موسوعة التفسير

سورةُ ص
الآيات (41-44)

ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ

غريب الكلمات:

بِنُصْبٍ: أي: بِشَرٍّ ومَشقَّةٍ وعَناءٍ، والنُّصْبُ والنَّصَبُ: التَّعَبُ، وأصلُ (نصب): يدُلُّ على إقامةِ شَيءٍ .
ارْكُضْ: أي: اضرِبْ، والرَّكضُ: حَرَكةُ الرِّجلِ، وأصلُه يدُلُّ على حَرَكةٍ .
ضِغْثًا: أي: حُزمةً وقَبضةً مِنَ الحَشيشِ أو نَحوِه، وأصلُ (ضغث): يدُلُّ على التِباسِ شَيءٍ بشَيءٍ .
وَلَا تَحْنَثْ: أي: قد برَّتْ يمينُك، والحِنْثُ في اليمينِ: نَقْضُها والخُلْفُ فيها، وأصلُ (حنث): يدُلُّ على ذَنْبٍ وحَرَجٍ وإثمٍ .

المعنى الإجمالي:

يَذكُرُ الله تعالى جانبًا مِن قصَّةِ أيُّوبَ عليه السَّلامُ، فيقولُ: واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- عَبْدَنا أيُّوبَ حينَ نادَى رَبَّه قائلًا: يا رَبِّ، إنِّي مَسَّنيَ الشَّيطانُ بتَعَبٍ وألمٍ.
ثمَّ يذكُرُ الله تعالى إجابتَه لدعاءِ أيُّوبَ عليه السَّلامُ وما مَنَّ به عليه، فيقولُ: فاستَجَبْنا لأيُّوبَ، وقُلْنا له: اضرِبْ برِجْلِك الأرضَ، ففعَل فنَبَعَ منها الماءُ، فقُلْنا له: هذا ماءٌ بارِدٌ تَغتَسِلُ به وتَشرَبُ منه، فلمَّا فَعَل ذلك أيُّوبُ كشَفَ اللهُ ما به مِن ضُرٍّ، ووَهَب له أهلَه في الدُّنيا ومِثلَهم مَعَهم؛ رَحمةً مِنَ اللهِ تعالى، وتَذكيرًا لأصحابِ العُقولِ الصَّحيحةِ.
ثمَّ يذكرُ الله تعالى مِنَّةً أُخرَى امتنَّ بها على أيُّوبَ عليه السَّلامُ، فيقولُ: وقُلْنا له بعدَ شِفائِه: خُذْ بيَدِك حُزمةً صَغيرةً مِن الحَشيشِ فيها مِئةُ عُودٍ؛ فاضرِبْ بها ضَربةً واحِدةً مَن حَلَفْتَ أن تَضرِبَه مئةَ ضَربةٍ، وبذلك تكونُ غيرَ حانثٍ في يمينِك، إنَّا وجَدْنا أيُّوبَ صابِرًا على البَلاءِ العَظيمِ، نِعْمَ العَبدُ أيُّوبُ؛ فهو كَثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى.

تفسير الآيات:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41).
مناسبة الآية لما قبلها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ سُبحانَه نَبيَّه بالصَّبرِ، وذَكَر ابتِلاءَ داودَ وسُلَيمانَ، وأثْنَى عليهما؛ ذَكَر مَن كان أشَدَّ ابتِلاءً منهما، وأنَّه كان في غايةِ الصَّبرِ، بحيثُ أثْنَى اللهُ عليه بذلك .
وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41).
أي: واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- عبْدَنا أيُّوبَ حينَ استغاثَ باللهِ تعالى قائِلًا: يا رَبِّ، إنِّي أصابَني الشَّيطانُ بتَعَبٍ وألَمٍ .
كما قال تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] .
وعن أنسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ أيُّوبَ نَبيَّ اللهِ كان في بَلائِه ثمانيَ عَشْرةَ سَنةً، فرفَضَه القَريبُ والبَعيدُ، إلَّا رجُلانِ مِن إخوانِه كانا مِن أخَصِّ إخوانِه، كانا يَغْدُوانِ إليه ويَرُوحانِ إليه، فقال أحَدُهما لصاحِبِه: أتعلَمُ، واللهِ لقد أذنَبَ أيُّوبُ ذَنْبًا ما أذنَبَه أحَدٌ! قال صاحِبُه: وما ذاك؟! قال: منذُ ثماني عَشْرةَ سَنةً لم يَرحَمْه اللهُ فيَكشِفَ عنه! فلمَّا راحا إليه لم يَصبِرِ الرَّجُلُ حتَّى ذكَرَ ذلك له، فقال أيُّوبُ: لا أدري ما يقولُ! غيرَ أنَّ اللهَ يَعلَمُ أنِّي كنتُ أمُرُّ على الرَّجُلَينِ يَتنازَعانِ فيَذْكُرانِ اللهَ ، فأرجِعُ إلى بيتي فأُكفِّرُ عنهما؛ كراهيةَ أن يُذكَرَ اللهُ إلَّا في حَقٍّ! قال: وكان يَخرُجُ إلى حاجتِه، فإذا قضى حاجتَه أمسَكَت امرأتُه بيَدِه حتَّى يَبلُغَ، فلمَّا كان ذاتَ يومٍ أبطأ عليها وأُوحِيَ إلى أيُّوبَ في مكانِه أن: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص: 42] ، فاستبطَأَتْه فلَقِيَتْه يَنتَظِرُ، وأقبَلَ عليها قد أذهَبَ اللهُ ما به مِن البَلاءِ، وهو على أحسَنِ ما كان! فلمَّا رأَتْه قالت: أيْ باركَ اللهُ فيك، هل رأيتَ نبيَّ اللهِ، هذا المُبتلى؟ وواللهِ على ذلك ما رأيتُ أحدًا أشبَهَ به منك إذ كان صَحيحًا! قال: فإنِّي أنا هو. وكان له أنْدَرانِ : أنْدَرٌ للقَمحِ، وأندَرٌ للشَّعيرِ، فبَعَث اللهُ سَحابتَينِ، فلمَّا كانت إحداهما على أندَرِ القَمحِ أفرَغَت فيه الذَّهَبَ حتَّى فاض، وأفرَغَت الأخرى على أندَرِ الشَّعيرِ الوَرِقَ حتَّى فاض)) .
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42).
ارْكُضْ بِرِجْلِكَ.
أي: فاستَجَبْنا لأيُّوبَ، وقُلْنا له: اضرِبْ برِجْلِك الأرضَ، فحرِّكْها بها وادفَعْها .
هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ.
أي: فضَرَب أيُّوبُ الأرضَ برِجْلِه، فنَبَع منها ماءٌ، فقُلْنا له: هذا ماءٌ بارِدٌ تَغتَسِلُ به، وتَشرَبُ منه .
وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43).
وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا.
أي: فاغتَسَل أيُّوبُ، وشَرِبَ مِن ذلك الماءِ، فكَشَف اللهُ ما به مِن ضُرٍّ وداءٍ، ووهَبَ له في الدُّنيا أهْلَه ، ومِثلَهم معهم؛ رَحمةً مِنَ اللهِ تعالى .
كما قال الله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ [الأنبياء: 84] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((بَيْنَما أيُّوبُ يَغتَسِلُ عُريانًا، خَرَّ عليه رِجْلُ جَرَادٍ مِن ذَهَبٍ، فجَعَل يَحْثِي في ثَوبِه، فناداه رَبُّه: يا أيُّوبُ، ألمْ أكُنْ أغنَيْتُك عمَّا تَرى؟! قال: بلى يا رَبِّ، ولكِنْ لا غِنَى لي عن بَرَكَتِك !)) .
وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
أي: وتَذكيرًا لأصحابِ العُقولِ الصَّحيحةِ؛ لِيَعتَبِروا ويَتَّعِظوا، فيَقتَدوا بأيُّوبَ في صَبرِه، ويَعلَموا أنَّ عاقِبةَ الصَّبرِ الفَرَجُ، وأنَّ اللهَ يُجيبُ دُعاءَ عَبدِه إذا دعاه؛ فلا يَيْأسُوا مِن رَحمةِ الله .
كما قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 84] .
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44).
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ.
أي: وخُذْ بيَدِك -يا أيُّوبُ- حُزمةً مِن حَشيشٍ أو شماريخَ أو نحوِ ذلك، فاضرِبْ بها ضَربةً واحِدةً، فتَبَرَّ بيَمينِك، ولا تَحنَثَ فيما حلَفْتَ عليه مِنَ الضَّربِ .
إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا.
أي: إنَّا وجَدْنا أيُّوبَ صابِرًا على البَلاءِ العَظيمِ الَّذي ابتُلِيَ به .
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ.
أي: نِعْمَ العَبدُ أيُّوبُ؛ فهو كَثيرُ الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى .

الفوائد التربوية:

1- قَولُ الله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ هذه هي القِصَّةُ الثَّالِثةُ مِن القِصَصِ المذكورةِ في هذه السُّورةِ، وداودُ وسُلَيمانُ كانا ممَّن أفاض اللهُ عليه أصنافَ الآلاءِ والنَّعْماءِ، وأيوبُ كان ممَّن خَصَّه اللهُ تعالى بأنواعِ البَلاءِ، والمقصودُ مِن جميعِ هذه القِصَصِ الاعتبارُ، كأنَّ الله تعالى قال: يا محمَّدُ، اصبِرْ على سَفاهةِ قَومِك؛ فإنَّه ما كان في الدُّنيا أكثَرُ نِعمةً ومالًا وجاهًا مِن داودَ وسُلَيمانَ عليهما السَّلامُ، وما كان في الدُّنيا أكثَرُ بلاءً ومِحنةً مِن أيُّوبَ عليه السَّلامُ؛ فتأمَّلْ في أحوالِ هؤلاء؛ لِتَعرِفَ أنَّ أحوالَ الدُّنيا لا تَنتَظِمُ لأحَدٍ، وأنَّ العاقِلَ لا بُدَّ له مِن الصَّبرِ على المَكارِهِ .
2- الشَّكوى إلى اللهِ سُبحانَه لا تُنافي الصَّبرَ بوَجهٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال عن أيُّوبَ عليه السَّلامُ: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ مع إخبارِه عنه بالشَّكوى إليه، في قَولِه: مَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء: 83] ، فما صدَرَ مِن أيُّوبَ: دُعاءٌ، وإظهارُ فَقرٍ، وحاجةٌ إلى رَبِّه، لا شكوى ولا جَزَعٌ .
3- عن عُمرَ بنِ السَّكَنِ، قال: (كنتُ عندَ سُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ، فقام إليه رجُلٌ مِن أهلِ بغدادَ، فقال: يا أبا محمَّدٍ، أخبِرْني عن قولِ مُطَرِّفٍ: «لَأَنْ أُعافى فأشكُرَ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أُبتلَى فأصبِرَ»، أهو أحَبُّ إليك أمْ قولُ أخيه أبي العلاءِ: «اللَّهُمَّ رَضيتُ لِنَفْسي ما رضيتَ لي»؟ قال: فسكَتَ سكتةً، ثمَّ قال: قَولُ مُطَرِّفٍ أحَبُّ إلَيَّ، فقال الرَّجُلُ: كيف وقد رَضيَ هذا لِنَفْسِه ما رَضيَه اللهُ له؟! فقال سُفْيانُ: إنِّي قرأتُ القرآنَ فوجَدْتُ صِفةَ سُلَيْمانَ عليه السَّلامُ مع العافيةِ الَّتي كان فيها: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 30] ، ووجَدْتُ صِفةَ أيُّوبَ عليه السَّلامُ مع البلاءِ الَّذي كان فيه: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 44] ، فاستَوَتِ الصِّفَتانِ، وهذا مُعافًى، وهذا مُبتَلًى، فوجَدْتُ الشُّكرَ قد قام مَقامَ الصَّبرِ، فلمَّا اعتدَلَا كانت العافيةُ مع الشُّكرِ أحَبَّ إلَيَّ مِن البلاءِ مع الصَّبرِ) .
4- في قَولِه تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ فيه تَنبيهٌ لأُولي الألبابِ على أنَّ مَن صَبَر ظَفِر ، فاللهُ تعالى يَمُنُّ على العَبدِ بأكثرَ ممَّا فَقَد إذا صَبَر واحتسَبَ؛ لأنَّ أيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وَهَبَ اللهُ له أهلَه ومِثلَهم مَعَهم، فاصبِرْ تَظفَرْ .
5- قَولُ الله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ فيه تَذكيرٌ لِغَيرِه؛ لِيتأسَّى به كُلُّ مُبتلًى، ويَرجو مِثلَ ما رجا؛ فإنَّ رَحمةَ اللهِ واسِعةٌ، وهو عندَ القُلوبِ المُنكَسِرةِ، فما بيْنَه وبيْنَ الإجابةِ إلَّا حُسْنُ الإنابةِ؛ فمَن دام إقبالُه عليه أغناه عن غَيرِه .

الفوائد العلمية واللطائف:

1- في قَولِه تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ بيانُ أنَّ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَملِكونَ لأنفُسِهم نَفعًا ولا ضَرًّا .
2- في قَولِه تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ جوازُ إضافةِ الأشياءِ إلى أسبابِها؛ لأنَّ أيُّوبَ عليه السَّلامُ أضافَ هذا الضُّرَّ إلى الشَّيطانِ؛ لأنَّه سَبَبُه .
3- في قَولِه تعالى عن أيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ أنَّ الشَّيطانَ قد يُسَلَّطُ على بعضِ الأنبياءِ .
4- في قَولِه تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ جوازُ التَّوسُّلِ إلى اللهِ تعالى بحالِ العَبدِ؛ لأنَّ أيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تَوَسَّلَ إلى اللهِ تعالى بحالِه، وهو أنَّه مَسَّه الشَّيطانُ بنُصْبٍ وعَذابٍ، ونظيرُ هذا قَولُ موسى عليه السَّلامُ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص: 24]، فتَوَسَّلَ إلى اللهِ تعالى بذِكْرِ حالِه، وأنَّه فَقيرٌ إلى اللهِ سُبحانَه وتعالى، وهذا أحدُ أنواعِ التَّوسُّلِ الجائزِ .
5- قال الله تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، لَمَّا كان قد حَصَل عِندَ أيُّوبَ عليه السَّلامُ نَوعانِ مِن المَكروهِ: الغَمُّ الشَّديدُ بسَبَبِ زَوالِ الخَيراتِ وحُصولِ المَكروهاتِ، والألمُ الشَّديدُ في الجِسمِ- لا جَرَمَ ذكَرَ اللهُ تعالى لَفْظَينِ، وهما: (النُّصْبُ) و(العَذابُ) .
6- في قَولِه تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ أنَّ اللهَ تعالى يُجِيبُ دَعوةَ المُضْطَرِّينَ إليه، إذا صَدَق الإنسانُ في دَعوتِه .
7- في قَولِه تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ إثباتُ الأسبابِ؛ ولو شاء اللهُ تعالى لأنبَعَ له الماءَ بدونِ الرَّكضِ بالرِّجْلِ، ولكِنَّ اللهَ تعالى جَعَل ذلك سَببًا .
8- في قَولِه تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أنَّ اللهَ تعالى قد يَجعَلُ السَّبَبَ الضَّعيفَ الَّذي لا يَقومُ بالمُسَبَّبِ سَببًا مُؤثِّرًا، كما أنَّه قادِرٌ على أنْ يَمنَعَ السَّببَ المُؤَثِّرَ فلا يُؤَثِّرُ؛ فالرَّكضُ بالرِّجْلِ ليس مِن العادةِ أنْ يُنبِعَ الماءَ، والإلقاءُ في النَّارِ مِن العادةِ أنْ يُحرِقَ؛ فإبراهيمُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أُلقِيَ في النَّارِ ولم يحتَرِقْ، وأيُّوبُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رَكَضَ برِجْلِه الأرضَ فَنبَعَ الماءُ؛ ففيه دليلٌ على أنَّ اللهَ تعالى قد يَجعَلُ السَّبَبَ الضَّعيفَ قَويًّا مُؤَثِّرًا، ويَجعَلُ السَّبَبَ القويَّ المُؤَثِّرَ غَيرَ مُؤَثِّرٍ .
9- قَولُه تعالى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أي: اضرِبْ برِجْلِك الأرضَ، فضَرَب الأرضَ بها فنَبَع منها الماءُ بإذنِ اللهِ دونَ مُساعدةٍ مِن أحَدٍ، أو حاجةٍ إلى حَفَّارٍ؛ فاللهُ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، وهذه إحدى الضَّرَباتِ الَّتي نَبَع بها الماءُ على أنَّه آيةٌ مِن آياتِ اللهِ. والثَّانيةُ: ضَربُ موسى عليه السَّلامُ للحَجَرِ، فانفجَرَت منه اثنَتَا عَشْرةَ عَينًا. والثَّالثةُ: ضَربُ جِبريلَ عليه السَّلامُ بجَناحَيه مكانَ زَمزمَ فنَبَع الماءُ .
10- قولُه تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ فيه جوازُ استِعمالِ الحِيَلِ المباحةِ، وهذا الحُكمُ ثابتٌ حتَّى في الشَّريعةِ الإسلاميَّةِ، فلو حَلَف رجُلٌ على أن يَضرِبَ شخصًا مِئةَ مرَّةٍ، وكان هذا الشَّخصُ لا يَتحمَّلُ الضَّربَ مئةَ مرَّةٍ؛ قال أهلُ العلمِ: فله أنْ يأخُذَ ضِغْثًا به مِئةُ شِمْراخٍ، ويَضْرِبَ به ضربةً واحدةً. وبَنَوْا على هذا ما لو زنى رجُلٌ مريضٌ مرضًا لا يُرجى زوالُه، ولا يَتحمَّلُ الضَّربَ مِئةً على انفرادِ؛ قالوا: فإنه يُجْمَعْ له ضِغْثٌ به مِئةُ عُودٍ، ويُضرَبُ به ضربةً واحدةً ؛ أخْذًا بما أفْتى اللهُ عزَّ وجلَّ به أيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ .
11- في قَولِه تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ دَليلٌ على جَوازِ ضَربِ النِّساءِ فيما دعا إلى صَلاحِهنَّ وأدَبِهنَّ وأَوْبِهِنَّ إلى اللهِ جلَّ وتعالى .
12- في براءةِ أيُّوبَ صلَّى الله عليه مِن يمينِه وبِرِّه فيها بإعمالِ الضِّغث مرَّةً واحدةً -كما في قولِه تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ- دليلٌ واضحٌ وحُجَّةٌ لِمَن يقول: الأَيْمانُ على الأسماءِ ليس على المعاني؛ لإحاطةِ العِلمِ بأنَّ مُماسَّةَ شَماريخِ الضِّغْثِ لا يُؤْلِمُ المضروبَ كما يُؤْلِمُه تفريقُ عددِ الضَّربِ عليه، وأيُّوبُ عليه السَّلامُ لا مَحالةَ حينَ حَلَف عليها قَصَدَ لِضَرْبٍ مُفَرَّقٍ يُعَدُّ عَدًّا -واحدًا بعدَ آخَرَ-، إذْ مُحالٌ أنْ يكونَ عَرَف الضِّغْثَ قَبْلَ أنْ يأمُرَه اللهُ به! وكذا ضَرْبُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ الزَّانيَ النِّضْوَ الخَلْقِ بِعِثْكَالِ النَّخلِ ضربةً واحدةً بما فيه مِئةُ شِمْراخٍ ؛ وقد أَمَر اللهُ بجَلْدِ مئةٍ! فهو يؤكِّدُ هذا .
13- قال الله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا إنْ قيلَ: كيف وَجَده صابِرًا وقد شكا إليه ما به واسترحمَه؟
فالجَوابُ: أنَّ الشَّكوى إلى اللهِ عزَّ وعلا لا تُسَمَّى جَزَعًا، ولقد قال يَعقوبُ عليه السَّلامُ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: 86] ، وكذلك شكوى العَليلِ إلى الطَّبيبِ؛ وذلك أنَّ أصبَرَ النَّاسِ على البَلاءِ لا يخلو مِن تمَنِّي العافيةِ وطَلَبِها، فإذا صَحَّ أن يُسَمَّى صابِرًا مع تمنِّي العافيةِ، وطَلَبِ الشِّفاءِ، فلْيُسَمَّ صابِرًا مع اللَّجَأِ إلى اللهِ تعالى، والدُّعاءِ بكَشفِ ما به، ومع التَّعالُجِ ومُشاوَرةِ الأطِبَّاءِ .
14- قَولُه تعالى: وَلَا تَحْنَثْ فيه أنَّ الحِنْثَ في اليَمينِ في الأصلِ حَرامٌ؛ ولكِنَّ اللهَ تعالى يَسَّرَ لعبادِه، وأجاز لهم الحِنثَ مع الكَفَّارةِ؛ ولهذا قال تعالى: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: 89] إلى قَولِه: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: 89] ، قال العلماءُ: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ أي: لا تُكثِروا اليَمينَ، وقال بَعضُهم: أي: احفَظوها مِن الحِنْثِ، فلا تَحنَثوا فيها. والوجهانِ كِلاهما لا يَتنافَيانِ .
15- قَولُ الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ فيه دَليلٌ على أنَّ للرَّجُلِ أن يَحلِفَ ولا يَستَثنيَ .
16- قَولُ الله تعالى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ استُدِلَّ به على أنَّ الاستِثناءَ شَرطُه الاتِّصالُ؛ إذ لو لم يُشتَرَطْ لأمَرَه تعالى بالاستِثناءِ، ولم يَحتَجْ إلى الضَّربِ بالضِّغْثِ .
17- عن عَطاءٍ: أنَّ رجُلًا قال: (إنِّي حلَفْتُ ألَّا أكسُوَ امرأتي دِرعًا حتَّى تَقِفَ بعَرَفةً! فقال: احمِلْها على حِمارٍ، ثمَّ اذهَبْ فقِفْ بها بعَرَفةَ. فقال: إنَّما نَوَيتُ يومَ عَرَفةَ! فقال عَطاءٌ: وأيُّوبُ حينَ حَلَف لَيَجلِدَنَّ امرَأتَه مِئةَ جَلدةٍ: أنَوَى أن يَضرِبَها بالضِّغْثِ؟! إنَّما أمَرَه اللهُ أن يأخُذَ ضِغثًا فيَضرِبَها به. قال عَطاءٌ: إنَّما القُرآنُ عِبَرٌ) .
18- في قَولِه تعالى: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ أنَّه سبحانَه أثْنَى على عبدِه أيُّوبَ بأحسَنِ الثَّناءِ على صبرِه؛ فأَطْلَق عليه: نِعْمَ الْعَبْدُ بكَونِه وَجَده صابرًا؛ وهذا يدُلُّ على أنَّ مَن لم يَصبِرْ إذا ابتُلِيَ فإنَّه بِئْسَ العبدُ .
19- قال تعالى عن أيُّوبَ عليه السَّلامُ: نِعْمَ الْعَبْدُ؛ وذلك لأنَّه خرَج مِن البلاءِ على الوجهِ الَّذي دخَل فيه، فأيُّوبُ عليه السَّلامُ كان أحدَ الأغنياءِ مِن الأنبياءِ قبْلَ البلاءِ وبعدَه، وإنَّما ابتُليَ بذهابِ مالِه وولدِه وعظيمِ الدَّاءِ في جسَدِه، وكذلك الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم وسلامُه صبروا على ما به امتُحِنوا وفُتِنوا، فأيُّوبُ عليه السَّلامُ دخَل في البلاءِ على صِفةٍ، فخرَج منه كما دخَل فيه، وما تغيَّرَ منه حالٌ ولا مَقالٌ .

بلاغة الآيات:

1- قولُه تعالَى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ
- هذا مَثَلٌ ثانٍ ذُكِّرَ به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ أُسوةً به في الصَّبرِ على أذَى قَومِه، والالتِجاءِ إلى اللهِ في كَشفِ الضُّرِّ، وهو عَطفٌ على وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 17] ، ولِكَونِه مَقصودًا بالمَثَلِ هنا أُعيدَ معه فِعلُ (اذْكُرْ)، ولم يَذكُرْ ذلك في قِصَّةِ سُلَيمانَ؛ لِكَمالِ الاتِّصالِ بيْنَ سُلَيمانَ وداودَ عليهما السَّلامُ، كأنَّ قِصَّتَيْهما قِصَّةٌ واحِدةٌ .
- وأيضًا لَمَّا كانت تَعديةُ فِعلِ (اذْكُرْ) إلى اسمِ أيُّوبَ على تَقديرِ مُضافٍ؛ لِأنَّ المَقصودَ تَذكُّرُ الحالةِ الخاصَّةِ به؛ كان قَولُه: إِذْ نَادَى رَبَّهُ بَدَلَ اشتِمالٍ مِن أيُّوبَ؛ لِأنَّ زَمَنَ نِدائِه رَبَّه مِمَّا تَشتَمِلُ عليه أحوالُ أيُّوبَ عليه السَّلامُ. وخُصَّ هذا الحالُ بالذِّكرِ مِن بَينِ أحوالِه؛ لِأنَّ المَقصودَ تَذكُّرُ الحالةِ الخاصَّةِ به، ولِأنَّه مَظهَرُ تَوكُّلِه على الله، واستِجابةِ اللهِ دُعاءَه بكَشفِ الضُّرِّ عنه .
- والنِّداءُ: نِداءُ دُعاءٍ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يُفتَتَحُ بمِثلِ: يا رَبِّ، ونَحوِه، وقَولُه: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ مُتَعلِّقٌ بقَولِه: نَادَى، بحَذفِ الباءِ المَحذوفةِ مع (أنَّ)، أيْ: نادَى بأنِّي مَسَّنيَ الشَّيطانُ، وهو في الأصلِ جُملةٌ مُبيِّنةٌ لِجُملةِ نَادَى رَبَّهُ، والخَبَرُ مُستَعمَلٌ في الدُّعاءِ والشِّكايةِ .
- ونَسَب المَسَّ إلى الشَّيطانِ؛ لِأنَّه قد راعَى الأدَبَ في ذلك؛ حيث لم يَنسُبْه إلى اللهِ في دُعائِه، مع أنَّه فاعِلُه، ولا يَقدِرُ عليه إلَّا هو. قيلَ: أرادَ ما كان يُوَسوِسُ به إليه في مَرَضِه مِن تَعظيمِ ما نَزَل به مِنَ البَلاءِ، ويُغريه على الكَراهةِ والجَزَعِ، فالتَجَأ إلى اللهِ تعالى في أنْ يَكفيَه ذلك بكَشفِ البَلاءِ، أو بالتَّوفيقِ في دَفعِه ورَدِّه بالصَّبرِ الجَميلِ، أو لِأنَّه وَسوَسَ إلى أتْباعِه حتَّى رَفَضوه، وأخرَجوه مِن ديارِهم، وقيل غير ذلك .
- وفي قَولِ أيُّوبَ عليه السَّلامُ: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ظاهِرُ إسنادِ المَسِّ بالنُّصْبِ والعَذابِ إلى الشَّيطانِ أنَّ الشَّيطانَ مَسَّ أيُّوبَ بهما، أيْ: أصابَه بهما حَقيقةً، مع أنَّ النُّصبَ والعَذابَ هُما الماسَّانِ أيُّوبَ، ففي سُورةِ (الأنبياءِ) أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [الأنبياء: 83] ، فأسنَدَ المَسَّ إلى الضُّرِّ، والضُّرُّ هو النُّصْبُ والعَذابُ، والجمْعُ بيْنَهما: أنْ تُحمَلَ الباءُ على مَعنى السَّببيَّةِ بجَعلِ النُّصبِ والعَذابِ مُسبِّبَينِ لِمَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، أيْ: مَسَّني بوَسواسٍ سَبَبُه نُصبٌ وعَذابٌ، فجَعَلَ الشَّيطانُ يُوَسوِسُ إلى أيُّوبَ بتَعظيمِ النُّصبِ والعَذابِ عِندَه، ويُلْقي إليه أنَّه لم يَكُنْ مُستَحِقًّا لذلك العَذابِ؛ لِيُلقيَ في نَفْسِ أيُّوبَ سُوءَ الظَّنِّ باللهِ، أو السُّخطَ مِن ذلك. أو تُحمَلُ الباءُ على المُصاحَبةِ، أيْ: مَسَّني بوَسوَسةٍ مُصاحِبةٍ لِضُرٍّ وعَذابٍ، ففي قَولِ أيُّوبَ: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ كِنايةٌ لَطيفةٌ عن طَلَبِ لُطفِ اللهِ به، ورَفعِ النُّصْبِ والعَذابِ عنه بأنَّهما صارا مَدخَلًا لِلشَّيطانِ إلى نَفْسِه، فَطَلَب العِصْمةَ مِن ذلك، على نَحْوِ قَولِ يُوسُفَ عليه السَّلامُ: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [يوسف: 33] .
- وتَنوينُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ لِلتَّعظيمِ، أو لِلنَّوعيَّةِ، وعَدَلَ عن تَعريفِهما؛ لِأنَّهما مَعلومانِ للهِ .
- وقَولُ أيُّوبَ عليه السَّلامُ: أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ليس هذا تَمامَ دُعائِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بل مِن جُملَتِه قَولُه: وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] ، فاكتَفى هاهنا عن ذِكرِه بما في سُورةِ (الأنبياءِ): وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] ، كما تَرَك هناك ذِكرَ الشَّيطانِ؛ ثِقةً بما ذُكِرَ هاهنا .
- واقتِصارُ أيُّوبَ عليه السَّلامُ في دُعائِه على التَّعريضِ بإزالةِ النُّصْبِ والعَذابِ يُشعِرُ بأنَّه لم يُصَبْ بغَيرِ الضُّرِّ في بَدَنِه، ويحتمِلُ أنْ يَكونَ قد أصابَه تَلَفُ المالِ، وهَلاكُ العِيالِ؛ فيَكونَ اقتِصارُه على النُّصْبِ والعَذابِ في دُعائِه لِأنَّ في هَلاكِ الأهلِ والمالِ نُصْبًا وعَذابًا لِلنَّفْسِ .
2- قولُه تعالَى: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ إمَّا حِكايةٌ لِمَا قيلَ له، أو مَقولةٌ لِقَولٍ مَحذوفٍ، أيْ: قُلْنا له: اركُضْ برِجْلِكَ، وذلك إيذانٌ بأنَّ هذا استِجابةٌ لِدُعاءِ أيُّوبَ عليه السَّلامُ. والرَّكضُ: الضَّربُ في الأرضِ بالرِّجلِ؛ فقَولُه: بِرِجْلِكَ زيادةٌ في بَيانِ مَعنى الفِعلِ .
- وجُملةُ هَذَا مُغْتَسَلٌ إمَّا حِكايةٌ لِمَا قيلَ له، أو مَقولةٌ لِقَولٍ مَحذوفٍ دَلَّ عليه المَقولُ الأوَّلُ، وفي الكَلامِ حَذفٌ دَلَّتْ عليه الإشارةُ؛ فالتَّقديرُ: فرَكَض الأرضَ، فنَبَع ماءٌ، فقُلْنا له: هذا مُغتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ، فالإشارةُ إلى ماءٍ؛ لِأنَّه الَّذي يُغتَسَلُ به ويُشرَبُ .
- قَولُه: هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَصْفُ الماءِ بذلك في سياقِ الثَّناءِ عليه مُشيرٌ إلى أنَّ ذلك الماءَ فيه شِفاؤُه إذا اغتَسَل به، وشَرِب منه؛ لِيَتناسَبَ قَولُ اللهِ له مع نِدائِه رَبَّه؛ لِظُهورِ أنَّ القَولَ عَقِبَ النِّداءِ هو قَولُ استِجابةِ الدُّعاءِ مِنَ المَدعُوِّ. و مُغْتَسَلٌ اسمُ مَفعولٍ مِن فِعلِ (اغتَسَلَ)، أي: مُغتَسَلٌ به؛ فهو على حَذفِ حَرفِ الجَرِّ، وإيصالِ المُغتَسَلِ القاصِرِ إلى المَفعولِ .
- ووَصْفُ الماءِ بـ بَارِدٌ إيماءٌ إلى أنَّ به زَوالَ ما بِأيُّوبَ مِنَ الحُمَّى مِنَ القُروحِ .
- واستُغنيَ بالتَّنوينِ عن وَصفِ (شَرَابٌ)؛ إذْ مِنَ المَعلومِ أنَّ الماءَ شَرابٌ، فلولا إرادةُ التَّعظيمِ بالتَّنوينِ لَكانَ الإخبارُ عنِ الماءِ بأنَّه شَرابٌ إخبارًا بأمْرٍ مَعلومٍ، ومَرجِعُ تَعظيمِ (شَرَابٌ) إلى كَونِه عَظيمًا لِأيُّوبَ، وهو شِفاءُ ما به مِن مَرضٍ .
3- قولُه تعالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ
- قَولُه: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ مَعطوفٌ على مُقدَّرٍ مُتَرتِّبٍ على مُقدَّرٍ آخَرَ يَقتَضيه القَولُ المُقدَّرُ آنِفًا، كأنَّه قيلَ: فاغتَسَل وشَرِب، فكَشَفْنا بذلك ما به مِن ضُرٍّ، كما في سُورةِ (الأنبياءِ) فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء: 84] .
- ولم يَتقَدَّمْ في هذه الآيةِ ولا في آيةِ سُورةِ (الأنبياءِ) أنَّ أيُّوبَ عليه السَّلامُ رُزِئَ أهلَه؛ قيل: يَجوزُ أنْ يَكونَ مَعنى وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ أنَّ اللهَ تَعالى أبْقَى له أهلَه، فلم يُصَبْ فيهم بما يَكرَهُ، وزَادَه بَنينَ وحَفَدةً، ويُؤيِّدُ هذا المَحمَلَ وُقوعُ كَلِمةِ مَعَهُمْ عَقِبَ كَلِمةِ وَمِثْلَهُمْ؛ فإنَّ (مع) تُشعِرُ بأنَّ المَوهوبَ لاحِقٌ بأهلِه، ومَزيدٌ فيهم، فليس في الآيةِ تَقديرُ مُضافٍ في قَولِه: وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ .
- وفيه مُناسَبةٌ حسَنةٌ، حيثُ تَقدَّمَ نَظيرُ هذه الآيةِ في قَولِه: وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 84] ، وما بيْنَ الآيَتَيْنِ مِن تَغييرٍ يَسيرٍ هو مُجَرَّدُ تَفنُّنٍ في التَّعبيرِ، لا يَقتَضي تَفاوُتًا في البَلاغةِ، وأمَّا ما بَيْنَهما مِن مُخالَفةٍ في قَولِه هنا: وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وقَولِه في سُورةِ (الأنبياءِ): وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 84] ؛ فقَولُه هنا: وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ الذِّكْرى: التَّذكيرُ بما خَفيَ، أو بما يَخفَى، وأُولو الألبابِ هم أهلُ العُقولِ، أيْ: تَذكِرةً لِأهلِ النَّظَرِ والاستِدلالِ؛ فإنَّ في قِصَّةِ أيُّوبَ مُجمَلِها ومُفَصَّلِها ما إذا سَمِعه العُقَلاءُ المُعتَبِرونَ بالحَوادِثِ، والقائِسونَ على النَّظائِرِ؛ استَدَلُّوا على أنَّ صَبرَه قُدوةٌ لِكُلِّ مَن هو في حَرَجٍ أنْ يَنتَظِرَ الفَرَجَ، وأمَّا الَّذي في سُورةِ (الأنبياءِ)؛ فإنَّه جيءَ به شاهِدًا على أنَّ النُّبُوَّةَ لا تُنافي البَشريَّةَ، وأنَّ الأنبياءَ يَعتَريهم مِنَ الأحداثِ ما يَعتَري البَشَرَ ممَّا لا يَنقُصُ منهم في نَظَرِ العَقلِ والحِكمةِ، وأنَّهم إنَّما يَقومونَ بأمْرِ اللهِ، وأنَّهم مُعَرَّضونَ لِأذَى النَّاسِ مِمَّا لا يُخِلُّ بحُرمَتِهمُ الحَقيقيَّةِ، وذَكَر مِنَ الأنبياءِ مَنِ ابتُليَ مِن قَومِه فصَبَر، ومَنِ ابتُليَ مِن غَيرِهم فصَبَر، وكيف كانت عاقِبةُ صَبرِهم واحِدةً، مع اختِلافِ الأسبابِ الدَّاعيةِ إليه؛ فكانت في ذلك آياتٌ لِلعابِدينَ، أيْ: المُمتَثِلينَ أمْرَ اللهِ، المُجتَنِبينَ نَهْيَه؛ فإنَّ مِمَّا أمَرَ به اللهُ الصَّبرَ على ما يَلحَقُ المَرءَ مِن ضُرٍّ لا يَستَطيعُ دَفْعَه؛ لِكَونِ دَفْعِه خارِجًا عن طاقَتِه، فخَتَم بخاتِمةِ أنَّ في ذلك آياتٍ للعابِدينَ .
4- قولُه تعالَى: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
- قَولُه: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ في الكَلامِ حَذفٌ دَلَّتْ عليه صِيغةُ الكَلامِ، تَقديرُه: وكان حَلَف لَيَضرِبَنَّ امرأتَه مِئةَ ضَربةٍ؛ لِسَبَبٍ جَرى منها، وكانتْ مُحسِنةً له، فجَعَلْنا له خَلاصًا مِن يَمينِه بقَولِنا: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا. وقيلَ: هو مَعطوفٌ على ارْكُضْ، أو على (وَهَبْنَا) بتَقديرِ (قُلْنا)، أيْ: وقُلْنا: خُذْ بيَدِكَ... إلخ. والأوَّلُ أقرَبُ لَفظًا، وهذا أنسَبُ مَعنًى؛ فإنَّ الحاجةَ إلى هذا الأمْرِ لا تَمَسُّ إلَّا بعدَ الصِّحَّةِ .
- قَولُه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ عِلَّةٌ لِجُملةِ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [ص: 42] ، وجُملةِ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ [ص: 43] ، أيْ: أنعَمْنا عليه بجَبرِ حالِه؛ لِأنَّا وَجَدْناه صابِرًا على ما أصابَه؛ فهو قُدوةٌ لِلمأمورِ بقَولِه: اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ [ص: 17] صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ فكانت (إنَّ) مُغْنيةً عن فاءِ التَّفريعِ .
- قولُه: نِعْمَ الْعَبْدُ فِعلٌ وفاعِلٌ، والمَخصوصُ بالمَدحِ مَحذوفٌ؛ لِلعِلْمِ به، أيْ: هو، أو: أيُّوبُ. وإِنَّهُ أَوَّابٌ تَعليلٌ لِمَدحِه، أيْ: رَجَّاعٌ إلى اللهِ تعالى. وقَولُه هنا: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ مِثلُ قَولِه في سُلَيمانَ: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص: 30] ، وكان سُلَيمانُ أوَّابًا للهِ مِن فِتنةِ الغِنى والنَّعيمِ، وأيُّوبُ أوَّابًا للهِ مِن فِتنةِ الضُّرِّ والاحتِياجِ، وكان الثَّناءُ عليهما مُتَماثِلًا؛ لِاستِوائِهما في الأَوْبةِ، وإنِ اختَلَفتِ الدَّواعي .