موسوعة التفسير

سورةُ مَريمَ
الآيات (12-15)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ

غريب الكلمات:


وَحَنَانًا: أي: رَحمةً ومحبَّة، وأصلُ (حنن): يَدلُّ على الإشفاقِ والرِّقَّةِ [122] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 273)، ((تفسير ابن جرير)) (15/475)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 193)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/24)، ((المفردات)) للراغب (ص: 259)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 222)، ((تفسير القرطبي)) (11/87). .
جَبَّارًا: أي: متكبِّرًا، متعاليًا عن قَبولِ الحقِّ، ويُقالُ للقاهرِ غيرَه: جبارٌ، وقيل: هو الذي يَضربُ، ويقتُلُ على الغضبِ، وأصلُ (جبر) هنا: جنسٌ مِن العظمةِ والعلُوِّ [123] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/501)، ((المفردات)) للراغب (ص: 184)، ((تفسير البغوي)) (3/227)، ((التبيان في تفسير غريب القرآن)) لابن الهائم (ص: 223)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 353). .
عَصِيًّا: أي: عاصيًا، والعَصِيُّ: ذو العصيانِ، وعَصَى عِصيانًا: إذا خرَج عن الطاعةِ، وأصلُه أن يتمنَّعَ بعَصاه [124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/481)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 334)، ((المفردات)) للراغب (ص: 570). .
وَسَلَامٌ عَلَيْهِ: أي: سَلامةٌ وأمانٌ، وأصلُ (سلم): يدلُّ على صِحَّةٍ وعافيةٍ [125] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/481)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/90)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 222)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 519). .

المعنى الإجمالي:


أوجَد الله تعالى هذا الغلامَ المبشَّرَ به، وهو يحيى عليه السلامُ، وبيَّن سبحانَه ما أمَره به، وما منَحه مِن صفاتٍ فاضلةٍ، فقال تعالى: يا يحيى، خُذِ التَّوراةَ بجِدٍّ واجتِهادٍ؛ بحِفظِ ألفاظِها، وفَهمِ مَعانيها، والعَمَلِ بها، والدعوةِ لاتِّباعِها، وأعطيناه الفَهمَ لكِتابِ اللهِ، والحُكمَ به وهو صغيرُ السِّنِّ. وآتيناه رَحمةً ومَحبَّةً مِن عندِنا، وطهارةً مِن الذُّنوب، وكان مُطيعًا لله تعالى، وكان بارًّا بوالِدَيه مُطيعًا لهما، ولم يكُنْ متكَبِّرًا ولا عاصيًا. وسلامٌ مِن اللهِ على يحيى وأمانٌ له يومَ وُلِد، ويومَ يموتُ، ويومَ يُبعَثُ حيًّا يومَ القيامةِ.

تفسير الآيات:


يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12).
يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ.
أي: فوُلِد لزكريَّا يحيى، وقال اللهُ له: يا يحيى، خُذِ التَّوراةَ بجِدٍّ واجتهادٍ وعَزمٍ؛ فَهمًا لمعانيها، وعَمَلًا بما فيها، وحَملًا للنَّاسِ على اتِّباعِها [126] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/473)، ((تفسير القرطبي)) (11/86)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/468)، ((تفسير ابن كثير)) (5/216)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/75)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/378). قال الشنقيطي: (وعامَّةُ المفسِّرينَ على أنَّ المرادَ بالكتابِ هنا: التَّوراةُ، وحكَى غيرُ واحدٍ عليه الإجماعَ). ((أضواء البيان)) (3/378). .
وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا.
أي: وأعطَينا يحيى الفَهمَ لكِتابِ اللهِ، والعِلمَ بأحكامِه، والعَمَلَ به، والحُكمَ به في حالِ صِغَرِه وصِباه قبلَ بُلوغِه [127] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/474)، ((تفسير ابن كثير)) (5/216)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/76)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/378، 379). قال الشوكاني: (وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا المرادُ بالحكمِ الحكمةُ، وهي الفهمُ للكتابِ الَّذي أُمِر بأخذِه وفهمُ الأحكامِ الدِّينيَّةِ. وقيلَ: هي العلمُ وحفظُه والعملُ به. وقيلَ: النُّبوَّةُ. وقيلَ: العقلُ. ولا مانعَ مِن أنْ يكونَ الحكمُ صالحًا لحملِه على جميعِ ما ذُكِر). ((تفسير الشوكاني)) (3/384). قال الشنقيطي: (وللعُلَماءِ في المرادِ بالحُكمِ أقوالٌ مُتقارِبةٌ، مَرجِعُها إلى شَيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ الله أعطاه الفَهْمَ في الكتابِ، أي: إدراكَ ما فيه والعَمَلَ به في حالِ كَونِه صَبيًّا). ((أضواء البيان)) (3/378). ونسَب السمعاني القولَ بأنَّ المرادَ بـ الْحُكْمَ: النُّبُوَّةُ إلى أكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/282). لكن قال ابنُ عاشور: (ويَبعُدُ أن يكونَ يحيى أُعطِيَ النبُوَّةَ وهو صبيٌّ؛ لأنَّ النبُوَّةَ رُتبةٌ عظيمةٌ، فإنَّما تُعطى عند بُلوغِ الأشُدِّ. واتَّفَق العُلماءُ على أنَّ يحيى أُعطيَ النبوَّةَ قبل بلوغِ الأربعينَ سنةً بكثيرٍ. ولعلَّ الله لَمَّا أراد أن يكونَ شَهيدًا في مُقتَبَلِ عُمُرِه باكَرَه بالنبُوَّةِ). ((تفسير ابن عاشور)) (16/76). .
وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13).
وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا.
أي: وأعْطَيْنا يحيى رَحمةً مِن عِندِنا [128] قال الرسعني: (قال ابنُ عباسٍ وأكثرُ المفسِّرينَ واللغويينَ: الحنانُ: الرحمةُ). ((تفسير الرسعني)) (4/396). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/7). وممن اختار أنَّ (حنانًا) معطوفٌ على الْحُكْمَ أي: وآتيناه حنانًا: يحيى بنُ سلام، والزجاج، والنحاس، وابنُ عطية، والقرطبي، وابنُ كثير، والبقاعي، والشوكاني، والقاسمي، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/217)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/322)، ((إعراب القرآن)) للنحاس (3/7)، ((تفسير ابن عطية)) (4/7)، ((تفسير القرطبي)) (11/87)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/179)، ((تفسير الشوكاني)) (3/384)، ((تفسير القاسمي)) (7/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/379). قال النحاس: (وَحَنَانًا عطفٌ على الْحُكْمَ، وفي معناه قولان عن ابن عبَّاسٍ: أحدهما: قال: تعطُّفُ اللهِ جلَّ وعزَّ عليه بالرحمةِ. والقول الآخَرُ: ما أُعطِيَه من رحمةِ النَّاسِ حتى يُخلِّصَهم من الكُفرِ والشَّرِّ). ((إعراب القرآن)) (11/87). وقال الشنقيطي: (والحنانُ: هو ما جُبِل عليه مِن الرَّحمةِ، والعطفِ والشَّفقةِ). ((أضواء البيان)) (3/379). يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/8)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217). وقال ابن عطية: (ويجوزُ أن يكونَ قولُه: وَحَنَانًا عطفًا على قولِه: صَبِيًّا، أي: وبحالِ حنانٍ منا وتزكيةٍ له). ((تفسير ابن عطية)) (4/7). وقال ابن جرير: (وقَولُه: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا يقولُ تعالى ذِكرُه: ورَحمةً مِنَّا ومحبَّةً له آتيناه الحُكمَ صَبيًّا). ((تفسير ابن جرير)) (15/475). .
وَزَكَاةً.
أي: وطهارةً مِن الذُّنوبِ والآفاتِ، ونقاءً مِن الخبائِثِ [129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/479)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/76)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/380). .
وَكَانَ تَقِيًّا.
أي: وكان مُمتَثِلًا لأوامِرِ رَبِّه، مُجتَنِبًا لنواهيه [130] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/480)، ((تفسير القرطبي)) (11/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/380). قال البقاعي: (وَكَانَ أي: جِبِلَّةً وطَبعًا). ((نظم الدرر)) (12/179). .
كما قال تعالى: وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: 39].
وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14).
وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ.
أي: وكان مُسارِعًا في طاعةِ والِدَيه، كثيرَ الإكرامِ والإحسانِ إليهما قَولًا وفِعلًا [131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/480)، ((تفسير القرطبي)) (11/88)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/77)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/380). .
وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا.
أي: ولم يكُنْ مُتكَبِّرًا عن عبادةِ اللهِ، ولا مُترفِّعًا على أبويه وغيرِهما مِن النَّاسِ، ولا مُستَخِفًّا بحقوقِ العبادِ، بل كان مُتواضِعًا مُتذلِّلًا، طائعًا لا يعصي ربَّه ولا والِدَيه، ولا يَظلِمُ عِبادَ اللهِ [132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/480، 481)، ((تفسير القرطبي)) (11/88)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/77)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/380). .
وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15).
وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ.
أي: وتحيَّةٌ مِن اللهِ ليحيى يومَ وُلِد، وأمانٌ وسَلامةٌ له من الشَّيطانِ، ومِن كُلِّ ما يكرَهُ [133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/481)، ((تفسير ابن عطية)) (4/8)، ((تفسير القرطبي)) (11/88)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((تفسير ابن عاشور)) (16/77)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/381). قيل: معنى السلامِ هنا: الأمانُ. وممن اختاره: ابنُ جريرٍ، والسمعاني، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/481)، ((تفسير السمعاني)) (3/283)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217). قال ابنُ عطية: (والأظهَرُ عندي أنَّها التحيَّةُ المتعارَفةُ، فهي أشرَفُ وأنبَهُ مِن الأمانِ؛ لأنَّ الأمانَ متحَصِّلٌ له بنَفيِ العِصيانِ، وهي أقَلُّ دَرَجاتِه). ((تفسير ابن عطية)) (4/8). قال الشنقيطي: (ومَرجِعُ القَولينِ إلى شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ معنى سلامِ التحيَّةِ: الأمانُ، والسَّلامةُ ممَّا يُكرَهُ، وقَولُ مَن قال: هو الأمانُ، يعني: أنَّ ذلك الأمانَ مِن الله. والتحيةُ مِنَ الله معناها: الأمانُ والسَّلامةُ مِمَّا يُكرَهُ، والظاهِرُ المتبادِرُ أنَّ قَولَه: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ تحيةٌ مِن الله ليحيى، ومعناها: الأمانُ والسَّلامةُ). ((أضواء البيان)) (3/381). .
وَيَوْمَ يَمُوتُ.
أي: وتحيةٌ مِنَ اللهِ على يحيى يومَ يموتُ، وأمانٌ وسَلامةٌ له مِن كُرَبِ الموتِ، وعذابِ القَبرِ وفِتنَتِه [134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/481)، ((تفسير ابن عطية)) (4/8)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/381). .
وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا.
أي: وتحيَّةٌ مِنَ اللهِ ليحيى، وأمانٌ وسلامةٌ له حين نبعَثُه حيًّا يومَ القيامةِ، فيأمَنُ مِن الفَزعِ والأهوالِ وعذابِ النَّارِ [135] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/481)، ((تفسير ابن عطية)) (4/8)، ((تفسير ابن كثير)) (5/217)، ((تفسير السعدي)) (ص: 490)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/381). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ اللهِ تعالى: وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا فيه ردٌّ لِمَن قال: إنَّ النبُوَّةَ لم تحصُلْ لأحدٍ إلَّا بعدَ الأربعينَ [136] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 173). ، وهذا على القولِ بأنَّ الْحُكْمَ هنا المرادُ به: النبوةُ.
2- قَولُ اللهِ تعالى: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً يدُلُّ على أنَّ فِعلَ العبدِ خَلقٌ لله تعالى؛ لأنَّه تعالى جَعَلَ طَهارةَ يحيى عليه السَّلامُ وزَكاتَه منه تعالى [137] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/518). .
3- قَولُ الله تعالى: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا أي: لم يكُنْ مُتجَبِّرًا مُتكَبِّرًا عن عبادةِ اللهِ، ولا مُترفِّعًا على عبادِ الله، ولا على والِدَيه، بل كان مُتواضِعًا، مُتذَلِّلًا مُطيعًا، أوَّابًا لله على الدَّوامِ؛ فجمَع بينَ القيامِ بحَقِّ اللهِ، وحَقِّ خَلْقِه؛ ولهذا حصَلَت له السَّلامةُ مِنَ اللهِ في جميع ِأحواله؛ مَبادِئِها وعواقِبِها؛ فلذا قال: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا، وذلك يقتضي سلامَتَه من الشَّيطانِ والشَّرِّ والعِقابِ في هذه الأحوالِ الثَّلاثةِ وما بينَها، وأنَّه سالمٌ مِن النَّارِ والأهوالِ، وأنَّه مِن أهلِ دارِ السَّلامِ [138] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 490). .
4- قَولُه تعالى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا إنْ قيلَ: ما الحِكمةُ في تقييدِ السَّلامِ في قِصَّةِ يحيى عليه السَّلامُ بهذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ، وكذلك المسيحُ في قَولِه: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا [مريم: 33]؟
فالجوابُ: أنَّ سِرَّه -والله أعلمُ- أنَّ طَلَبَ السَّلامةِ يتأكَّدُ في المواضِعِ التي هي مَظانُّ العَطَبِ ومواطِنُ الوَحشةِ، وكلَّما كان الموضِعُ مَظِنَّةَ ذلك تأكَّد طَلَبُ السَّلامةِ، وتعلَّقَت بها الهِمَّةُ، فذُكِرَت هذه المواطِنُ الثَّلاثةُ؛ لأنَّ السَّلامةَ فيها آكَدُ، وطَلَبَها أهمُّ، والنَّفسَ عليها أحرَصُ؛ لأنَّ العبدَ فيها قد انتقلَ مِن دارٍ كان مُستقِرًّا فيها مُوطَّنَ النَّفسِ على صُحبتِها وسُكناها، إلى دارٍ هو فيها مُعَرَّضٌ للآفاتِ والمحَنِ والبلاءِ، فإنَّ الجنينَ مِن حينِ خَرَج إلى هذه الدَّارِ انتصَبَ لبلائِها وشَدائِدِها، ولَأْوائِها ومِحَنِها وأفكارِها؛ ولهذا مِن حينِ خَرَج ابتدرَتْه طَعنةُ الشَّيطانِ في خاصرتِه، فبكى لذلك، ولِمَا حصلَ له من الوَحشةِ بفِراقِ وَطَنِه الأوَّلِ؛ فكان طَلَبُ السَّلامةِ في هذه المواطِنِ مِن آكَدِ الأمورِ.
الموطنُ الثَّاني: خروجُه مِن هذه الدَّارِ إلى دارِ البَرزخِ عندَ الموتِ، ونِسبةُ الدُّنيا إلى تلك الدَّارِ كنِسبةِ دارِه في بطنِ أمِّه إلى الدُّنيا تقريبًا وتمثيلًا، وإلَّا فالأمرُ أعظَمُ مِن ذلك وأكبَرُ، وطلَبُ السَّلامةِ أيضًا عند انتقالِه إلى تلك الدَّارِ مِن أهَمِّ الأمورِ.
الموطنُ الثالث: مَوطِنُ يومِ القيامةِ، يومَ يَبعَثُ الله تعالى الأحياءَ، ولا نِسبةَ لِما قَبلَه مِن الدُّورِ إليه، وطلَبُ السَّلامةِ فيه آكَدُ مِن جميعِ ما قَبلَه؛ فإنَّ عَطَبَه لا يُستدرَكُ، وعَثْرتَه لا تُقالُ، وسَقَمَه لا يُداوَى، وفَقْرَه لا يُسَدُّ.
 فتأمَّلْ كيف خَصَّ هذه المواطِنَ بالسَّلامِ؛ لشِدَّةِ الحاجةِ إلى السلامةِ فيها، وتأمَّلْ ما في السَّلامِ مع الزيادةِ على السَّلامةِ مِن الأُنسِ، وذَهابِ الوَحشةِ، ثمَّ أنزِلْ ذلك على الوَحشةِ الحاصلةِ للعَبدِ في هذه المواطِنِ الثلاثةِ؛ عند خُروجِه إلى عالمِ الابتلاءِ، وعند مُعاينتِه هَولَ المَطلَعِ إذا قَدِمَ على اللهِ وحيدًا مجرَّدًا عن كلِّ مُؤنِسٍ إلَّا ما قدَّمه من صالحِ عَمَلٍ، وعند موافاتِه القيامةَ مع الجَمعِ الأعظَمِ؛ ليصيرَ إلى إحدى الدارَينِ التي خُلِقَ لها، واستُعمِلَ بعَمَلِ أهلِها؛ فأيُّ موطنٍ أحَقُّ بطلَبِ السَّلامةِ مِن هذه المواطِنِ [139] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/168). التي يكونُ الإنسانُ فيها في غايةِ الضَّعفِ والحاجةِ، وقِلَّةِ الحِيلةِ والفَقرِ إلى اللهِ، وعَظيمِ الهَولِ [140] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/8). ؟!
عن ابنِ عُيَينةَ قال: (أوحَشُ ما يكونُ الخَلقُ في ثلاثةِ مَواطِنَ: يومَ يُولَدُ فيرى نفسَه خارجًا مِمَّا كان فيه، ويومَ يموتُ فيرَى قَومًا لم يكُنْ عايَنَهم، ويومَ يُبعَثُ فيرَى نفسَه في محشَرٍ عظيمٍ. قال: فأكرَمَ اللهُ فيها يحيى بنَ زكريَّا، فخصَّه بالسَّلامِ عليه؛ فقال: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) [141] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/482). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا استئنافٌ طُوِيَ قبْلَه جُمَلٌ كثيرةٌ؛ مُسارَعةً إلى الإنباءِ بإنجازِ الوعدِ الكريمِ، والتَّقديرُ: فلمَّا وُلِدَ يحيى وكبِرَ، وبلَغَ السِّنَّ الَّذي يُؤمَرُ فيه، قال اللهُ له... [142] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/245)، ((تفسير أبي السعود)) (5/258). ، وهو مقولُ قولٍ محذوفٍ، بقرينةِ أنَّ هذا الكلامَ خِطابٌ ليحيى؛ فلا مَحالةَ أنَّه صادرٌ من قائلٍ، ولا يُناسِبُ إلَّا أنْ يكونَ قولًا من اللهِ تعالى. وهذا ابتداءُ ذِكْرِ فضائلِ يحيى، وطُوِيَ ما بين ذلك؛ لعدَمِ تعلُّقِ الغرضِ به، والسِّياقُ يدُلُّ عليه [143] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/75). .
2- قولُه تعالى: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا جعْلُ حنانِ يحيى من لدُنِ اللهِ: إشارةٌ إلى أنَّه مُتجاوِزٌ المُعتادَ بينَ النَّاسِ. وجِيءَ في وصْفِه بالتَّقوى بفعْلِ (كَانَ)؛ للدَّلالةِ على تمكُّنِه مِن الوصفِ [144] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/76). .
- وقولُه: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا عطْفٌ على الْحُكْمَ، وتنوينُ (حَنَانًا) وتنكيرُه؛ للتَّفخيمِ، ومِنْ مُتعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقَعَ صِفةً له مُؤكِّدةً لِما أفادَه التَّنوينُ من الفخامةِ الذَّاتيَّةِ بالفخامةِ الإضافيَّةِ، أي: وآتيناهُ رحمةً عظيمةً، كائنةً من جنابِنا، أو رحمةً في قلْبِه وشفقةً على أبويه وغيرِهما [145] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/259). .
3- قوله تعالى: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا
- قولُه: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ فيه عطْفُ بُرورِه بوالديهِ على كونِه تقيًّا؛ للدَّلالةِ على تمكُّنِه من هذا الوصفِ. والبَرُّ -بفتحِ الباءِ- وصْفٌ على وزْنِ المصدرِ؛ فالوصفُ به مُبالغةٌ [146] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/77). .
- قولُه: وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا المُبالغةُ مُنصرِفةٌ إلى النَّفيِ لا إلى المنفيِّ، أي: لم يكُنْ عاصيًا بالمرَّةِ [147] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/77). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيث قال تعالى هنا في قصَّةِ يحيى: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا، وفي قصَّةِ عيسى عليه السَّلامُ قال: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم: 32]؛ فاختلَفَ الوصفانِ في الآيتينِ؛ ووجْهُ ذلك: أنَّ اللهَ سُبحانه وصَفَ يحيى عليه السَّلامُ بعِظَمِ التَّقوى في قولِه: وَكَانَ تَقِيًّا، وتقيٌّ: فعيلٌ من التَّقوى، وهو من أبنيةِ المُبالغةِ؛ فيُفْهَمُ الوفاءُ بوُجوهِ التَّقوى حتَّى لا يكونَ من الموصوفِ به معصيةٌ ولا تقصيرٌ، فالمُرادُ بقولِه: وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا نفْيٌ للمعاصي جُملةً؛ ثمَّ نُوسِبَ بينَ هذا الوصفِ وما تقدَّمَه وَسَيِّدًا وَحَصُورًا؛ فورَدَ بلفظِ المُبالغةِ مثْلَه. وأمَّا قولُه في قصَّةِ عيسى عليه السَّلامُ: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا؛ فملحوظٌ في ذلك ما جرَى لأتْباعِه عليه السَّلامُ، وما وَقَعوا فيه مِن العظيمةِ حينَ قالوا: هو ابنُ اللهِ -تعالى اللهُ عن ذلك عُلوًّا كبيرًا-، فاستحقُّوا الوصفَ بالشَّقاءِ بمقالِهم، والشَّقِيُّ مُستحِقٌ العذابَ الأُخرويَّ [148] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (2/325-326). .
ووجهٌ آخَرُ: أنَّ الأوَّلَ: إخبارٌ مِن اللهِ تعالى ببركتِه وسلامِه عليه. والثاني: إخبارُ عيسى عليه السَّلامُ عن نَفسِه؛ فناسَبَ عَدَمُ التَّزكيةِ لِنَفسِه بنَفيِ المعصيةِ؛ أدبًا مع اللهِ تعالى، وقال: شَقِيًّا أي: بعُقوقِ أمِّي، أو بعيدًا مِن الخيرِ [149] يُنظر: ((كشف المعاني فى المتشابه من المثاني)) لابن جماعة (ص: 246). .
4- قولُه تعالى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا، أي: إنَّ إكرامَ اللهِ مُتمكِّنٌ من أحوالِه الثَّلاثةِ المذكورةِ. وهذا كنايةٌ على أنَّه بمَحلِّ العنايةِ الإلهيَّةِ في هذه الأحوالِ، والمُرادُ باليومِ: مُطلَقُ الزَّمانِ الواقعِ فيه تلك الأحوالُ، وجِيءَ بالفعلِ المُضارعِ في وَيَوْمَ يَمُوتُ؛ لاستحضارِ الحالةِ الَّتي مات فيها [150] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (16/77-78). .
- وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ؛ حيثُ قال تعالى هنا: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ...، فقاله في قصَّةِ يحيى مُنكَّرًا، وقال بعدُ في قصَّةِ عيسى: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ... مُعرَّفًا؛ لأنَّ الأوَّلَ من اللهِ، والقليلُ منه كثيرٌ، والثَّاني من عيسى، و(أل) للاستغراقِ أو للعهْدِ، أي: ذلك السَّلامُ الموجَّهُ إلى يحيى مُوجَّهٌ إليَّ [151] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 172)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 352). .
وقيل: الحِكمةُ في تسليمِ اللهِ تعالى على يحيى بلَفظِ النَّكِرةِ، وتَسليمِ المسيحِ على نَفسِه بلَفظِ المعرفةِ: أنَّ في دُخولِ اللامِ في السَّلامِ فوائِدَ، وهي: قَصدُ التبَرُّكِ باسمِه السَّلامِ، والإشارةُ إلى طَلَبِ السَّلامِ له، وسُؤالُها من اللهِ باسمِ السَّلامِ، وقَصدُ عُمومِ السَّلامِ؛ لذا كان ذلك هو الأحسَنَ في سلامِ العبادِ؛ ولذلك دخَلَت الألفُ واللامُ في سلامِ عيسى على نفسِه. ولَمَّا كان المتكَلِّمُ بالسَّلامِ على يحيى هو اللهَ تعالى في قَولِه تعالى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ فلم يَقصِدْ تبَرُّكًا بذِكرِ الاسمِ، كما يَقصِدُ العَبدُ؛ فإنَّ التبَرُّكَ استِدعاءُ البَرَكةِ واستِجلابُها، والعبدُ هو الذي يَقصِدُ ذلك، ولا قَصَدَ أيضًا تعرُّضًا وطلَبًا على ما يَقصِدُه العَبدُ، ولا قصَدَ العُمومَ، وهو أيضًا غيرُ لائقٍ هنا؛ لأنَّ سلامًا منه سُبحانَه كافٍ مِن كُلِّ سَلامٍ، ومُغنٍ عن كلِّ تحيةٍ، ومُقَرِّبٌ مِن كلِّ أمنيةٍ؛ فأدنى سَلامٍ منه -ولا أدنى هناك- يَستغرِقُ الوَصفَ، ويُتِمُّ النِّعمةَ، ويَدفَعُ البُؤسَ، ويُطيِّبُ الحياةَ، ويَقطَعُ موادَّ العَطَبِ والهلاكِ؛ فلم يكُنْ لذِكرِ الألفِ واللَّامِ هنا معنًى [152] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/166). .
وقيل: إنَّما دخَلَ الألفُ واللَّامُ؛ لأنَّ النَّكرةَ إذا تكرَّرتْ تعرَّفَتْ. وقيل: نكرةُ الجنسِ ومعرفتُه سواءٌ؛ تقولُ: لا أشرَبُ ماءً، ولا أشرَبُ الماءَ، فهُما سواءٌ [153] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 172). . وقيل: سلامُ عيسى أرجحُ؛ لأنَّه تعالى أقامَه في ذلك مَقامَ نفْسِه، فسلَّمَ نائبًا عن اللهِ تعالى [154] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/260). .