موسوعة التفسير

سورةُ الحِجْرِ
الآيات (1-5)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ

غريب الكلمات:


ذَرْهُمْ: أي: اترُكْهم، ودَعْهم، يُقالُ: فلانٌ يَذَرُ الشيءَ، أي: يقذِفُه؛ لقلَّةِ اعتدادِه به [6] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 862)، ((تفسير الشوكاني)) (3/146)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/491)، و(4/97). .

المعنى الإجمالي:


افتتَح الله تعالى هذه السورةَ بهذه الحُروفِ المُقَطَّعةِ- وقد سبَقَ الكلامُ عنها في أوَّلِ سورةِ البَقرةِ- ثمَّ أخبَرَ سُبحانَه أنَّ آياتِ القُرآنِ الكريمِ هي آياتُ الكتابِ الجامِعِ لأنواعِ الكَمالِ، وآياتُ القرآن المُعجزِ المُظهِرِ للحقائقِ بأحسَنِ بَيانٍ، وسيندَمُ الكُفَّارُ يومَ القيامةِ على تَركِ الإيمانِ، ويتمَنَّونَ لو كانوا مُسلِمينَ في الدُّنيا. فاترُكْ- يا محمَّدُ- هؤلاءِ الكُفَّارَ يأكُلوا ويَستَمتِعوا بشهواتِهم، ويَشغَلْهم الأمَلُ عن الإيمانِ بالله وطاعتِه؛ فسوفَ يعلمونَ عاقِبةَ أمْرِهم وأنَّهم خاسرونَ. وما أهلَكْنا أهلَ قَريةٍ إلَّا ولإهلاكِهم أجَلٌ مُقدَّرٌ، لا نُهلِكُهم حتى يَبلُغوه، فلا تتجاوَزُ أمَّةٌ أجَلَها حتى تستوفيَه دونَما نُقصانٍ ولا زيادةٍ.

مشكل الإعراب:


قولُه تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ
 إلَّا للحَصرِ، وجملةُ وَلَهَا كِتَابٌ اسميَّةٌ في محلِّ نَصبٍ حالٌ مِن قَرْيَةٍ، وسوَّغ مجيءَ الحالِ مِن النَّكرةِ وُقوعُ النَّكرةِ بعد نَفْيٍ، واقترانُ واوِ الحالِ بالجُملةِ. وقيل: إنَّ الجُملةَ واقِعةٌ صِفةً للنَّكرةِ قَبلَها قَرْيَةٍ، ودخَلَت الواوُ عليها تأكيدًا للُصوقِ الصِّفةِ بالموصوفِ [7] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (1/1291)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/777)، ((تفسير أبي حيان)) (6/466)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (7/141). .

تفسير الآيات:


الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1).
الر.
تقدَّم الكلامُ عن الحُروفِ المقطَّعةِ في تفسيرِ أوَّلِ سُورةِ البَقَرةِ [8] يُنظر ما تقدَّم في تفسيرِ سورةِ البقرةِ (1/64) من ((التفسير المحرر)). .
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ.
أي: هذه الآياتُ العاليةُ المَقامِ، الرَّفيعةُ الشَّأنِ، آياتُ الكِتابِ الجامِعِ لأنواعِ الكَمالِ، وآياتُ قرآنٍ عظيمٍ واضحٍ إعجازُه للخَلقِ، مُظهِرٍ للحقائِقِ بأحسَنِ بَيانٍ، وأوضَحِه [9] يُنظر: ((الوجيز)) للواحدي (ص: 588)، ((تفسير الزمخشري)) (2/569)، ((تفسير ابن جزي)) (1/415)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/10). .
كما قال تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [يوسف: 1] .
وقال سُبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: 89] .
رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2).
أي: سيندمُ الذين كَفَروا باللَّهِ علَى ما كانوا فيه مِنَ الكفرِ، ويتمَنَّونَ لو كانوا مُسلِمينَ في الدُّنيا، مُوَحِّدينَ، مُنقادِينَ لأمرِ اللهِ تعالى، وخاضعينَ لأحكامِه [10] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/8)، ((تفسير ابن كثير)) (4/524)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429). قال الشوكاني: (وكانت هذه الوَدادةُ منهم عندَ موتهم أو يومَ القيامة. والمرادُ: أنَّه لَمَّا انكشَف لهم الأمرُ، واتَّضَح بُطلانُ ما كانوا عليه مِن الكفرِ، وأنَّ الدينَ عندَ الله سبحانَه هو الإسلامُ، لا دينَ غيرُه، حصَلَت منهم هذه الوَدادة التي لا تُسمِنُ، ولا تُغني مِن جوعٍ، بل هي لمجرَّدِ التحسُّرِ والتندمِ، ولومِ النفسِ على ما فَرَّطَت في جنبِ الله. وقيل: كانت هذه الوَدادةُ منهم عندَ معاينةِ حالِهم وحالِ المسلمينَ. وقيل: عندَ خروج عُصاةِ الموحِّدينَ مِن النارِ. والظَّاهِرُ أنَّ هذه الوَدادةَ كائنةٌ منهم في كلِّ وقتٍ، مُستمرَّةٌ في كلِّ لحظةٍ بعدَ انكشافِ الأمرِ لهم). ((تفسير الشوكاني)) (3/146). وقال الشنقيطي: (أقوالُ العلماءِ في هذه الآيةِ راجعةٌ إلى شيءٍ واحدٍ؛ لأنَّ مَن يقولُ: إنَّ الكافِرَ إذا احتُضِرَ وعايَن الحقيقةَ تمنَّى أنَّه كان مسلمًا، ومَن يقولُ: إنَّه إذا عايَن النَّارَ ووقَف عليها تمنَّى أنَّه كان مسلمًا، ومَن يقولُ: إنَّهم إذا عاينوا إخراجَ الموحِّدين مِن النارِ تمنَّوا أنهم كانوا مسلمينَ، كلُّ ذلك راجِعٌ إلى أنَّ الكُفَّارَ إذا عاينوا الحقيقةَ نَدِموا على الكفرِ، وتمنَّوْا أنَّهم كانوا مسلمينَ). ((أضواء البيان)) (2/252).
كما قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنعام: 27] .
وقال سُبحانه: حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام: 31] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان: 27] .
وقال جلَّ جلالُه: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر: 54 - 58] .
وعن صالحِ بن أبي طَريفٍ، قال: قلتُ لأبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه: أسَمِعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ في هذه الآيةِ: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ؟ فقال: نعم، سمعتُه يقولُ: ((يُخرِجُ اللهُ أناسًا من النَّارِ [أي: مِن المسلمينَ] بعدما يأخُذُ نِقمَتَه منهم، قال: لَمَّا أدخَلَهم اللهُ النَّارَ مع المُشرِكينَ قال المُشرِكونَ: أليس كُنتُم تَزعُمونَ في الدُّنيا أنَّكم أولياءُ؟ فما لكم معنا في النَّارِ؟! فإذا سَمِعَ اللهُ ذلك منهم أذِنَ في الشَّفاعةِ، فيتشَفَّعُ لهم الملائِكةُ والنبيُّونَ حتى يخرُجوا بإذنِ الله، فلمَّا أُخرِجوا قالوا أي: المشركونَ: يا ليتنا كُنَّا مِثلَهم فتُدرِكَنا الشَّفاعةُ فنخرُجَ مِن النَّارِ، فذلك قولُ الله جلَّ وعلا: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ...)) [11] أخرجه ابن حبان (7432) واللفظ له، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (8110). صححه شعيب الأرناؤوط في تحقيق ((صحيح ابن حبان)) (16/458). .
وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: (ما يزالُ اللهُ يشفَعُ ويُدخِلُ الجنَّةَ، ويَرحَمُ ويَشفَعُ، حتى يقولَ: من كان من المُسلمينَ فَليدخُلِ الجنَّةَ، فذاك حين يقولُ: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) [12] أخرجه الحاكم (3345)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (75). صحح إسناده الحاكم، وذكر البيهقي أن له متابعة، وصححه الذهبي في ((التلخيص)) (2/384). قال الترمذي: (رُوي عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ وإبراهيمَ النخعيِّ وغيرِ واحدٍ مِن التابعينَ في تفسيرِ هذه الآيةِ: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ قالوا: إذا أُخرج أهلُ التوحيدِ مِن النارِ، وأُدخِلوا الجنةَ، ودَّ الذين كفَروا لو كانوا مسلمينَ). ((سنن الترمذي)) (5/24). .
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3).
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ.
أي: اترُكِ الكُفَّارَ- يا محمَّدُ- يأكلُوا في هذه الدُّنيا ما هم آكِلوه، ويتمَتَّعوا بشَهَواتِها ولذَّاتِها، ويَشغَلْهم الأملُ [13] قال الألوسي: ( وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ويشغلْهم التوقعُ لطولِ الأعمارِ، وبلوغِ الأوطارِ، واستقامةِ الأحوالِ، وأن لا يَلْقَوا إلَّا خيرًا في العاقبةِ والمآلِ). ((تفسير الألوسي)) (7/257). وقال القرطبي: (وحقيقةُ الأملِ: الحرصُ على الدُّنيا، والانكبابُ عليها، والحبُّ لها، والإعراضُ عن الآخرةِ). ((تفسير القرطبي)) (10/3). عن الإيمانِ باللهِ تعالى وطاعتِه، والاستعدادِ للآخرةِ [14] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/13)، ((تفسير الرازي)) (19/119)، ((تفسير القرطبي)) (10/2)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/253). قال الشنقيطي: (وقد تقَرَّر في فنِّ المعاني وفي مبحثِ الأمرِ عندَ الأصوليِّينَ أنَّ مِن المعاني الَّتي تأتي لها صيغةُ افْعَل: التَّهديدَ، كما في الآيةِ المذكورةِ،... وقال بعضُ العلماءِ: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآياتِ السَّيفِ، والعلمُ عندَ اللَّه تعالَى). ((أضواء البيان)) (2/253). .
فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
أي: فسوفَ يعلَمُ الكُفَّارُ أنَّهم خاسِرونَ، وأنَّ عاقِبةَ كُفرِهم عذابٌ أليمٌ مُهينٌ [15] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/13)، ((البسيط)) للواحدي (12/540)، ((تفسير ابن كثير)) (4/526)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/253). .
كما قال تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [إبراهيم: 30].
وقال عزَّ وجلَّ: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ [محمد: 12] .
وقال سُبحانه: كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات: 46] .
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا توعَّدَ اللهُ تعالى مِن قَبلُ مَن كذَّبَ الرَّسولَ صلَّى الله عليه وسلَّم بقولِه: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، أتبَعَه بما يؤكِّدُ الزَّجرَ، وهو قولُه تعالى [16] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/119). :
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4).
أي: وما أهلَكْنا أهلَ قريةٍ يستَحِقُّونَ العذابَ إلَّا وكان لهلاكِهم زمنٌ محدَّدٌ مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، فلا نُهلِكُهم حتى يَبلُغوه [17] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/14)، ((تفسير ابن عطية)) (3/350)، ((تفسير القرطبي)) (10/3)، ((تفسير السعدي)) (ص: 429)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/14). .
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5).
أي: لا يتقدَّمُ هلاكُ أمَّةٍ قبلَ الوَقتِ الذي قدَّرَهُ اللهُ لهلاكِها، ولا يستأخِرُ فيتجاوَزُ الوقتَ المحدَّدَ له [18] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/14)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/524)، ((تفسير القرطبي)) (10/3)، ((تفسير ابن كثير)) (4/526). قال ابن كثير: (وهذا تنبيهٌ لأهل مكَّة، وإرشادٌ لهم إلى الإقلاعِ عمَّا هم فيه من الشِّركِ والعنادِ والإلحاد، الذي يستحِقُّونَ به الهلاكَ). ((تفسير ابن كثير)) (4/526-527). .
كما قال سُبحانه: لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: 49] .

الفوائد التربوية:


1- قولُ الله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فيه إشارةٌ إلى أنَّ التلذُّذَ والتنَعُّمَ، وعدمَ الاستعدادِ للمَوتِ والتأهُّبِ له؛ ليس من أخلاقِ مَن يطلُبَ النَّجاةَ مِن عذابِ اللهِ في الآخرةِ [19] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/465). ، وفيه تعزيةٌ لما منَعه الله تعالى أولياءَه مِن التمتعِ بالدُّنيا، وكثرةِ الأكلِ فيها، وتأديبٌ لمن بسَط له فيها ألَّا يطغَى فيها، ولا يُعطي نفسَه شهواتِها [20]  يُنظر: ((عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين)) لابن القيم (ص: 195). .
2- قال الله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ طولُ الأمَلِ داءٌ عُضالٌ ومَرَضٌ مُزمِنٌ، ومتى تمكَّنَ مِن القلبِ فسَدَ مِزاجُه، واشتَدَّ عِلاجُه، ولم يفارِقْه داءٌ، ولا نَجَعَ فيه دواءٌ، بل أعيا الأطبَّاءَ، ويَئِسَ من بُرئِه الحُكَماءُ والعُلَماء. وحقيقةُ الأمَلِ: الحِرصُ على الدُّنيا، والانكبابُ عليها، والحُبُّ لها، والإعراضُ عن الآخرة، قال الحسَنُ: (ما أطال عبدٌ الأمَلَ إلَّا أساءَ العمَلَ). فالأمَلُ يُكسِلُ عن العمَلِ، ويُورِثُ التَّراخيَ والتَّوانيَ، ويُعقِبُ التَّشاغُلَ والتَّقاعُسَ، ويُخْلِدُ إلى الأرضِ، ويُميلُ إلى الهَوى، وهذا أمرٌ قد شُوهِدَ بالعِيانِ، فلا يَحتاجُ إلى بَيان، ولا يُطلَبُ صاحِبُه ببُرهانٍ، كما أنَّ قِصَرَ الأمَل يبعَثُ على العَمَل، ويُحيلُ على المُبادرة، ويَحُثُّ على المُسابَقة [21] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/2-3). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ سمِّي القرآنُ كتابًا؛ لأنَّهم مأمورون بكتابةِ ما ينزلُ منه؛ لحفظِه ومراجعتِه، فقد سمِّي القرآنُ كتابًا قبلَ أن يُكتبَ ويُجمعَ؛ لأنَّه بحيثُ يكونُ كتابًا [22] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/8). ، وفي هذه التسميةِ معجزةٌ للرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّ ما أُوحِي إليه سيُكتَبُ في المصاحفِ، ولذلك اتَّخَذ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِن أصحابِه كُتَّابًا يكتبُون ما أُنزِل إليه، ومِن أوَّلِ ما ابتُدِئ نزولُه. وقد وُجِد جميعُ ما حفِظه المسلمونَ في قلوبِهم على قَدْرِ ما وجَدوه مكتوبًا يومَ أمَر أبو بكرٍ بكتابةِ المصحفِ [23]  يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (1/73).
2- قولُ الله تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ يَستدِلُّ به مَن قال: إنَّ (رُبَّ) للتَّكثيرِ [24] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:160). قال القرطبي: (أصلُها أن تُستعمَلَ في القليلِ، وقد تُستعملُ في الكثيرِ، أي: يودُّ الكفَّارُ في أوقاتٍ كثيرةٍ لو كانوا مسلمينَ، قاله الكوفيُّونَ... وقال بعضُهم: هي للتقليلِ في هذا الموضعِ؛ لأنَّهم قالوا ذلك في بعضِ المواضعِ لا في كلِّها، لشغلِهم بالعذابِ، واللَّهُ أعلمُ). ((تفسير القرطبي)) (10/1). قال ابنُ عطية: (و«رُبَّما» للتقليلِ، وقد تجيءُ شاذةً للتكثيرِ، وقال قومٌ: إنَّ هذه مِن ذلك. وأنكَر الزجَّاجُ أن تجيءَ «رُبَّ» للتكثيرِ). ((تفسير ابن عطية)) (3/349)، ويُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/173). ومنهم مَن جمَع بينَ المعنيينِ بأنَّ مَن قال: إنَّها للتكثيرِ نظَر إلى المرَّاتِ مِن التمنِّي، ومَن قال: إنَّها للتقليلِ نظَر إلى أزمانِ إفاقتِهم مِن العذابِ، فلا تنافيَ بينَ القولينِ؛ لأنَّ التمنِّي يقعُ كثيرًا منهم في زمنِ إفاقتِهم القليلِ. يُنظر: ((حاشية الجمل على تفسير الجلالين)) (2/563). .
3- في قَولِه تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ حُجَّةٌ على المُعتَزلةِ في الوعيدِ، إذْ لو كانت ذنوبُ المُسلِمينَ تُخَلِّدُهم مع الكفَّارِ في النَّارِ، ما وَدُّوا إسلامَهم، ولا تَحَسَّروا على ما رأوا مِن انتقالِ حالِهم، ولو كان لا يَسعَدُ بالجنَّةِ إلَّا صالِحو المُسلِمينَ والأنقياءُ مِن الذُّنوبِ، لكان- واللهُ أعلمُ-: «ربَما يَوَدُّ الذين كفَروا لو كانوا صالحينَ» [25] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/40). .
4- قال الله تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ قال بعضُ أهل العِلمِ: (ذَرْهُمْ تهديدٌ، وقَولُه: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تهديدٌ آخَرُ، فمتى يهنأُ العَيشُ بين تهديدَينِ) [26] يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/50). .
5- قولُ الله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ دلَّت الآيةُ على أنَّ كُلَّ من مات أو قُتِلَ، فإنَّما مات بأجَلِه، فقولُه: وَمَا أَهْلَكْنَا إنْ دخَل تحتَه الموتُ فالاستدلالُ ظاهِرٌ لازِمٌ، وإنْ لم يدخُلْ فيُقالُ: إنَّ ما لأجلِه وَجَب في عذابِ الاستئصالِ أنْ لا يتقَدَّمَ ولا يتأخَّرَ عن وقتِه المعيَّنِ قائِمٌ في الموتِ، فوجَب أنْ يكونَ الحكمُ هاهنا كذلك [27] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (19/121). .

بلاغة الآيات:


1- قوله تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ
- قولُه: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ وهذه الإشارةُ (تلك)؛ لتنزيلِ آياتِ القُرآنِ مَنْزِلةَ الحاضِرِ المُشاهَدِ، ووقَعَت هذه الآيةُ في مُفتتَحِ تهديدِ المُكذِّبينَ بالقُرآنِ؛ لقصدِ الإعذارِ إليهم باستدعائِهم للنَّظرِ في دلائلِ صدْقِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وحَقِّيَّةِ دِينِه. و(الكتابُ) عَلَمٌ بالغلبَةِ على القُرآنِ، ولمَّا كان أصلُ التَّعريفِ باللَّامِ في الاسمِ المجعولِ عَلَمًا بالغلبَةِ جائيًا مِن التَّوسُّلِ بحرفِ التَّعريفِ إلى الدَّلالةِ على معنى كَمالِ الجنسِ في المُعرَّفِ به: لم ينقطِعْ عنِ العلَمِ بالغلبَةِ أنَّه فائقٌ في جِنْسِه بمعونةِ المقامِ؛ فاقتضى أنَّ تلك الآياتِ هي آياتُ كتابٍ بالِغٍ مُنْتهى كَمالِ جِنْسِه، أي: مِن كُتُبِ الشَّرائعِ [28] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/8). .
- وفي قولِه: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ تَنْكيرُ القُرآنِ؛ للتَّفخيمِ، أي: تلك آياتُ الكتابِ الكامِلِ الجامِعِ في كونِه كتابًا كاملًا، وقُرآنًا يُبَيِّنُ الرُّشدَ مِن الغَيِّ بيانًا غريبًا، كأنَّه قيل: الكتابُ الجامِعُ للكمالِ والغَرابةِ في البَيانِ [29] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/569)، ((تفسير البيضاوي)) (3/206)، ((تفسير أبي حيان)) (6/464). .
- وعُطِفَ وَقُرْآنٍ على الكتابِ؛ لأنَّ اسمَ القُرآنِ جُعِلَ عَلَمًا على ما أُنْزِلَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للإعجازِ والتَّشريعِ؛ فهو الاسمُ العَلَمُ لكتابِ الإسلامِ، مثلُ اسمِ التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبُورِ للكُتُبِ المُشتهِرَةِ بتلك الأسماءِ، وللإشارةِ إلى ما في كلٍّ مِن العَلَمَينِ مِن معنًى ليس في العَلَمِ الآخرِ؛ حَسُنَ الجمعُ بينهما بطريقِ العطْفِ [30] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/8). ، فكُلُّ واحدٍ منهما يُفيدُ معنًى لا يُفيدُه الآخَرُ؛ فإنَّ الكِتابَ هو ما يُكتَبُ، والقرآنَ هو ما يُجمَعُ بَعضُه إلى بعضٍ [31] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/128). .
وقيل: جمَع بينَ وصفيِ الكتابيَّةِ والقرآنيَّةِ؛ لما فيه مِن تفخيمِ شأنِ القرآنِ، حيثُ أُشير بالأوَّلِ-أي: الكتابِ- إلى اشتمالِه على صفاتِ كمالِ جنسِ الكتبِ الإلهيَّةِ، فكأنَّه كلُّها، وبالثاني -أي: القرآنِ- إلى كونِه ممتازًا عن غيرِه، بديعًا في بابِه، خارجًا عن دائرةِ البيانِ، قرآنًا غيرَ ذي عوجٍ [32]  يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (7/250). . وقيل: كأنَّ الأوَّلَ إشارةٌ إلى حفظِه في الطروسِ بالكتابةِ، والثاني إلى حفظِه في الصدورِ بالدراسةِ [33] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/3-4). .
- قولُه: وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (المُبِين) اسمُ فاعلٍ مِن (أبانَ) القاصِرِ الَّذي هو بمعنى (بان)؛ مُبالغةً في ظُهورِه، أي: ظُهورِ قُرآنيَّتِه العظيمةِ، أي: ظُهورِ إعجازِه الَّذي تَحَقَّقَه المُعانِدونَ وغيرُهم، ولم نَقُلْ: إنَّ المُبِينَ بمعنى (أبان) المُتعدِّي؛ لأنَّ كونَه بَيِّنًا في نفْسِه أشدُّ في توبيخِ مُنْكِريه مِن وصْفِه بأنَّه مُظْهِرٌ لِمَا اشتمَلَ عليه [34] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/10). .
- وفي قولِه: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ، حيث ابْتُدِئَ بالمُعرَّفِ باللَّامِ الْكِتَابِ؛ لِمَا في التَّعريفِ مِن إيذانٍ بالشُّهرةِ والوُضوحِ، وما فيه مِن الدَّلالةِ على معنى الكَمالِ، ولأنَّ المُعرَّفَ هو أصْلُ الإخبارِ والأوصافِ. ثمَّ جِيءَ بالمُنكَّرِ وَقُرْآنٍ؛ لأنَّه أُرِيدَ وصْفُه بالمُبِينِ، والمُنَكَّرُ أنسَبُ بإجراءِ الأوصافِ عليه، ولأنَّ التَّنكيرَ يدلُّ على التَّفخيمِ والتَّعظيمِ؛ فوُزِّعَت الدَّلالتانِ على نُكْتَةِ التَّعريفِ ونُكْتَةِ التَّنكيرِ. وأمَّا تقديمُ الكتابِ على القُرآنِ في الذِّكْرِ؛ فلأنَّ سِياقَ الكلامِ توبيخُ الكافرينَ وتهديدُهم بأنَّهم سيجيءُ وقْتٌ يتمَنَّونَ فيه أنْ لو كانوا مُؤمنينَ؛ فلمَّا كان الكلامُ مُوجَّهًا إلى المُنكِرينَ ناسَبَ أنْ يستحضِرَ المُنزَّلَ على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعُنوانِه الأعمِّ، وهو كونُه كِتابًا؛ لأنَّهم حين جادَلوا ما جادلوا إلَّا في كتابٍ، فقالوا: لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ [الأنعام: 157] ؛ ولأنَّهم يعرِفونَ ما عندَ الأُمَمِ الآخرينَ بعُنوانِ (كِتابٍ)، ويعرِفونَهم بعُنوانِ (أهْلِ الكتابِ)، وأمَّا عُنوانُ (القُرآنِ) فهو مُناسِبٌ لكونِ الكتابِ مَقروءًا مَدْروسًا، وإنَّما يقرَؤُه ويدرُسُه المُؤمِنونَ به؛ ولذلك قُدِّمَ عُنوانُ (القُرآنِ) في سُورةِ النَّملِ في قولِه: تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ [35] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/8- 9). [النمل: 1] .
وقيل: لما كان الغالبُ في هذه السورةِ القطعَ الذي هو مِن لوازمِ الكتابِ قدَّمه، وذلك أنَّه قطَع بأمرِ الأجلِ والملائكةِ، وحفظِ الكتابِ والرميِ بالشُّهب، وكفايةِ المستهزئين، فكان كما قال سبحانَه، وكان الجمعُ بينَ الوصفينِ- أي: وصفِه بكونِه كتابًا وقرآنًا- الدال كلٌّ منهما على الجمعِ؛ إشارةً إلى الردِّ عليهم في جعلِهم القرآنَ عضين، وأنَّ قولَهم شديدُ المباعدةِ لمعناه. مع أنَّ المفهومينِ- مع تصادُقِهما على شيءٍ واحدٍ- متغايرانِ، فالكتابُ: ما يُدوَّنُ في الطُّروسِ، والقرآنُ: ما يُقرأُ باللسانِ [36] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (11/3-4). .
2- قوله تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ
- قولُه: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ اسْتِئنافٌ ابْتِدائيٌّ، وهو مُفتتَحُ الغرَضِ وما قبْلَه كالتَّنبيهِ والإنذارِ، والكلامُ خبَرٌ مُستعمَلٌ في التَّهديدِ والتَّهويلِ في عدَمِ اتِّباعِهم دينَ الإسلامِ، والتَّقليلُ هنا مُستعمَلٌ في التَّهكُّمِ والتَّخويفِ، أي: احْذَروا وَدادَتَكم أنْ تكونوا مُسلمينَ؛ فلعلَّها أنْ تقَعَ نادِرًا. و(لو) في لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ مُستعمَلَةٌ في التَّمنِّي؛ لأنَّ أصلَها الشَّرطيَّةُ؛ إذ هي حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ؛ فهي مُناسِبةٌ لمعنى التَّمنِّي الَّذي هو طلَبُ الأمْرِ المُمْتنعِ الحُصولِ؛ فإذا وقَعَت بعدَ ما يدلُّ على التَّمنِّي استُعْمِلَت في ذلك، كأنَّها على تقديرِ قولٍ محذوفٍ يقولُه المُتَمنِّي، ولمَّا حُذِفَ فِعْلُ القولِ عُدِلَ في حِكايةِ المقولِ إلى حكايتِه بالمعنى، فأصْلُ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ: (لو كنَّا مُسلمينَ)، والْتُزِمَ حذْفُ جوابِ (لو)؛ اكتفاءً بدَلالةِ المَقامِ عليه، ثمَّ شاع حذْفُ القولِ، فأفادت (لو) معنى المصدريَّةِ؛ فصار المعنى: (يودُّ الَّذين كفَروا كونَهم مُسلمينَ)؛ ولذلك عَدُّوها مِن حُروفِ المصدريَّةِ، وإنَّما المصدرُ معنًى عارضٌ في الكلامِ وليس مَدْلولَها بالوضْعِ [37] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/11 - 12). .
- قولُه: رُبَمَا يَوَدُّ (رُبَّ) حرفُ جَرٍّ لا يدخُلُ إلَّا على الاسمِ، و(ما) كافَّةٌ مُصحِّحةٌ لدُخولِه على الفعْلِ، وحقُّه الدُّخولُ على الماضي، ودُخولُه على المُضارعِ هنا في قولِه تعالى: يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لأنَّه لمَّا كان المُتَرَقَّبُ في أخبارِ اللهِ تعالى كالماضي المقطوعِ به في تحقُّقِه، أُجْرِيَ مَجْراه، فكأنَّه قيلَ: (رُبَّما وَدَّ). ومعنى التَّقليلِ فيه: الإيذانُ بأنَّهم لو كانوا يودُّونَ الإِسلامَ مَرَّةً، فبالحَرِيِّ أنْ يُسارِعوا إليه؛ فكيف وهم يَوَدُّونَه كلَّ ساعةٍ؟! وهذا التَّقليلُ واردٌ على مذهَبِ العربِ في قولِهم: لعلَّك ستندَمُ على فعْلِك، ورُبَّما ندِمَ الإنسانُ على ما فعَلَ، ولا يشُكُّونَ في تَنَدُّمِه، ولا يقصِدونَ تقليلَه، ولكنَّهم أرادوا: لو كان النَّدمُ مشكوكًا فيه أو كان قليلًا، لحَقَّ عليك ألَّا تفعَلَ هذا الفعْلَ؛ لأنَّ العُقلاءَ يتحرَّزونَ مِن التَّعرُّضِ للغَمِّ المَظنونِ كما يتحرَّزونَ مِن المُتيقَّنِ، ومِن القليلِ منه كما مِن الكثيرِ [38] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/569)، ((تفسير البيضاوي)) (3/206)، ((تفسير أبي السعود)) (5/63). . وقيل في سبَبِ التَّقليلِ الَّذي تفيدُه (رُبَّ): إنَّ العرَبَ تُعَبِّرُ عنِ المعنى بما يُؤَدِّي عكْسَ مقصودِه، وكِلَا هذينِ الوجهَينِ يحمِلُ الكلامَ على المُبالغةِ بنوعٍ مِن الإيقاظِ إليها، والعُمدةُ في ذلك على سِياقِ الكلامِ [39] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/216)، ويُنظر أيضًا: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/253). .
3- قولُه تعالى: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ الغرَضُ منه إقناطُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن ارْعِوائِهم، وإيذانُه بأنَّهم مِن أهلِ الخِذْلانِ، وأنَّ نُصْحَهم يُعَدُّ اشتغالًا بما لا طائلَ تحتَه، وفيه إلزامٌ للحُجَّةِ ومُبالغةٌ في الإنذارِ وإعذارٌ فيه، وتحذيرٌ عن إيثارِ التَّنعُّمِ وما يُؤَدِّي إليه طولُ الأملِ [40] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/570)، (( تفسير البيضاوي)) (3/206). . ولمَّا دَلَّت (رُبَّ) على التَّقليلِ اقتَضَت أنَّ استمرارَهم على غُلْوَائِهم هو أكثرُ حالِهم، وهو الإعراضُ عمَّا يَدْعوهم إليه الإسلامُ مِن الكَمالِ النَّفسيِّ؛ فبإعراضِهم عنه رَضُوا لأنفْسِهم بحياةِ الأنعامِ، وهي الاقتصارُ على اللَّذاتِ الجَسديَّةِ؛ فخُوطِبَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بما يُعَرِّضُ لهم بذلك مِن أنَّ حياتَهم حياةُ أكْلٍ وشُرْبٍ، وذلك ممَّا يَتَعيَّرونَ به في مَجاري أقوالِهم، والأمْرُ بتركِهم مُستعمَلٌ في لازمِه، وهو قِلَّةُ جَدْوى الحرْصِ على إصلاحِهم، وليس مستعْمَلًا في الإذنِ بمُتاركتِهم؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مأمورٌ بالدَّوامِ على دُعائِهم. وقد حُذِفَ مُتعلِّقُ التَّركِ؛ لأنَّ الفعْلَ نُزِّلَ مَنْزِلةَ ما لا يحتاجُ إلى مُتعلِّقٍ؛ إذ المَعْنِيُّ به ترْكُ الاشتغالِ بهم، والبُعْدُ عنهم؛ فلذلك عُدِّيَ فعْلُ التَّرْكِ إلى ذواتِهم؛ ليدُلَّ على اليأْسِ منهم [41] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/13). .
- وقولُه: ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ وعيدٌ وتهديدٌ، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعيدٌ ثانٍ [42] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/350). .
- وفي تَقْديمِ الأكْلِ إيذانٌ بأنَّ تمتُّعَهم إنَّما هو مِن قَبِيلِ تَمتُّعِ البَهائمِ بالمآكِلِ والمَشارِبِ، والمُرادُ: دوامُهم على ذلك لا إحداثُه؛ فإنَّهم كانوا كذلك. أو تمتُّعُهم بلا استماعِ ما يُنَغِّصُ عَيْشَهم مِن القوارعِ والزَّواجِرِ؛ فإنَّ التَّمتُّعَ على ذلك الوجْهِ أمْرٌ حادثٌ يصلُحُ أنْ يكونَ مُترتِّبًا على تَخْلِيَتِهم وشأْنَهم [43] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/65). .
- قولُه: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ هذا وعيدٌ أيَّما وعيدٍ، وتهديدٌ بعدَ تهديدٍ، ومع ذلك فهو تعليلٌ للأمْرِ بالتَّركِ؛ فإنَّ عِلْمَهم ذلك عِلَّةٌ لترْكِ النَّهيِ والنَّصيحةِ لهم، وفيه إلزامٌ للحُجَّةِ، ومُبالغةٌ في الإنذارِ؛ إذ لا يتحقَّقُ الأمْرُ بالضِّدِّ إلَّا بعدَ تكرُّرِ الإنذارِ، وتقرُّرِ الجُحودِ والإنكارِ، وكذلك ما ترتَّبَ عليه مِن الأكْلِ والتَّمتُّعِ والإلهاءِ [44] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/65). .
4- قوله تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ
-  مِنْ في قولِه: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ صِلَةٌ؛ تفيدُ استغراقَ الجِنْسِ [45] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/466). ، وهي أيضًا للتَّأكيدِ [46] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/66). .
- قولُه: إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ اعتراضٌ تَذْييليٌّ؛ لأنَّ في هذه الجُملةِ حُكْمًا يشمَلُهم، وهو حكمُ إمْهالِ الأُمَمِ الَّتي حَقَّ عليها الهلاكُ، أي: ما أهلَكْنا أُمَّةً إلَّا وقد متَّعْناها زَمَنًا، وكان لهلاكِها أجَلٌ ووقْتٌ محدودٌ؛ فهي مُمَتَّعةٌ قبْلَ حُلولِه، وهي مأخوذةٌ عندَ إبَّانِه [47] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/11). .
- قولُه: وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ جُملةٌ واقعةٌ صِفَةً لـ قَرْيَةٍ، والقياسُ ألَّا يتوسَّطَ الواوُ بينهما، كما في قولِه تعالى: وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ [الشعراء: 208] ، ولكنْ لمَّا شابَهَت صُورتُها الحالَ، أُدْخِلَت وتوسَّطَت؛ لتأكيدِ لُصوقِ الصِّفةِ بالموصوفِ، كما يُقال في الحالِ: (جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني وعليه ثوبٌ)، وللإيذانِ بكَمالِ الالْتِصاقِ بينَهما مِن حيثُ إنَّ الواوَ شأْنُها الجمْعُ والرَّبطُ؛ فإنَّ ما نحن فيه مِن الصِّفةِ أقْوى لُصوقًا بالموصوفِ منها به [48] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/570))، ((تفسير البيضاوي)) (3/206)، ((تفسير أبي حيان)) (6/465)، ((تفسير أبي السعود)) (5/66). .
5- قولُه تعالى: مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ هذا تعريضٌ لتهديدٍ ووعيدٍ مُؤَيَّدٍ بتَنْظيرِهم بالمُكذِّبينَ السَّالِفينَ [49] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/15). .
- قولُه: مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ جُملةُ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا بيانٌ لجُملةِ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ؛ لبيانِ فائدةِ التَّحديدِ: أنَّه عَدمُ المُجاوزةِ بَدْءًا ونِهايةً. وأُنِّثَ مُفْردًا ضميرُ الأُمَّةِ مَرَّةً؛ مُراعاةً للَّفْظِ في قولِه: مَا تَسْبِقُ، وجُمِعَ مُذكَّرًا في قولِه: وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ؛ مُراعاةً للمعنى، وحُذِفَ مُتعلِّقُ يَسْتَأْخِرُونَ وهو (عنه)؛ للعلْمِ به، أي: وما يستأْخِرونَ عنه [50] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/571)، ((تفسير ابن عاشور)) (14/15). . وكذلك جاء إيرادُ الفعْلِ على صِيغَةِ جمْعِ المُذكَّرِ يَسْتَأْخِرُونَ؛ للحمْلِ على المعنى مع التَّغليبِ، ولرِعايةِ الفواصِلِ؛ ولذلك حُذِفَ الجارُّ والمجرورُ [51] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/66). .
- قولُه: وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ معنى يَسْتَأْخِرُونَ: يتأخَّرونَ؛ فالسِّينُ والتَّاءُ للتَّأكيدِ [52] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (14/15). ، وعُبِّرَ فيه بصِيغةِ الاستفعالِ؛ للإشعارِ بعجْزِهم عن ذلك مع طلَبِهم له، وإيثارُ صِيغَةِ المُضارعِ في الفعلَينِ (تَسْبِقُ- يَسْتَأْخِرُونَ) بعدَما ذُكِرَ نفْيُ الإهلاكِ بصِيغَةِ الماضي أَهْلَكْنَا؛ لأنَّ المقصودَ بيانُ دوامِهما واسْتِمرارِهما فيما بينَ الأُمَمِ الماضيةِ والباقيةِ، وإسنادُهما إلى الأُمَّةِ بعدَ إسنادِ الإهلاكِ إلى القريةِ؛ لأنَّ السَّبْقَ والاستئخارَ حالُ الأُمَّةِ دونَ القريةِ، مع ما في (الأُمَّةِ) مِن العُمومِ لأهْلِ تلك القُرى وغيرِهم ممَّن أُخِّرَت عُقوباتُهم إلى الآخرةِ، وتأخيرُ ذِكْرِ عدَمِ تأخُّرِهم عن ذِكْرِ عدَمِ سبْقِهم مع كونِ المَقامِ مَقامَ المُبالغةِ في بيانِ تحقُّقِ عذابِهم؛ إمَّا باعتبارِ تقدُّمِ السَّبْقِ في الوجودِ، وإمَّا باعتبارِ أنَّ المُرادَ بيانُ سِرِّ تأخيرِ عذابِهم مع استحقاقِهم لذلك [53] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/66). .