، ((المفردات)) للراغب (ص: 186)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (1/98). .
لَحَبِطَ: أي: بَطَل؛ فالحَبَط: البُطلانُ والألَم، وأصْلُه: أن تُكْثِرَ الدابَّةُ أكلًا حتى ينتفِخَ بطنُها، فتموتَ [1330] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 82)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 186)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 216)، ((النهاية)) لابن الأثير (1/331) . .
الْحُكْمَ: أي: الفَهمُ بالكِتابِ، ومعرفةُ ما فيه مِن الأحكامِ، وأصل (حكم): منْعٌ يُرادُ به إصلاحٌ، وهو المنعُ مِن الظُّلم، ومنه سُمِّي العَقلُ حَكَمةً؛ لأنَّه يمنعُ صاحبَه مِن الجَهلِ، والمنعُ جزءُ مِن معنى الإحكامِ لا جميعُ مَعْناه [1331] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 148)، ((تفسير ابن جرير)) (9/387)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/91)، ((المفردات)) للراغب (ص: 248)، ((الإكليل في المتشابه والتأويل)) لابن تيمية (ص: 11)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 191). .
اقْتَدِهْ: أي: اهتَدِ واتَّبِعْ، واعْمَلْ وخُذْ به واسْلُكْه، وأصلُ (قدو): اقتباسٌ بالشَّيءِ واهتداءٌ [1332] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/391)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/66)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 373). .

المعنى الإجمالي:


يُخْبِر تعالى أنَّه وَهَب لإبراهيمَ ابنَه إسحاقَ، وابنَ ابنِه يعقوبَ، وقد هداهم كلَّهم إلى الصِّراطِ المستقيمِ، ونوحًا هداه اللهُ من قبلهم، وهدى مِن ذُرِّيَّتِه داودَ، وسليمانَ، وأيُّوبَ، ويوسُفَ، وموسى، وهارونَ؛ عليهم السَّلامُ، وكما جزى اللهُ هؤلاء الرُّسُلَ فوفَّقَهم للصِّراطِ المُستقيمِ، فسيَجزي هذا الجزاءَ كُلَّ مَن أحسَنَ عَمَلَه للهِ.
وهدَى سبحانه وتعالى زكريَّا ويَحيَى وعيسى وإلياسَ، وكلُّ هؤلاءِ مِن الصَّالحينَ، وإسماعيلَ واليَسَعَ ويونُسَ ولوطًا هداهم كذلِك، وكُلًّا فَضَّلَهم اللهُ على العالَمينَ.
وهدَى الله أيضًا بعضًا مِن آباءِ مَن تقدَّم ذِكْرُهم من الأنبياءِ والمُرسَلينَ، وبعضَ ذُرِّيَّاتِهم، وبعضَ إخواِنهم، واصطفاهم واختارَهم لِدِينِه، وهداهم إلى الصِّراطِ المُستقيمِ.
ذلك الهُدى الذي هدى اللهُ به من تقدَّمَ ذِكْرُهم هو هُدى اللهِ، الذي لا هُدى إلَّا هُداه، فيوفِّقُ لإصابَةِ الحَقِّ من يشاءُ مِن عِبادِه، ولو أشرك هؤلاءِ الأنبياءُ والمُرْسَلونَ بالله تعالى غَيرَه، لبَطَلَ وذَهَبَ عنهم أجْرُ ما عَمِلوه من الخَيرِ.
ثم أخبَرَ تعالى أنَّ هؤلاءِ الأنبياءَ والرُّسُلَ المذكورينَ همُ الذينَ أعطاهم الكتبَ المنزلةَ عليهم، ومعرفةَ ما فيها مِن أحكامٍ، والنبوَّةَ، فإنْ يكفُرْ بها هؤلاءِ من كفَّارِ قريشٍ وغيرِهم مِن سائِرِ أهْلِ الأَرضِ؛ فقد وكَّلَ اللهُ تعالى بها قومًا آخَرينَ وَفَّقَهم للإيمانِ بها.
ثم بيَّنَ تعالى أنَّ أولئك الأنبياءَ والرُّسُلَ همُ الذين هداهُم اللهُ لدِينِه الحَقِّ، والقيامِ به واتِّباعِه، وأمَرَ نبيَّه محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَقتدِيَ بهداهم، وأنْ يقول للمُشركينَ: لا أسأَلُكم على تبليغي إيَّاكم الدِّينَ أجرًا، إنْ هو إلَّا تذكيرٌ وعِظَةٌ للعالَمينَ.

تفسير الآيات:


وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَر اللهُ تعالى عبدَه وخليلَه، إبراهيمَ عليه السَّلامُ، وذَكَر ما مَنَّ اللهُ عليه به؛ من العِلْم والدَّعوةِ، والصَّبْر- ذَكَرَ ما أكرَمَه اللهُ به من الذُّرِّيةِ الصَّالحَةِ، والنَّسْل الطيِّبِ، وأنَّ اللهَ جَعَلَ صفوةَ الخَلقِ مِن نَسْلِه، وأَعْظِمْ بهذه المنقَبَةِ والكرامَةِ الجسيمةِ، التي لا يُدْرَكُ لها نظيرٌ [1333] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 263). ! فقال تعالى:
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا.
أي: مَنَحْنا إبراهيمَ عليه السَّلامُ ابنَه إسحاقَ وابنَ ابنِه يعقوبَ، وقد هَدَيْنا جميعَهم الصِّراطَ المستقيمَ، ووفَّقْناهم للحَقِّ القويمِ [1334] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/381)، ((تفسير ابن كثير)) (3/297)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/450-453). .
كما قال سبحانه: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [مريم: 49-50].
وقال عزَّ وجلَّ: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27].
وقال تعالى: وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: 71].
وقال سبحانه: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص: 45- 47].
وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ.
مناسَبَتُها لما قَبْلَها:
لَمَّا ذَكَرَ شَرَف أبناءِ إبراهيمَ، ذَكَرَ شَرَفَ آبائِه؛ فذكَرَ نوحًا [1335] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/573). ، فقالَ:
وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ.
أي: وهَدَينا نوحًا مِن قبلِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، فوفَّقناهُ للحَقِّ [1336] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/381)، ((تفسير ابن كثير)) (3/297)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/453-454). .
وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ.
أي: وهَدَيْنا أيضًا من ذريَّةِ نوحٍ دَاودَ وسُليمانَ وأيُّوبَ ويوسُفَ وموسى وهارونَ، عليهم السَّلامُ [1337] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/381-382)، ((تفسير ابن كثير)) (3/297-298)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/455-457). واختار أنَّ الضميرَ في ذُرِّيَّتِهِ يعودُ على نوحٍ عليه السَّلام: ابنُ جريرٍ في ((تفسيره)) (9/381-382)، وابنُ عطيةَ في ((تفسيره)) (2/316)، وابنُ عاشورٍ في ((تفسيره)) (7/338). وممن قال من السَّلف بذلك: ابنُ عبَّاس، ومقاتلٌ. يُنظر: ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/50). واختار أنَّ الضمير يعودُ على إبراهيمَ عليه السَّلام: القرطبي في ((تفسيره)) (7/31). وممن قال مِن السَّلف بذلك: عطاءٌ، ويحيى بنُ يعمرَ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (4/1335)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/50). .
وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.
أي: وكما جَزَيْنا هؤلاءِ الرُّسُلَ الكِرامَ، فوفَّقناهم لطريقِ الصَّوابِ؛ لحُسْنِ طاعَتِهم إيَّانا، وصَبْرِهم على الْمِحَن فينا، كذلك نَجزي بهذا الجزاءِ الحَسَنِ كلَّ مَن أحسَنَ عَمَلَه لله تعالى، فنجعَلُ له أيضًا من التَّوفيقِ، وإصابَةِ الحَقِّ، والثَّناءِ الجميلِ، والذريَّةِ الصَّالحةِ، بحَسَب إحسانِه [1338] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/382)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/457-458). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17].
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85).
أي: وهدَيْنا للحَقِّ أيضًا زكريَّا ويحيى وعيسى وإلياسَ، وهؤلاءِ من الصَّالحينَ في نِيَّاتِهم وأخلاقِهم، وأعمالِهم وعُلومِهم [1339] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/382-383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/462). .
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86).
أي: وهدَيْنا للحَقِّ أيضًا إسماعيلَ والْيَسَع ويونُسَ ولوطًا، وفضَّلناهم على العالَمينَ في أزمانِهم [1340] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/384-385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/462-466). .
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (87).
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا نَصَّ اللهُ سبحانه على مَن ذَكَر من الأنبياءِ عليهم السَّلام، وخَتَم بتفضيلِ كلٍّ على العالَمينَ- أتبَعَه على سبيلِ الإجمالِ أنَّ غيرَهم كان مَهدِيًّا، فرَغَّبَ في سلوكِ هذا السَّبيلِ بكثرَةِ سالِكيه، وحَثًّا على منافَسَتِهم في حُسنِ الاستقامةِ عليه، والسُّلوكِ فيه [1341] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/180). .
وأيضًا لَمَّا بيَّن اللهُ تعالى هؤلاءِ الرُّسُلَ الكِرامَ، ذَكَرَ أنَّه هدى بعضَ أُصولِهم وفُروعِهم وبَعضَ حواشِيهم [1342] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/466). ، فقال:
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (87).
أي: وهَدَيْنا أيضًا بعضَ آباءِ مَن تقدَّم ذِكْرُهم؛ من الأنبياءِ والرُّسُلِ الكرامِ عليهم السَّلامُ، وهدَيْنا بعضَ ذُرِّيَّاتهم، وبعضَ إخوانِهم، واختَرْناهم لِدينِنا، وإبلاغِ رِسالَتِنا إلى من أَرْسَلْناهم إليه، وسدَّدْناهم، فأرشَدْناهم إلى طريقِ الحقِّ الذي لا عِوَجَ فيه، والدِّينِ الخالِصِ الذي لا شِرْكَ فيه، فوفَّقناهم لاتِّباعِه [1343] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/385-386)، ((الوجيز)) للواحدي (364)، ((تفسير السعدي)) (ص: 264)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/349-350)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/466-467). .
ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (88) .
ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ.
أي: هذا الهُدى الذي هُدِيَ به أولئك الأنبياءُ والرُّسُلُ، فوُفِّقُوا للحَقِّ، هو هُدَى اللهِ الذي لا هُدَى إلا هُداه، فيُوفِّقُ لإصابةِ الحَقِّ مَن يَشاءُ اللهُ هدايَتَه من عبادِه [1344] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/386)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 264)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/467). .
وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ.
أي: ولو أنَّ هؤلاء الأنبياءَ والرُّسُلَ الكِرامَ الذين هداهم اللهُ أَشْرَكوا بِرَبِّهم سبحانه وتعالى- على سبيلِ الفَرْضِ والتقديرِ- لبَطَلَ وذهب عنهم أجْرُ جميعِ ما عَمِلوه من الخيرِ؛ فاللهُ تعالى لا يَقبَلُ مع الشِّرْك به عملًا، فلا مجاملةَ مع التوحيد. [1345] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/387)، ((تفسير السعدي)) (ص: 264)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/468). قال ابنُ كَثير: (وهذا شرْطٌ، والشرْطُ لا يَقتضي جوازَ الوقوع؛ كقوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: 81]، وكقوله: لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء: 17]، وكقوله: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الزمر: 4]) ((تفسير ابن كثير)) (3/299). وقد ذكر بعض أهل العِلم أنَّ حبوطَ عمَلِ المرء مقيَّدٌ بما لو مات على الشِّرك بالله تعالى؛ بدليل قوله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [البقرة: 217]. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/468-470).
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر: 65-66].
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ (89) .
مناسبةُ الآيةِ لما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ أنَّه تعالى فضَّلَهم واجتباهم وهداهم؛ ذَكَرَ ما فُضِّلوا به [1346] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/577). ، فقال تعالى:
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ.
أي: أولئك الَّذين سَمَّيناهم من الأنبياءِ والرُّسُلِ عليهم السَّلام، هم الذين أعطيناهم الكِتابَ، كصُحُفِ إبراهيمَ، وتوراةِ موسى، وزبورِ داودَ، وإنجيلِ عيسى عليهم السَّلامُ، ومنَحْناهم الفَهْمَ بالكتابِ، ومعرفةَ ما فيه من الأحكامِ، والاطِّلاعَ على دقائِقِه، وأكْرَمْناهم بجَعْلِهم أنبياءَ [1347] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/387)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/475-476). .
فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ.
أي: فإنْ يَكفُرْ- يا محمَّدُ- قومُك مِن كفَّارِ قريشٍ [1348] واختار أنَّ المراد بـهؤلاء كفارُ قريشٍ: ابنُ جريرٍ، والواحديُّ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عاشورٍ، والشنقيطيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/390)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/296)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/353)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/477). قال ابنُ عاشورٍ: (وقد تقصَّيت مواقعَ آيِ القرآنِ فوجدتُه يعبِّر عن مشركي قريشٍ كثيرًا بكلمة (هؤلاء)، كقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ [الزخرف: 29] ولم أرَ مَن نبَّه عليه مِن قبلُ) ((تفسير ابن عاشور)) (7/353). واختار ابنُ عطيةَ والقرطبيُّ أنَّ الإشارةَ تعودُ إلى كفَّار قريشٍ وغيرِهم مِن الكفَّار في عصرِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/318)، ((تفسير القرطبي)) (7/34). بما آتيناكَ من الكتابِ والحُكْمِ والنبوَّةِ [1349] قيل: المرادُ يَكفُرون بهذه الثلاثة، وقيل: يَكفُرون بالنبوَّة، وقيل: يكفرون بالقُرآن. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/388)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/476-477). ، فقد رزَقْناها قومًا آخرينَ [1350] قيل: المرادُ بالقوم الآخَرين: الأنبياءُ الثَّمانيةَ عَشَرَ الذين سمَّاهم اللهُ تعالى ذِكرُه في الآياتِ قبلَ هذه الآية. وهذا اختيارُ ابن جرير في ((تفسيره)) ((9/390-391)، واستظهره الشِّنقيطيُّ في ((العذب النمير)) (1/478). وقيل المراد: المهاجِرون والأنصارُ وأتْباعهم إلى يومِ القِيامة. وهذا اختيار ابن كثير في ((تفسيره)) (3/299). وقيل: تَشملُ كلَّ مؤمنٍ آمَن بالله عزَّ وجلَّ. يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/478). ويرَى الشِّنقيطيُّ أنَّه لا تعارُضَ بين هذه الأقوال، حيث قال: (وهؤلاءِ القومُ المؤمنون- الذين هُم ليسوا بها بكافرين، الذين وكَّلهم الله بالإيمانِ بها- للعلماءِ فيهم أوجهٌ مِن التَّفسير، لا يُكذِّب بعضُها بعضًا) ((العذب النمير)) (1/477). ، وفَّقْناهم للإيمانِ بها، وهيَّأْناهم لها؛ حتى يَقوموا بها، ويُحافِظُوا عليها؛ فيعبُدوني ويوحِّدوني كما ينبغي [1351] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/388-391)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/476-478). .
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)   .
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ.
أي: أولئك الأنبياءُ والرُّسُلُ الكرامُ، هم الذين هداهم اللهُ لِدينِه الحَقِّ، والقِيامِ به، واتِّباعه، فَسِرْ خَلْفَهم- يا محمَّدُ- واتَّبِعْ مِلَّتَهم، واعْمَلْ بما عَمِلوا، وخُذْ سبيلَهم الذي سلكوا [1352] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/391-392)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 264)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/480، 489). والهاءُ في قولِه: اقْتَدِهْ هي هاءُ السَّكْت دخلَتْ لتتبيَّنَ بها حركةُ الدَّالِ. ينظر: ((إعراب ثلاثين سورة)) لابن خالويه (ص: 164)، ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/260)، ((إتحاف فضلاء البشر)) للبناء (ص: 140). .
قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا.
مناسَبَتُها لما قَبْلَها:
لَمَّا أمَرَه تعالى بالاقتداءِ بهُدى الأنبياءِ- عليهم السَّلامُ- المتقدِّمينَ، وكان من جملةِ هُداهم تَرْكُ طَلَبِ الأجرِ في إيصالِ الدِّينِ، وإبلاغِ الشَّريعةِ؛ لا جَرَمَ اقتدَى بهم في ذلك، فقال [1353] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/58). :
قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا.
أي: قلْ- يا محمَّدُ- لِمُشْركي قومِك: لا أسأَلُكم على تذكيري إيَّاكم، ودعوتي لكم، وإبلاغِكم هذا القرآنَ، أُجْرةً أنالُها منكم [1354] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/393)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 264)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/480، 489). .
وهذه عادةُ كلِّ الأنبياءِ؛ يُبلِّغونَ العِلمَ من غير أنْ يأخُذوا عليه جُعْلًا؛ اتَّبِعُوْا الْمُرْسَلِيْنَ * اتَّبِعُوْا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا [يس: 20-21]، قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ [سبأ: 47]، وقد ذكَر اللهُ قَصَص الأنبياءِ في سورةِ الشُّعراء؛ قصَّةَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ، كلُّ واحدٍ يقولُ: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِيْنَ [الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180]، وذكَرَ عن نوحٍ: وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود: 29]، وهذه عادةُ الرُّسُل؛ يُبلِّغون ويبذُلونَ العِلمَ والنَّصائِحَ والخَيرَ مجَّانًا مِن غيرِ عِوَضٍ في ذلك [1355] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/494-495). .
إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ.
أي: وما ودَعْوتي، وتَبليغي القرآنَ الذي جئتُ به، إلَّا تذكيرٌ، وعِظَةٌ للعالَمينَ، فيتذكَّرونَ، ويتَّعظونَ بما فيه من الغرائِبِ والعجائِبِ، فيَرشُدونَ مِنَ العَمَى إلى الهُدى، ومِنَ الكُفْر إلى الإيمان، ويتذكَّرونَ بأْسَ اللهِ أن يحُلَّ بهم، وسَخَطَه أن يَنْزِلَ بهم على شِرْكهم وُكْفِرهم به، ويتذكَّرون ما ينفَعُهم فيفعلونَه، وما يضرُّهم فيترُكونَه، ويتذكَّرون معرفةَ رَبِّهم بأسمائِه وأوصافِه، ويتذكَّرونَ به الأخلاقَ الحميدةَ وما يُوصِلُ إليها، والأخلاقَ الرذيلةَ، وما يُفْضي إليها [1356] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (9/393)، ((تفسير ابن كثير)) (3/299)، ((تفسير السعدي)) (ص: 264)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/496). .

الفوائد التربوية:


1- قال تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا كان هذا مجازاةً لإبراهيمَ عليه السَّلامُ، حين اعتزَلَ قَومَه وتَرَكَهم، ونَزَح عنهم، وهاجَرَ من بلادهم؛ ذاهبًا إلى عبادَةِ اللهِ في الأرض، فعوَّضَه اللهُ عزَّ وجلَّ عن قومِه وعَشيرَتِه بأولادٍ صالحينَ مِن صُلْبِه على دِينهِ؛ لَتَقَرَّ بهم عينُه؛ لأنَّه هَجَر الوطنَ للهِ تعالى، وخرَج عن الأَقرباءِ والأحبَّاءِ، وقد أوضَحَ الله ذلك في سورةِ مريمَ؛ حيث قال: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُوْنِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوْبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا [مريم: 49]، ويُفهَم من هذه الآياتِ: أنَّ مَن هَجَر الأوطانَ والأقارِبَ للهِ أقَرَّ اللهُ عينَه مِن ظَهْرِه بما يُسَلِّيه عنهم [1357] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/297)، ((القواعد الحسان)) للسعدي (ص: 164)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/453). .
2- قوله تعالى: وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّ مَن أحسَنَ العمَلَ لله زادَه اللهُ هُدًى؛ لأنَّ التشبيهَ في قوله: وَكَذَلِكَ نَجْزِيْ عائدٌ إلى الهُدى في قوله: كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوْحًا هَدَيْنَا [1358] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/458). .
3- أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى هو المتفَضِّلُ بالهداية على العبادِ؛ يُبَيِّن ذلك قولُه تعالى: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [1360] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/434). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ الله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ابتدأَ سبحانه بهما عليهما السَّلامُ؛ لأنَّ السِّياقَ للامتنانِ على إبراهيمَ الخليلِ عليه السَّلامُ، وهو أشدُّ سُرورًا بابْنِه الذي مُتِّعَ به، ولم يؤْمَر بفراقِه، وابنِ ابنِه الذي أكثرُ الأنبياءِ الدَّاعينَ إلى اللهِ مِن نَسْلِه ومن خواصِّه، وهو الموجِبُ الأعظمُ للبَداءةِ أنَّ أبناءَه طَهَّروا الأرضَ المُقدَّسَة التي هي مُهاجَرُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، ومُختارُه للسُّكْنى بنفْسِه ونَسْلِه، بل مُختارُ اللهِ له ولهم بَعْدَه بِمُدَدٍ، طَهَّروها من الشِّرْك وعبادَةِ الأوثانِ، ودَعَوْا إلى الله، ونَوَّروا الأرضَ بعبادَتِه [1361] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/170). .
2- في قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ... ذَكَر في مَعرِض الامتنانِ مِن أولادِ إبراهيمَ إسحاقَ، ولم يَذكُر معه إسماعيلَ، بل أخَّره عنه بدَرجاتٍ، مع أنَّه أكبرُ منه؛ وذلك لأنَّ المِنَّةَ كانت في هِبةِ إسحاقَ أظهرَ، أو لأنَّ المقصودَ بالذِّكرِ هاهنا أنبياءُ بني إسرائيلَ، وهم بأَسْرِهم أولادُ إسحاقَ ويعقوبَ، وأمَّا إسماعيلُ فإنَّه ما خرج من صُلْبِه أحدٌ من الأنبياءِ إلَّا محمدٌ صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسَلَّمَ، ولا يجوزُ ذِكْرُ محمَّدٍ عليه الصلاةُ والسَّلامُ في هذا المقامِ، لأنَّه تعالى أمَرَ محمدًا عليه الصَّلاة والسَّلامُ أن يحتَجَّ على العَرَبِ في نَفْيِ الشِّرْكِ بالله بأنَّ إبراهيمَ لَمَّا تَرَكَ الشِّرْك، وأصَرَّ على التوحيدِ رَزَقَه اللهُ النِّعَمَ العظيمةَ في الدِّينِ والدنيا، ومن النِّعَم العظيمةِ في الدُّنيا أنْ آتاه اللهُ أولادًا كانوا أنبياءَ ومُلوكًا، فإذا كان المحتَجُّ بهذه الحُجَّة هو محمدٌ عليه الصلاةُ والسَّلام امتنع أن يَذْكُرَ نَفْسَه في هذا المَعْرِض؛ فلهذا السَّبَبِ لم يُذْكَر إسماعيلُ مع إسحاقَ [1362] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/51)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 170). .
3- مِن تمامِ إقرارِ العينِ بالوَلَدِ كونُه صالحًا مَهدِيًّا؛ لأنَّ الوَلَدَ إذا كان غيرَ صالحٍ لم يَكُنْ قُرَّةَ عينٍ، فهِبَتُه والنِّعمةُ به إنَّما تَتِمُّ إذا كان مَهْدِيًّا، لا إنْ كان غيرَ مهدِيٍّ؛ ولذا قال: كُلًّا هَدَيْنَا [1363] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/453). .
4- في قولِ الله تعالى: وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ إنَّما ذَكَرَ نوحًا؛ لأنَّه جَدُّ إبراهيمَ عليه السَّلام؛ فهو لبيانِ نِعَمِ الله عليه في أفضَلِ أُصولِه؛ تمهيدًا لبيان نِعَمِه عليه في الكثيرِ من فُروعِه [1364] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/488). .
وأيضًا لَمَّا كانتْ قِصَّةُ نوحٍ شبيهةً بقصَّةِ إبراهيمَ؛ ذَكَرَه معه، وبَيَّنَ أنَّه هَدَى نُوحًا مِنْ قَبْلِ إبراهيمَ، كما هَدَى إِبْرَاهِيمَ؛ لأنَّ نبيَّ اللهِ نوحًا نشأَ في قومٍ يعبدونَ الأصنامَ، وهو أوَّلُ نبيٍّ أُرْسِلَ لقومٍ يَعبدونَ الأصنامَ، وجادلوه جدًّا في الأوثانِ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [نوح: 23- 24]، وكان يُجادِلُهم في عبادةِ الأصنامِ حتى قالوا له: قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود: 32]، وكان إبراهيمُ نشأَ في قومٍ يَعبدونَ أجرامَ السَّماءِ وأجرامَ الأَرْضِ كذلك، وخاصَمَهم مثلَ مُخاصَمَةِ نوحٍ [1365] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/453). .
وأيضًا لَمَّا كان ربَّما وَقَعَ في وَهْمٍ أنَّ هدايةَ كُلٍّ مِن إسحاقَ وابنِه بتربيةِ أبيه، ذَكَرَ من آباءِ الخليلِ نوحًا عليهما السَّلام؛ لدَفْعِ ذلك، ولأنَّ السِّياقَ لإنكارِ الأوثانِ، وهو أوَّلُ من نهى عن عبادَتِها، وهو أجَلُّ آباءِ الخليلِ عليه السَّلامُ [1366] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/171). .
5- قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ...وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ المقصودُ من هذه الآياتِ تعديدُ أنواعِ نِعَمِ اللهِ تعالى على إبراهيمَ عليه السَّلامُ جزاءً على قيامِه بالذَّبِّ عن دلائِلِ التَّوحيدِ [1367] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/51). .
6- قولُ الله تعالى: وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ، (مِن قبلُ) حالٌ من نوحًا؛ وفائدةُ ذِكْر هذا الحالِ التنبيهُ على أنَّ الهدايةَ مُتأصِّلةٌ في أصولِ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ [1368] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/338). ، وأثْبتَ الجارَّ مِنْ وقطَعَ قَبْلُ عنِ الإضافةِ؛ لتراخِي زمانِ إسحاقَ ويعقوب عليهما السَّلامُ كثيرًا عن زمانِ نوحٍ عليه السَّلام [1369] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/171-172). .
7- ذَكَرَ الله تعالى أوَّلًا أربعةً من الأنبياءِ؛ وهم: نوحٌ، وإبراهيمُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ، ثمَّ ذَكَر من ذُرِّيَّتِهم أربعةَ عَشَرَ من الأنبياءِ: داودَ، وسُليمانَ، وأيوبَ، ويوسفَ، وموسى، وهارونَ، وزكريَّا، ويحيى، وعيسى، وإلياسَ، وإسماعيلَ، والْيَسَعَ، ويونُسَ، ولوطًا، والمجموعُ ثمانيةَ عَشَر؛ فإنْ قيل: رِعايةُ الترتيب واجبةٌ، والترتيبُ إمَّا أن يُعتَبَر بحَسَب الفَضْل والدَّرَجة، وإمَّا أن يُعتَبَر بحسَبِ الزَّمانِ والمدَّة، والترتيبُ بحَسَب هذين النَّوعينِ غيرُ مُعتَبَر في هذه الآيةِ؛ فما السَّبَبُ فيه؟
فقيل: حرْف الواوِ لا يوجِبُ الترتيبَ، وأحدُ الدَّلائلِ على صِحَّةِ هذا المطلوبِ هذه الآيةُ؛ فإنَّ حرْف الواوِ حاصِلٌ هاهنا مع أنَّه لا يُفيدُ الترتيبَ البتَّةَ، لا بِحَسَب الشَّرَف، ولا بحَسَب الزَّمانِ، وقد يُقالُ: إنَّ هناكَ وجهًا مِن وجوهِ التَّرتيبِ؛ وذلك لأنَّه تعالى خَصَّ كلَّ طائفةٍ من طَوائِفِ الأنبياءِ بنوعٍ من الإكرامِ والفَضْل؛ فمِن المراتبِ المعتبَرة عند جمهورِ الخَلقِ: الملكُ والسُّلْطانُ والقُدرة، واللهُ تعالى قدْ أعطَى داودَ وسُليمانَ من هذا البابِ نصيبًا عظيمًا. والمرتبة الثانية: البلاءُ الشديدُ، والمحنةُ العظيمةُ، وقد خصَّ اللهُ أيُّوبَ بهذه المرتبةِ والخاصيَّة. والمرتبة الثالثة: مَن كان مُستجمِعًا لهاتينِ الحالتَينِ، وهو يُوسفُ عليه السَّلام؛ فإنَّه نال البلاءَ الشديدَ الكثيرَ في أوَّلِ الأمْر، ثم وصَلَ إلى المُلكِ في آخِرِ الأمْرِ. والمرتبة الرابعة: مِن فضائلِ الأنبياءِ عليهم السَّلام وخواصِّهم قوَّةُ المعجزاتِ وكثرةُ البَراهينِ، والمهابةُ العظيمةُ والصولةُ الشَّديدةُ، وتخصيصُ اللهِ تعالى إيَّاهم بالتقريبِ العظيمِ والتكريمِ التامِّ، وذلك كان في حقِّ موسى وهارون. والمرتبة الخامسة: الزُّهدُ الشَّديدُ، والإعراضُ عن الدُّنيا، وذلك كما في حقِّ زكريَّا ويحيى وعيسى وإلْياس. والمرتبة السَّادسة: الأنبياءُ الذين لم يَبْقَ لهم فيما بين الخَلْقِ أتْباعٌ وأشياع، وهم إسماعيلُ واليَسَعُ ويُونُسُ ولُوطٌ؛ فإذا اعتُبِرَ هذا الوجهُ، ظهَرَ أنَّ الترتيبَ حاصلٌ في ذِكرِ هؤلاءِ الأنبياءِ عليهم السَّلام بحسَب هذا الوَجهِ [1370] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/52- 53)، وينظر أيضًا: ((تفسير أبي حيان)) (4/573- 574). .
8- قول الله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ يدلُّ على أنَّ اسمَ الذريَّةِ يتناولُ الكِبارَ [1371] يُنظر: ((درء تعارض العقل والنقل)) لابن تيمية (8/484). .
9- قول الله تعالى: وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ لَمَّا كان يوسُفُ عليه السَّلامُ مِمَّن أعلى اللهُ كَلِمَتَه على كَلمةِ مَلِكِ مِصرَ، وأَعَزَّ مُلْكَها وأهْلَها وأَحياهم به- أتْبعَه مَن أَعْلى اللهُ كَلِمَتَهما على كَلمةِ مَلِكِ مِصرَ وأهْلِها، وأهلَكَهُم بهما، فكأنَّ بعضَ قَصَصِهم وِفاقٌ، وبعضُها تَقابُلٌ وطباقٌ [1372] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/175). .
10- قولُه تعالى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ فيه وصفُهم بالصَّالحين؛ لأنَّهم قد امْتازوا في الأنبياءِ عليهم السَّلامُ بشدَّةِ الزُّهْد في الدُّنيا والإعراضِ عن لذَّاتها، والرَّغبةِ عن زِينَتِها وَجَاهِها وسُلْطانِها؛ ولذلك خصَّهم هنا بوَصْفِ الصَّالحينَ، وهو أليَقُ بهم عند مُقابَلَتِهم بغَيرِهم، وإنْ كان كلُّ نبيٍّ صالحًا ومُحْسنًا على الإطلاقِ [1373] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (7/489). .
11- في قوله تعالى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى قدَّم زكريَّا؛ لأنَّه والِدُ يَحْيى فهو أصلٌ، ويَحيى فرعٌ [1374] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/574). .
12- في قوله: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ بدَأ بزكريَّا ويحيى لسَبْقِهما عيسى في الزَّمانِ [1375] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/574). ، وابتُدِئَ بعِيسى عَطْفًا على يحيى؛ لأنَّهما قَريبانِ ابنَا خالةٍ، ولأنَّ عيسى رسولٌ، وإِلْياس نَبِيٌّ غيرُ رسولٍ [1376] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/348). .
13- قوله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ في ذِكْر عيسى، عليه السَّلامُ، في ذريَّة نوحٍ، أو إبراهيمَ- على القَوْلِ الآخَرِ بأنَّ الضَّميرَ عائدٌ له- دلالةٌ على دُخولِ وَلَدِ البناتِ في ذريَّةِ الرِّجالِ؛ لأنَّ عيسى عليه السَّلامُ، إنَّما يُنسَب إلى إبراهيمَ عليه السَّلام، بأمِّه مريمَ عليها السَّلام، فإنَّه لا أبَ له؛ فلهذا إذا أوصى الرُّجُل لذُرِّيَّته، أو وَقَفَ على ذرِّيَّته أو وهَبَهم، دخَلَ أولادُ البناتِ فيهم [1377] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/298). . ويدلُّ هذا على أنَّ الحَسَنَ والحُسَينَ من ذريَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ عِيسى من ذريَّةِ إبراهيمَ مع أنَّه لا ينتسِبُ إلى إبراهيمَ إلَّا بالأُمِّ، فكذلك الحَسَنُ والحُسينُ من ذريَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم، وإنِ انتسبَا إلى رسولِ اللهِ بالأُمِّ وجَبَ كونُهما مِن ذُرِّيتِه، ويُقال: إنَّ أبا جعفرٍ الباقِرَ استدلَّ بهذه الآيةِ عندَ الحجَّاج بنِ يوسُفَ [1378] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/53، 54)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/459،460). .
14- قولُه تعالى: وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ فيه دَلالةٌ على أنَّ الأنبياءَ أفضَلُ من الأولياءِ، خلافًا لبعضِ مَن ينتمي إلى التَّصوُّفِ في زَعْمِهم أنَّ الوِلِيَّ أفضَلُ من النَّبِيِّ [1379] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/576). .
15- لَمَّا ذَكَر الأنبياءَ قال: وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ فبيَّنَ أنَّ حُصولَ الفضيلةِ هو باجتبائِه سبحانه وتعالى للآباءِ والذريَّةِ والإخوانِ، وهدايَتِه إيَّاهم إلى صراطٍ مُستقيمٍ، لا بِنَفْسِ القرابةِ، وقد يُوجِبُ النَّسبُ حقوقًا، ويوجِبُ لأجلِه حقوقًا، ويُعَلِّق فيه أحكامًا من الإيجابِ والتَّحريمِ والإباحة، لكنَّ الثَّوابَ والعقابَ والوَعْدَ والوعيد؛ على الأعمالِ لا على الأنسابِ [1380] يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) لابن تيمية (8/218). .
16- جاء قولُه وَذُرِّيَّاتِهِمْ جمعًا؛ لإرادةِ أنَّ الهُدَى تعلَّقَ بذرِّيَّةِ كلِّ مَن له ذريَّةٌ من المذكورينَ؛ للتنبيهِ على أنَّ في هُدى بعضِ الذريَّةِ كرامةً للجَدِّ، فكلُّ واحدٍ من هؤلاء مرادٌ وقوعُ الهُدَى في ذُرِّيَّتِه، وإنْ كانت ذرِّياتُهم راجعينَ إلى جَدٍّ واحدٍ، وهو نوحٌ عليه السَّلامُ [1381] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/349). .
17- قوله تعالى: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فيه دليلٌ على أنَّ الهُدَى بمشيئةِ اللهِ تعالى [1382] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/577). .
18- قولُه تعالى: لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ المقصودُ منه تقريرُ التَّوحيدِ، وإبطالُ طريقةِ الشِّرْك [1383] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/54). .
19- في قوله تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ فيه إشارةٌ إلى أنَّه تعالى سينصُرُ نبيَّه ويُقَوِّي دِينَه، ويجعَلُه مستَعْليًا على كلِّ من عاداه، قاهرًا لكلِّ مَن نازَعَه، وقد وقَعَ هذا الذي أخبَرَ الله تعالى عنه في هذا الموضِعِ، فكان هذا جاريًا مَجْرى الإخبارِ عن الغيبِ؛ فيكونُ مُعْجِزًا [1384] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (13/55). .
20- قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ أي: امْشِ أيُّها الرَّسولُ الكريمُ خلْفَ هؤلاءِ الأنبياءِ الأخيارِ، واتَّبِع مِلَّتَهم، وقد امتثلَ صلَّى الله عليه وسلَّم، فاهتدى بهَدْي الرُّسُلِ قَبْلَه، وجَمَعَ كلَّ كمالٍ فيهم. فاجتمعت لديه فضائِلُ وخصائِصُ، فاق بها جميعَ العالَمينَ، وكان سَيِّدَ المُرسلينَ، وإمامَ المُتَّقين، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعليهم أجمعينَ، وبهذا المَلْحَظ، استدلَّ مَن استدَلَّ من الصحابَةِ أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أفضَلُ الرُّسُلِ كُلِّهِم [1385] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 264). .
21- قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ هذه الآيةُ الكريمةُ هي التي أخَذَ منها جماهيرُ العُلماءِ- هي وأمثالها في القرآنِ- أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لنا- إنْ ثَبَتَ في شَرْعِنا- إلَّا بدليلٍ يدلُّ على أنَّه ليس شَرْعًا لنا، فإنَّ كلَّ ما أنزَلَه اللهُ عليهم هُدًى، إلَّا ما ثبَتَ نَسْخُه [1386] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/480، 489). .
22- قولُ اللهِ تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ يدلُّ على أنَّ النبيَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم مبعوثٌ إلى كلِّ أهلِ الدُّنيا لا إلى قومٍ دونَ قومٍ [1387] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (8/273). .

بلاغة الآيات:


1- قوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
- قوله: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا... موقِعُ هذه الجملةِ- وإنْ كانت مَعطوفةً- هو موقِعُ التذييلِ للجُمَلِ المقصودِ منها إبطالُ الشِّرْكِ، وإقامَةُ الحُجَجِ على فَسادِه، وعلى أنَّ الصَّالحينَ كُلَّهم كانوا على خِلافِه [1388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/337). .
- قوله: كُلًّا هَدَيْنَا اعتراضٌ، أي: كُلُّ هؤلاءِ هَدَيْناهم؛ يعني: إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، فحُذِفَ المُضافُ إليه لِظُهورِه، وعُوِّضَ عنه التَّنوينُ في كُلًّا؛ فإنَّه تَنوينُ عِوَضٍ عن المضافِ إليه [1389] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/337). .
- قوله: وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ استطرادٌ بذِكْرِ بعضِ مَن أنعَمَ اللهُ عليهم بالهدى، وإشارةٌ إلى أنَّ الهدى هو الأصلُ، وقدَّم المفعولَ به (نُوحًا) على الفعل والفاعل هَدَيْنَا؛ للاهتمامِ [1390] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/337- 338). .
2- قوله: وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ عبَّرَ بصِيغةِ الافتعالِ في وَاجْتَبَيْنَاهُمْ؛ للمبالغةِ، وعَطَفَ قولَه: وَهَدَيْنَاهُمْ على وَاجْتَبَيْنَاهُمْ عطفًا يؤكِّدُ إثباتَ هُداهم؛ اهتمامًا بهذا الهُدى، فبيَّن أنَّه هُدًى إلى صراطٍ مُستقيمٍ؛ أي: إلى ما به نوالُ ما يعملُ أهلُ الكمالِ لنَوالِه، فضَرَبَ الصِّراطَ المُستقيمَ مثلًا لذلك؛ تشبيهًا لهيئةِ العامِلِ؛ لينالَ ما يطلُبُه من الكمالِ بهيئةِ السَّاعي على طريقٍ مُستقيمٍ، يُوصِلُه إلى ما سار إليه بدون تردُّدٍ، ولا تحيُّرٍ، ولا ضلالٍ، وذَكَرَ مِن ألفاظِ المركَّب الدَّالِّ على الهَيئةِ المشبَّهِ بها بعضُه، وهو الصِّراطُ المستقيمُ؛ لِدَلالَتِه على جميعِ الألفاظِ المحذوفةِ للإيجازِ [1391] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/350). .
- وفي قوله: وَهَدَيْنَاهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ كرَّر الهدايةَ على سَبيلِ التوضيحِ والبيانِ للهدايةِ السَّابِقَةِ التي هُدُوا إليها- وهي الَّتي في قولِه تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ- وأنَّها هِدايةٌ إلى طريقِ الحَقِّ المُستقيمِ القويمِ، الذي لا عِوَج فيه، وهو توحيدُ الله تعالى، وتنزيهُه عن الشِّرْكِ [1392] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/171)، ((تفسير أبي حيان)) (4/576). .
- وقوله: وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ المقصودُ مع الثَّناءِ عليهم التعريضُ بالمُشركينَ الذين خالفوا مُعتقَدَهم [1393] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/350). .
3- قوله: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فيه تعريضٌ بما عليه المُشْركونَ مِمَّا يزعمونَه هُدًى، ويتلقَّوْنَه عن كُبَرائِهم، وتعريضٌ بالمشركينَ الذين أنكَروا نبوَّةَ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم حَسَدًا [1394] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/351). .
- وقد زاد اسمُ الإشارةِ ذَلِكَ اهتمامًا بشأنِ الهُدى؛ إذ جُعِلَ كالشَّيءِ المُشاهَد؛ فَزِيدَ بِاسمِ الإشارةِ كمالُ تمييزٍ، وأخبر عن الهُدى بأنَّه هُدَى اللَّهِ؛ لتشريفِ أمْرِه، وبيانِ عِصمَتِه من الخطَأِ والضَّلالِ [1395] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/350). .
4- قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ
- قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ استئنافٌ ابتدائيٌّ للتنويهِ بهم، واسمُ الإشارةِ في قَوْلِه: أُولَئِكَ لزيادةِ الاعتناءِ بتَمْييزِهم، وإحضارِ سيرَتِهم في الأذهانِ [1396] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/352). .
- قوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُدخِلَتِ الباءُ في خبرِ (ليس) بِكافِرِينَ؛ لتأكيدِ ذلك النَّفيِ، فصار دوامَ نفْيٍ مؤكَّدًا [1397] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/43)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/354). .
5- قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ
- قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ جملةٌ ابتدائيَّةٌ قُصِدَ منِ استئنافِها استقلالُها؛ للاهتمامِ بمَضْمونِها، ولأَنَّها وَقَعَتْ موقِعَ التَّكريرِ لمضمونِ الجُملتَينِ اللَّتينِ قَبْلها؛ جملة وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَجملة أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ [1398] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/354). .
- وتكريرُ اسمِ الإشارةِ أُولَئِكَ لتأكيدِ تمييزِ المُشارِ إليه، ولِما يقتضيه التَّكريرُ من الاهتمامِ بالخَبَر [1399] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/355). .
- وتقديمُ المعْمولِ بِهُدَاهُم على عامِلِه اقْتَدِهْ؛ للاهتِمامِ، والاعتناءِ بذلك الهُدى [1400] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/29، 42) و(4/578)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/355). ، أو لاختصاصِ طَريقِ أولئك الأنبياءِ وهُداهم بالاقتِداءِ، أي: ولا تَقتدِ إلَّا بِهم [1401] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/43)، ((تفسير البيضاوي)) (2/171). وهذا الوجه بناء على أنَّ التَّقديمَ على العامِل يُوجِب الاختِصاصَ عند الزَّمخشريِّ ومَن تَبِعه، ولكنْ أبو حيَّان يَرُدُّ على هذا بأنَّ التقديمَ إنَّما يُفيدُ الاعتناءَ والاهتمامَ بالمُقدَّم. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (1/29، 42) و(4/578). .
- وفيه: تعريضٌ للمُشركينَ بأنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم ما جاء إلَّا على سُنَّةِ الرُّسُل كلِّهم، وأنه ما كان بِدْعًا من الرُّسُلِ [1402] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/356). .
- قوله: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا فيه افتتاحُ الكلامِ بِفِعْل قُلْ؛ للتَّنبيهِ على أهمِّيَّتِه كما تقدَّمَ في هذه السورةِ غيرَ مَرَّةٍ [1403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/360). .
- قول الله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ
عبَّر هنا في سُورةِ الأنعام بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ، وفي سُورتي يُوسُف والتكوير بقولِه: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف: 104، التكوير: 27]؛ فورَد الخبرُ بلفظِ التأنيثِ في الأُولى ذِكْرَى، والتَّذكيرِ في الثانية ذِكْرٌ، مع تذكيرِ المبتدأِ فيهما؛ وذلك لمُناسبةٍ حَسنةٍ، وهي: أنَّ آيةَ الأنعام تقدَّمَها قولُه تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ فنُوسِب بين قوله: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى وبَين ما تَقدَّم، ولم يتقدَّم هنا ما يَستدعي لفظَ التذكير ويُناسِبُه. وأمَّا آيةُ التكوير فلَمَّا تَقدَّمها القَسَمُ على القرآنِ بقوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ إلى ما وقَع القَسَمُ به، ثم ورَد ضميرُ المقسَمِ عليه في قوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، أي: جبريلَ عليه السَّلامُ، ثم أتْبَع بوصفِه إلى قولِه: ثَمَّ أَمِينٌ، ثم أَعْقَب ذلك بضَمائرَ جرَتْ على التَّذكير على ما يجِب، ثم قال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ، والضميرُ للقرآنِ، ولا يُمكن ورودُه خلافَ هذا؛ لمنافرةِ التناسُبِ، ومباعدةِ التَّلاؤُم [1404] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/162-163). .
وقيل: لَمَّا تقدم فِي سورة الأنعام قوله: بَعْدَ الذِّكْرَى وَلَكِن ذِكْرَى، كَانَ الذِّكرى أليق بهَا؛ فنَاسَبَ ذِكرُه هنا كذلك، ولم يَتقدَّمْ ذلك في سُورةِ يُوسُف ولا سُورةِ التَّكوير [1405] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 110)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 170 - 171). .