موسوعة التفسير

سورةُ ص
الآيات (30-40)

ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ

غريب الكلمات:


نِعْمَ: كلمةٌ تُستعمَلُ في المدحِ بإزاءِ (بِئْسَ) [463] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/447)، ((المفردات)) للراغب (ص: 815). .
الصَّافِنَاتُ: أي: الخَيلُ القائِمةُ على ثلاثِ قوائِمَ، وأقامت واحِدةً على طَرفِ الحافِرِ، وأصلُ (صفن): يدُلُّ على جِنسٍ مِن القيامِ [464] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 379)، ((تفسير ابن جرير)) (20/81)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/291)، ((تفسير البغوي)) (7/89)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 327)، .
الْجِيَادُ: أي: الخَيلُ السِّراعُ، جمعُ جوادٍ، وأصلُ (جود): يدُلُّ على تسَمُّحٍ بالشَّيءِ، وكَثرةِ عَطاءٍ [465] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/82)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/493)، ((تفسير ابن كثير)) (7/64)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 358). .
تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ: أي: استتَرَتْ وتَغيَّبت بما يَحجُبُها عن الأبصارِ، يُقالُ: وارَيْتُ كذا: إذا ستَرْتَه، والتَّواري: الاستتارُ، وأصلُ (حجب): المنعُ [466] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/85)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 153)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/143)، ((المفردات)) للراغب (ص: 866)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 281)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (5/200). .
فَطَفِقَ مَسْحًا: طَفِق مِن أفعالِ المُقارَبةِ للشُّروعِ فِي الفعلِ، يُقالُ: طَفِق يَفعَلُ كذا، كما يُقالُ: ظَلَّ يَفعلُ كذا، وأخَذ يفعلُ كذا، وأصلُ (مسح): يدُلُّ على إمرارِ الشَّيءِ على الشَّيءِ، ويُطلَقُ على القطعِ، يُقالُ: مسَح رأسَه؛ إذا قطَعه [467] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 379)، ((تفسير ابن جرير)) (20/86)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/413) و(5/322)، ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (6/1750)، ((تفسير القرطبي)) (15/195)، ((تفسير أبي حيان)) (9/155)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 587). .
بِالسُّوقِ: جمعُ ساقٍ؛ وسمِّيَت بذلك لأنَّ الماشيَ يَنساقُ عليها [468] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/117)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 327)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 360). .
رُخَاءً: أي: رِخوةً لَيِّنةً، وأصلُ (رخو): يدُلُّ على لِينٍ [469] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 379)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 245)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/501)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 327)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 360). .
حَيْثُ أَصَابَ: أي: حيثُ أراد، مِن قولِهم: أصاب اللهُ بك خيرًا: أي: أراد الله بك خيرًا، وأصلُ (صوب): يدُلُّ على نزولِ شَيءٍ واستِقرارِه قَرارَه [470] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 379)، ((تفسير ابن جرير)) (20/97)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 245)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/317)، ((تفسير القرطبي)) (15/205)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 360)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 131). .
مُقَرَّنِينَ: أي: مَشدُودينَ، قد قُرِنَ بَعضُهم إلى بَعضٍ، أو مُقَرَّنةً أيديهم وأرجُلُهم إلى رِقابِهم، وأصلُ (قرن) هنا: يدُلُّ على جَمعِ شَيءٍ إلى شَيءٍ [471] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 234)، ((تفسير ابن جرير)) (13/740)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/76)، ((تفسير القرطبي)) (9/384). .
الْأَصْفَادِ: أي: الأغلالِ والقُيودِ، واحدُها صَفَدٌ، كأصنامٍ وصنَمٍ، وأصلُ (صفد): يدُلُّ على شَدٍّ بشَيءٍ [472] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 380)، ((الكامل في اللغة والأدب)) للمُبَرِّد (3/15)، ((تفسير ابن جرير)) (13/740)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/293)، ((المفردات)) للراغب (ص: 486)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 187)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 884). .
فَامْنُنْ: أي: أعْطِ وأنْفِقْ، وأصلُ (المنة): النِّعمةُ الثَّقيلةُ [473] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 380)، ((المفردات)) للراغب (ص: 778)، ((المفردات)) للراغب (ص: 777)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 327). .
لَزُلْفَى: أي: قُرْبى، ومَنزِلةً عاليةً، وأصلُ (زلف): يدُلُّ على اندفاعٍ وتقدُّمٍ في قُرْبٍ إلى شَيءٍ [474] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/21)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي بن أبي طالب (10/6236)، ((عمدة الحفاظ)) للسمين الحلبي (2/144). .

مشكل الإعراب:


 قَولُه تعالى: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي
قَولُه: حُبَّ الْخَيْرِ في نَصبِه أوجهٌ:
 أحدُها: أنَّه مَفعولُ أَحْبَبْتُ؛ لتَضمينِه معنى (آثَرْتُ)، وعَنْ بمعنى (على)، أي: آثَرْتُ حُبَّ الخَيرِ على ذِكْرِ رَبِّي.
الثاني: أنَّ حُبَّ مفعولٌ مُطلَقٌ لـ أَحْبَبْتُ على حَذْفِ الزَّوائدِ، أو نائِبٌ عن المصدَرِ؛ لأنَّه اسمُ مَصدرٍ.
الثالثُ: أنَّه مَصدرٌ تشبيهيٌّ منصوبٌ، أي: حُبًّا مِثلَ حُبِّ الخَيرِ.
الرَّابعُ: قيل: إنَّ أَحْبَبْتُ مِنْ أحَبَّ البعيرُ: إذا سَقَطَ وبَرَك مِن الإعياءِ. والمعنى: قَعَدْتُ عن ذِكْر ربِّي، فيكونُ حُبَّ الْخَيْرِ مَفعولًا لأجْلِه [475] يُنظر: ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/1100)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (9/376)، ((الجدول في إعراب القرآن)) لمحمود صافي (23/122). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ تعالى مبيِّنًا جانبًا مِن قصَّةِ سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ: ووَهَبْنا لداودَ ابنَه سُلَيمانَ، نِعْمَ العَبدُ سُلَيمانُ؛ فهو كثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى؛ إذ عُرِضَ عليه آخِرَ النَّهارِ الخُيولُ الَّتي مِن صِفاتِها أنَّها لا تَعتمِدُ بجَميعِ قوائِمِها على الأرضِ إذا وقَفَت، وأنَّها سريعةُ العَدْوِ، فقال سُلَيمانُ: إنِّي أحبَبتُ حُبَّ الخَيلِ عن ذِكرِ رَبِّي. إلى أنْ غابَتْ، ثمَّ أمَرَ مَن تحتَ يَدِه فقال: أعيدُوا لي تلك الخَيلَ، فلمَّا أعادوها إليه شَرَع يَمسَحُ سِيقانَها وأعناقَها.
ثمَّ يقولُ تعالى: ولقد اختبَرْنا سُلَيمانَ، وألقَيْنا على كُرسِيِّه جَسَدًا، ثمَّ رجَعَ سُلَيمانُ إلى رَبِّه وتابَ وقال: ربِّ اغفِرْ لي، وهَبْ لي مُلكًا لا يكونُ لأحدٍ مِن بَعدي؛ إنَّك أنت الوهَّابُ. فاستجابَ اللهُ تعالى له دُعاءَه؛ فسَخَّرَ له الرِّيحَ تَجري رِخوةً لَيِّنةً إلى حيثُ أراد، وسخَّرَ له الشَّياطينَ؛ كُلَّ بنَّاءٍ منهم وكُلَّ غَوَّاصٍ، وآخَرينَ مِن مَرَدةِ الشَّياطينِ مُوثَقينَ في القُيودِ.
 ثمَّ قال اللهُ تعالى لنَبيِّه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ: هذا المُلكُ هو عَطاؤُنا لك؛ فأعْطِ مَن شِئْتَ، وامنَعْ مَن شِئتَ؛ فلا حِسابَ عليك، ولا حرَجَ في ذلك، وإنَّ لك عِندَنا مَنزِلةً عاليةً، وحُسنَ مَرجِعٍ.

تفسير الآيات:


وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30).
مناسبة الآية لما قبلها:
أنَّه لَمَّا أثنَى اللهُ تعالى على داودَ عليه السَّلامُ، وذكَرَ ما جرَى له ومنه؛ أثنَى على ابنِه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ [476] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). ، فقال:
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ.
أي: ووهَبْنا لِداودَ ابنَه سُلَيمانَ [477] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/80)، ((تفسير السمرقندي)) (3/166)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 148). .
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
أي: نِعمَ العَبدُ سُلَيمانُ؛ فهو كثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى [478] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/80)، ((تفسير ابن كثير)) (7/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/254)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 149). قيل: رَجَّاعٌ إلى الله في جميعِ أحوالِه؛ بالتَّألُّهِ والإنابةِ، والمَحَبَّةِ والذِّكرِ، والدُّعاءِ والتَّضرُّعِ، والاجتِهادِ في مَرْضاةِ الله، وتقديمِها على كلِّ شَيءٍ. قاله السعدي. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). وقيل: المرادُ: أنَّه أوَّابٌ إلى أمرِ الله ونَهْيِه، أي: إذا حصَل له ما يُبعِدُه عن ذلك تَذَكَّر فآبَ، أي: فتاب. قاله ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/254). .
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31).
أي: إذ [479] قيل: إِذْ مِن صِلةِ أَوَّابٌ أي: إنَّه تَوَّابٌ إلى اللهِ مِن خَطيئتِه الَّتي أخطأها حينَ عُرِضَ عليه بالعَشيِّ الصَّافناتُ الجِيادُ. وممَّن ذهب إلى هذا: ابنُ جرير. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/81). وقيل: إِذْ مفعولٌ به لفِعلٍ مَحذوفٍ تَقديرُه: اذكُرْ يا مُحمَّدُ. وممَّن ذهب إلى هذا القولِ: البِقاعي، وأبو السعود. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/378)، ((تفسير أبي السعود)) (7/225). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الشوكاني)) (4/494). عُرِضَ على سُلَيمانَ في آخِرِ النَّهارِ الخَيلُ الَّتي مِن صِفاتِها أنَّها لا تَعتمِدُ بجَميعِ قوائِمِها على الأرضِ إذا وقَفَت [480] ممَّن اختار أنَّ معنى الصَّافِنَاتُ أي: الَّتي تَقِفُ على ثلاثِ قوائِمَ وطَرَفِ حافرِ القائمةِ الرَّابعةِ؛ بحيث لا تَعتمِدُ عليها في وُقوفِها: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، والسمعانيُّ، والثعلبي، وابن كثير، وابن عاشور، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/643)، ((تفسير السمعاني)) (4/439)، ((تفسير الثعلبي)) (8/200)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/338)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/255)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 150). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: مجاهدٌ، وابنُ زَيدٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/82). قال ابنُ عاشور: (وتلك مِن علاماتِ خِفَّتِه الدَّالَّةِ على كَرمِ أصلِ الفَرَسِ، وحُسنِ خِلالِه). ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). ويُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/378)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 150). وقيل: هي القائِمةُ عُمومًا، سواءٌ كانت على ثلاثٍ أو غيرِ ثلاثٍ. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/571)، ((تفسير القرطبي)) (15/193). وممَّن اختار مِن السَّلفِ أنَّ الصُّفُونَ: القيامُ وبَسْطُ القوائمِ: قَتادةُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/82). ، وأنَّها سريعةٌ في عَدْوِها إذا ركَضَت [481] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/81 - 83)، ((تفسير ابن كثير)) (7/64)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/254، 255)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 149: 156). والْجِيَادُ قيل: هي السَّريعةُ في عَدْوِها. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ جرير، وابن كثير، والبِقاعي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/83)، ((تفسير ابن كثير)) (7/64)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/378)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 150). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: مجاهدٌ. يُنظر: ((صحيح البخاري)) (4/162)، ((تفسير ابن جرير)) (20/83). قال ابنُ عثيمين: (فهي إذا استُوقِفَت وقَفَت على أحسَنِ هَيئةٍ... وإذا ركَضَت ركَضَت على أكمَلِ هَيئةٍ... وهذا غايةُ ما يكونُ مِن جَمالِ الخَيلِ: أن تكونَ هيئتُها حينَ الوُقوفِ ممَّا يَسُرُّ النَّفْسَ، وأن يكونَ فِعلُها وأداؤُها حينَ السَّيرِ ممَّا يَنفَعُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 150). وقيل: هي مِنَ الجَودةِ، بمعنى النَّفاسةِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). .
فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32).
أي: فقال سُلَيمانُ: إنِّي أحبَبتُ حُبَّ الخَيلِ [482] قال السمعاني: (أمَّا الْخَيْرِ فأكثَرُ المفسِّرينَ على أنَّها الخَيلُ في هذه الآيةِ). ((تفسير السمعاني)) (4/439). وقال ابنُ جُزَي: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي معنى هذا يختلِفُ على حَسَبِ الاختلافِ في القِصَّةِ؛ فأمَّا الَّذين قالوا: إنَّ سُلَيمانَ عَقَر الخَيلَ لَمَّا اشتَغَل بها حتَّى فاتَتْه الصَّلاةُ، فاختلَفوا في هذا على ثلاثةِ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّ الْخَيْرِ هنا يُرادُ به الخَيلُ، وزعَموا أنَّ الخَيلَ يقالُ لها: خَيرٌ، وأَحْبَبْتُ بمعنى: آثَرْتُ، أو بمعنى فِعلٍ يَتعدَّى بـ «عن»، كأنَّه قال: آثَرتُ حُبَّ الخَيلِ فشَغَلني عن ذِكرِ رَبِّي. والآخَرُ: أنَّ الْخَيْرِ هنا يُرادُ به المالُ؛ لأنَّ الخَيلَ وغَيرَها مالٌ؛ فهو كقَولِه تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْرًا [البقرة: 180]، أي: مالًا. والثَّالِثُ: أنَّ المفعولَ مَحذوفٌ، وحُبَّ الْخَيْرِ مَصدرٌ، والتَّقديرُ: أحبَبتُ هذه الخَيلَ مِثلَ حُبِّ الخيرِ، فشَغَلني عن ذِكرِ رَبِّي. وأمَّا الَّذين قالوا: كان يُصَلِّي فعُرِضَت عليه الخَيلُ فأشار بإزالتِها، فالمعنى أنَّه قال: إنِّي أحبَبتُ حُبَّ الخَيرِ الَّذي عندَ اللهِ في الآخرةِ؛ بسَبَبِ ذِكرِ رَبِّي، وشغَلَني ذلك عن النَّظَرِ إلى الخَيلِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/208). وقال الشوكاني: (و«عن» في عَنْ ذِكْرِ رَبِّي بمعنَى «على». والمعنَى: آثَرْتُ حُبَّ الخَيلِ على ذِكرِ رَبِّي). ((تفسير الشوكاني)) (4/495). وقال ابن كثير: (ذَكَر غيرُ واحدٍ مِن السَّلفِ والمفسِّرينَ أنَّه اشتَغَل بعَرْضِها حتَّى فاتَ وقتُ صلاةِ العصرِ، والَّذي يُقْطَعُ به أنَّه لم يَترُكْها عمدًا، بل نِسيانًا). ((تفسير ابن كثير)) (7/65). ممَّن اختار أنَّ فِعلَ أَحْبَبْتُ ضُمِّن معنى (آثرْتُ)، أي: آثَرْتُ حُبَّ الخَيرِ على ذِكرِ ربِّي: الفَرَّاءُ، والزَّجَّاجُ، والواحديُّ، والسمعاني، والبغوي، والسعدي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/405)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/331)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 923)، ((تفسير السمعاني)) (4/439)، ((تفسير البغوي)) (4/68)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712). وقال ابن عاشور: (وأصلُ تركيبِ أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ: أحببتُ الخيرَ حُبًّا، فحُوِّل التَّركيبُ إلى أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ؛ فصار حُبُّ الخَيرِ تمييزًا لإسنادِ نِسبةِ المَحَبَّةِ إلى نفْسِه، لغرضِ الإجمالِ ثمَّ التَّفصيلِ). ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). وقال ابنُ جرير: (ويعني بقوله: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أي: أحببْتُ حبًّا للخيرِ، ثمَّ أُضيف الحبُّ إلى الخيرِ. وعُنيَ بالخيرِ في هذا الموضعِ الخيلُ). ((تفسير ابن جرير)) (20/83). وقال ابن عثيمين: (أَحْبَبْتُ الأولى على بابِها، وحُبَّ الثَّانيةُ على بابِها مِن بابِ التَّوكيدِ، كأنَّه أحَبَّ حُبَّ الخيلِ، فضلًا عن الخَيلِ، ومَن أحَبَّ حُبَّ الشَّيءِ لَزِم أن يكونَ مُحِبًّا للشَّيءِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 152). وقيل: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي بمعنَى أنَّ هذه المحبَّةَ الشَّديدةَ إنَّما حَصَلتْ عن ذِكرِ اللهِ وأمْرِه، لا عن الشَّهوةِ والهوَى. وممَّن اختاره: الرَّازيُّ. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/390). عن ذِكرِ ربِّي [483] قيل: المرادُ بالذِّكرِ هنا: الصَّلاةُ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: البِقاعي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/380)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). ويُنظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: عليُّ بنُ أبي طالب، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ، والحسَنُ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/84)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (7/177). ذكر غيرُ واحدٍ مِن السَّلَفِ والمفَسِّرين أنَّها صلاةُ العَصرِ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (7/65). وقال ابن عاشور: (لعلَّها صلاةٌ كان رتَّبَها لِنَفْسِه). ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). وقيل: المرادُ: عُمومُ الذِّكرِ، ويدخلُ فيه صَلاةُ العصرِ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 152، 153). إلى أنْ غابَتْ عن أعيُنِ النَّاظِرينَ [484] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/83 - 85)، ((تفسير القرطبي)) (15/194، 195)، ((تفسير ابن كثير)) (7/65)، ((فتح الباري)) لابن رجب (4/352)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/379، 380)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). وممَّن قال: إنَّ الَّتي توارتْ بالحِجابِ هي الشَّمسُ وَقتَ غُروبِها: ابنُ جرير، والقرطبي، وابن كثير، وابن رجب، والسعدي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/85)، ((تفسير القرطبي)) (15/195)، ((البداية والنهاية)) لابن كثير (2/338)، ((فتح الباري)) لابن رجب (4/352)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/256). قال ابن عثيمين: (الحجابُ هو الأرضُ، فالَّذي يَستُرُها إذا غابَتْ هي الأرضُ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 154). وقيل: الضَّميرُ في تَوَارَتْ عائدٌ على الصَّافِنَاتُ، أي: دخَلَت اصطَبلاتِها، فهي الحِجابُ. واستظهر هذا المعنى: أبو حيَّان. يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/154). قال الرازي: (لو قُلْنا: المرادُ: حتَّى تَوَارَتِ الصَّافِناتُ بالحجابِ، كان معناه أنَّه حِينَ وَقَع بَصَرُه عليها حالَ جَرْيِها كان يقولُ هذه الكلمةَ إلى أنْ غابَتْ عن عَيْنِه، وذلك مُناسِبٌ... قالَ: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ، ثُمَّ قالَ: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، وعَودُ الضَّميرِ إلى أقرَبِ المَذكورَينِ أولَى، وأقربُ المَذكورَينِ هو الصَّافناتُ الجِيادُ، وأمَّا العَشِيُّ فأبعَدُهما؛ فكان عَودُ ذلك الضَّميرِ إلى الصَّافناتِ أولَى). ((تفسير الرازي)) (26/390، 391). .
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (33).
أي: أعيدُوا لي تلك الخَيلَ، فلمَّا أعادوها إليه شَرَع يَمسَحُ سِيقانَها وأعناقَها [485] يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/644)، ((تفسير البغوي)) (4/68)، ((تفسير الزمخشري)) (4/93)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/572)، ((تفسير القرطبي)) (15/196)، ((تفسير ابن كثير)) (7/65)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/380، 381)، ((تفسير الشوكاني)) (4/495، 496)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 155). اختلَف المفسِّرونَ في المرادِ من قولِه تعالى: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ: فقيل: إنَّ المراد: قَتْلُ سُلَيمانَ للخَيلِ، وأنَّه قطَع أعناقَها وسُوقَها. وممَّن اختاره: ابنُ أبي زَمَنِين، والثعلبي، والبغوي ونسَبَه إلى أكثَرِ المفَسِّرينَ، والزمخشري، وهو ظاهِرُ اختيار ابن الجوزي، واختاره القرطبيُّ، والبيضاوي، وابن القيِّم، وهو ظاهِرُ اختيارِ ابنِ كثير، واختاره البِقاعي، والعُلَيمي، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/89)، ((تفسير الثعلبي)) (8/201)، ((تفسير البغوي)) (4/68)، ((تفسير الزمخشري)) (4/93)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/572)، ((تفسير القرطبي)) (15/196)، ((تفسير البيضاوي)) (5/29)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/48)، ((روضة المحبين ونزهة المشتاقين)) لابن القيم (ص: 445)، ((تفسير ابن كثير)) (7/65)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/380، 381)، ((تفسير العليمي)) (6/24)، ((تفسير الشوكاني)) (4/495، 496)، ((تفسير السعدي)) (ص: 712)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 155). قال ابن الجوزي: (هذا اختيارُ السُّدِّيِّ، ومُقاتلٍ، والفَرَّاءِ، وأبي عُبَيدةَ، والزَّجَّاجِ، وابنِ قُتَيْبةَ، وأبي سُلَيْمانَ الدِّمَشْقيِّ، والجمهورِ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/572). ويُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/644)، ((معاني القرآن)) للفراء (2/405)، ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/183)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/331)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 379). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، والحسَنُ، وابنُ السَّائبِ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/86)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/572)، ((تفسير ابن كثير)) (7/65). قال ابن كثير: (قد يكونُ في شرعِهم جوازُ مِثلِ هذا، ولا سِيَّما إذا كان غضَبًا لله عزَّ وجلَّ بسببِ أنَّه اشتَغَل بها حتَّى خَرَج وقتُ الصَّلاةِ). ((تفسير ابن كثير)) (7/65). وقيل: المرادُ: مَسَحَ عليها؛ حُبًّا وإكرامًا لها. وممَّن قال بهذا المعنى: ابنُ جرير، والنَّحَّاسُ، والجَصَّاصُ، وابنُ حزم، والقاضي أبو يعلى-كما في ((تفسير ابن الجوزي)) (3/572)- والرازيُّ، وأبو حيَّان، ومحمد رشيد رضا. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/87)، ((الناسخ والمنسوخ)) للنحاس (ص: 646)، ((أحكام القرآن)) للجصاص (3/502)، ((الفِصَل)) لابن حزم (4/15، 16)، ((تفسير الرازي)) (26/391، 392)، ((تفسير أبي حيان)) (9/154)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (6/187). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهدٌ، والزُّهْريُّ، وابنُ كَيْسانَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/87)، ((تفسير الثعلبي)) (8/201)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/572)، ((تفسير ابن كثير)) (7/65). قال أصحابُ هذا القولِ: وهذا القولُ أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ القولَ بأنَّه قتَلها جمَع على سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ أنواعًا مِن الأفعالِ المذمومةِ؛ منها: تركُ الصَّلاةِ، وأنَّه استولَى عليه الاشتغالُ بحبِّ الدُّنيا إلى حيثُ نَسِيَ الصَّلاةَ، وأنَّه بعدَ الإتيانِ بهذا الذَّنْبِ العظيمِ لم يَشتغِلْ بالتَّوبةِ والإنابةِ البتَّةَ، بل عاقَب خَيلًا لا ذنْبَ لها، ومثَّل بها، وأتلَفَ مالًا مُنتفَعًا بِه. يُنظر: ((الفصل)) لابن حزم (4/16)، ((تفسير الرازي)) (26/391). قال الرازي: (والصَّوابُ أنْ نقولَ: إنَّ رِباطَ الخيلِ كان مَندوبًا إليه في دينِهم، كما أنَّه كذلك في دينِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ثُمَّ إنَّ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ احتاج إلى الغزوِ فجَلَس، وأمَر بإحضارِ الخَيلِ، وأمَر بإجْرائِها، وذَكَر أنِّي لا أُحِبُّها لأجْلِ الدُّنيا ونَصيبِ النَّفْسِ، وإنَّما أُحِبُّها لأمْرِ اللهِ وطَلَبِ تَقوِيةِ دينِه، وهو المرادُ مِن قولِه: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي، ثمَّ إنَّه عليه السَّلامُ أمَر بإعدائِها وتسييرِها حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ، أي: غابَتْ عن بصرِه، ثمَّ أمَر الرَّائِضينَ بأنْ يَرُدُّوا تلكَ الخَيلَ إليه، فلمَّا عادَتْ إليه طَفِقَ يَمسَحُ سُوقَها وأعناقَها، والغرضُ مِن ذلكَ المسحِ أمورٌ: الأوَّلُ: تشريفًا لها، وإبانةً لعِزَّتِها؛ لِكَونِها مِن أعظَمِ الأعوانِ في دفعِ العَدُوِّ. الثَّاني: أنَّه أرادَ أن يُظهِرَ أنَّه في ضبطِ السِّياسةِ والمُلكِ يَتَّضِعُ إلى حيثُ يُباشِرُ أكثرَ الأمورِ بنفْسِه. الثَّالثُ: أنَّه كان أعْلَمَ بأحوالِ الخَيلِ وأمراضِها وعُيوبِها، فكان يَمتحِنُها ويَمسَحُ سُوقَها وأعناقَها حَتَّى يَعلمَ هل فيها ما يدُلُّ على المرضِ؟ فهذا التَّفسيرُ الَّذي ذَكَرْناه يَنطَبِقُ عليه لفظُ القرآنِ انْطِباقًا مُطابِقًا مُوافِقًا). ((تفسير الرازي)) (26/391). وقيل: المرادُ أنَّه كوى سُوقَها وأعناقَها بكَيِّ الصَّدَقةِ، وحَبَّسها في سبيلِ اللهِ تعالى. حكاه الثعلبيُّ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (8/201). .
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34).
أي: ولقد ابتَلَيْنا سُلَيمانَ واختبَرْناه، وألقَيْنا على كُرسِيِّه جَسَدًا [486] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/87)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 923)، ((تفسير القرطبي)) (15/199)، ((تفسير ابن كثير)) (7/66)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 164-168). ، ثمَّ رجَعَ سُلَيمانُ إلى رَبِّه، فعَلِمَ أنَّ الَّذي حَلَّ به مِنَ البلاءِ بسَبَبِ ذَنْبٍ صَدَر منه، فتاب إلى رَبِّه [487] قيل: المرادُ بقوله: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا: شَيطانٌ جلَسَ على كُرسيِّ مُلكِه. وممَّن ذهب إلى هذا القَولِ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ جرير، والسمرقنديُّ، وابن أبي زَمَنينَ، ومكِّي، والواحدي، وابن عطية، وابن حجر، والسعدي. وجعَلَه ابنُ عثيمينَ قَولًا مُحتَمَلًا، وأنَّه أقربُ الأقوالِ إلى ظاهِرِ اللَّفظِ، ونسَبه القرطبيُّ إلى أكثَرِ المفَسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/644)، ((تفسير ابن جرير)) (20/87)، ((تفسير السمرقندي)) (3/167)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (4/90)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6245)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 923)، ((تفسير ابن عطية)) (4/505)، ((فتح الباري)) لابن حجر (6/461)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 164-168)، ((تفسير القرطبي)) (15/199). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، والحسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، ومجاهدٌ، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((صحيح البخاري)) (4/162)، ((تفسير ابن جرير)) (20/88). وقيل: المرادُ هو ما جاء في الحديثِ أنَّه قال: لَأَطُوفَنَّ اللَّيلةَ على سبعينَ امرأةً، كُلُّ واحدةٍ تأتي بفارسٍ يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ، ولم يَقُلْ: إن شاء اللهُ، فطاف عليهِنَّ، فلم تَحمِلْ إلَّا امرأةٌ واحِدةٌ، وجاءَتْه بشِقِّ رَجُلٍ. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لو قالَها لَجاهَدوا في سبيلِ اللهِ)) [البخاري (3424)] وفي روايةٍ: ((ولو قالَ: إنْ شاءَ اللهُ، لم يَحْنَثْ، وكان دَرَكًا له في حاجَتِه)) [مسلم (1654)]. فالمرادُ بقَولِه: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا هو هذا، والجَسَدُ المُلْقى هو المولودُ شِقَّ رَجُلٍ. وقد استظهر هذا القولَ: البيضاويُّ، وأبو السعود، والألوسي، والشنقيطي، وذكر أبو حيَّان أنَّ هذا القَولَ هو أقرَبُ ما قيل في ذلك. يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/29)، ((تفسير أبي السعود)) (7/226)، ((تفسير الألوسي)) (12/190)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/254)، ((تفسير أبي حيان)) (9/155، 156). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن عاشور)) (23/260). قال الألوسي: (وغايتُه تَرْكُ الأَولى، فليس بذَنْبٍ، وإن عدَّه هو عليه السَّلامُ ذنْبًا، فالمرادُ بالجسَدِ ذلك الشِّقُّ الَّذي وُلِد له، ومعنى إلقائِه على كُرسيِّه وضْعُ القابِلةِ له عليه لِيَراه). ((تفسير الألوسي)) (12/190). ويُنظر: ((حاشية الشهاب تفسير البيضاوي)) (7/311). وقال الشنقيطيُّ في تفسير الآيةِ (23) من سورة الكهف: (اعلَمْ أنَّ هذا الحديثَ الصَّحيحَ بيَّن معنى قولِه تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا الآيةَ، وأنَّ فِتنةَ سُلَيمانَ كانت بسببِ تركِه قولَ «إن شاء الله»، وأنَّه لم يَلِدْ مِن تلك النِّساءِ إلَّا واحدةٌ نِصْفَ إنسانٍ، وأنَّ ذلك الجسَدَ الَّذي هو نِصفُ إنسانٍ هو الَّذي أُلْقِيَ على كُرسيِّه بعدَ مَوتِه في قولِه تعالى: وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا الآيةَ. فما يَذكُرُه المفسِّرون في تفسيرِ قولِه تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ الآيةَ، مِن قصَّةِ الشَّيطانِ الَّذي أخَذ الخاتمَ وجلَس على كُرسيِّ سُلَيمانَ، وطَردِ سُلَيمانَ عن مُلكِه حتَّى وجَد الخاتمَ في بطنِ السَّمكةِ الَّتي أعطاها له مَن كان يَعملُ عندَه بأجرٍ مطرودًا عن مُلكِه، إلى آخِرِ القِصَّةِ: لا يخفى أنَّه باطلٌ لا أصلَ له، وأنَّه لا يَليقُ بمقامِ النُّبوَّةِ، فهي مِن الإسرائيليَّاتِ الَّتي لا يَخفى أنَّها باطلةٌ. والظَّاهرُ في معنى الآيةِ هو ما ذكَرْنا، وقد دلَّتِ السُّنَّةُ الصَّحيحةُ عليه في الجملةِ، واختاره بعضُ المُحقِّقينَ، والعِلمُ عندَ الله تعالى). ((أضواء البيان)) (3/254). وقال القاضي عياضٌ: (ولا يَصِحُّ ما نقله الأَخْباريُّون مِن تشبُّهِ الشَّيطانِ به، وتسلُّطِه على مُلكِه، وتصرُّفِه في أمَّتِه بالجَورِ في حُكمِه؛ لأنَّ الشَّياطينَ لا يُسَلَّطون على مِثلِ هذا، وقد عُصِم الأنبياءُ مِن مِثلِه). ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشُّمُنِّي)) (2/167). وذكر ابنُ عثيمين احتمالًا أن يكونَ المرادُ سليمانَ نفْسَه، سلَبَ اللهُ تعالى منه التَّفكيرَ وتدبيرَ شؤونِ المملكةِ، فصار لا يُحسِنُ التَّدبيرَ، وأنَّ هذا الاحتمالَ أقرَبُ مِن حيثُ المعنى؛ لأنَّ الإنسانَ إذا سُلِب عقله وتفكيره فهو بمنزلةِ الجسدِ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 166). وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (3/167، 168)، ((تفسير الماوردي)) (5/96)، ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني)) (2/167). .
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35).
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي.
أي: قال سُلَيمانُ: رَبِّ استُرْ علَيَّ ذنْبي، وتَجاوَزْ عن مُؤاخَذَتي به [488] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/93)، ((تفسير الألوسي)) (12/194)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713). .
وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي.
أي: وهَبْ لي مُلكًا لا يكونُ لأحَدٍ سِوايَ مِثلُه [489] يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/505)، ((تفسير ابن كثير)) (7/70)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/263)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 168، 169). وممَّن قال بهذا المعنى المذكورِ: ابنُ عطية، وابن كثير، والسعدي، وابن عاشور، وابن عثيمين. يُنظر: المصادر السابقة. وقيل: المعنى: لا يَصلُحُ لأحدٍ أن يَسلُبَنيه. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ جرير، ومكِّي، والسمعاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/93، 104)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (10/6255)، ((تفسير السمعاني)) (4/444). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: قَتادةُ، وعطاءُ بنُ أبي رباحٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/93)، ((تفسير البغوي)) (4/72)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/575). .
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ سُلَيمانَ بنَ داودَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا بنى بيتَ المَقدِسِ سأل اللهَ عزَّ وجَلَّ خِلالًا ثلاثةً: سأل اللهَ عزَّ وجلَّ حُكمًا يُصادِفُ حُكمَه، فأُوتِيَه، وسأل اللهَ عزَّ وجَلَّ مُلكًا لا ينبغي لأحَدٍ مِن بَعدِه، فأوتِيَه، وسأل اللهَ عزَّ وجَلَّ حينَ فَرَغ مِن بناءِ المسجِدِ ألَّا يأتيَه أحَدٌ لا يَنهَزُه [490] لا يَنهَزُه: أي: لا يُحَرِّكُه ويَدفَعُه. يُنظر: ((غريب الحديث)) لابن الجوزي (2/445). إلَّا الصَّلاةُ فيه أن يُخرِجَه مِن خَطيئتِه كيَومَ ولَدَتْه أمُّه) ) [491] أخرجه النَّسائي (693) واللفظ له، وابن ماجه (1408)، وأحمد (6644). صحَّحه ابنُ حبَّان في ((صحيحه)) (1633)، والحاكمُ في ((المستدرك)) (1/188)، وابنُ القيِّم في ((المنار المُنِيف)) (74)، والألبانيُّ في ((صحيح سنن النسائي)) (693)، وصحَّح إسنادَه القرطبيُّ في ((التفسير)) (5/207)، والنوويُّ في ((المجموع)) (8/278)، وأحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (10/128)، وشعيبٌ الأرناؤوط في تخريج ((صحيح ابن حبان)) (1633). .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ عِفريتًا مِن الجِنِّ جَعَل يَفتِكُ [492] أي: يغفلُه عن الصلاةِ ويَشغلُه. وأصل الفَتكِ: القتلُ على غفلةٍ وغِرَّةٍ. يُنظر: ((مطالع الأنوار على صحاح الآثار)) لابن قُرْقُول (5/191)، ((المفهم لما أَشْكَل من تلخيص كتاب مسلم)) لأبي العباس القرطبي (2/150). علَيَّ البارحةَ؛ لِيَقطَعَ علَيَّ الصَّلاةَ، وإنَّ اللهَ أمكَنَني منه فذَعَتُّه [493] أي: خنَقْتُه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (5/29). ، فلقد همَمْتُ أن أربِطَه إلى جَنبِ ساريةٍ مِن سواري المسجِدِ، حتَّى تُصبِحوا تَنظُرونَ إليه أجمَعونَ -أو كُلُّكم- ثمَّ ذكَرْتُ قَولَ أخي سُلَيمانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فرَدَّه اللهُ خاسِئًا)) [494] رواه البخاري (461)، ومسلم (541) واللفظ له. .
وعن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم قام فصلَّى صلاةَ الصُّبحِ وهو خَلْفَه، فقرأَ فالتبَسَتْ [495] التَبَسَت: أي: اختَلَطت واشتَبهَت. يُنظر: ((مختار الصحاح)) للرازي (ص: 278). عليه القِراءةُ، فلمَّا فرَغَ مِن صلاتِه قال: لو رأيتُموني وإبليسَ، فأهوَيتُ بيَدي، فما زِلتُ أخنُقُه حتَّى وَجدْتُ بَرْدَ لُعابهِ بيْنَ إصْبَعَيَّ هاتَينِ: الإبهامِ والَّتي تليها! ولولا دَعوةُ أخي سُلَيمانَ لأصبَحَ مَربوطًا بساريةٍ مِن سواري المسجدِ يَتلاعَبُ به صِبيانُ المدينةِ! فمَنِ استطاع منكم ألَّا يَحولَ بيْنَه وبيْنَ القِبلةِ أحَدٌ فلْيَفعَلْ )) [496] أخرجه أبو داودَ (699) مختصرًا، وأحمدُ (11780) واللفظ له. جوَّد إسنادَه ابنُ كثير في ((البداية والنهاية)) (6/293)، وابنُ رجب في ((فتح الباري)) (6/497)، ووثَّق رجالَه الهَيْثَميُّ في ((مجمع الزوائد)) (2/90)، وقال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (699): (حسَنٌ صحيحٌ). .
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
أي: إنَّك كثيرُ الهِباتِ والعَطاءِ لِمَن تَشاءُ مِمَّا تَشاءُ مِن خزائِنِ رَحمتِك وفَضلِك [497] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/94)، ((تفسير الماوردي)) (5/98)، ((تفسير البيضاوي)) (5/30)، ((تفسير الشوكاني)) (4/497)، ((تفسير ان عثيمين- سورة ص)) (ص: 169). .
فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36).
أي: فاستَجَبْنا دُعاءَ سُلَيمانَ بإعطائِه مُلكًا عَظيمًا لا ينبغي لأحَدٍ مِن بَعدِه، فذَلَّلْنا لأجْلِه الرِّيحَ طائِعةً له كيفما يأمُرُها، فتَهُبُّ رِخوةً في غايةِ اللِّينِ إلى حيثُ أراد [498] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/94، 97)، ((تفسير القرطبي)) (15/205)، ((تفسير البيضاوي)) (5/30)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/384)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/264، 265)، ((تفسير ان عثيمين- سورة ص)) (ص: 169، 170). قال الزَّجَّاجُ: (حَيْثُ أَصَابَ إجماعُ المفَسِّرينَ وأهلِ اللُّغةِ أنَّه حيث أراد، وحقيقتُه: قَصَدَ، وكذلك قَولُك للمُجيبِ في المسألةِ: أصَبْتَ، أي: قصَدْتَ، فلم تُخطئِ الجوابَ). ((معاني القرآن)) (4/333). وقال الماوَرْدي: (تَجْرِي بِأَمْرِهِ يحتمِلُ وجهَينِ؛ أحدُهما: تَحمِلُ ما يأمُرُها. الثَّاني: تَجري إلى حيثُ يأمُرُها). ((تفسير الماوردي)) (5/98). .
وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37).
أي: وسَخَّرْنا له الشَّياطينَ، فذلَّلنا كُلَّ بَنَّاءٍ منهم، فيَبنونَ له ما يأمُرُهم ببِنائِه؛ وذلَّلْنا كُلَّ غوَّاصٍ منهم، فيَغوصونَ له في البِحارِ، فيَستَخرِجونَ له اللآلِئَ وغَيرَها [499] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/98)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/333)، ((تفسير القرطبي)) (15/206)، ((تفسير ابن كثير)) (7/73)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713). .
كما قال تعالى: وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [الأنبياء: 82].
وقال سُبحانَه: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ: 12، 13].
وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38).
أي: وذَلَّلْنا لسُلَيمانَ آخَرينَ مِن مَرَدةِ الشَّياطينِ حتَّى قَرَنَهم في القُيودِ، وأوثَقَهم في الأغلالِ [500] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/98)، ((تفسير القرطبي)) (15/206)، ((تفسير ابن كثير)) (7/73)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/385)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713). .
هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39).
أي: قال اللهُ تعالى لِنَبيِّه سُلَيمانَ عليه السَّلامُ: هذا المُلكُ الَّذي سألْتَ هو عَطاءٌ عَظيمٌ واسِعٌ وهَبْناه لك؛ فأعْطِ مَن شِئتَ مِنَ النَّاسِ، واحرِمْ مَن شِئتَ؛ فلا حرَجَ ولا مُؤاخَذةَ عليك في ذلك [501] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/100 - 103)، ((تفسير القرطبي)) (15/206)، ((تفسير ابن كثير)) (7/74)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (16/386)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713). قال ابن جُزَي: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ الإشارةُ إلى المُلكِ الَّذي أعطاه الله له، والمعنى: أنَّ الله قال له: أعطِ مَن شِئتَ، وامنَعْ مَن شِئتَ. وقيل: المعنى: امنُنْ على مَن شِئتَ مِن الجنِّ بالإطلاقِ مِن القُيودِ، وأمسِكْ مَن شِئتَ منهم في القيودِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/209). وممَّن اختار الأوَّلَ: ابنُ جرير، والقرطبيُّ، وابن تيميَّة، وابن جُزَي، وابن كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/100، 103)، ((تفسير القرطبي)) (15/206)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/181)، ((تفسير ابن جزي)) (2/209)، ((تفسير ابن كثير)) (7/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713). وممَّن اختار المعنى الثَّانيَ: مقاتلُ بنُ سُلَيمانَ، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/647)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/267). وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وقَتادةُ، والسُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/101)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/576). قال الماوَرْدي: (بِغَيْرِ حِسَابٍ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ؛ أحدُها: بغيرِ تقديرٍ فيما تُعطي وتَمنعُ، حكاه ابنُ عيسى. الثَّاني: بغيرِ حرَجٍ، قاله مجاهدٌ. الثَّالثُ: بغيرِ حسابٍ تُحاسَبُ عليه يومَ القيامةِ، قاله سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ). ((تفسير الماوردي)) (5/100). وممَّن قال: إنَّ معنى بِغَيْرِ حِسَابٍ: بغيرِ مُؤاخَذةٍ عليك في ذلك: ابنُ جرير، والقرطبيُّ، وابن تيميَّة، وابن كثير، والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/103)، ((تفسير القرطبي)) (15/206)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/181)، ((تفسير ابن كثير)) (7/74)، ((تفسير السعدي)) (ص: 713). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عبَّاسٍ، والحسَنُ، والضَّحَّاكُ، وعِكْرِمةُ، ومجاهدٌ، وسعيدُ ابنُ جُبَيرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/101)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/576). قال السَّعدي: (أي: لا حرَجَ عليك في ذلك ولا حِسابَ؛ لعِلمِه تعالى بكَمالِ عَدلِه، وحُسنِ أحكامِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 713). وقيل: المرادُ: أنَّه عَطاءٌ واسِعٌ لا تَضييقَ عليك فيه، على أن جَمُلَتَيْ فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ مُعْترِضَتانِ بيْن قولِه: عَطَاؤُنَا وقَولِه: بِغَيْرِ حِسَابٍ. وممَّن ذهب إلى هذا المعنى: ابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/267). وقيل: المرادُ: أعطِ مَن شِئتَ بغيرِ حِسابٍ؛ لأنَّك لا تخشى مِن نَقصِه، ولا تُسألُ عنه في الآخرةِ؛ لأنَّه قد أُذِنَ لك؛ فنَفْيُ الحِسابِ عنه يُفيدُ شيئينِ: الكَثرةَ، وعدَمَ المؤاخَذةِ في إعطاءٍ أو مَنعٍ. قاله البِقاعي. يُنظر: ((نظم الدرر)) (16/387). .
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ تعالى ما أنعَمَ به على سُلَيمانَ في الدُّنيا؛ أردَفَه بإنعامِه عليه في الآخِرةِ [502] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/396). .
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ (40).
أي: وإنَّ لِسُلَيمانَ عِندَنا قُربةً مِنَّا ومَنزِلةً عاليةً، وحُسنَ مَرجِعٍ [503] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/103)، ((تفسير القرطبي)) (15/207)، ((تفسير ابن كثير)) (7/74). .

الفوائد التربوية:


1- في قَولِه تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ أنَّ الأولادَ هِبةٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ للعَبدِ، ويَتفرَّعُ على ذلك أنَّه يَجِبُ على العَبدِ شُكرُ اللهِ على هذه النِّعمةِ [504] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 156). .
2- قَولُ الله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ فيه -على قولٍ في التَّفسيرِ- أنَّ كُلَّ ما شَغَل العَبدَ عن اللهِ تعالى، فإنَّه مَشؤومٌ مَذمومٌ، فلْيُفارِقْه، ولْيُقبِلْ على ما هو أنفَعُ له [505] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). .
3- قَولُ الله تعالى حكايةً عن سُلَيمانَ عليه السَّلامُ: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ فجَعَل سُلَيمانُ يُعَرقِبُ [506] أي: يَقْطعُ عُرْقُوبَها، وهو الوَتَرُ الَّذي خَلْفَ الكَعبَينِ بيْنَ مَفْصِلِ القَدَمِ والسَّاقِ مِن ذَواتِ الأرْبَعِ، وهو مِنَ الإنسانِ فُوَيْقَ العَقِبِ. يُنظر: ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/221). سُوقَها ويُقطِّعُ أعناقَها -على قولٍ في التَّفسيرِ-؛ لِحِرمانِ نَفْسِه منها، مع محبَّتِه إيَّاها؛ تَوبةً منه، وتربيةً لِنَفْسِه، وهذه طريقةٌ جَليلةٌ مِن طرائِقِ تَربيةِ النَّفْسِ، ومَظاهِرِ كَمالِ التَّوبةِ بالنِّسبةِ إلى ما كان سَبَبًا في الهَفوةِ [507] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/258). .
4- قال الله تعالى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ الآياتُ المُتعَلِّقةُ بنَدَمِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ على الاشتِغالِ بالخَيلِ عن ذِكرِ اللهِ -على قولٍ في التَّفسيرِ- مَوقِعُ أُسوةٍ به في مُبادَرةِ التَّوبةِ، وتحذيرٌ مِن الوُقوعِ في الغفلةِ [508] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/259). .
5- قَولُ الله تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا يدُلُّ على أنَّه يَجِبُ تَقديمُ مُهِمِّ الدِّينِ على مُهِمِّ الدُّنيا؛ لأنَّ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ طَلَب المَغفِرةَ أوَّلًا، ثمَّ بَعْدَه طَلَب المَملَكةَ [509] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/394). ؛ وذلك لأنَّ زَوالَ أثَرِ الذُّنوبِ هو الَّذي يَحصُلُ به المقصودُ، فالذُّنوبُ في الحقيقةِ تَتراكَمُ على القَلبِ، وتَمنَعُه مِن كثيرٍ مِن المصالحِ، فيَسألُ الإنسانُ التَّخَلُّصَ مِن آثارِ هذه الذُّنوبِ قبْلَ أنْ يَسأَلَ ما يُريدُ [510] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 167). .
6- قَولُ الله تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ يدُلُّ على أنَّ طَلبَ المَغفرةِ مِن اللهِ تعالى سبَبٌ لانفِتاحِ أبوابِ الخَيراتِ في الدُّنيا؛ لأنَّ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ طَلَب المَغفِرةَ أوَّلًا، ثمَّ توسَّلَ به إلى طَلَبِ المَملَكةِ [511] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/394). .
7- قَولُ اللهِ تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ فيه تنبيهٌ على القاعِدةِ المَشهورةِ: (مَن تركَ شَيئًا لله عوَّضه اللهُ خيرًا منه)؛ فسُليَمانُ عليه السَّلامُ عَقَر الجِيادَ الصَّافِناتِ المحبوبةَ للنُّفوسِ -على قولٍ في التَّفسيرِ-؛ تقديمًا لمحبَّةِ اللهِ، فعَوَّضه اللهُ خيرًا مِن ذلك، بأنْ سَخَّر له الرِّيحَ الرُّخاءَ اللَّيِّنةَ الَّتي تجري بأمْرِه إلى حيثُ أرادَ وقَصَد، غُدُوُّها شَهرٌ، ورَواحُها شَهرٌ، وسَخَّر له الشَّياطينَ أهلَ الاقتِدارِ على الأعمالِ الَّتي لا يَقدِرُ عليها الآدَميُّونَ [512] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). ويُنظر أيضًا: ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 445)، ((تفسير ابن كثير)) (7/73). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ فيه أنَّ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ مِن مِنَنِ اللهِ وفضائلِه على داودَ عليه السَّلامُ؛ حيثُ وهَبَه له، وأنَّ مِن أكبَرِ نِعَمِ اللهِ على عَبدِه أن يَهَبَ له ولَدًا صالِحًا، فإنْ كان عالِمًا كان نورًا على نورٍ [513] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). .
2- قال الله تعالى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ، ثمَّ قال بعدَه: إِنَّهُ أَوَّابٌ، وهذه الكَلِمةُ للتَّعليلِ؛ فهذا يدُلُّ على أنَّه إنَّما كان نِعْمَ العَبدُ لأنَّه كان أوَّابًا، فيَلزَمُ أنَّ كُلَّ مَن كان كثيرَ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى في أكثَرِ الأوقاتِ، وفي أكثَرِ المُهِمَّاتِ؛ كان مَوصوفًا بأنَّه نِعمَ العَبدُ [514] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (26/389). .
3- قولُه تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ فيه إثباتُ العِلَلِ والأسبابِ؛ فقولُه: إِنَّهُ أَوَّابٌ؛ هو سَبَبُ الثَّناءِ عليه [515] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 156). .
4- في قَولِه تعالى: إِنَّهُ أَوَّابٌ فضيلةُ الأَوبةِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، والرُّجوعِ إليه بالقَلبِ والعَمَلِ؛ لأنَّ اللهَ أثنَى على سُلَيمانَ بسَبَبِ ذلك [516] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 156). .
5- في قَولِه تعالى: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي أنَّ الصَّلاةَ يقالُ لها: «ذِكْرٌ» كما هي، وفيها أفعالٌ [517] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (3/758). ، وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
6- في قَولِه تعالى: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ أنَّ الأرضَ كُرَويَّةٌ؛ لأنَّه لَمَّا أَثْبَت أنَّها تَتوارَى بالحِجابِ دلَّ هذا على أنَّ الأرضَ هي الَّتي تَحْجُبُها، وهي كما تُشاهدُ تَنْزِلُ شيئًا فشيئًا حتَّى تكونَ في الأرضِ، فيدُلُّ ذلك على أنَّ الأرضَ كرويَّةٌ، وهذا أيضًا أمرٌ مقطوعٌ به، ولا إشكالَ فيه؛ فهو ظاهرٌ مِن القرآنِ، وظاهرٌ في الواقعِ؛ ففي القرآنِ يقول اللهُ تعالى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: 3] وذلك يكونُ يومَ القيامةِ، فقولُه: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ يدُلُّ على أنَّها قبْلَ هذا ليست ممدودةً، بل هي كرويَّةٌ، وهذا لا يُعارِضُ قولَه تعالى: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: 17 - 20]؛ لأنَّ سَطْحَها باعتبارِ المُشاهَدةِ، فأنت الآنَ إذا وَقَفْتَ على الأرضِ تجدُها مستويةً إلى مَدِّ البصرِ [518] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 159). .
7- يَنقَسِمُ الأنبياءُ عليهم السَّلامُ إلى عَبدٍ رَسولٍ، ونَبيٍّ مَلِكٍ، وقد خَيَّرَ اللهُ سُبحانَه مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيْنَ أنْ يكونَ عَبدًا رَسولًا، وبيْنَ أنْ يكونَ نَبيًّا مَلِكًا، فاختار أنْ يكونَ عبدًا رَسولًا.
فالنَّبيُّ المَلِكُ مِثلُ داودَ وسُلَيمانَ ونحوِهما -عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ قال اللهُ تعالى في قِصَّةِ سُلَيمانَ الَّذي: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ أي: أعْطِ مَن شِئتَ، واحرِمْ مَن شِئْتَ، لا حِسابَ عليك؛ فالنَّبيُّ المَلِكُ يَفعَلُ ما فَرَض اللهُ عليه، ويَترُكُ ما حَرَّم اللهُ عليه، ويَتصَرَّفُ في الوِلايةِ والمالِ بما يُحِبُّه ويختارُ مِن غَيرِ إثمٍ عليه.
وأمَّا العَبدُ الرَّسولُ فلا يُعطي أحدًا إلَّا بأمرِ رَبِّه، ولا يُعطي مَن يَشاءُ ويَحرِمُ مَن يَشاءُ، بل جاء عنه أنَّه قال: ((ما أُعْطيكم ولا أَمْنَعُكم، أنا قاسِمٌ، أضَعُ حيثُ أُمِرتُ )) [519] أخرجه البخاري (3117) من حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه. .
والمقصودُ هنا أنَّ العَبدَ الرَّسولَ هو أفضَلُ مِن النَّبيِّ المَلِكِ، كما أنَّ إبراهيمَ وموسى وعيسى ومُحمَّدًا -عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ- أفضَلُ مِن يُوسُفَ وداودَ وسُلَيمانَ -عليهم السَّلامُ [520] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/180). ويُنظر أيضًا: ((تفسير السعدي)) (ص: 714). .
8- قَولُه تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي فيه جوازُ الذُّنوبِ على الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وذلك أنَّه لو لم يكنْ ذَنْبٌ لَمَا استَغفرَ، وفيه أيضًا أنهم مُحتاجون إلى مَغفرةِ اللهِ [521] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 175). .
9- قال تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي هذا أدبُ الأنبياءِ والصَّالحينَ مِن طَلَبِ المَغفِرةِ مِنَ اللهِ؛ هَضمًا لِلنَّفْسِ، وإظهارًا لِلذِّلَّةِ والخُشوعِ، وطَلَبًا لِلتَّرَقِّي في المَقاماتِ [522] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/156). .
10- في قَولِه تعالى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي أنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعنيُّونَ أكثرَ بأمورِ الآخرةِ؛ ولهذا طَلَبَ مِن اللهِ المَغفِرةَ قبْلَ أنْ يَطلُبَ المُلْكَ [523] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 174). .
11- قال الله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إنْ قيل: كيف سأل سُلَيْمانُ المُلكَ، وهو مِن ناحيةِ الدُّنيا، وهو نَبيٌّ مِن الأنبياءِ، وإنَّما يَرغَبُ في المُلْكِ أهلُ الدُّنيا المُؤثِرونَ لها على الآخِرةِ؟
 فالجواب: أنَّ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ إنَّما سأل المُلكَ لسياسةِ النَّاسِ، وإنصافِ بَعضِهم مِن بَعضٍ، والقيامِ بحَقِّ اللهِ، ولِيَستعينَ به على طاعةِ الله، ولم يَسألْه لأجْلِ مَيلِه إلى الدُّنيا، وهو كقَولِ يُوسُفَ عليه السَّلامُ: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [524] يُنظر: ((تفسير القشيري)) (3/256)، ((أحكام القرآن)) لابن العربي (4/68). [يوسف: 55].
وأيضًا فرَغبتُه إلى رَبِّه فيما يَرغَبُ إليه مِن المُلْكِ لم تكُنْ -إن شاء اللهُ- به رَغبةٌ في الدُّنيا، ولكِنْ إرادةٌ منه أن يَعلَمَ مَنزِلتَه من اللهِ في إجابتِه فيما رَغِبَ إليه فيه، وقَبولِه تَوبتَه، وإجابتِه دُعاءَه [525] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/103، 104). .
12- إن قال لنا قائِلٌ: ما وجْهُ مَسألةِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ ربَّه مُلْكًا لا ينبغي لأحَدٍ مِن بَعدِه، وما كان يَضُرُّه أن يكونَ كُلُّ مَن بعدَه يُؤتَى مِثلَ الَّذي أُوتيَ مِن ذلك؟
فالجوابُ: أنَّ مَسألتَه رَبَّه مُلْكًا لا ينبغي لأحَدٍ مِن بَعدِه، قد قيلَ: إنَّ معنى ذلك: هَبْ لي مُلْكًا لا أُسلَبُه، وإنَّما معناه عندَ هؤلاء: هَبْ لي مُلكًا لا ينبغي لأحَدٍ مِن بَعدي أن يَسلُبَنيه.
 وقد يَتَّجِهُ ذلك أن يكونَ بمعنى: لا ينبغي لأحَدٍ سِوايَ مِن أهلِ زماني، فيَكونَ حُجَّةً وعَلَمًا لي على نُبُوَّتي، وأنِّي رسولٌ لك إليهم مَبعوثٌ؛ إذ كانت الرُّسُلُ لا بدَّ لها مِن أعلامٍ تُفارِقُ بها سائِرَ النَّاسِ سِواهم. ويَتَّجِهُ أيضًا لأن يكونَ مَعناه: وهَبْ لي مُلكًا تَخُصُّني به، لا تُعطيه أحدًا غيري، تَشريفًا مِنك لي بذلك وتَكرِمةً؛ لِتُبَيِّنَ مَنزلتي منك به مِن مَنازِلِ مَن سِوايَ [526] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/104). .
وقيل: أرادَ أنْ يَقولَ: مُلْكًا عَظيمًا، فقال: لا يَنبَغي لِأحَدٍ مِن بَعدِي، ولم يَقصِدْ بذلك إلَّا عِظَمَ المُلْكِ وسَعَتَه، كما تَقولُ: لِفُلانٍ ما ليس لِأحَدٍ مِنَ الفَضلِ والمالِ، ورُبَّما كان لِلنَّاسِ أمثالُ ذلك، ولكِنَّكَ تُريدُ تَعظيمَ ما عِندَه [527] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/95)، ((تفسير البيضاوي)) (5/30)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 488، 489)، ((تفسير أبي السعود)) (7/227). .
13- قَولُ الله تعالى: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فيه أنَّ تَسخيرَ الشَّياطينِ لا يكونُ لأحَدٍ بعدَ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ [528] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). .
14- قولُه تعالى حكايةً عن سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ: وَهَبْ لِي مُلْكًا فيه جوازُ طَلَبِ الإنسانِ المُلْكَ؛ ولكنْ يُشترَطُ في ذلك أنْ يكونَ لدى الإنسانِ استِعدادٌ للقيامِ بما سَأل [529] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 175). .
15- التَّوسُّلُ إلى اللهِ تعالى بالاسمِ المناسِبِ لِمَا يَدعو به؛ لأنَّ قَولَه: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ يُناسِبُ قَولَه: وَهَبْ لِي، وهذا هو أحدُ معاني قَولِ اللهِ تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: 180]؛ فإنَّ أحدَ معانيها أنْ تَجعَلَها وَسيلةً لِمَا تدعو به؛ فإنْ أرَدْتَ أنْ تسألَ المَغفِرةَ تَقولُ: يا غَفورُ، أوِ الرَّحمةَ فتَقولُ: يا رحيمُ... وهكذا [530] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 177). .
16- في قَولِه تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ أنَّ اللهَ تعالى قد يُسَخِّرُ شَيئًا مِن الكَونِ لعبدٍ مِن عِبادِه، كما سَخَّرَ الرِّيحَ لسُلَيمانَ عليه السَّلامُ، فإنَّه مِن الجائزِ أنْ يُسَخِّرَها لغيرِه إذا دُعِيَ [531] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 177). .
17- الرِّياحُ لها شعورٌ واختيارٌ؛ لقوله تعالى: تَجْرِي بِأَمْرِهِ؛ لأنَّه إذا كان يأمُرُها وتَشْعُرُ بالأمرِ ثمَّ تمتثلُ؛ فهو دليلٌ أنَّ لها شعورًا ولها إرادةً [532] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 178). .
18- قال الله تعالى: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وصَفَ اللهُ تعالى الرِّيحَ المذكورةَ هنا بأنَّها تَجري بأمرِه رُخاءً، ووصَفَها في سورةِ (الأنبياء) بأنَّها عاصِفةٌ، أي: شَديدةُ الهُبوبِ، فقال: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: 81]، والعاصِفةُ غَيرُ التي تجري رُخاءً، فكيف يُجمَعُ بيْنَهما؟
والجواب: من أوجه:
 الأوَّلُ: أنَّها عاصِفةٌ في بعضِ الأوقاتِ، ولَيِّنةٌ رُخاءٌ في بَعضِها؛ بحَسَبِ الحاجةِ، كأنْ تَعصِفَ ويَشتَدَّ هُبوبُها في أوَّلِ الأمرِ، حتَّى تَرفَعَ البِساطَ الَّذي عليه سُلَيمانُ وجُنودُه، فإذا ارتفَعَ سارت به رُخاءً حيثُ أصاب [533] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/235). ، أو يكونَ ذلك باختِلافِ الأحوالِ؛ فإذا أراد سُلَيمانُ عليه السَّلامُ الإسراعَ في السَّيرِ سارت عاصِفةً، وإذا أراد اللِّينَ سارت رُخاءً، والمقامُ قَرينةٌ على أنَّ المرادَ المُواتاةُ لإرادةِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، كما دَلَّ عليه قَولُه تعالى: تَجْرِي بِأَمْرِهِ المُشعِرُ باختِلافِ مَقصدِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ منها [534] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (17/123). .
الثَّاني: أنَّها كانت في نَفْسِها رَخيَّةً طَيِّبةً كالنَّسيمِ، فإذا مَرَّت بكُرسِيِّه أبعَدَت به في مُدَّةٍ يَسيرةٍ، على ما قال: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، فكان جَمْعُها بيْنَ الأمْرَينِ: أن تكونَ رُخاءً في نَفْسِها، وعاصِفةً في عَمَلِها، مع طاعَتِها لسُلَيمانَ، وهُبوبِها على حَسَبِ ما يُريدُ [535] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/130)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/235). .
الثَّالث: أنَّ الرُّخاءَ في البُداءةِ، والعصْفَ بعْدَ ذلك [536] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/130)، ((تفسير البيضاوي)) (4/58)، ((تفسير أبي حيان)) (7/457، 458)، ((تفسير أبي السعود)) (6/80)، ((تفسير ابن عاشور)) (17/123). .
الرَّابع: أنَّها كانت رُخاءً في ذهابِه، وعاصفةً في رجوعِه إلى وطنِه؛ لأنَّ عادةَ المسافرينَ الإسراعُ في الرُّجوعِ [537] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/27). .
19- قال الله تعالى هنا: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، وقال في (الأنبياء): تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [الأنبياء: 81]، والسُّؤالُ هو أنَّه في سورةِ (الأنبياء) خَصَّ جَرْيَها به بكَونِه إلى الأرضِ الَّتي بارك فيها للعالَمينَ، وفي سورةِ (ص) قال: تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وقَولُه: حَيْثُ أَصَابَ يدُلُّ على التَّعميمِ في الأمكِنةِ الَّتي يُريدُ الذَّهابَ إليها على الرِّيحِ؟
والجوابُ: أنَّ قَولَه: حَيْثُ أَصَابَ يدُلُّ على أنَّها تجري بأمْرِه حَيثُ أراد مِن أقطارِ الأرضِ، وقَولَه: تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا؛ لأنَّ مَسكَنَه فيها، وهي الشَّامُ، فتَرُدُّه إلى الشَّامِ، وعليه فقَولُه: حَيْثُ أَصَابَ في حالةِ الذَّهابِ، وقولُه: إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا في حالةِ الإيابِ إلى محَلِّ السُّكنى؛ فانفَكَّت الجِهةُ، فزال الإشكالُ [538] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (4/235، 236). .
20- في قَولِه تعالى: وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ جوازُ التَّعزيرِ -إذا كان بحقٍّ، ولِمَن يَستحِقُّ- بمثلِ هذا العَمَلِ، أي: بالشَّدِّ والغَلِّ؛ وذلك لأنَّ التَّعزيرَ لا يَختَصُّ بعُقوبةٍ مُعَيَّنةٍ؛ لأنَّ المقصودَ به الإصلاحُ، فأيُّ عُقوبةٍ كان بها الإصلاحُ فهي الواجِبةُ [539] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة ص)) (ص: 181). .
21- في قِصَّةِ داودَ وسُلَيمانَ عليهما السَّلامُ التَّنبيهُ على كَثرةِ خَيرِ اللهِ وبِرِّه بعَبيدِه: أنْ يَمُنَّ عليهم بصَالحِ الأعمالِ ومَكارِمِ الأخلاقِ، ثمَّ يُثنيَ عليهم بها، وهو المتفَضِّلُ الوهَّابُ [540] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). .
22- في قِصَّةِ داودَ وسُلَيمانَ عليهما السَّلامُ: أنَّ الأنبياءَ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه عليهم مَعصومون مِنَ الخَطَأِ فيما يُبَلِّغونَ عن اللهِ تعالى؛ لأنَّ مَقصودَ الرِّسالةِ لا يَحصُلُ إلَّا بذلك، وأنَّه قد يجري منهم بعضُ مُقتَضياتِ الطَّبيعةِ مِن المعاصي، ولكِنَّ اللهَ يَتدارَكُهم، ويُبادِرُهم بلُطفِه [541] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 712). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالَى: وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ الكَلامُ مُستَأنَفٌ مَسوقٌ لِبَسطِ قِصَّةِ سُلَيمانَ بَعدَ أنْ بَسَطَ قِصَّةَ داودَ، وجَعَل التَّخلُّصَ إلى مَناقِبِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ مِن جِهةِ أنَّه مِن مِنَنِ اللهِ على داودَ عليه السَّلامُ؛ فكانت قِصَّةُ سُلَيمانَ كالتَّكمِلةِ لِقِصَّةِ داودَ. ولهذه النُّكتةِ لم تُفتَتَحْ قِصَّةُ سُلَيمانَ بعِبارةِ: (وَاذْكُرْ)، كما افتُتِحتْ قِصَّةُ داودَ، ثم قِصَّةُ أيُّوبَ، والقِصَصُ بَعْدَها، مُفَصَّلُها ومُجمَلُها، غَيرَ أنَّها لم تَخْلُ مِن مَواضِعِ أُسوةٍ وعِبرةٍ وتَحذيرٍ على عادةِ القُرآنِ في انتهازِ فُرَصِ الإرشادِ [542] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/253)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/358). .
- وجُملةُ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ثَناءٌ على سُلَيمانَ ومَدحٌ له بأنَّه مِن جُملةِ مَنِ استَحَقُّوا عُنوانَ (العَبدُ للهِ)، وهو العُنوانُ المَقصودُ منه التَّقريبُ بالقَرينةِ، والمَخصوصُ بالمَدحِ مَحذوفٌ؛ لِتَقدُّمِ ذِكرِه، أيْ: نِعْمَ العَبدُ سُلَيمانُ [543] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/253، 254)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/358). .
- وجُملةُ إِنَّهُ أَوَّابٌ تَعليلٌ لِلثَّناءِ عليه بـ نِعْمَ الْعَبْدُ. والأوَّابُ: مُبالَغةٌ في الآئبِ، أيْ: كَثيرُ الأوْبِ، أيْ: الرُّجوعِ إلى اللهِ؛ بقَرينةِ أنَّه مادِحُه [544] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/91)، ((تفسير البيضاوي)) (5/29)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/277)، ((تفسير أبي السعود)) (7/225)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/254)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/358). . ووُضِعَ أَوَّابٌ مَوضِعَ المُسبِّحِ؛ لِأنَّ الأوَّابَ -وهو التَّوَّابُ الكَثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تَعالى- مِن عِبادَتِه أنْ يُكثِرَ ذِكرَ اللهِ، ويُديمَ تَسبيحَه، مُؤَوِّبًا لِلتَّسبيحِ، مُرَجِّعًا له؛ لِأنَّ كُلَّ مُؤَوِّبٍ أوَّابٌ [545] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/91)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (13/277). .
2- قولُه تعالَى: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ
- تعَلَّقَ إِذْ عُرِضَ بـ أَوَّابٌ [ص: 30] تَعليقَ تَعليلٍ؛ لِظُهورِ أنْ ليس المُرادُ أنَّه أوَّابٌ في هذه القِصَّةِ فقط؛ لِأنَّ صِيغةَ أَوَّابٌ تَقتَضي المُبالَغةَ، والأصلُ منها الكَثرةُ؛ فتَعيَّنَ أنَّ ذِكرَ قِصَّةٍ مِن حَوادِثِ أَوْبَتِه كان لِأنَّها يَنجَلي فيها عِظَمُ أوْبَتِه. وذِكرُ العَشيِّ هنا ليس لِمُجرَّدِ التَّوقيتِ؛ بل لِيُبْنى عليه قَولُه: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [546] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/254). [ص: 32].
- وتأخيرُ الصَّافِنَاتُ عن الظَّرفَينِ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ؛ لِلتَّشويقِ إلى المُؤَخَّرِ [547] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/225). .
- والصَّافِناتُ: وَصْفٌ لِمَوصوفٍ مَحذوفٍ، استُغنيَ عن ذِكرِه لِدَلالةِ الصِّفةِ عليه؛ لِأنَّ الصَّافِنَ لا يكونُ إلَّا مِنَ الخَيلِ والأفراسِ، وهو الَّذي يَقِفُ على ثَلاثِ قَوائِمَ وطَرَفِ حافِرِ القائِمةِ الرَّابِعةِ، لا يُمكِّنُ القائِمةَ الرَّابِعةَ مِنَ الأرضِ [548] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). .
3- قولُه تعالَى: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
- كَرَّرَ لَفظَ الحُبِّ مع تَعديَتِه بحَرفِ (عَنْ)؛ لِأنَّ أَحْبَبْتُ هنا بمَعنى آثَرتُ، كما في قَولِه تعالى: فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: 17]، أيْ: آثَروه، و(عَنْ) بمَعنى (على)، كما في قَولِه تعالى: وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ [محمد: 38]؛ فيَصيرُ المَعنى: آثَرتُ حُبَّ الخَيرِ على ذِكرِ رَبِّي [549] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 488). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
- أو ضَمَّنَ أَحْبَبْتُ مَعنى عَوَّضتُ، فعُدِّيَ بـ (عن) في قَولِه: عَنْ ذِكْرِ رَبِّي؛ فصارَ المَعنى: أحبَبتُ الخَيرَ حُبًّا، فجاوَزتُ ذِكرَ رَبِّي [550] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/255). .
- قال سُلَيمانُ عَقِبَ عَرضِ الخَيلِ: إنِّي أحبَبتُ الخَيلَ فغَفَلتُ عن صَلاتي للهِ -على قولٍ في التَّفسيرِ-، وكَلامُه هذا خَبرٌ مُستَعمَلٌ في التَّحسُّرِ؛ اعتِرافًا بما صَدَر عنه مِنَ الاشتِغالِ بها عنِ الصَّلاةِ، ونَدَمًا عليه، وتَمهيدًا لِمَا يَعقُبُه مِنَ الأمْرِ برَدِّها وعَقرِها. والتَّعقيبُ باعتِبارِ أواخِرِ العَرضِ المُستَمِرِّ دُونَ ابتِدائِه، والتَّأكيدُ بـ (إنَّ)؛ لِلدَّلالةِ على أنَّ اعتِرافَه ونَدَمَه عن صَميمِ القَلبِ، لا لِتَحقيقِ مَضمونِ الخَبَرِ [551] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/225)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/256). .
4- قولُه تعالَى: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ
- الفاءُ في قَولِه: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ فصيحةٌ، مفصِحةٌ عن جملةٍ قد حُذِفتْ ثقةً بدلالهِ الحالِ عليها، وإيذانًا بغايةِ سُرعةِ الامتِثالِ بالأمْرِ، أيْ: فرَدُّوها عليه، فأخَذَ يَمسَحُ... [552] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/226). ، وقيل: الفاءُ تَعقيبيَّةٌ [553] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/257). .
- وحَرفُ التَّعريفِ في بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ عِوَضٌ عنِ المُضافِ إليه، أيْ: بسُوقِها وأعناقِها [554] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/257). .
- والباءُ في بِالسُّوقِ مَزيدةٌ لِلتَّأكيدِ؛ أيْ: تَأكيدِ اتِّصالِ الفِعلِ بمَفعولِه [555] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/257). .
- قَولُه: فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ اختُلِفَ في مَعناه، ويَترَتَّبُ على ذلك اختِلافُ الدَّلالاتِ البَلاغيَّةِ؛ فقيلَ: معنى (طَفِقَ) يَمسَحُ أعرافَ الخَيلِ وسُوقَها بيَدِه حُبًّا لها، وهذا هو الجاري على المُناسِبِ لِمَقامِ نَبيٍّ، والأوْفَقُ بحَقيقةِ المَسحِ، ولكِنَّه يَقتَضي إجراءَ تَرتيبِ الجُمَلِ على خِلافِ مُقتَضى الظَّاهِرِ؛ بأنْ يَكونَ قَولُه: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ مُتَّصِلًا بقَولِه: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [ص: 31]، أيْ: بَعدَ أنِ استَعرَضَها وانصَرفوا بها لِتأويَ إلى مَذاوِدِها، قال: رُدُّوها علَيَّ، فطَفِقَ مَسحًا بالسُّوقِ والأعناقِ؛ إكرامًا لها ولِحُبِّها، ويُجعَلَ قَولُه: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص: 32] مُعتَرِضًا بَيْنَهما، وإنَّما قُدِّمَ؛ لِلتَّعجيلِ بذِكرِ نَدَمِه على تَفريطِه في ذِكرِ اللهِ في بَعضِ أوقاتِ ذِكرِه، أيْ: أنَّه لم يَستَغرِقْ في الذُّهولِ، بل بادَرَ الذِّكرى بمُجَرَّدِ فَواتِ وَقتِ الذِّكرِ الَّذي اعتادَه؛ إذْ لا يُناسِبُ أنْ يَكونَ قَولُه: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ مِن آثارِ نَدَمِه وتَحَسُّرِه، على هذا التَّفسيرِ، وهذا يُفيدُ بأنَّ فَواتَ وَقتِ ذِكرِه نَشَأ عن ذلك الرَّدِّ الَّذي أمَرَ به بقَولِه: رُدُّوهَا عَلَيَّ؛ فإنَّهمُ اعتادوا أنْ يَعرِضوها عليه ويَنصَرِفوا، وقد بَقيَ ما يَكفي مِنَ الوَقتِ لِلذِّكرِ، فلَمَّا حَمَلتْه بَهجَتُه بها على أنْ أمَرَ بإرجاعِها، واشتَغَل بمَسحِ أعناقِها وسُوقِها، خَرَج وَقتُ ذِكرِه فتَندَّمَ وتَحسَّرَ.
وقيل: إنَّ سُليمانَ لَمَّا نَدِمَ على اشتغالِه بالخَيلِ حتَّى أضاع ذِكرَ اللهِ في وقْتٍ كان يَذكُرُ اللهَ فيه؛ أَمَرَ أنْ تُرَدَّ عليه الخَيلُ الَّتي شَغلَتْه، فجَعَل يُعَرقِبُ سُوقَها ويُقطِّعُ أعناقَها؛ لِحِرْمانِ نفْسِه منها، مع محبَّتِه إيَّاها؛ توبةً منه، وتربيةً لنفْسِه. وأراد ذَبْحَها؛ لِيأكُلَها الفقراءُ. وقيل: لَعَلَّ المَسحَ مُعبَّرٌ به عنِ التَّوسيمِ بسِمةِ الخَيلِ المَوقوفةِ في سَبيلِ اللهِ بِكَيِّ نارٍ، أو كَشطِ جِلدٍ؛ لِأنَّ ذلك يُزيلُ الجِلدةَ الرَّقيقةَ الَّتي على ظاهِرِ الجِلدِ، فشُبِّهتْ تلك الإزالةُ بإزالةِ المَسحِ ما على ظَهرِ المَمسوحِ مِن مُلتَصِقٍ به، وعلى هذينِ التَّأويلينِ يكونُ قولُه: فَطَفِقَ تَعقيبًا على رُدُّوهَا عَلَيَّ وعلى مَحذوفٍ بعْدَه، والتَّقديرُ: فرَدُّوها عليه فطَفِقَ [556] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/257، 258). .
5- قولُه تعالَى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ...
- عَطَفَ ثُمَّ أَنَابَ بحَرفِ (ثُمَّ) المُفيدِ لِلتَّراخي الرُّتْبيِّ؛ لِأنَّ رُتبةَ الإنابةِ أعظَمُ ذِكرٍ في قَولِه: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ [557] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/261). [ص: 32].
6- قولُه تعالَى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
- في قَولِه: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا قَدَّمَ الاستِغفارَ على استيهابِ المُلْكِ؛ جَريًا على عادةِ الأنبياءِ والصَّالِحينَ في الأدَبِ، في تَقديمِهم أمْرَ دِينِهم على أُمورِ دُنياهم، ووُجوبِ تَقديمِ ما يَجعَلُ الدُّعاءَ بصَدَدِ الإجابةِ [558] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (4/95)، ((تفسير البيضاوي)) (5/30)، ((تفسير أبي حيان)) (9/156)، ((تفسير أبي السعود)) (7/227). .
- وفي إرْدافِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ طَلَبَ المَغفِرةِ باستيهابِ مُلْكٍ لا يَنبَغي لِأحَدٍ مِن بَعدِه؛ لِأنَّه تَوقَّعَ مِن غَضَبِ اللهِ أمْرَيْنِ: العِقابَ في الآخِرةِ، وسَلْبَ النِّعمةِ في الدُّنيا، وكان سُلَيمانُ يَومَئِذٍ في مُلْكٍ عَظيمٍ، فسُؤالُ مَوهِبةِ المُلْكِ مُرادٌ به استِدامةُ ذلك المُلْكِ، وصيغةُ الطَّلَبِ تَرِدُ لِطَلَبِ الدَّوامِ [559] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/261، 262). .
- وتَنكيرُ مُلْكًا لِلتَّعظيمِ [560] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/262). .
- وارتَقَى سُلَيمانُ في تَدَرُّجِ سُؤالِه إلى أنْ وَصَف مُلْكًا بأنَّه لا يَنبَغي لِأحَدٍ مِن بَعدِه، أيْ: لا يَتأتَّى لِأحَدٍ مِن بَعدِه، أيْ: لا يُعطيهِ اللهُ أحَدًا يَبتَغيه مِن بَعدِه، فكَنَّى بـ لَا يَنْبَغِي عن مَعنى (لا يُعطى لِأحَدٍ)، أيْ: لا تُعطيه أحَدًا مِن بَعدي، وهذا مِنَ التَّأدُّبِ في دُعائِه؛ إذْ لم يَقُلْ: لا تُعطِه أحَدًا مِن بَعدي [561] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/262). .
- وحَكى اللهُ دُعاءَ سُلَيمانَ، وهو سِرٌّ بيْنَه وبيْنَ رَبِّه؛ إشعارًا بأنَّه ألهَمَه إيَّاه، وأنَّه استَجابَ له دَعوَتَه؛ تَعريفًا برِضاه عنه، وبأنَّه جَعَل استِجابَتَه مَكرُمةَ تَوبَتِه [562] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/263). .
- وجُملةُ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ عِلَّةٌ لِلسُّؤالِ كُلِّه، والدُّعاءِ بالمَغفِرةِ والهِبةِ، وتَمهيدٌ لِلإجابةِ؛ فقامَتْ (إنَّ) مَقامَ حَرفِ التَّفريعِ [563] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/227)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/263)، ((إعراب القرآن)) لدرويش (8/360). .
- قَولُه: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (أَنْتَ) ضَميرُ فَصلٍ، وأفادَ الفَصلُ به قَصرًا؛ فصارَ المَعنى: أنتَ القَويُّ المَوهِبةِ، لا غَيرُكَ؛ لِأنَّ اللهَ يَهَبُ ما لا يَملِكُ غَيرُه أنْ يَهَبَه [564] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/263). .
- ولَمَّا بالَغَ سُلَيمانُ عليه السَّلامُ في صِفةِ هذا المُلْكِ الَّذي طَلَبه، أتى في صِفَتِه تعالى باللَّفظِ الدَّالِّ على المُبالَغةِ، فقال: إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ، أيْ: الكَثيرُ الهِباتِ، لا يَتَعاظَمُ عِندَه هِبةٌ [565] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/157). .
- ودَلَّتْ صِيغةُ المُبالَغةِ في الْوَهَّابُ على أنَّه تَعالى يَهَبُ الكَثيرَ والعَظيمَ؛ لِأنَّ المُبالَغةَ تُفيدُ شِدَّةَ الكَمِّيَّةِ، أو شِدَّةَ الكَيفيَّةِ، أو كِلتَيْهما، بقَرينةِ مَقامِ الدُّعاءِ، فمَغفِرةُ الذَّنبِ مِنَ المَواهِبِ العَظيمةِ؛ لِمَا يُرَتَّبُ عليه مِن دَرَجاتِ الآخِرةِ، وإعطاءُ مِثلِ هذا المُلْكِ هو هِبةٌ عَظيمةٌ [566] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/263). .
7- قولُه تعالَى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ
- قَولُه: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ اقتَضَتِ الفاءُ وتَرتيبُ الجُمَلِ أنَّ تَسخيرَ الرِّيحِ وتَسخيرَ الشَّياطينِ كانا بَعْدَ أنْ سألَ اللهَ مُلْكًا لا يَنبَغي لِأحَدٍ مِن بَعدِه؛ أنْ أعطاه هاتَينِ المَوهِبَتَينِ؛ زِيادةً في قُوَّةِ مُلْكِه، وتَحقيقًا لاستِجابةِ دَعوَتِه؛ لِأنَّه إنَّما سأَلَ مُلْكًا لا يَنبَغي لِأحَدٍ غَيرِه، ولم يَسألِ الزِّيادةَ فيما أُعطيَه مِنَ المُلْكِ، ولَعَلَّ اللهَ أرادَ أنْ يُعطيَه هاتَينِ المَوهِبتَينِ، وألَّا يُعطيَهما أحَدًا بَعْدَه، حتَّى إذا أعطَى أحَدًا بعْدَه مُلْكًا مِثلَ مُلْكِه فيما عدا هاتَينِ المَوهِبتَينِ؛ لم يَكُنْ قد أخلَفَ إجابَتَه [567] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/264). .
- واللَّامُ في لَهُ لِلعِلَّةِ، أيْ: لِأجْلِه، أيْ: ذلك التَّسخيرُ كَرامةٌ مِنَ اللهِ له بأنْ جَعَل تَصريفَ الرِّياحِ مُقدَّرًا على نَحوِ رَغبَتِه [568] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/264). .
- قَولُه: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ قُرِئَ الرِّيَاحَ بالجَمْعِ [569] قرأها أبو جعفرٍ بالجمعِ، والباقون بالإفرادِ. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/223). ، وهو أعَمُّ؛ لِعِظَمِ مُلْكِ سُلَيمانَ عليه السَّلامُ، وإنْ كان المُفرَدُ بمَعنى الجَمعِ؛ لِكَونِه اسْمَ جِنسٍ [570] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/157). .
8- قولُه تعالَى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
- كُلَّ هنا مُستَعمَلةٌ في مَعنى الكَثيرِ، والبَنَّاءُ: الَّذي يَبني، وهو اسمُ فاعِلٍ مَصوغٌ على زِنةِ المُبالَغةِ؛ لِلدَّلالةِ على مَعنى الصِّناعةِ، مِثلُ نَجَّارٍ وقَصَّارٍ وحَدَّادٍ، والغَوَّاصُ: الَّذي يَغوصُ في البَحرِ لاستِخراجِ مَحارِ اللُّؤلُؤِ، وهو أيضًا مِمَّا صِيغَ على وَزنِ المُبالَغةِ؛ لِلدَّلالةِ على الصِّناعةِ [571] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/158)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/265، 266). .
9- قولُه تعالَى: وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ عَطفٌ على كُلَّ، كأنَّه فَصَّلَ الشَّياطينَ إلى عَمَلةٍ استَعمَلَهم في الأعمالِ الشَّاقَّةِ، كالبِناءِ والغَوصِ، ومَرَدةٍ قَرَنَ بَعضَهم مع بَعضٍ في السَّلاسِلِ؛ لِيَكُفُّوا عن الشَّرِّ [572] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/30)، ((تفسير أبي السعود)) (7/227، 228)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/266). .
- والمُقرَّنُ: اسمُ مَفعولٍ مِن (قَرَنَه)، مُبالَغةً في قَرَنَه، أيْ: جَعَلَه قَرينًا لِغَيرِه، لا يَنفَكُّ أحَدُهما عن الآخَرِ، ويَجوزُ أنْ يَكونَ المعنى: مُقرَّنينَ في الأصفادِ حَقيقةً، ويَجوزُ أنْ يَكونَ تَمثيلًا لِمَنعِ الشَّياطينِ مِنَ التَّفلُّتِ [573] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (5/30)، ((تفسير أبي السعود)) (7/227، 228)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/266). .
10- قولُه تعالَى: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
- قَولُه: هَذَا عَطَاؤُنَا إشارةٌ لِمَا أعطاه اللهُ تَعالى مِنَ المُلْكِ الضَّخمِ، وتَسخيرِ الرِّيحِ والإنْسِ والجِنِّ والطَّيرِ، والإضافةُ لِتَعظيمِ شأنِ المُضافِ؛ لانتِسابِه إلى المُضافِ إليه، فكَأنَّه قيلَ: هذا عَطاءٌ عَظيمٌ أعطَيْناكَه، أو هذا عَطاؤُنا واسِعًا، وأنَّه مُفوَّضٌ إليه تَفويضًا كُلِّيًّا [574] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/158)، ((تفسير أبي السعود)) (7/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/267). .
- قَولُه: فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ أمْرٌ مُستَعمَلٌ في الإذْنِ والإباحةِ، وهو مُشتَقٌّ مِنَ المَنِّ المُكَنَّى به عن الإنعامِ، وَقَّفَه على قَدْرِ النِّعمةِ، ثمَّ أباحَ له التَّصرُّفَ فيها بمَشيئَتِه، وهو تعالى قد عَلِمَ أنَّه لا يَتصَرَّفُ إلَّا بطاعةِ اللهِ [575] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (9/158)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/267). .
- وجُملَتا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ مُعتَرِضتانِ بَينَ قَولِه: عَطَاؤُنَا وقَولِه: بِغَيْرِ حِسَابٍ، وهو تَفريعٌ مُقدَّمٌ مِن تَأخيرٍ، والتَّقديمُ لِتَعجيلِ المَسرَّةِ بالنِّعمةِ [576] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (7/228)، ((تفسير ابن عاشور)) (23/267). . وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
11- قولُه تعالَى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ
- أتْبَعَ اللهُ الخَبَرَ عن العَطاءِ والمَنِّ عليه بما هو أرفَعُ دَرَجةً؛ وهو أنَّه مِنَ المُقرَّبينَ عِندَ اللهِ المَرْضيِّ عنهم، وأنَّه لم يُوقَفْ به عِندَ حَدِّ العَطاءِ لا غَيرُ. وتأكيدُ الجُملةِ بـ «إنَّ» واللَّامِ؛ لِإزالةِ تَوهُّمِ أنَّ اللهَ غَضِبَ عليه إذْ فَتَنَه؛ تَنزيلًا لِمَقامِ الاستِغرابِ مَنزِلةَ مَقامِ الإنكارِ [577] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (23/241). .