موسوعة التفسير

سورةُ التَّوبةِ
الآيتان (122-123)

ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ

غريب الكلمات:


لِيَنْفِرُوا: أي: لِيخْرُجوا إلى الغزوِ، والنَّفْر: الانزعاجُ عن الشيءِ، وإلى الشيءِ، كالفَزَعِ إلى الشيءِ وعن الشيءِ، وأصلُ (نفر): يدلُّ على تجافٍ وتباعدٍ [2123] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/459)، ((الوجيز)) للواحدي (ص 486)، ((المفردات)) للراغب (ص: 817)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 991). .
يَلُونَكُمْ: أي: يَقرُبونَ منكم، وأصلُ (ولي): يدُلُّ على قُربٍ [2124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/85)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/141)، ((تفسير القرطبي)) (19/116)، ((تفسير ابن كثير)) (4/237). .

المعنى الإجمالي:


يُبيِّنُ تعالى أنَّه لا ينبغي لجَميعِ المُؤمِنينَ أن يَنفِروا كلُّهم للجهادِ في وقتٍ واحدٍ، فهلَّا نفَرَ من كلِّ فِرقةٍ جماعةٌ منهم للقِتالِ؛ ليتسَنَّى لجملةِ المُؤمِنينَ تعَلُّمُ دِين اللهِ، ببقاءِ طائفةٍ أخرى منهم لهذا الغَرَضِ، ولِيُنذِرَ الذين قعَدوا للتفَقُّه النَّافرينَ للجهادِ إذا رَجَعوا إليهم؛ لعلَّهم يَحذَرونَ غضَبَ اللهِ وعَذابَه.
ثمَّ يأمُرُ اللهُ الذين آمنوا أن يُقاتِلوا الكفَّارَ القَريبينَ مِن دِيارِهم، وأنْ يَجِدَ الكُفَّارُ منهم غِلظةً عند قِتالِهم، وأن يتيقَّنوا أنَّ الله مع المتَّقينَ.

تفسير الآيتين:


وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
أنَّ هذه الآيةَ مِن تَتِمَّةِ أحكامِ الجهادِ بالقِتالِ، مع زيادةِ حُكمِ طَلَبِ العِلمِ، والتفَقُّهِ في الدِّينِ، وهو آلةُ الجهادِ بالحُجَّةِ والبُرهانِ، الذي عليه مدارُ الدَّعوةِ إلى الإيمانِ، وإقامة دعائِمِ الإسلامِ، وإنَّما جِهادُ السَّيفِ حمايةٌ وسِياجٌ [2125] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/62). .
وأيضًا لَمَّا كان غالِبُ ما تقدَّمَ مِن هذه السُّورةِ تَحريضًا على الجِهادِ، وتنديدًا على المقَصِّرينَ في شأنِه، وانتهى الكلامُ قبل هذا بقوله تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ...؛ فلا جرَمَ كانت قوَّةُ الكلامِ مُؤذِنَةً بوُجوبِ تمحُّضِ المسلمينَ للغَزوِ. وإذ قد كان مِن مَقاصِدِ الإسلامِ بَثُّ علومِه وآدابِه بين الأمَّةِ، وتكوينُ جَماعاتٍ قائمةٍ بعِلمِ الدِّينِ وتَثقيفِ أذهانِ المُسلِمينَ؛ كي تصلُحَ سِياسةُ الأمَّةِ على ما قصَدَه الدِّينُ منها؛ من أجلِ ذلك عقَّبَ التَّحريضَ على الجِهادِ بما يبَيِّنُ أنْ ليس من المَصلحةِ تمَحُّضُ المُسلِمينَ كُلِّهم لأن يكونوا غُزاةً أو جُندًا، وأنْ ليس حظُّ القائِمِ بواجِبِ التَّعليمِ، دونَ حَظِّ الغازي في سبيلِ اللهِ؛ من حيثُ إنَّ كِليهما يقومُ بعمَلٍ لتأييدِ الدِّينِ، فهذا يؤيِّدُه بتوسُّعِ سُلطانِه، وتكثيرِ أتباعِه، والآخَرُ يؤيِّدُه بتثبيتِ ذلك السُّلطانِ، وإعدادِه لأنْ يَصْدُرَ عنه ما يضمَنُ انتظامَ أمْرِه، وطولَ دَوامِه [2126] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/58-59). .
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً .
أي: وما ينبغي للمُؤمِنينَ أن ينفِروا كلُّهم في وقتٍ واحدٍ للجهادِ في سَبيلِ اللهِ [2127] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (2/475)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 486)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/311)، ((تفسير القرطبي)) (8/293)، ((تفسير ابن كثير)) (4/236)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/62)، ((تفسير السعدي)) (ص: 355). قال أبو عُبيد القاسم بن سلام في قَولِه تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً...: (فلولا هذه الآيةُ، لكان الجِهادُ حَتمًا واجبًا على كلِّ مُؤمِنٍ في خاصَّةِ نَفسِه ومالِه، كسائِرِ الفَرائِضِ، ولكِنَّ هذه الآيةَ جعَلَت للنَّاسِ الرُّخصةَ في قيامِ بَعضِهم بذلك عن بَعضٍ). ((الناسخ والمنسوخ)) (1/206). .
فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ.
أي: فهلَّا نفَرَ مِن كُلِّ قَبيلةٍ أو أهلِ مَدينةٍ، جمَاعةٌ مِن المُسلِمينَ للقِتالِ، تحصُلُ بهم الكفايةُ؛ ليتأتَّى لجُملةِ المُؤمِنينَ القاعدينَ تعلُّمُ دِينِ اللهِ، والتفقهُ فيه [2128] يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (2/475)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 486)، ((تفسير القرطبي)) (8/294، 295)، ((تفسير القاسمي)) (5/528)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/62، 63)، ((تفسير السعدي)) (ص: 355). وممَّن اختار هذا المعنَى المذكورَ: الواحديُّ، والقرطبيُّ، وابن القيم- وعزاه للأكثرينَ- ومحمد رشيد رضا، والسعدي. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/94)، ((تفسير القرطبي)) (8/295)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/189)، ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (1/56)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/63-64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 355). وممن قال بهذا القول مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ- في روايةٍ عنه- وابنُ زيدٍ، وقتادةُ، والضحَّاكُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/77)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/311). قال الواحدي: (قال المفسِّرون: إذا رجعتِ السَّرايا، وقد نزَل بعدَهم قرآنٌ، وتعلَّمه القاعدونَ، قالوا لهم إذا رجَعوا: إنَّ الله تعالى قد أنزلَ بعدَكم على نبيِّكم قرآنًا، وقد تعلَّمناه. فتتعلَّم السَّرايا ما أنزَل الله على نبيِّهم بعدَهم، فذلك قولُه: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي: وليعلِّموهم بالقرآنِ ويخوِّفوهم به، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ولا يَعملونَ بخلافِه). ((البسيط)) (11/95). قال محمد رشيد رضا: (إنَّ اعتبارَ طائفةِ السَّرِيَّةِ بما قدْ يحصلُ لها مِنَ النَّصرِ - وهو غيرُ مضمونٍ ولا مُطَّرَدٍ - لا يُسَمَّى تَفَقُّهًا في الدِّينِ وإنْ كان يدخلُ في عمومِ معنَى الفقهِ، فإنَّ التَّفَقُّه هو: التَّعَلُّمُ الَّذي يكونُ بالتَّكلُّفِ وَالتَّدرُّجِ والمُتبادرِ مِنَ الدِّينِ عِلْمُه، ولا يَصِحُّ هذا المعنَى في ذلك العهدِ إلَّا في الَّذينَ يبقَوْنَ معَ النَّبيِّ - صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم - فيَزْدادونَ كلَّ يومٍ علمًا وفقهًا بنزولِ القرآنِ) ((تفسير المنار)) (11/64). واختار ابنُ جريرٍ أنَّ المعنى: (ليتفقَّهَ الطائفةُ النافرةُ بما تُعايِنُ مِن نصرِ الله أهلَ دينِه، وأصحابَ رسولِه على أهلِ عداوتِه والكفرِ به، فيفقهُ بذلك مِن معاينتِه حقيقةَ علمِ أمرِ الإسلامِ، وظهورِه على الأديانِ مَن لم يكنْ فقهَه). ((تفسير ابن جرير)) (12/82)، قال ابن الجوزي: (وهو أشبهُ بظاهرِ الآيةِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/311). وممن قال بذلك مِن السَّلف: الحسنُ البصريُّ. ينظر ((تفسير ابن جرير)) الموضع السابق. 
وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.
أي: ولِيُعلِّمَ القاعدون قومَهم الذين نفَروا إلى الغزوِ، إذا رجَعوا إليهم، ويُخوِّفوهم ويَعِظوهم؛ رجاءَ أنْ يحذَروا عاقبةَ عصيانِ الله، وألَّا يعملوا بخلافِ ما تعلَّموه [2129] يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/95)، ((تفسير الرازي)) (16/172)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/63)، ((تفسير السعدي)) (ص: 355)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/62). قال ابن القيِّم: (وقد اختُلِفَ في الآيةِ، فقيل: المعنى أنَّ المؤمنينَ لم يكونوا لِيَنفِروا كلُّهم للتفَقُّهِ والتعَلُّمِ، بل ينبغي أن ينفِرَ مِن كلِّ فِرقةٍ منهم طائفةٌ، تتفَقَّه تلك الطائفةُ ثم ترجِعُ تُعَلِّمُ القاعدينَ، فيكونُ النَّفيرُ على هذا نفيرَ تعَلُّمٍ، والطائفةُ تُقال على الواحدِ فما زاد، قالوا: فهو دليلٌ على قَبولِ خَبَرِ الواحِدِ، وعلى هذا حَمَلَها الشافعيُّ وجماعةٌ. وقالت طائفةٌ أخرى: المعنى: وما كان المُؤمِنونَ لِيَنفِروا إلى الجهادِ كُلُّهم، بل ينبغي أن تنفِرَ طائفةٌ للجهادِ، وفِرقةٌ تقعُدُ تتفَقَّه في الدِّينِ، فإذا جاءت الطَّائفةُ التي نفَرَت، فقَّهَتْها القاعدة، وعَلَّمَتْها ما أُنزِلَ من الدِّينِ والحلالِ والحرامِ، وعلى هذا فيكونُ قولُه: لِيَتَفَقَّهُوا، وَلِيُنْذِرُوا للفِرقةِ التي نفَرَت منها طائفةٌ، وهذا قولُ الأكثرينَ، وعلى هذا فالنَّفيرُ نفيرُ جِهادٍ على أصلِه؛ فإنه حيث استُعمِلَ إنَّما يُفهَم منه الجهادُ، قال الله تعالى: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وقال النبيُّ: «لا هجرةَ بعد الفتحِ، ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرْتُم فانفِروا»، وهذا هو المعروفُ مِن هذه اللَّفظةِ). ((مفتاح دار السعادة)) (1/56). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
هذا إرشادٌ آخَرُ، بعدما أرشَدَ تعالى إلى التَّدبيرِ فيمن يُباشِرُ القِتالَ، أرشَدَهم إلى أنَّهم يَبدَؤونَ بالأقرَبِ فالأقرَبِ مِن الكفَّارِ، والغِلظةِ عليهم، والشِّدَّةِ في القِتالِ، والشَّجاعةِ والثَّباتِ [2130] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:355). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، ابدَؤوا في الغَزوِ بقِتالِ الكُفَّارِ القَريبينَ مِن ديارِكم [2131] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/85، 86)، ((البسيط)) للواحدي (11/96)، ((تفسير ابن كثير)) (4/237، 238)، ((تفسير القاسمي)) (5/530)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). قال ابن كثير: (أمَرَ اللهُ تعالى المؤمِنينَ أن يُقاتِلوا الكُفَّارَ أوَّلًا فأوَّلًا، الأقرَبَ فالأقرَبَ إلى حوزةِ الإسلامِ؛ ولهذا بدأ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقتالِ المُشرِكينَ في جزيرةِ العَرَب، فلمَّا فرَغَ منهم وفتحَ الله عليه مكَّةَ والمدينةَ، والطَّائِفَ واليَمَن واليَمامة، وهجَر وخيبَرَ وحَضْرَموت، وغيرَ ذلك من أقاليمِ جَزيرةِ العَرَبِ، ودخل الناسُ من سائِرِ أحياء العَرَبِ في دين اللهِ أفواجًا- شرَعَ في قتالِ أهلِ الكِتابِ، فتجهَّزَ لغَزوِ الرُّومِ الذين هم أقرَبُ النَّاسِ إلى جزيرة العرب، وأَولى النَّاسِ بالدَّعوةِ إلى الإسلام؛ لِكَونِهم أهلَ الكِتابِ، فبلغ تبوكَ، ثم رجَعَ لأجلِ جَهدِ النَّاسِ، وجَدْبِ البلادِ، وضِيقِ الحالِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/237- 238). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/85-86). .
وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً.
أي: ولْيَجِدِ الكُفَّارُ المُحارِبونَ لكم- أيُّها المُؤمِنونَ- شِدَّةً وخُشونةً منكم عندَ قِتالِهم [2132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/88)، ((البسيط)) للواحدي (11/97)، ((تفسير ابن عطية)) (3/97)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/66)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/63). .
كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة: 73].
وقال سبحانه: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: 29].
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
أي: وأيقِنُوا- أيُّها المُؤمِنونَ- أنَّ اللهَ معكم بالنَّصرِ على أعدائِكم إن اتَّقَيتُموه، بامتثالِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه، ومن ذلك تَقواه في جِهادِكم [2133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/88)، ((تفسير ابن عطية)) (3/98)، ((تفسير الرازي)) (16/174)، ((تفسير ابن كثير)) (4/239)، ((تفسير القاسمي)) (5/531)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/66)، ((تفسير السعدي)) (ص: 356). قال محمد رشيد رضا: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ له، في مُراعاةِ أحكامِه وسُنَنِه، بالمعونةِ والنَّصرِ، وأهمُّها ما يجِبُ اتِّقاؤُه في الحَربِ؛ من التقصيرِ في أسبابِ النَّصرِ والغَلَبِ، التي بَيَّنَها في كتابِه، والتي تُعرَف بالعِلمِ والتَّجارِبِ؛ كإعدادِ ما يُستطاعُ مِن قوَّةٍ، والصَّبرِ والثَّباتِ، والطَّاعةِ والنِّظامِ، وتَرْكِ التَّنازُعِ والاختلافِ، وكثرةِ ذِكرِ الله، والتوكُّلِ عليه فيما وراء الأسبابِ). ((تفسير المنار)) (11/66). وقال السعدي: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي: ولْيكُنْ لَدَيكم علمٌ أنَّ المَعونةَ مِن اللهِ تَنزِلُ بحسَبِ التَّقوى). ((تفسير السعدي)) (ص: 356). .

الفوائد التربوية :


قَولُ اللهِ تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فيه فضيلةُ العِلمِ، وخصوصًا الفِقهَ في الدِّينِ، وأنَّه أهَمُّ الأمورِ [2134] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:355). .
مَن تعَلَّمَ عِلمًا، فعليه نَشرُه وبَثُّه في العبادِ، ونصيحتُهم فيه؛ يُرشِدُ إلى ذلك قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [2135] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:355). .
قال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ دَلَّت الآيةُ على أنَّه يجِبُ أن يكونَ المقصودُ مِن التفَقُّهِ والتعَلُّمِ دَعوةَ الخَلقِ إلى الحَقِّ، وإرشادَهم إلى الدِّينِ القَويمِ والصِّراطِ المُستقيمِ، فكُلُّ مَن تفَقَّه وتعَلَّم لهذا الغرَضِ، كان على المنهَجِ القَويمِ، والصِّراطِ المُستَقيمِ، ومَن عدَلَ عنه، وطلَبَ الدُّنيا بالدِّينِ، كان من الأخسَرينَ أعمالًا، الذين ضلَّ سعيُهم في الحياةِ الدُّنيا، وهم يحسَبونَ أنَّهم يُحسِنونَ صُنعًا [2136] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/172). .
قال الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ الآيةُ تدُلُّ على وُجوبِ تعميمِ العِلمِ، والتفَقُّهِ في الدِّينِ، والاستعدادِ لِتَعليمِه في مواطِنِ الإقامةِ، وتفقيهِ النَّاسِ فيه على الوجهِ الذي يَصلُحُ به حالُهم، ويكونونَ به هُداةً لِغَيرهم، وأنَّ المتخَصِّصينَ لهذا التفَقُّه بهذه النيَّة، لا يقِلُّونَ في الدَّرَجةِ عند الله عن المُجاهِدينَ بالمالِ والنَّفسِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ الله، والدِّفاعِ عن المِلَّةِ والأُمَّة [2137] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/63). .
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً المؤمِنُ الكامِلُ هو الذي يكونُ رَفيقًا لأخيه المؤمِنِ، غليظًا على عَدُوِّه الكافِرِ، كما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة: 54]، وقال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [2138] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (4/238). [الفتح: 29].
قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فيه حَضُّ اللهِ تعالى على التَّقْوى الَّتي هي مِلاكُ الدِّين والدُّنيا، وبها يُلْقى العدوُّ، وقد قال بعضُ الصَّحابةِ: إنَّما تُقاتِلون النَّاسَ بأعمالِكم. وأهلُها هم المُجِدُّون في طرُقِ الحقِّ، فوعَد تعالى أنَّه معَ أهلِ التَّقْوى ومَن كان اللهُ معَه فلَن يُغلَبَ [2139] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (3/97- 98). .

الفوائد العلمية واللطائف:


في قولِه تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً حجةٌ في أنَّ النفيرَ والنفقةَ فرضانِ على الكفايةِ [2140] يُنظر: ((النُّكت الدالة على البيان)) للقصَّاب (1/581). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فيه دليلٌ على أنَّ التفَقُّهَ والتَّذكيرَ مِن فُروضِ الكفايةِ، وأنَّه ينبغي أن يكونَ غرَضُ المتَكَلِّمِ فيه أن يستقيمَ ويُقيمَ، لا الترفُّعَ على النَّاسِ، وصَرْفَ وجوهِهم إليه، والتبَسُّطَ في البلادِ [2141] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/657). .
قال الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ هذه الآيةُ أصلٌ في وجوبِ طَلَبِ العِلمِ [2142] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (8/293)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/61). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ لَمَّا كان مصيرُ الفِقهِ سَجِيَّةً، لا يحصُلُ إلَّا بمُزاولةِ ما يُبلِّغُ إلى ذلك، كانت صيغةُ التفَعُّلِ المُؤذِنُةُ بالتكَلُّفِ مُتعَيِّنةً لأن يكونَ المرادُ بها تكلُّفَ حُصولِ الفِقهِ، أي: الفَهمِ في الدينِ، وفي هذا إيماءٌ إلى أنَّ فَهمَ الدِّينِ أمرٌ دَقيقُ المَسلَكِ لا يحصُلُ بسُهولةٍ [2143] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/62). .
دلَّ قولُه تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ على أنَّ الفِقهَ في الدِّينِ هو فَهمُ معاني الأمرِ والنَّهيِ؛ لِيَستبصرَ الإنسانُ في دينِه؛ حيثُ قَرَنَ اللهُ تعالى الإنذارَ بالفِقهِ؛ فدلَّ على أنَّ الفِقهَ ما وَزَعَ عن مُحَرَّمٍ، أو دعا إلى واجبٍ، وخوَّفَ النفوسَ مُواقعةَ المحظورِ، لا ما هَوَّنَ عليها استحلالَ المحارمِ بأدنى الحِيَل [2144] يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (6/171). .
اشتملتِ الآيةُ الكريمة: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ على بيانِ حُكْمِ النَّافرينَ والقاعِدينَ، وعلى بيانِ اشتِراكِهم في الجِهادِ والعِلمِ؛ فالنَّافِرونَ أهلُ الجِهاد، والقاعِدونَ أهلُ التفَقُّهِ، والدِّينُ إنَّما يتِمُّ بالجِهادِ والعِلمِ، فإذا اشتغَلَت طائفةٌ بالجِهادِ وطائفةٌ بالتفَقُّه في الدِّينِ، ثمَّ يعَلِّم أهلُ الفِقهِ المُجاهدينَ إذا رجعوا إليهم، حصَلَت المصلحةُ بالعِلمِ والجِهادِ [2145] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/189). .
في قَولِه تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ إن قيل: كان الظَّاهِرُ في الآيةِ (ليتفَقَّهوا في الدِّين ولِيُعَلِّموا قومَهم إذا رجعوا إليهم؛ لعلَّهم يَفقَهونَ) فلِمَ وُضِعَ مَوضِعَ (التَّعليم) الإنذارُ، وموضِعَ (يفقهون) يَحذَرونَ؟ يجاب: بأنَّ ذلك آذَنُ بالغَرَضِ منه، وهو اكتسابُ خَشيةِ اللهِ، والحذَرُ مِن بأسِه [2146] يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (5/529-530). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ هذه الآيةُ حُجَّةٌ قويَّةٌ تدلُّ على أنَّ خَبَرَ الواحِدِ حُجَّةٌ، فكلُّ ثلاثةٍ فِرقةٌ، وقد أوجَبَ الله تعالى أن يخرُجَ مِن كلِّ فِرقةٍ طائفةٌ، والخارِجُ من الثَّلاثةِ يكونُ اثنين أو واحدًا، فوجب أن يكونَ الطَّائفةُ إمَّا اثنينِ وإمَّا واحدًا، ثمَّ إنه تعالى أوجَبَ العمَلَ بأخبارِهم؛ لأنَّ قَولَه: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ عبارةٌ عن إخبارِهم، وقَولَه: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ إيجابٌ على قَومِهم أن يَعمَلوا بإخبارِهم، وذلك يقتضي أن يكونَ خَبَرُ الواحِدِ أو الاثنينِ حُجَّةً في الشَّرعِ [2147] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/171-172)، ويُنظر أيضًا: ((النُّكت الدالة على البيان)) للقصَّاب (1/581). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ الإنذارُ هو المَوعِظةُ، وإنَّما اقتصَرَ عليه؛ لأنَّه أهَمُّ، لأنَّ التَّخليةَ مُقَدَّمةٌ على التَّحليةِ، ولأنَّه ما مِن إرشادٍ إلى الخَيرِ إلَّا وهو يشتَمِلُ على إنذارٍ مِن ضِدِّه [2148] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/62). .
قَولُ الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فيه جوازُ التَّقليدِ في الفِقهِ للعامِّيِّ [2149] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:145). .
قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ في هذه الآيةِ دَليلٌ وإرشادٌ، وتَنبيهٌ لطيفٌ لفائدةٍ مُهِمَّةٍ، وهي: أنَّ المُسلِمينَ ينبغي لهم أن يُعِدُّوا لكلِّ مَصلحةٍ مِن مَصالِحِهم العامَّةِ مَن يقومُ بها، ويوفِّرُ وَقتَه عليها، ويجتَهِدُ فيها، ولا يلتَفِتُ إلى غيرِها؛ لِتَقومَ مَصالِحُهم، وتتِمَّ مَنافِعُهم، ولتكونَ وِجهةُ جَميعِهم ونهايةُ ما يقصِدونَ، قَصدًا واحدًا، وهو قيامُ مَصلحةِ دينِهم ودُنياهم، ولو تفرَّقَت الطُّرُق، وتعدَّدَت المشاربُ، فالأعمالُ مُتباينةٌ، والقَصدُ واحِدٌ، وهذه مِن الحِكمةِ العامَّةِ النَّافعةِ في جميعِ الأمور [2150] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 355). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ فيه أنَّه يجِبُ الابتداءُ في القتالِ بالأقرَبِ إلى بلَدِ المُقاتِلينَ [2151] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:146). .
قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ إنَّ الابتداءَ بالغَزوِ مِن المواضِعِ القريبةِ أَوْلى لوجوهٍ:
الأول: أنَّ مُقابلةَ الكُلِّ دَفعةً واحدةً مُتعَذِّرةٌ، ولَمَّا تساوى الكُلُّ في وجوبِ القِتالِ، لِما فيهم من الكُفرِ والمحاربةِ، وامتنَعَ الجَمْعُ؛ وجَبَ التَّرجيحُ، والقُربُ مُرجِّحٌ ظاهِرٌ كما في الدَّعوةِ، وكما في سائِرِ المُهِمَّاتِ، ألا ترى أنَّ في الأمرِ بالمعروفِ، والنَّهيِ عن المُنكَر، الابتداء بالحاضِرِ أَوْلى مِن الذَّهابِ إلى البلادِ البَعيدةِ؛ لهذا المُهِمِّ، فوجب الابتداءُ بالأقرَبِ.
الثاني: أنَّ الابتداءَ بالأقرَبِ أَوْلى؛ لأنَّ النَّفَقاتِ فيه أقَلُّ، والحاجةَ إلى الدَّوابِّ والآلاتِ والأدواتِ أقَلُّ.
الثالث: أنَّ الفِرقةَ المُجاهِدةَ إذا تجاوَزوا مِن الأقرَبِ إلى الأبعَدِ، فقد عَرَّضوا الذراريَّ للفِتنةِ.
الرابع: أنَّ المُجاوِرينَ لدار الإسلامِ إمَّا أن يكونوا أقوياءَ أو ضُعَفاءَ؛ فإن كانوا أقوياءَ كان تعرُّضُهم لدارِ الإسلامِ أشَدَّ وأكثَرَ مِن تعَرُّضِ الكفَّارِ المُتباعِدينَ، والشَّرُّ الأقوى الأكثَرُ أَوْلى بالدَّفعِ، وإن كانوا ضُعَفاءَ كان استيلاءُ المُسلِمينَ عليهم أسهَلَ، وحصولُ عِزِّ الإسلامِ لسبَبِ انكسارِهم أقرَبَ وأيسَرَ، فكان الابتداءُ بهم أوْلَى.
الخامس: أنَّ وُقوفَ الإنسانِ على حالِ مَن يَقرُبُ منه أسهَلُ مِن وُقوفِه على حالِ مَن يَبعُدُ منه، وإذا كان كذلك كان اقتدارُ المُسلِمينَ على مُقاتَلةِ الأقرَبينَ أسهَلَ؛ لِعِلمِهم بكيفيَّةِ أحوالِهم، وبمقاديرِ أسلِحَتِهم، وعدَدِ عَساكِرِهم.
السادس: أنَّ دارَ الإسلامِ واسِعةٌ، فإذا اشتغلَ أهلُ كُلِّ بلَدٍ بقتالِ مَن يَقرُبُ منهم من الكُفَّارِ، كانت المُؤنةُ أسهَلَ، وحصولُ المقصودِ أيسَرَ [2152] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/173). .
في قَولِه تعالى: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً تنبيهٌ على أنَّه لا يجوزُ الاقتصارُ على الغِلظةِ البتَّةَ؛ فإنه يُنفِّرُ ويوجِبُ تفَرُّقَ القَومِ، فقوله: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يدلُّ على تقليلِ الغِلظةِ، كأنَّه قيل: لا بدَّ أن يكونوا بحيث لو فتَّشوا على أخلاقِكم وطبائِعِكم، لوَجَدوا فيكم غِلظةً، وهذا الكلامُ إنَّما يصِحُّ فيمن أكثَرُ أحوالِه الرَّحمةُ والرَّأفةُ، ومع ذلك فلا يخلو عن نَوعِ غِلظةٍ، فالأمرُ في هذا البابِ لا يكونُ مُطَّردًا، بل قد يُحتاجُ تارةً إلى الرِّفقِ واللُّطفِ، وأخرى إلى العُنفِ [2153] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (16/173). .
قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً مِن وراءِ صَريحِ هذا الكلامِ تَعريضٌ بالتَّهديدِ للمُنافِقينَ؛ إذ قد ظُهِرَ على كُفرِهم، وهم أشَدُّ قُربًا من المُؤمِنينَ في المدينة، وفي هذا السِّياقِ جاء قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [2154] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/64). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً تنكيرُ (غِلْظة) في الآيةِ يدُلُّ على أنَّ لِأُولي الأمرِ أن يحَدِّدوها في كلِّ زَمَنٍ وكلِّ حالٍ، بما يتَّفِقُ مع المَصلَحةِ [2155] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (11/66). .
قَولُ الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ في توجيهِ الخِطابِ للذينَ آمَنوا دونَ النبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إيماءٌ إلى أنَّه لا يغزو بعد ذلك، وأنَّ أجَلَه الشَّريفَ قد اقتَرَب، ولعلَّ في قولِه تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ إيماءً إلى التَّسليةِ على فَقدِ نَبيِّهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ اللهَ معهم [2156] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/63). .

بلاغة الآيتين:


قولُه تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
قولُه: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الإتيانُ بصِيغةِ لامِ الجُحودِ تأكيدٌ للنَّفيِ، وهو خبَرٌ مستعمَلٌ في النَّهيِ؛ فتَأكيدُه يُفيدُ تأكيدَ النَّهيِ، أي: كونَه نهيًا جازِمًا يَقْتَضي التَّحريمَ [2157] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/322)، ((تفسير ابن عاشور)) (11/60). .
ومِن مَحاسِن هذا البيانِ أنْ قابَل صيغةَ التَّحريضِ على الغَزوِ بمِثْلِها في التَّحريضِ على العِلمِ؛ إذ افتُتِحَت صيغةُ تحريضِ الغزوِ بصيغةِ الجُحودِ في قولِه: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ...، وافتُتِحَت صيغةُ التَّحريضِ على العِلْمِ والتَّفقُّهِ بمِثلِ ذلك في قولِه: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [2158] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/59). .
قولُه: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ، أي: لِيَجعَلوا غايةَ سَعيِهم، ومُعظَمَ غرَضِهم مِن الفَقاهَةِ إرشادَ القَومِ وإنذارَهم، وتخصيصُه بالذِّكْرِ؛ لأنَّه أهَمُّ [2159] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/102). .
قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
قولُه: وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً فيه مبالَغةٌ في الأمرِ بالشِّدَّةِ؛ لأنَّه أمرٌ لهم بأن يَجِدَ الكفَّارُ فيهم الشِّدَّةَ، وذلك الوجدانُ لا يتحقَّقُ إلَّا إذا كانت الغلظةُ بحيثُ تظهرُ، وتنالُ العدوَّ فيُحِسُّ بها [2160] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (11/62). .
قولُه: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فيه وضعُ الظَّاهرِ موضِعَ الضَّميرِ؛ للتَّنصيصِ على أنَّ الإيمانَ والقتالَ على الوجهِ المذكورِ مِن بابِ التَّقْوى، والشَّهادةِ بكَونِهم مِن زُمرةِ المتَّقين [2161] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/112). .