موسوعة التفسير

سورةُ الكَهفِ
الآيات (27-29)

ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ

غريب الكلمات:


مُلْتَحَدًا: أي: مَلجأً تَميلُ إليه، وأصلُ (لحد): يدُلُّ على مَيلٍ [443] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 266)، ((تفسير ابن جرير)) (15/235)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 444)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/236)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 213)، ((تفسير ابن كثير)) (5/151).   .
بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: الغَداةُ: أوَّلُ النَّهارِ، وأصلُ (غدو): يَدُلُّ على زَمانٍ [444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/669، 671)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/287) و(4/415)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 982).   . والعَشِيُّ: مِنْ زوالِ الشَّمْسِ إلى الصَّباحِ، وآخِرُ النَّهارِ، وأصلُ (عشو): يدُلُّ على ظَلامٍ، وقِلَّةِ وضوحِ الشَّيءِ [445] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/322)، ((المفردات)) للراغب (ص: 567)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 336)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 982).   .
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ: أي: لا تَصرِفْ عَينيك عنهم، ولا تُجاوِزْهم إلى غَيرِهم، وأصلُ (عدو): يدُلُّ على التَّجاوزِ في الشَّيءِ [446] يُنظر: ((العين)) للخليل (2/213)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 266)، ((تفسير ابن جرير)) (15/237)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/249)، ((المفردات)) للراغب (ص: 553)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 267).   .
أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ: أي: شغَلْنا قلبَه، وجعَلْناه غافلًا، والغفلةُ: سهوٌ يعتري الإنسانَ مِن قلَّةِ التَّحفُّظِ والتَّيقُّظِ. وقيل: المعنى: تركناه غُفْلًا، أي: فارغًا، والغُفْلُ: الشيءُ الفارغُ، والأرضُ الغُفْلُ: التي لا علامةَ بها [447] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/241)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/386)، ((الوسيط)) للواحدي (3/146)، ((البسيط)) للواحدي (13/600)، ((المفردات)) للراغب (ص: 609)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 213)، ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص: 98).   .
فُرُطًا: أي: سَرَفًا وتَفريطًا وضَياعًا، وهو مِنَ الإفراطِ في الشَّيءِ والتَّجاوُزِ فيه، وقيل: أصلُه مِن التفريطِ، وهو تقديمُ العَجْزِ، فمَن قدَّم العَجْزَ في أمرِه أضاعَه وأهلَكه [448] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 266)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 369)، ((معاني القرآن)) للنحاس (4/231)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/490)، ((البسيط)) للواحدي (13/600)، ((المفردات)) للراغب (ص: 632)، ((تفسير الرسعني)) (4/276).   .
سُرَادِقُهَا: أي: فُسطاطُها وسُورُها، وكُلُّ ما أحاط بشيءٍ واشتمَلَ عليه مِن ثَوبٍ أو حائطٍ، يقالُ له: سُرادِقٌ، وهو فارسيٌّ مُعَرَّب [449] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 267)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 276)، ((البسيط)) للواحدي (13/605)، ((المفردات)) للراغب (ص: 406)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 518).   .
كَالْمُهْلِ: المُهلُ: ما انتهى حَرُّه مِمَّا أُذِيبَ من النُّحاس والرَّصاصِ وأشباهِ ذلك، أو عَكَرُ الزَّيتِ، وأصلُ (مهل): يدل على جِنسٍ مِن الذَّائباتِ [450] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 267)، ((تفسير ابن جرير)) (15/250-251)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 444)، ((تهذيب اللغة)) للأزهري (6/171)، ((البسيط)) للواحدي (13/608)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/282)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 273).   .
مُرْتَفَقًا: أي: مَنزِلًا، ومَقرًّا يُعَدُّ للارتفاقِ والانتفاعِ، أو مجلسًا، وأصلُ الارتفاقِ: الاتكاءُ على المِرْفقِ، وأصلُ (رفق): يدُلُّ على مُوافَقةٍ ومُقارَبةٍ بلا عنفٍ، ويُشتَقُّ منه كلُّ شيءٍ يَدْعو إلى راحةٍ وموافَقَةٍ [451] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 267)، ((تفسير ابن جرير)) (15/253، 256)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/418)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 213)، ((تفسير القرطبي)) (10/395).   .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى: واقرأْ -يا مُحمَّدُ- ما أوحاه اللهُ إليك من القُرآنِ، وبلِّغْه للناسِ، واتَّبِعْه؛ فإنَّه لا يستطيعُ أحَدٌ أن يُبدِّلَ كَلِماتِ اللهِ؛ ولن تجِدَ مِن دونِ رَبِّك مَلجأً تلجأُ إليه إن أنت لم تَتلُ القرآنَ وتتَّبِعْه وتبلِّغْه.
ثم يرشدُ الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أحدِ الآدابِ المهمةِ، فيقولُ: واحبِسْ نفسَك -يا مُحمَّدُ- مع أصحابِك الذين يَعبُدونَ رَبَّهم وحدَه، ويَدْعُونَه أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه مُخلِصينَ في عبادتِه، ولا تَصرِفْ نَظَرَك عنهم إلى غَيرِهم مِن الكُفَّارِ مِن أهلِ الغنَى والجاهِ؛ راغبًا في مجالستِهم، ولا تُطِعْ مَن جعَلْنا قلبَه غافِلًا عن ذِكرِنا، وآثَرَ هواه، وصار أمرُه في جميعِ أعمالِه ضَياعًا وسَفَهًا وتفريطًا.
ثمَّ يأمرُ الله تعالى نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أن يجهرَ بكلمةِ الحقِّ، فيقولُ تعالى: وقُلْ لهؤلاء الغافلينَ: ما جئتُكم به هو الحَقُّ مِن رَبِّكم، فإنْ شِئتُم فآمِنوا، وإن شِئتُم فاكفُروا، إنا أعدَدْنا للكافرينَ نارًا شديدةً أحاط بهم سُورُها مِن كُلِّ جانبٍ، وإنْ يَستَغِثْ هؤلاء الكُفَّارُ في النَّارِ بطَلَبِ الماءِ مِن شِدَّةِ عطَشِهم، يُؤتَوا بماءٍ مُنتِنٍ أسودَ شَديدِ الحرارةِ يَشوي وجوهَهم، قَبُحَ هذا الشرابُ الذي يُؤتَونَ به، وقَبُحَت النَّارُ مَنزِلًا لهم ومُقامًا!

تفسير الآيات:


وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا أنزَل اللهُ تعالى على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أنزَل مِن قِصَّةِ أهل الكهفِ؛ أمَرَه بأن يقُصَّ ويتلوَ على معاصريه ما أوحَى إليه تعالى مِن كتابِه في قِصَّةِ أهلِ الكَهفِ وفي غيرِهم [452] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/165).   .
وأيضًا لَمَّا دلَّ اشتمالُ القُرآنِ على قِصَّةِ أصحابِ الكَهفِ، مِن حيث إنَّها من المُغَيَّباتِ بالإضافةِ إلى الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم، على أنَّه وحيٌ مُعجِزٌ؛ أمَرَه أن يداوِمَ دَرسَه، ويلازِمَ أصحابَه [453] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/279).   .
وأيضًا لَمَّا أخبَر الله تعالى أنَّ له غيبَ السَّمواتِ والأرضِ، فليس لمخلوقٍ إليها طريقٌ إلَّا عن الطريقِ التي يخبِرُ بها عبادَه، وكان هذا القرآنُ قد اشتملَ على كثيرٍ مِن الغيوبِ؛ أمر تعالى بالإقبالِ عليه، فقال [454] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 475).   :
وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ.
أي: واقرأ -يا محمَّدُ- ما أوحَى اللهُ إليك مِن القرآنِ، وأبلِغْه إلى النَّاسِ، واتَّبِعْه بتصديقِ أخبارِه والعَمَلِ بما فيه، بامتثالِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه [455] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/234)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/261)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 55).   .
كما قال تعالى: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام: 106].
وقال سُبحانه: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ [النمل: 91- 92].
وقال عزَّ وجَلَّ: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: 43].
وقال جلَّ جلالُه: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: 4].
لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ.
أي: لا أحدَ يَستطيعُ أن يغيِّرَ كَلِماتِ الله [456] قال ابن الجوزي: (في قولِه: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ قولان: أحدهما: لا يَقدِرُ المُفتَرون على الزيادةِ فيها والنقصانِ منها. والثاني: لا خُلفَ لمواعيده، ولا مغيِّرَ لحُكمِه). ((تفسير ابن الجوزي)) (2/69). ويُنظر: (2/24). وقال ابن جرير: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ يقول: لا مُغَيِّرَ لما أَوعَدَ بكلماتِه التي أنزلها عليك أهلَ معاصيه، والعاملينَ بخلافِ هذا الكتابِ الذي أوحيناه إليك). ((تفسير ابن جرير)) (15/234). وقال ابن جُزي: (يحتملُ أن يُرادَ بالكلماتِ هنا: القرآنُ، فالمعنى: لا يُبدِّلُ أحدٌ القرآنَ ولا يغيِّره، ويحتمِلُ أن يريدَ بالكلماتِ: القَضاءَ والقدَرَ). ((تفسير ابن جزي)) (1/464). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/245). الشرعيةَ، فيُحَرِّفَ القرآنَ بتغييرِ أخبارِه، وتبديلِ أحكامِه، أو صرفِها عن معانيها الصَّحيحةِ [457] يُنظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (3/280)، ((تفسير الزمخشري)) (2/716)، ((تفسير البيضاوي)) (3/279)، ((تفسير ابن كثير)) (5/151)، ((تفسير الشوكاني)) (3/333)، ((تفسير الألوسي)) (8/243، 244)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/261). قال البقاعي: (فلا عُذرَ في التقصيرِ في إبلاغِها). ((نظم الدرر)) (12/48).   ، ولا أن يُغيِّرَ كَلِماتِه الكونيةَ [458] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 57). قال ابن عثيمين: (قولُه: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ يعني: لا أحدَ يستطيعُ أن يُبدِّلَ كلماتِه، لا الكونيةَ ولا الشرعيةَ). ((المصدر السابق)). وقال أيضًا: (أمَّا الشرعيَّةُ فلا أحدَ يستطيعُ شَرعًا أن يبَدِّلَها. والنفيُ هنا ليس نفيًا للوجودِ، ولكِنَّ النفيَ هنا للإمكانِ الشَّرعيِّ، فلا أحَدَ يستطيعُ شرعًا أن يبَدِّلَ كَلِماتِ اللهِ الشَّرعيَّةَ؛ فالواجِبُ على الجميعِ أن يستسلِموا لله، فلو قال قائِلٌ: وجَدْنا من يبَدِّلُ كلامَ الله... قلنا: هذا تبديلٌ شَرعيٌّ، والتبديلُ الشَّرعيُّ قد يقَعُ مِن البَشَرِ، فيُحَرِّفونَ الكلامَ عن مواضِعِه، ويفَسِّرونَ كلامَ الله بما لا يريدُه الله). ((المصدر السابق)). .
كما قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ [الأنعام: 115].
وقال سُبحانَه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
وقال عزَّ وجلَّ: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس: 15].
وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا.
أي: ولن تَجِدَ -يا مُحمَّدُ- مِن دونِ اللهِ مَلجأً تَهرُبُ إليه، وتحتمي به مِن العذابِ، إن أنتَ لم تتلُ القُرآنَ فتَتَّبِعْه وتُبَلِّغْه [459] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/234)، ((تفسير القرطبي)) (10/389)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (1/169)، ((تفسير ابن كثير)) (5/151)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/48)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/262)، ((تفسير الكهف)) لابن عثيمين (ص: 57).   .
كما قال تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: 22].
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67].
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28).
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.
أي: واحبِسْ نفسَك -يا مُحمَّدُ- مع أصحابِك الذين يَعبُدونَ رَبَّهم أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه، ويَدْعونَه ويَذكُرونَه مُخلِصينَ له في ذلك [460] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/236)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/59)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/155)، ((تفسير ابن كثير)) (5/152)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/263، 264)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 58). قال ابنُ تيميَّةَ: (وأمَّا قَولُه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فهي عامَّةٌ فيمن تناوله هذا الوصفُ، مثل الذين يُصلُّونَ الفجرَ والعصرَ في جماعةٍ؛ فإنَّهم يدعونَ رَبَّهم بالغداةِ والعَشيِّ يريدونَ وَجهَه). ((مجموع الفتاوى)) (11/59). ويُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/263، 264).   .
كما قال تعالى: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: 52].
وعن سَعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كنَّا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سِتَّةَ نَفَرٍ، فقال المُشرِكونَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اطرُدْ هؤلاء لا يَجتَرِئونَ علينا! قال: وكنتُ أنا وابنُ مسعودٍ، ورجلٌ مِن هُذَيل، وبِلالٌ، ورجلانِ لستُ أُسمِّيهما، فوقع في نفسِ رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما شاء اللهُ أن يقعَ، فحدَّث نفسَه، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: 52])) [461] رواه مسلم (2413).   .
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لَأنْ أقعُدَ مع قَومٍ يَذكُرونَ اللهَ تعالى مِن صَلاةِ الغَداةِ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أُعتِقَ أربعةً مِن ولَدِ إسماعيلَ، ولَأنْ أقعُدَ مع قومٍ يَذكُرونَ اللهَ مِن صلاةِ العَصرِ إلى أن تَغرُبَ الشَّمسُ، أحَبُّ إليَّ مِن أن أُعتِقَ أربعةً)) [462] أخرجه أبو داود (3667) واللفظ له، والطبراني في ((الدعاء)) (1878)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (561). حسَّن إسنادَه العراقي في ((تخريج الإحياء)) (1/54)، وحسَّنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (3667).   .
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
أي: ولا تَصرِفْ عينَيك -يا مُحمَّدُ- عن الذين يَعبُدونَ رَبَّهم بالغَداةِ والعَشيِّ؛ لرثاثةِ هيئتِهم وزِيِّهم، مُحتَقِرًا لهم، فتَتجاوزَهم إلى أهلِ الشَّرَفِ والجاهِ، والغنَى والثروةِ، طامحًا إلى مُجالَستِهم بدلًا مِن أولئك [463] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/237، 239)، ((تفسير القرطبي)) (10/391)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/264)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 61). قال القرطبي: (لم يُرِدِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يفعلَ ذلك، ولكنَّ الله نهاه عن أن يفعَلَه، وليس هذا بأكثَرَ مِن قولِه: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: 65] وإن كان اللهُ أعاذه مِن الشِّركِ). ((تفسير القرطبي)) (10/391).   .
كما قال تعالى: لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: 88].
وقال سُبحانَه: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 131].
وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا.
أي: ولا تُطِعْ -يا مُحمَّدُ- من جعَلْنا قلبَه غافلًا [464] قال السعدي: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا غفَلَ عن الله فعاقَبَه بأن أغفَلَه عن ذِكرِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 475).   عن ذِكرِنا وعبادتِنا وعن القرآنِ، وانشغل عن ذلك بالدُّنيا [465] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/241)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير الشوكاني)) (3/334). وذهب مقاتلُ بنُ سليمان والجلال المحلي إلى أنَّ المرادَ بـ ذِكْرِنَا : القرآنُ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (2/583)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 384). وقال ابن الجوزي: (عَنْ ذِكْرِنَا أي: عن التوحيدِ والقرآنِ والإسلامِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/79). وقال ابن عثيمين: (أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا يعني: عن ذِكْرِه إيَّانا، أو عن الذِّكرِ الذي أنزَلْناه؛ فعلى الأولِ: يكونُ المرادُ الإنسانَ الذي يذكُرُ اللهَ بلسانِه دونَ قَلبِه، وعلى الثاني: يكونُ المرادُ الرجُلَ الذي أغفل اللهُ قَلبَه عن القرآنِ فلم يرفَعْ به رأسًا، ولم يَرَ في مخالفتِه بأسًا). ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 62). .
كما قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النجم: 29].
وقال عزَّ وجلَّ: وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب: 1].
وقال سُبحانَه: وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [الإنسان: 24].
وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.
أي: وآثَرَ اتِّباعَ شَهواتِ نَفسِه، فاختار الكُفرَ والشِّركَ والمعاصيَ على الإيمانِ والتَّوحيدِ والطَّاعةِ [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/241)، ((تفسير البغوي)) (3/189)، ((تفسير الشوكاني)) (3/334)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/265).   .
وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا.
أي: وكانت شُؤونُه وأعمالُه سَفَهًا وتفريطًا وضَياعًا، قد تجاوَز فيها الحَدَّ، وتقدَّم فيها على الحَقِّ، نابذًا له وراءَ ظهرِه [467] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/51)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/265، 266). قيل: معنى قوله: وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا: تَفْريطٌ وضَياعٌ. وممن اختار هذا المعنى: ابن كثير، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف))  (ص: 62). وممن قال بنحوِ هذا القولِ من السلفِ: مجاهدٌ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/242). وقيل: مِن الإفراطِ الذي هو مجاوزةُ الحدِّ، كقولِ الكُفَّارِ المُحتَقِرينَ لفُقراءِ المؤمنين: نحن أشرافُ مُضَرَ وساداتُها، إن اتَّبعناك اتَّبَعك جميعُ الناس. وهذا مِن التكبُّرِ والإفراطِ في القولِ. وممن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/243). قال ابن جرير: (معناه: وكان أمرُ هذا الذي أغفَلْنا قلبَه عن ذِكرِنا في الرياءِ والكبرِ واحتقارِ أهل الإيمانِ سَرَفًا، قد تجاوز حدَّه، فضَيَّع بذلك الحَقَّ وهَلَك). ((تفسير ابن جرير)) (15/243). وقال الشنقيطي بعدَ أن ذكَر كلا المعنيين: (وأظهرُ الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي بحسَب اللغة العربية التي نزل بها القرآن: أنَّ معنى قوله: فُرُطًا أي: متقَدِّمًا للحقِّ والصواب، نابذًا له وراءَ ظَهرِه... وإلى ما ذكرْنا في معنى الآية تَرجِعُ أقوالُ المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد: فُرُطًا أي: ضياعًا، وكقول مقاتل بن حيان: فُرُطًا أي: سَرَفًا، وكقول الفراء: فُرُطًا أي: متروكًا، وكقول الأخفش: فُرُطًا أي: مجاوِزًا للحدِّ، إلى غيرِ ذلك مِن الأقوالِ). ((أضواء البيان)) (3/265، 266). وذهب البقاعي إلى نحوِ قولِ الشنقيطي، فقال: (وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا أي: مُتجاوزًا للحَدِّ مُسرِفًا فيه، متقدمًا على الحَقِّ، فيكون الحقُّ منبوذًا به وراء الظَّهرِ مُفرَّطًا فيه بالتَّقصيرِ). ((نظم الدرر)) (12/51).   .
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه بعد أن أمَرَ اللهُ نبيَّه صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم بما فيه نَقضُ ما يَفتِلونَه مِن مُقتَرحاتِهم، وتعريضٌ بتأييسِهم من ذلك -كاقتراحِهم طردَ الفقراءِ حتَّى يُؤمنوا-؛ أمَرَه أن يُصارِحَهم بأنَّه لا يَعدِلُ عن الحَقِّ الذي جاءه مِن الله، وأنَّه مُبلِّغُه بدونِ هَوادةٍ، وأنَّه لا يَرغَبُ في إيمانِهم ببَعضِه دونَ بَعضٍ، ولا يتنازَلُ إلى مُشاطَرتِهم في رَغَباتِهم بشَطرِ الحَقِّ الذي جاء به، وأنَّ إيمانَهم وكُفرَهم موكولٌ إلى أنفُسِهم، لا يَحسَبونَ أنَّهم بوعدِ الإيمانِ يَستَنزِلونَ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عن بعضِ ما أُوحيَ إليه، فالدينُ الحقُّ إنما أتَى مِن عندِ الله، فإن قبلوه عاد النفعُ إليهم، وإن لم يقبلوه عاد الضررُ إليهم، ولا تعلُّقَ لذلك بالفقرِ والغنَى، والقبحِ والحسنِ، والخمولِ والشهرةِ [468] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/458)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/307).   .
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.
أي: وقُلْ -يا مُحمَّدُ- مُعلِنًا [469] قيل: المرادُ: أن يقولَ للذين أغفلَ الله قلوبَهم عن ذِكرِه، واتَّبعوا أهواءَهم. وممن قال بذلك: ابنُ جرير، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/244)، ((تفسير القرطبي)) (10/393). وقيل: المرادُ: أن يقولَ للنَّاسِ. وممن قال بذلك: ابنُ كثير، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) (3/266).   : هذا الذي جِئتُكم به مِن عندِ رَبِّكم هو الحَقُّ بلا شَكٍّ، فلا تَطلُبوه مِن غَيرِه؛ فهو وَحدَه الذي يَهدي إليه مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُضِلُّ مَن يشاءُ منهم [470] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/244)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/266)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 62). قال القرطبي: (فاللهُ يؤتي الحَقَّ مَن يشاءُ وإن كان ضعيفًا، ويَحرِمُه مَن يشاءُ وإن كان قويًّا غنيًّا، ولستُ بطاردِ المؤمنينَ لِهواكم). ((تفسير القرطبي)) (10/393). وقال الشنقيطي: (وفي إعرابِه وجهانِ؛ أحدُهما: أنَّ الْحَقُّ مبتدأٌ، والجارَّ والمجرورَ خبَرُه، أي: الحقُّ الذي جئتُكم به في هذا القرآن العظيمِ، المتضَمِّنُ لدين الإسلامِ: كائِنٌ مبدؤُه مِن ربِّكم جلَّ وعلا؛ فليس من وحيِ الشَّيطانِ، ولا مِن افتراءِ الكَهَنةِ، ولا مِن أساطيرِ الأوَّلينَ، ولا غير ذلك. بل هو مِن خالِقِكم جلَّ وعلا، الذي تلزَمُكم طاعتُه وتوحيدُه، ولا يأتي مِن لَدُنْه إلَّا الحَقُّ الشامِلُ للصِّدقِ في الأخبارِ، والعَدل في الأحكامِ، فلا حَقَّ إلَّا منه جلَّ وعلا. الوجه الثاني: أنَّه خبَرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هذا الذي جئتُكم به الحَقُّ). ((أضواء البيان)) (3/266). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/52). وممَّن ذهب إلى المعنى الأولِ: ابنُ جرير، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/244)، ((تفسير القرطبي)) (10/393). وممَّن ذهب إلى المعنى الثاني: الزجَّاجُ، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (3/281)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475). قال الشوكاني: (أي: قُلْ لهم: إنَّ ما أُوحِيَ إليك، وأُمِرتَ بتلاوتِه: هو الحَقُّ الكائِنُ مِن جهةِ الله، لا مِن جهةِ غَيرِه حتى يمكِنَ فيه التَّبديلُ والتغييرُ). ((تفسير الشوكاني)) (3/334). ويُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/146). .
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.
أي: فإنْ شِئتُم فآمِنوا، وإن شِئتُم فاكفُروا؛ فإن اختَرتُم الإيمانَ فلكم الجنَّةُ، وإن اختَرْتُم الكُفرَ فقد أُعِدَّت لكم النَّارُ [471] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/244)، ((تفسير القرطبي)) (10/393)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/266). والمرادُ مِن الأمرِ هنا: التهديدُ والتَّخويفُ والوعيدُ الشديدُ، لا التخييرُ بينَ الكفرِ والإيمانِ. وممن نصَّ على ذلك: ابنُ جرير، والقرطبي، وابنُ كثير، والسعدي، والشنقيطي. يُنظر: المصادر السابقة.   .
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا هدَّدَ السَّامِعينَ بما حاصِلُه: لِيَختَرْ كلُّ امرئٍ لنَفسِه ما يجِدُه غَدًا عندَ الله تعالى؛ أتبَعَ هذا التهديدَ تَفصيلًا لِمَا أَعَدَّ للفَريقينِ مِن الوَعدِ والوعيدِ [472] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/53).   ، ولَمَّا كان الكلامُ مع الكُفَّارِ وفي سياقِ ما طلبوا من الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كانت البداءةُ بما أعَدَّ لهم أهَمَّ وآكَدَ [473] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/169).   .
إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.
أي: إنَّا أعدَدْنا وأرصَدْنا وهيَّأْنا للكافرينَ نارًا يُحيطُ بهم سُورُها مِن كُلِّ جانبٍ، فلا سبيلَ لهم إلى الخُروجِ منها [474] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/245)، ((تفسير القرطبي)) (10/393)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/266- 268). وممن قال بأنَّ المرادَ بسُرادقِها: سورُها: يحيى بن سلام، وابنُ أبى زَمَنين، وابنُ كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/182)، ((تفسير ابن أبى زمنين)) (1/385)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475). وممن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عبَّاسٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/246). قال الشنقيطي: (أمَّا المرادُ بالسُّرادِقِ في الآيةِ الكريمةِ، ففيه للعُلَماءِ أقوالٌ مَرجِعُها إلى شَيءٍ واحدٍ، وهو إحداقُ النَّارِ بهم من كلِّ جانبٍ، ... فمعنى الآية الكريمة: أنَّ النَّارَ مُحيطةٌ بهم من كلِّ جانبٍ، كما قال تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: 41]، وقال: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: 16]، وقال: لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ [الأنبياء: 39]، إلى غيرِ ذلك مِنَ الآياتِ). ((أضواء البيان)) (3/268-269). .
كما قال تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: 254].
وقال سُبحانَه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13].
وقال عزَّ وجلَّ: وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 31].
وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ.
أي: وإنْ يَطلُبِ الكافِرونَ المعذَّبونَ في النَّارِ الماءَ؛ مِن شِدَّةِ عَطَشِهم، يُؤتَوا بماءٍ مُنتِنٍ غَليظٍ أسودَ، غاية في الحرارةِ، يشوي وُجوهَهم [475] قال البقاعي: (يَشْوِي الْوُجُوهَ أي: إذا قُرِّب إلى الفَمِ، فكيف بالفَمِ والجوفِ؟!). ((نظم الدرر)) (12/54). وبنحو ذلك قال ابنُ كثير، والسعدي، وابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 63).   ؛ مِن شِدَّةِ حَرِّه [476] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/248، 251)، ((تفسير القرطبي)) (10/394)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154، 155)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/269)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 63). قال ابنُ جرير بعدَ أن ذكَر جملةً مِن الأقوالِ في معنَى المُهْلِ: (وهذه الأقوالُ وإن اختَلَفت بها ألفاظُ قائليها، فمتقارباتُ المعنى؛ وذلك أنَّ كُلَّ ما أُذيبَ مِن رَصاصٍ أو ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ فقد انتهى حَرُّه، وأنَّ ما أُوقِدَت عليه من ذلك النَّارُ حتى صار كدُردِيِّ الزيتِ، فقد انتهى أيضًا حَرُّه... فالمُهْلُ إذَن هو كُلُّ مائعٍ قد أوقِدَ عليه حتى بلغَ غايةَ حَرِّه، أو لم يكُنْ مائعًا فانماعَ بالوُقودِ عليه، وبلغ أقصى الغايةِ في شِدَّةِ الحَرِّ). ((تفسير ابن جرير)) (15/250-251). وقال الشنقيطي: (المهلُ في اللغةِ: يطلقُ على ما أُذيبَ مِن جواهرِ الأرضِ، كذائبِ الحديدِ والنحاسِ، والرصاصِ ونحوِ ذلك. ويُطلقُ أيضًا على دُرْدِيِّ الزيتِ وهو عكرُه. والمراد بالمهلِ في الآيةِ: ما أُذيب مِن جواهرِ الأرضِ. وقيل: دُردي الزيتِ. وقيل: هو نوعٌ مِن القطرانِ. وقيل: السمُّ). ((أضواء البيان)) (3/269). ويُنظر: ((تفسير القرطبي)) (10/394- 395)، ((تفسير ابن كثير)) (5/154-155). وقال ابنُ كثيرٍ بعدَ أن ذكَر أقوالَ السلفِ في معنى المهلِ، قال: (وهذه الأقوالُ ليس شيءٌ منها ينفي الآخرَ، فإنَّ المهلَ يجمعُ هذه الأوصافَ الرَّذيلةَ كُلَّها، فهو أسودُ مُنْتِنٌ غليظٌ حارٌّ). ((تفسير ابن كثير)) (5/155). .
بِئْسَ الشَّرَابُ.
أي: بئسَ شَرابُ الكافرينَ هذا الماءُ الذي يُؤتَونَ به، فيكونُ زيادةً في عقابِهم [477] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/252)، ((تفسير ابن كثير)) (5/155)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/309)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/270).   .
وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا.
أي: وقبُحَت جهنَّمُ مُقامًا يَستَقِرُّ فيه الكافِرونَ [478] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (15/252)، ((تفسير ابن كثير)) (5/156)، ((تفسير السعدي)) (ص: 475)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/309)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/270). قال الشنقيطي: (للعُلَماءِ في المرادِ بالمُرتَفَقِ في الآيةِ أقوالٌ متقارِبةٌ في المعنى؛ قيل: مُرْتَفَقًا أي: مَنزِلًا، وهو مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ. وقيل: مقَرًّا، وهو مرويٌّ عن عطاءٍ. وقيل: مَجلِسًا، وهو مرويٌّ عن العتبي. وقال مجاهِدٌ: مُرْتَفَقًا أي: مجتَمَعًا. فهو عنده مكانُ الارتفاقِ بمعنى مُرافَقةِ بعضِهم لبعضٍ في النَّارِ. وحاصِلُ معنى الأقوالِ أنَّ النَّارَ بئسَ المستقَرُّ هي، وبئس المُقامُ هي، ويدُلُّ لهذا قَولهُ تعالى: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 66]). ((أضواء البيان)) (3/270).   .
كما قال تعالى: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان: 66].

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ فيه الأمرُ بصُحبةِ الأخيارِ، ومُجاهَدةِ النَّفسِ على صُحبَتِهم ومخالَطتِهم وإن كانوا فُقرَاءَ؛ فإنَّ في صُحبَتِهم مِن الفوائِدِ ما لا يُحصى [479] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 475).   .
2- في قَولِه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ دَلالةٌ على أنَّ مُجالسةَ الصالحينَ مأثورةٌ على مجالِسِ غَيرِهم، ومَندوبٌ إليها المُؤمِنونَ [480] يُنظر: ((النُّكَتُ الدالة على البيان)) للقصاب (2/196).   .
3- في قَولِه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إرشادٌ إلى حَمْلِ النَّفسِ على المَكارهِ، والْتِماسِ القُرْبَةِ إلى الله، وصرْفِها عمَّا تُنَازِعُ إليه مِن هواها [481] يُنظر: ((النُّكَتُ الدالة على البيان)) للقصاب (2/193).   .
4- قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ في الآيةِ الكريمةِ فَضْلُ الاجتماعِ على الذِّكْرِ والدُّعاءِ [482] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (5/530).   .
5- قَولُ اللهِ تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فيه فَضْلُ الإخلاصِ، وأنَّ الإخلاصَ هو الذي عليه مدارُ كلِّ شيءٍ [483] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (5/530).   .
6- قَولُ اللهِ تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في الآيةِ أنَّ الإنسانَ لا ينبغي له أنْ يدَعَ أحوالَ الآخرةِ والعباداتِ إلى أحوالِ الدُّنيا [484] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (5/530).   .
7- قَولُ اللهِ تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ فيه استحبابُ الذِّكرِ والدُّعاءِ والعبادةِ طَرَفي النَّهارِ؛ لأنَّ اللهَ مَدَحهم بفِعلٍ، وكلُّ فِعلٍ مدحَ اللهُ فاعِلَه، دلَّ ذلك على أنَّ اللهَ يُحِبُّه، وإذا كان يحِبُّه فإنَّه يأمرُ به، ويُرَغِّبُ فيه [485] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 475).   .
8- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا يدُلُّ على أنَّ الذي ينبغي أن يُطاعَ، ويكونَ إمامًا للنَّاسِ: مَن امتلأ قلبُه بمحَبَّةِ الله، وفاض ذلك على لِسانِه، فلَهِجَ بذِكرِ الله، واتَّبَع مراضيَ رَبِّه، فقَدَّمَها على هواه، فحَفِظَ بذلك ما حَفِظَ مِن وَقتِه، وصَلَحت أحوالُه، واستقامت أفعالُه، ودعا النَّاسَ إلى ما مَنَّ الله به عليه؛ فحَقيقٌ بذلك أن يُتَّبعَ ويُجعَلَ إمامًا [486] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 475).   ، أمَّا مُتَّبِعُ الهوى فليس أهلًا أنْ يُطاعَ، ولا أنْ يكونَ إمامًا ولا مَتبوعًا؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى نهَى عن طاعتِه كما في هذه الآيةِ، وعَزَله عنِ الإمامةِ، كما في قولِه تعالى لخليلِه إبراهيم عليه السلامُ: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [البقرة: 124] أي: لا ينالُ عهدي -بالإمامةِ- ظالِمًا، وكلُّ مَنِ اتَّبَع هواه فهو ظالمٌ، كما قال الله تعالى: بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [487] يُنظر: ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 475).   [الروم: 29]، فينبغي للرجُلِ أنْ يَنظرَ في شَيخِه وقُدوتِه ومَتبوعِه؛ فإنْ وجَدَه كذلك فليَبعُدْ عنه، وإنْ وجَدَه ممن غَلَب عليه ذِكْرُ اللهِ تعالى، واتِّباعُ السُّنَّةِ، وأمْرُه غيرُ مفروطٍ عليه، بل هو حازمٌ في أمْرِه؛ فليستَمسِك بغَرْزِه [488] يُنظر: ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص: 41).   .
9- في قَولِه تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ دَلالةٌ على أنَّ ذِكْرَ اللهِ عزَّ وجلَّ هو ذِكْرُ القَلبِ، وأمَّا ذِكْرُ اللِّسانِ مجرَّدًا عن ذِكْرِ القَلبِ، فإنَّه ناقِصٌ؛ فلم يَقُلْ سُبحانه: (مَن أمسَكْنا لِسانَه عن ذِكرِنا)، بل قال: مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا؛ فالذِّكْرُ النافعُ هو ذِكْرُ القَلبِ [489] يُنظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (5/460).   .
10- قال الله تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا في هذه الآية إشارةٌ إلى أهميَّةِ حُضورِ القَلبِ عندَ ذِكْرِ اللهِ، وأنَّ الإنسانَ الذي يَذْكُرُ اللهَ بلسانِه، لا بقَلبِه، تُنزَعُ البركةُ مِن أعمالِه وأوقاتِه، حتى يكونَ أمرُه فُرُطًا عليه؛ تجدُه يبقَى السَّاعاتِ الطويلةَ ولم يُحَصِّلْ شيئًا، ولكن لو كان أمرُه مع الله لحصَلَتْ له البركةُ في جميعِ أعمالِه [490] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 62).   .
11- قَولُ اللهِ تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ يدُلُّ على أنَّ شَرَّ أحوالِ الإنسانِ أن يكونَ قَلبُه خاليًا عن ذِكرِ الحَقِّ، ويكونَ مملوءًا مِن الهوى الدَّاعي إلى الاشتغالِ بالخَلقِ [491] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/457).   .
12- قولُه: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا فيه تَنبيهٌ على أنَّ الباعثَ لهم إلى استدعاءِ الطردِ: غفلةُ قلوبِهم عن جنابِ الله تعالى شأنُه، وملاحظةِ المعقولاتِ، وانهماكُهم في المحسوساتِ، حتَّى خفِيَ عليهم أنَّ الشَّرفَ بحِلْيةِ النَّفسِ لا بزِينةِ الجسَدِ [492] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/279)، ((تفسير أبي السعود)) (5/219)، ((تفسير الألوسي)) (8/252).   .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُه تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، أي: مِن البشرِ، وإلَّا فاللهُ يُبدِّلُها؛ قال تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: 106]، وقال: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ... الآيةَ [493] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/716)، ((تفسير البيضاوي)) (3/279)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 338).   [النحل: 101].
2- قال الله تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ في إضافةِ الرَّبِّ إلى الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ دَليلٌ على أنَّ ما أوحاه اللهُ إلى رَسولِه من تمامِ عِنايتِه به [494] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 56).   .
3- قَولُ اللهِ تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ بُني فِعلُ (أُوحي) للمفعولِ؛ لأنَّ الخِطابَ مع النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وهو على القَطعِ بأنَّ الموحِيَ إليه هو اللهُ سُبحانَه وتعالى [495] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (12/48).   .
4- قال الله تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ في الآيةِ إثباتُ الوَجهِ لله تعالى، وقد أجمعَ سلَفُ الأمَّةِ، وعُلَماءُ أهلِ السُّنَّةِ على ثُبوتِ الوَجهِ لله تعالى، بدَلالةِ الكِتابِ والسُّنةِ على ذلك؛ قال الله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: 27]، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أعوذُ بوَجهِك )) [496] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 58). والحديث أخرجه البخاري (4628) من حديث جابر رضي الله عنه.   .
5- قَولُه تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فيه دَلالةٌ على أنَّ الدعاءَ بالغَدواتِ والعَشِيَّاتِ أفضَلُ وأجدَرُ بالإجابةِ [497] يُنظر: ((النُّكَتُ الدالة على البيان)) للقصاب (2/196).   .
6- في قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ دَلالةٌ على أنَّ الاستبدالَ بمجالسةِ صالحي الفقراءِ مجالسةَ طالحي الأغنياءِ، مَعصيةٌ، وإنْ لم يعملِ المُستبدِلُ بأعمالِهم [498] يُنظر: ((النُّكَتُ الدالة على البيان)) للقصاب (2/196).   .
7- في قَولِه تعالى: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إشارةٌ إلى أنَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لو فارَقَهم -هؤلاء الذين يَدْعُونَ اللهَ- لِمَصلحةٍ دينيَّةٍ؛ لم يدخُلْ هذا في النَّهيِ [499] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 61).   .
8- قولُه تعالى: أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ فيه دَليلٌ على أنَّ ما يَعرِضُ للعَبدِ مِن غَفلةٍ ومعصيةٍ، إنَّما هو بمشيئةِ الله تعالى؛ إذ لا يقَعُ شَيءٌ البتَّةَ كائِنًا ما كان إلَّا بمشيئتِه الكونيَّةِ القَدَريَّةِ -جلَّ وعلا- وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30]، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام: 107]، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة: 13]، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ [الأنعام: 35]، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة: 7]، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام: 25]، إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ الدالَّةِ على أنَّ كُلَّ شيءٍ مِن خيرٍ وشَرٍّ، لا يقَعُ إلَّا بمشيئةِ خالقِ السَّمواتِ والأرضِ [500] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/265).   .
9- في قَولِه تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا حُجَّةٌ على المُعتَزِلةِ والقَدَريَّةِ؛ لقَولِه تعالى: أَغْفَلْنَا -ولم يقُلْ: (غَفَلوا)-، ثمَّ قال: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ -ولم يقلْ: (وأتبَعْناه هواه)-، ففيه أكبرُ الدليلِ على أنَّ إضافةَ أفعالِهم إليهم في مواضِعِ الإضافةِ في القُرآنِ غيرُ دافعٍ فِعْلَه بهم وإرادتَه فيهم؛ إِذْ قد يُجْمَعُ بينهما في حَرفٍ واحدٍ كما ترى [501] يُنظر: ((النُّكَتُ الدالة على البيان)) للقصاب (2/204).   .
10- قولُه: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا هذا نَهيٌ جامعٌ عن مُلابَسةِ شَيءٍ ممَّا يأمُرُه به المُشرِكون، والمقصودُ من النَّهيِ تأسيسُ قاعدةٍ لأعمالِ الرَّسولِ والمُسلِمين تُجاهَ رغائبِ المُشرِكين، وتأييسُ المُشرِكين من نَوالِ شَيءٍ ممَّا رَغِبوه من النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ [502] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/306).   .
11- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ يدُلُّ على أنَّ صُدورَ الفِعلِ عن الفاعِلِ بدونِ القَصدِ والدَّاعي، مُحالٌ [503] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/459).   .
12- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ هذه الصيغةُ تهديدٌ ووعيدٌ، وليست بتخييرٍ، وذلك يدُلُّ على أنَّ صِيغةَ الأمرِ لا لمعنى الطَّلَبِ في كتابِ اللهِ كثيرةٌ [504] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/459).   .
13- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ الآيةُ تدُلُّ على أنَّه تعالى لا ينتَفِعُ بإيمانِ المؤمنينَ ولا يستَضِرُّ بكُفرِ الكافرينَ، بل نَفعُ الإيمانِ يعودُ إليهم، وضرَرُ الكُفرِ يَعودُ عليهم، كما قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [505] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (21/459).   [الإسراء: 7].
14- قَولُ اللهِ تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ فيه سؤالٌ: هل في هذا إباحةُ الكُفرِ؟
 الجواب: لا؛ فالأَمْرُ في قوله تعالى: فَلْيَكْفُرْ للتهديد وليس للإباحة! كما يُهَدِّدُ الإنسانُ غيرَه فيقول: «إنْ كنتَ صادقًا فافعلْ كذا»، ويدلُّ عليه قولُه تعالى بعده: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا يعني: مَن كَفَرَ؛ فله النارُ قد أُعِدَّتْ [506] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة الكهف)) (ص: 62).   ، وهذا بِناءً على أن الضَّميرَ في (شاء) لـ (مَن)، وعليه الجُمهورُ.
وفيه وجهٌ آخرُ: أنَّ مَن شاء اللهُ إيمانَه آمنَ، ومن شاء كُفرَه كفَرَ، بناءً على أنَّ الضميرَ فيه (لله) [507] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 339).   ، وكأنَّه لمَّا كان الإيمانُ والكُفْرُ تابعيْنِ لمَشيئةِ اللهِ، جاء بصِيغَةِ الأمْرِ، حتَّى كأنَّه تحتَّمَ وُقوعُه، مأمورٌ به، مطلوبٌ منه [508] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/168).   .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا
     - الأمْرُ في قولِه: وَاتْلُ كِنايةٌ عن الاستمرارِ. ومَا أُوحِيَ مُفيدٌ للعُمومِ، أي: كلَّ ما أُوحِيَ إليك، ومفهومُ الموصولِ: أنَّ ما لم يُوحَ إليه لا يَتْلوه [509] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/303).   .
     - قولُه: لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ لَا مُبَدِّلَ عامٌّ، ولِكَلِمَاتِهِ عامٌّ أيضًا؛ فالتَّخصيصُ إمَّا في لَا مُبَدِّلَ، أي: لا مُبدِّلَ له سِواهُ، ألَا ترى إلى قولِه: وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ [النحل: 101]. وإمَّا في كَلِمَاتِهِ، أي: لكلماتِه المُتضمِّنةِ الخبرَ؛ لأنَّ ما تضمَّنَ غيرَ الخبرِ وقَعَ النَّسخُ في بعْضِه [510] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/165).   .
     - قولُه: وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا فيه مَجيءُ مُلْتَحَدًا بصِيغَةِ الافتعالِ؛ لأنَّ أصْلَه تكلُّفُ الميْلِ، ويُفْهَمُ من صِيغَةِ التَّكلُّفِ أنَّه مَفَرٌّ من مَكروهٍ، يتكلَّفُ الخائفُ أنْ يأوِيَ إليه؛ فلذلك كان المُلتحَدُ بمعنى الملجَأِ، والمقصودُ من هذا تأييسُهم ممَّا طَمِعوا فيه [511] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/304).   .
2- قوله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
     - قولُه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (مع) تَقْتضي الصُّحبةَ والمُوافقةَ، والأمْرُ بالصَّبرِ هنا يظهَرُ منه كبيرُ اعتناءٍ بهؤلاء الَّذينَ أُمِرَ أنْ يصبِرَ نفْسَه معهم [512] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/166).   .
     - وفيه مُناسبةٌ حَسنةٌ، حيث قال في سُورةِ الأنعامِ: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام: 52]؛ وذلك أنَّ سادةَ المُشركينَ كانوا زعَموا أنَّه لولا أنَّ مِن المُؤمِنين ناسًا أهْلَ خَصاصةٍ في الدُّنيا، وأرقَّاءَ لا يُدانونهم ولا يستأْهِلونَ الجُلوسَ معهم؛ لأتَوْا إلى مُجالَسةِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ، واسْتَمعوا القُرآنَ، فاقْتَرحوا عليه أنْ يطرُدَهم مِن حولِه إذا غشِيَه سادةُ قُريشٍ؛ فرَدَّ اللهُ عليهم بما في سُورةِ الأنعامِ، وما هنا في هذه السُّورةِ آكَدُ؛ إذ أمَرَه بمُلازمتِهم بقولِه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ، ولتَضمينِ فعْلِ (اصْبِر) معنى المُلازَمةِ عُلِّقَ به ظرْفُ (مع) [513] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/304-305).   .
     - قولُه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ والتَّعبيرُ عنهم بالموصولِ الَّذِينَ؛ للإيماءِ إلى تَعليلِ الأمْرِ بمُلازمتِهم، أي: لأنَّهم أحرياءُ بذلك؛ لأجْلِ إقبالِهم على اللهِ، فهم الأجدرُ بالمُقارَنةِ والمُصاحبةِ [514] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/218-219)، ((تفسير ابن عاشور)) (15/305).   .
     - قولُه: الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فيه تخصيصُ الغداةِ والعشيِّ بالذِّكرِ؛ لأنَّ العربَ إذا أرادَتِ الدوامَ أطْلَقَتِ الليلَ والنهارَ، والغداةَ والعشيَّ، يَعْنُونَ أنَّهم دائمونَ على ذلك، أو: لأنَّ أولَ النهارِ وآخِرَهُ من أفضلِ الأوقاتِ التي تُنْتَهَزُ فيها فرصةُ العباداتِ [515] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (1/315).   .
     - قولُه: وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ جِيءَ بقولِه: عَيْنَاكَ والمقصودُ هو؛ لأنَّهما بهما تكونُ المُراعاةُ للشَّخصِ والتَّلفُّتُ له، والمعنى: ولا تَعْدُ أنت عنهم النَّظرَ إلى غيرِهم [516] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/167).   . وفيه تأكيدُ الأمْرِ بمُواصلتِهم بالنَّهيِ عن أقَلِّ إعراضٍ عنهم، وظاهِرُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ نهْيُ العينينِ عن أنْ تَعْدُوَا عن الَّذين يَدْعون ربَّهم، والمقصودُ: الإعراضُ؛ ولذلك ضُمِّنَ فعْلُ العَدوِ معنى الإعراضِ؛ فعُدِّيَ إلى المفعولِ بـ (عن)، وكان حَقُّه أنْ يتعدَّى إليه بنفْسِه، أو ضُمِّن معنى (نَبا) و(علا)، والغرضُ في هذا التَّضمينِ -وعدَمِ قولِه مثلًا: (ولا تَعْدُهم عيناكَ)، أو: (ولا تعْلُ عيناكَ عنهم)- إعطاءُ مجموعِ مَعنيينِ، وذلك أقوى من إعطاءِ معنًى فردٍ؛ إذ المعنى هنا: ولا تَقْتحِمْهم عيناكَ مُجاوِزَتينِ إلى غيرِهم [517] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/717)، ((تفسير البيضاوي)) (3/279)، ((تفسير أبي السعود)) (5/219)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/580).   .
     - قولُه: تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فيه تَعريضٌ بحَماقةِ سَادةِ المُشرِكين الَّذين جعَلوا همَّهم وعِنايتَهم بالأُمورِ الظَّاهرةِ، وأهْمَلوا الاعتبارَ بالحقائقِ والمَكارمِ النَّفسيَّةِ، فاسْتَكبروا عن مُجالَسةِ أهْلِ الفضلِ والعُقولِ الرَّاجحةِ والقُلوبِ النَّيِّرةِ، وجَعَلوا هَمَّهم الصُّورَ الظَّاهرةَ [518] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/305).   .
     - في قولِه: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عبَّرَ عنهم بالموصولِ مَنْ أَغْفَلْنَا؛ للإيذانِ بعِلِّيةِ ما في حيِّزِ الصِّلةِ للنَّهيِ عن الإطاعةِ [519] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/219).   .
     - قولُه: وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا فيه زِيادةُ فعْلِ الكونِ؛ للدَّلالةِ على تمكُّنِ الخبرِ من الاسمِ، أي: حالةَ تمكُّنِ الإفراطِ والاعتداءِ على الحقِّ [520] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/306).   .
3- قوله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا
     - التَّعبيرُ بـ رَبِّكُمْ للتَّذكيرِ بوُجوبِ تَوحيدِه [521] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/307).   .
     - قولُه: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إمَّا من تَمامِ القولِ المأمورِ به، والفاءُ لتَرتيبِ ما بعدها على ما قبْلَها بطَريقِ التَّهديدِ، لا لتَفريعِه عليه، كما في قولِه تعالى: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص: 39]، وقولِه تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: 147]، أي: عَقِيبَ تحقُّقِ أنَّ ما أُوحِيَ إليَّ حَقٌّ لا ريبَ فيه، وأنَّ ذلك الحقَّ من جِهَةِ ربِّكم؛ فمَن شاء أنْ يُؤمِنَ به، فلْيُؤْمِنْ كسائرِ المُؤمِنين، ولا يتعلَّلْ بما لا يكادُ يصلُحُ للتَّعليلِ، ومَن شاء أنْ يكفُرَ به فلْيفعَلْ، وفيه من التَّهديدِ وإظهارِ الاستغناءِ عن مُتابعتِهم، وعدَمِ المُبالاةِ بهم وبإيمانِهم وُجودًا وعدَمًا: ما لا يَخْفى. وإمَّا تَهديدٌ من جِهَةِ اللهِ تعالى، والفاءُ لتَرتيبِ ما بعدَها من التَّهديدِ على الأمْرِ، لا على مَضمونِ المأمورِ به، والمعنى: قُلْ لهم ذلك، وبعدَ ذلك مَن شاء أنْ يُؤمِنَ به أو أنْ يُصدِّقَك فيه، فلْيُؤمِنْ، ومَن شاء أنْ يكفُرَ به أو يُكذِّبَك فيه، فلْيفعَلْ [522] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/219-220).   .
     - والأمْرُ في قولِه: فَلْيُؤْمِنْ وقولِه: فَلْيَكْفُرْ؛ للتَّسويةِ المُكنَّى بها عن الوعدِ والوعيدِ. وقُدِّمَ الإيمانُ على الكُفرِ؛ لأنَّ إيمانَهم مَرغوبٌ فيه. وفِعْلا (يُؤمِن، ويَكفُر) مُستعملانِ للمُستقبَلِ، أي: مَن شاء أنْ يُوقِعَ أحدَ الأمرينِ، ولو بوجْهِ الاستمرارِ على أحدِهما المُتلبِّسِ به الآنَ؛ فإنَّ العزْمَ على الاستمرارِ عليه تَجديدٌ لإيقاعِه [523] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/307).   .
     - وجُملةُ: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا مُستأنفةٌ استئنافًا بَيانيًّا؛ لأنَّ ما دَلَّ عليه الكلامُ من إيكالِ الإيمانِ والكُفْرِ إلى أنفُسِهم، وما يُفيدُه من الوعيدِ، كِلاهما يُثيرُ في النُّفوسِ أنْ يقولَ قائلٌ: فمَاذا يُلاقي مَن شاء، فاستمَرَّ على الكُفْرِ؟ فيُجابُ بأنَّ الكُفْرَ وخيمُ العاقبةِ عليهم [524] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/307 -308).   . وتنكيرُ نَارًا؛ للتَّهويلِ والتَّعظيمِ [525] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/308)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/590).   .
     - قولُه: إِنَّا أَعْتَدْنَا... فيه وعيدٌ شَديدٌ، وتأكيدٌ للتَّهديدِ، وتَعليلٌ لِما يُفيدُه من الزَّجْرِ عنِ الكُفْرِ، أو لِما يُفْهَمُ من ظاهرِ التَّخييرِ؛ من عدَمِ المُبالاةِ بكُفْرِهم، وقِلَّةِ الاهتمامِ بزجْرِهم عنه؛ فإنَّ إعدادَ جزائِه مِن دواعي الإملاءِ والإمهالِ، وعلى القولِ بأنَّه مِن تمامِ القولِ المأمورِ بهِ فهو تَعليلٌ للأمْرِ بما ذُكِرَ من التَّخييرِ التَّهديديِّ، أي: قُلْ لهم ذلك [526] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/220).   .
     - والتَّعبيرُ عنهم بـ الظَّالِمِينَ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ مَشيئةَ الكُفْرِ واختيارَه تَجاوزٌ عن الحدِّ، ووضْعٌ للشَّيءِ في غيرِ مَوضعِه. وأُوثِرَت صِيغَةُ الماضي في قولِه: أَحَاطَ؛ للدَّلالةِ على التَّحقُّقِ [527] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (5/220).   .
     - وفي قولِه: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا تَشبيهٌ مُؤكِّدٌ؛ فقد شبَّهَ النَّارَ المُحيطةَ بهم بالسُّرادقِ المضروبِ على مَن يَحتويهم، وأُضِيفَ السُّرادِقُ إلى النَّارِ؛ فذلك هو التَّشبيهُ المُؤكِّدُ، وهو أنْ يُضافَ المُشبَّهُ إلى المُشبَّهِ به [528] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/719)، ((تفسير البيضاوي)) (3/280)، ((تفسير أبي السعود)) (5/220)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/590).   .
     - قولُه: يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ فيه تهكُّمٌ، حيث سمَّى أعلَى أنواعِ العَذابِ إغاثةً -والإغاثةُ هي الإنقاذُ من العذابِ-؛ تهكُّمًا بهم وتَشفِّيًا منهم، والتَّهكُّمُ فنٌّ طريفٌ من فُنونِهم، وهو من تَأكيدِ الشَّيءِ بما يُشْبِهُ ضِدَّه. والتَّشبيهُ في قولِه: كَالْمُهْلِ في سَوادِ اللَّونِ وشِدَّةِ الحرارةِ، فلا يَزيدُهم إلَّا حرارةً؛ ولذلك عقَّبَ بقولِه: يَشْوِي الْوُجُوهَ، وهو استئنافٌ ابتدائيٌّ [529] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/308).   .
     - وقيل: أتى قولُه: يُغَاثُوا على سَبيلِ المُقابَلةِ لقولِه: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا، وإلَّا فليست إغاثةً [530] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/169).   .
     - قولُه: يَشْوِي الْوُجُوهَ فيه اختصاصُ الوُجوهِ بهذا؛ لكونِها عندَ شُربِهم يقرُبُ حرُّها من وُجوهِهم. وقيل: عُبِّرَ بالوُجوهِ عن جميعِ أبدانِهم [531] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (7/169).   .
     - وجُملةُ: بِئْسَ الشَّرَابُ مُستأنَفةٌ ابتدائيَّةٌ؛ لتَشنيعِ ذلك الماءِ مَشروبًا كما شُنِّعَ مُغتَسلًا، والمخصوصُ بذَمِّ (بئْس) محذوفٌ، دَلَّ عليه ما قبْلَه، والتَّقديرُ: بئْسَ الشَّرابُ ذلك الماءُ [532] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/309).   .
     - وجُملةُ: وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا معطوفةٌ على جُملةِ: يَشْوِي الْوُجُوهَ، فهي مُستأنَفةٌ أيضًا لإنشاءِ ذَمِّ تلك النَّارِ بما فيها، وشأْنُ المُرتفَقِ أنْ يكونَ مكانَ استراحةٍ؛ فإطلاقُ ذلك على النَّارِ تهكُّمٌ، كما أُطْلِقَ على ما يُزادُ به عذابُهم لفظُ الإغاثةِ، وكما أُطْلِقَ على مكانِهم السُّرادقُ [533] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (15/309).   ؛ فهو لمُقابَلةِ ومُشاكَلةِ قولِه: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا، وإلَّا فلا ارتفاقَ لأهْلِ النَّارِ [534] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/719)، ((تفسير البيضاوي)) (3/280)، ((تفسير أبي السعود)) (5/220)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (5/590-591).   .