موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (59-64)

ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ

غريب الكلمات:


الْمَلَأُ: أي: أشرافُ النَّاسِ ووجُوهُهم؛ أو الجماعةُ يَجتمعونَ على رأيٍ، فيملؤون العيونَ منظرًا، والنُّفوسَ بهاءً وجلالًا، ويقالُ: فلانٌ ملءُ العيونِ، أي: معظمٌ عندَ مَن رآه، وأصلُ (ملأ) يدلُّ على المساواةِ، والكمالِ في الشَّيءِ [766] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (1 /92)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (1 /411)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5 /346). .
عَمِينَ: أي: عَمِيَتْ قلوبُهم عَن مَعرفةِ اللهِ تعالى، والعَمُون جمعُ العَمِيِّ، وهو مَن قَلْبُه أعمَى، لا يعرِفُ الحقَّ، والعَمَى يُقالُ في افتِقادِ البَصَرِ والبَصيرةِ، وأصلُ (عمي): يدلُّ على السَّترِ والتَّغطِيةِ [767] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس ( 4/133)، ((المفردات)) للراغب (ص: 588)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 113)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/470). .

المعنى الإجمالي:


يُخبِرُ تعالى أنَّه أرسَلَ نُوحًا إلى قَومِه؛ ليدعُوَهم إلى عبادةِ اللهِ وَحدَه، وتَرْكِ عبادةِ ما سِواه، فقال لهم: اعبُدُوا اللهَ وَحدَه، ليس لكم مَعبودٌ يستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، إنِّي أخافُ عليكم عذابَ يومِ القِيامةِ، فقالَ الرُّؤَساءُ المُتَكَبِّرونَ مِن قَومِه: إنَّا لَنَراكَ- يا نوحُ- في ضلالٍ واضِحٍ بَيِّنٍ.
قال: يا قومِ لسْتُ ضالًّا حين دَعَوتُكم إلى التَّوحيدِ، ونَهَيتُكم عن الشِّركِ، ولكنِّي مُرسَلٌ إليكم مِن رَبِّ العالَمينَ، أبَلِّغُكم ما أرسَلَني ربِّي به، وأنصَحُ لكم، وأعلَمُ بما أوحى إليَّ رَبِّي ما لا تعلمونَه أنتم، وهل عَجِبْتُم مُستبعِدِينَ أنْ يأتِيَكم تذكيرٌ مِن رَبِّكم على رَجُلٍ مِنكم؛ لأجْلِ أنْ يُخَوِّفَكم مِن عُقوبةِ رَبِّكم على كُفْرِكم، ولكي تَتَّقُوا، ولعلَّكم تُرحَمونَ إن أطَعْتُم اللهَ ورسولَه.
ثم أخبَرَ الله تعالى أنَّهم كَذَّبوا نُوحًا، فأنجاه، وأنجى كلَّ الذين حمَلَهم معه على السَّفينةِ، وأغرَقَ الَّذينَ كَذَّبوا بآياتِه؛ إنَّهم كانوا قومًا قد عَمُوا عن رؤيةِ الحَقِّ، ولم يُبصِرُوه بقُلوبِهم.

تفسير الآيات:


لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تعالى في تقريرِ المَبدَأِ والمَعادِ دلائِلَ ظاهرةً، وبَيِّناتٍ قاهرةً، وبراهينَ باهرةً- أتبَعَها بذِكرِ قَصَصِ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، وفيه فوائِدُ:
أحَدُها: التَّنبيهُ على أنَّ إعراضَ النَّاسِ عَن قَبُولِ هذه الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، ليس مِن خَواصِّ قَومِ محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بل هذه العادةُ المَذمومةُ كانت حاصِلةً في جميعِ الأُمَمِ السَّالفةِ، والمُصيبةُ إذا عَمَّتْ خَفَّتْ، فكان ذِكْرُ قَصَصِهم، وحِكايةُ إصرارِهم على الجَهلِ والعِناد؛ يفيدُ تَسليةَ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتخفيفَ ذلك على قَلْبِه.
ثانيها: أنَّه تعالى يَحكِي في هذا القَصَصِ أنَّ عاقِبَةَ أمرِ أولئك المُنكِرينَ كان إلى الكُفْرِ واللَّعنِ في الدُّنيا، والخَسَارةِ في الآخِرَةِ؛ وعاقِبةَ أمْرِ المُحِقِّينَ إلى الدَّولةِ في الدُّنيا، والسَّعادةِ في الآخِرَةِ، وذلك يُقَوِّي قُلوبَ المُحِقِّينَ، ويَكسِرُ قُلوبَ المُبطِلِينَ.
ثالثها: التَّنبيهُ على أنَّه تعالى وإن كان يُمهِلُ هؤلاءِ المُبطِلِينَ، ولكِنَّه لا يُهمِلُهم، بل ينتَقِمُ منهم على أكمَلِ الوُجوهِ.
رابعها: بيانُ أنَّ هذه القصَصَ دالَّةٌ على نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كان أمِّيًّا، وما طالَعَ كِتابًا ولا تتلمذَ على أستاذٍ، فإذا ذَكَرَ هذه القصصَ على هذا الوَجهِ مِن غير تحريفٍ ولا خَطَأٍ؛ دلَّ ذلك على أنَّه إنَّما عَرَفَها بالوَحيِ مِنَ اللهِ، وذلك يدُلُّ على صِحَّةِ نُبُوَّتِه [768] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/293). .
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
أي: أُقسِمُ على أنَّنا بَعَثْنا نوحًا عليه السَّلامُ إلى قَومِه المُشركينَ؛ ليدعُوَهم إلى عبادةِ اللهِ وَحدَه، وينهاهم عن عبادةِ غَيرِه، فقال لهم: يا قومِ اعبُدُوا اللهَ وَحدَه، ليس لكم معبودٌ يَستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، فلا تُشرِكوا به شيئًا [769] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/260)، ((تفسير البغوي)) (2/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/443-451). .
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
أي: إنِّي أخافُ عليكم- إنْ لم تُوَحِّدُوا اللهَ وأشرَكْتُم في عِبادَتِه غَيرَه، ومُتُّمْ على ذلك- عذابَ يومِ القِيامةِ [770] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/260)، ((تفسير البغوي)) (2/202)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/451). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: 25-26].
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)
أي: قال الأشرافُ والرُّؤساءُ المُتَكِّبرونَ عَنِ الحَقِّ مِنْ قَومِ نُوحٍ، حين دَعاهم إلى إفرادِ اللهِ بالعِبادةِ: إنَّا لَنَعتقِدُ أنَّك- يا نوحُ- في خطأٍ، وذَهابٍ عَنِ الحَقِّ بيِّنٍ وواضحٍ؛ حيث تدعُونا إلى عبادةِ اللهِ وَحدَه، وتَرْكِ ما كان يعبُدُ آباؤُنا [771] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/261)، ((تفسير البغوي)) (2/202)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/190)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/453). قال السَّمينُ الحلبي: (والملأُ: الأشرافُ، سُمُّوا بذلك لأنَّهم يَملَؤُون العُيونَ هَيبةً، أو المجالِسَ إذا حَضَروا، أو لأنَّهم مَليئونَ بما يُحتاجُ إليهم فيه. وقال الفرَّاء: الملأ: الرِّجالُ، في كلِّ القُرآنِ، وكذلك القَومُ والرَّهطُ والنَّفَرُ). ((الدر المصون)) (2/513). ويُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (2/415)، ((تفسير القرطبي)) (3/243). وقال ابنُ عاشور: (الرُّؤيةُ قلبيةٌ بمعنى العِلمِ، أي: إنَّا لَنُوقِنُ أنَّك في ضلالٍ مُبِينٍ). ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/190). .
قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61)
أي: قال نوحٌ لِقَومِه: يا قومِ لستُ في حَيدةٍ عَن طَريقِ الحَقِّ حين دَعَوتُكم إلى توحيدِ اللهِ، ونَهَيتُكم عَنِ الشِّركِ به، ولكنِّي مُرسَلٌ إليكم مِنَ الذي خلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وهو مالِكُه ومُدَبِّرُ شُؤونِه [772] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/261)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/480). .
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا نَفى نُوحٌ عليه السَّلامُ عَن نَفسِه العَيبَ الذي وَصَفوه به، ووصَفَ نَفسَه بأشرَفِ الصِّفاتِ وأجَلِّها، وهو كَونُه رسولًا إلى الخَلقِ مِن ربِّ العالَمينَ- ذَكَرَ ما هو المقصودُ مِنَ الرِّسالةِ، وهو أمرانِ: الأول: تبليغُ الرِّسالةِ، والثاني: تقريرُ النَّصيحةِ [773] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/296). ، فقال:
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ
أي: وَظيفَتي أن أُوصِلَ إليكم الرِّسالةَ التي أرسَلَني اللهُ بها، وهي أمْرُكم بتوحيدِه، ونَهيُكم عن الشِّركِ به، ودَعْوَتُكم لِطاعَتِه، وأنا أبغي لكم بذلك الخَيرَ في الدُّنيا والآخِرةِ [774] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/262)، ((تفسير البغوي)) (2/202)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/194)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/455، 482). قال أبو السعود: (وجَمَعَ رِسَالَاتِ لاختلافِ أوقاتِها، أو لتنَوُّعِ مَعانيها). ((تفسير أبي السعود)) (3/236). وقال محمد رشيد رضا: (جَمعُ الرِّسالةِ باعتبارِ مُتعَلِّقِها وموضوعِها، وهو متعَدِّد: منه العقائِدُ، وأهمُّها التوحيدُ المُطلَق الذي بدأ به، ويَتلُوه الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وبالوحيِ والرِّسالةِ، وبالملائكةِ والجنَّةِ والنَّارِ، وغيرِ ذلك، ومنه الآدابُ والحِكَمُ، والمواعِظُ والأحكامُ العَمَليَّةُ من عباداتٍ ومُعاملاتٍ). ((تفسير المنار)) (8/438). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/247). .
كما قال تعالى عن نُوحٍ عليه السَّلامُ: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح: 2 - 4].
وقال سبحانه حاكيًا قَولَ نُوحٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10- 12].
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
أي: وأعلَمُ- بما أَوْحى اللهُ إليَّ؛ مِن أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، كمَغفِرَتِه للتَّائبينَ، وشِدَّةِ بأسِه على المُشركينَ، وعَدَمِ تأخيرِ عذابِه عنهم إذا جاءَ، وغيرِ ذلك- ما لا تعلَمُونَه [775] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/262)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 399)، ((تفسير أبي السعود)) (3/236)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/439)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/455). .
كما قال تعالى عن نوحٍ عليه السَّلامُ: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح: 2-4].
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)
أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ
أي: هل تعَجَّبتُم مُستبعِدينَ أن يَجِيئَكم تذكيرٌ مِنَ اللهِ، أنزَلَه على رَجُلٍ مِنَ البَشَرِ، تعرفونَ نَسَبَه وصِدقَه؟ أي: فكيفَ تَعجَبونَ مِمَّا لا ينبغي العَجَبُ منه؟! فليس بعَجَبٍ أن يُوحِيَ اللهُ إلى رجُلٍ منكم؛ رحمةً بكم، وإحسانًا إليكم [776] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/262)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 399)، ((تفسير الرازي)) (14/298)، ((تفسير القرطبي)) (7/235)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/196)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/458). .
كما قال الله تعالى: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون: 24- 25].
لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
أي: لأجْلِ أن يُخَوِّفَكم عِقابَ اللهِ على كُفرِكم به، ولكي تَجعَلوا بينكم وبينَ عِقابِه وقايةً؛ بتوحيدِه، وامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهِيه، ولكي يرحَمَكم ربُّكم إن أطَعتُم اللهَ ورَسُولَه [777] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/262 - 263)، ((تفسير البغوي)) (2/202)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/458 - 459). .
كما قال تعالى عن نوحٍ عليه السَّلامُ: قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [نوح: 2 - 4].
وقال سبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: 132].
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ
أي: فتمادى قومُ نُوحٍ في تكذيبِ رَسُولهِم نوحٍ عليه السَّلامُ، فأنجيناه والَّذينَ حَمَلَهم معه في السَّفينةِ مِنَ المُؤمنينَ، ومِن كُلِّ ذَكَرٍ وأنثى مِن أصنافِ الحَيَواناتِ [778] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/263)، ((تفسير البغوي)) (2/202)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/197-198)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/460-767). .
كما قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ* فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [العنكبوت: 14-15].
وقال سبحانه: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: 40].
وقال عزَّ وجَلَّ: فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء: 119-122].
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
أي: وأغرَقْنا بالطُّوفانِ جَميعَ الكُفَّارِ، الذين كذَّبوا بآياتِنا [779] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/263)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/470). .
كما قال تعالى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [نُوحٍ: 25].
إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ
أي: إنَّ الكُفَّارَ الذين كذَّبُوا نُوحًا، قد عَمُوا عَنِ الحَقِّ، فلم يُبصِرُوه بقُلوبِهم، ولم يَهْتدوا له [780] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/263)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/347)، ((تفسير ابن كثير)) (3/432)، ((تفسير السعدي)) (ص: 293)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/470). .
كما قال تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: 46].
وقال سُبحانه: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف: 179].

الفوائد التربوية:


التَّوحيدُ أوَّلُ دَعوةِ الرُّسُلِ، وأوَّلُ مَنازِلِ الطَّريقِ، وأوَّلُ مَقامٍ يقومُ فيه السَّالِكُ إلى اللهِ تعالى؛ قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وقال هودٌ لِقَومِه: اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وقال صالحٌ لِقَومِه: اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وقال شُعَيبٌ لِقَومِه: اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [781] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (3/411)، وينظر أيضًا: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/178). [النحل: 36].
يُستفادُ مِن قوله تعالى: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أنَّه ليس لهم إلهٌ ما يستحِقُّ أن يُوَجَّهَ إليه نَوعٌ ما مِن أنواعِ العبادةِ، لا لِرجاءِ النَّفعِ، أو دَفعِ الضَّررِ منه لِذاتِه، ولا لأجلِ تَوَسُّطِه وشفاعَتِه عند اللهِ تعالى، بل الإلهُ الحَقُّ الذي يستحِقُّ أن تتوجَّهَ القلوبُ إليه بالدُّعاءِ وغَيرِه، هو اللهُ وَحدَه- سُبحانَه وبِحَمدِه [782] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/437). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فائدةُ حَرفِ التَّرجِّي التَّنبيهُ على أنَّ الرَّحمةَ مِنَ اللهِ تعالى مَحضُ تَفضلٍ، وأنَّ المُتَّقي ينبغي ألَّا يَعتمِدَ على تقواه، ولا يأمَنَ مِن عذابِ اللهِ [783] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (1/485). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قَولُ اللهِ تعالى: فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ يُفيدُ أنَّ أوَّلَ الواجِباتِ التَّوحيدُ، وما عدا هذا مِن الأقوالِ، فخَطَأٌ، كقَولِ مَن يَقولُ: أوَّلُ الفُروضِ النَّظَرُ، أو القَصْدُ إلى النَّظَرِ، أو المعرفةُ، أو الشَّكُّ الذي يُوجِبُ النَّظَرَ. فكُلَّ هذه الأقوالِ خَطأٌ [784] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/154). .
قَولُ اللهِ تعالى: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ذكَرَ أوَّلًا قولَه: اعْبُدُوا اللهَ، وثانيًا قَولَه: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وذلك لمناسَبةٍ حَسنةٍ؛ فالثَّاني كالعِلَّةِ للأوَّلِ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ لهم إلهٌ غَيرُه، كان كلُّ ما حصَلَ عندهم مِن وُجوهِ النَّفعِ والإحسانِ، والبِرِّ واللُّطفِ؛ حاصلًا مِنَ اللهِ، ونهايةُ الإنعامِ تُوجِبُ نهايةَ التَّعظيمِ [785] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/295). .
قَولُ الله تعالى: فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وكذلك قولُه: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ، ناداهم بــ يَا قَوْمِ مُضافةً إليه؛ لتذكيرِهم بآصِرَةِ القَرابةِ، ليتحَقَّقوا أنَّه ناصِحٌ، ومُريدٌ خَيرَهم، ومُشفِقٌ عليهم، وأنَّه لا يُريدُ بهم ولا لهم إلَّا الخَيرَ [786] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/83)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/437). . وقيل: عبَّرَ بذلك؛ لأنَّه لم يكنْ لهم اسْمٌ خاصٌّ مِن أسماءِ الأُمَمِ يُعرفونَ به، فالتَّعريفُ بالإضافةِ هنا؛ لأنَّها أخصَرُ طريقٍ في الدَّلالةِ على هذا المقصِدِ [787] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/188). .
في قَولِه تعالى: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إنذارٌ مُستأنَفٌ عُلِّلَ به الأمرُ بعبادةِ اللهِ تعالى وَحدَه، المُستَلزِمُ لِتَرْكِ أدنى شوائِبِ الشِّرك بها، وبيانٌ لعقيدةِ البَعثِ والجزاءِ، وهي الرُّكنُ الثَّاني مِن أركانِ الإيمانِ بعد التَّسليمِ بالرِّسالةِ [788] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/437). .
قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ حَكَموا بضَلالِ نُوحٍ- حاشاه ذلك عليه السَّلامُ- وأكَّدوه بالتَّعبيرِ بالرُّؤيةِ؛ كأنَّ كُلَّ واحدٍ منهم يعتقِدُ ذلك اعتقادًا، هو في الثِّقَةِ به كالرُّؤيةِ [789] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/428)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/436). .
قَولُ اللهِ تعالى: وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فيه التَّنبيهُ بِقَولِه رَبِّ الْعَالَمِينَ على أنَّه تعالى هو المالِكُ لأمُورِهم، النَّاظِرُ لهم بالمَصلحةِ؛ فلأجْلِ ذلك وَجَّهَ إليهم رَسولًا يَدعُوهم إلى إفرادِه بالعِبادةِ [790] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/83). .
قَولُ اللهِ تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قال أوَّلًا: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وهذا مبدأُ أمرِه معهم، وهو التَّبليغُ، ثمَّ قال: وَأَنْصَحُ لَكُمْ أي أُخلِصُ لكم في تَبيينِ الرُّشدِ، والسَّلامةِ في العاقِبةِ، إذا عَبَدتُم اللهَ وَحدَه، ثمَّ قال: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِن بَطشِه بكم، وهو مآلُ أَمرِكم إذا لم تُفرِدُوه بالعِبادة؛ ففي هذا التَّرتيبِ أحسَنُ سياقٍ؛ إذ نبَّه على مبدأِ أمرِه ومُنتَهاه معهم [791] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/84). .
قَولُ اللهِ تعالى: جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ قولُه: مِنْكُمْ أي: تَعرِفونَ نَسَبَه، فهو منكم نَسَبًا، وذلك لأنَّ كَونَه منهم يُزيلُ التَّعجُّبَ؛ لأنَّ المَرءَ بمَن هو مِن جِنسِه أعرَفُ، وبطهارةِ أحوالِه أعلَمُ، وبما يقتضي السُّكونَ إليه أبصَرُ [792] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/298). .
قَولُ اللهِ تعالى: لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ بَيَّنَ تعالى ما لأجلِه يُبعَثُ الرَّسولُ، فقال: لِيُنْذِرَكُمْ، وما لأجلِه يُنذِرُ، فقال: وَلِتَتَّقُوا، وما لأجلِه يتَّقونَ، فقال: وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وهذا الترتيبُ في غايةِ الحُسنِ؛ فإنَّ المَقصودَ مِنَ البَعثةِ الإنذارُ، والمقصودَ مِنَ الإنذارِ التَّقوى عن كلِّ ما لا ينبغي، والمقصودَ مِنَ التَّقوى الفوزُ بالرَّحمةِ في دارِ الآخِرةِ [793] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/298)، ((تفسير أبي حيان)) (5/84). .

بلاغة الآيات:


قوله: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
فيه ابتداءُ هذه القِصَّةَ بالقَسَمِ؛ لتأكيدِ خبَرِها لأوَّلِ مَن وُجِّهَ إليهم الخطابُ بها، وهم أهلُ مَكَّةَ ومَن وراءَهم مِنَ العَرَبِ؛ إذ كانوا يُنكِرونَ الرِّسالةَ والوَحيَ، على كونِهم أُمِّيِّينَ ليس عندهم مِن علومِ الأُمَم وقَصَصِ الرُّسُلِ شيءٌ، والقَسَمُ مَحذوفٌ دَلَّ عليه لامُه في بَدءِ الجُملةِ [794] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/425)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/436). .
وعطَفَ جُملةَ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ على جُملةِ أَرْسَلْنَا بالفاءِ؛ إشعارًا بأنَّ ذلك القولَ صدَر منه بفورِ إرسالِه [795] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/188). ، ولم يَعطِفِ الجُملةَ المنفيَّةَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ بفاءٍ ولا غيرها؛ لأنَّها مَبنيَّةٌ ومُثبتةٌ على اختصاصِ اللهِ تعالى بالعبادةِ، ورَفْضِ ما سِواه؛ فكانتْ في غايةِ الاتِّصالِ بقولِه: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ [796] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/176). .
قوله: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ استئنافٌ مسوقٌ لتعليلِ العبادةِ المذكورةِ [797] يُنظر:يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/235)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/189). ، وقولُه: مِنْ إِلَهٍ يُفيدُ تأكيدَ النَّفيِ وعُمومَه [798] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/437). .
قوله: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ مستأنفةٌ ثانيةٌ بعدَ جُملة اعْبُدُوا اللَّهَ؛ لقَصدِ التخويفِ والإنذارِ [799] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/190). .
وفي هذه الآيةِ مُناسَبةٌ حَسَنةٌ؛ حيثُ قال هنا في الأعرافِ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا بغير واو، بَينما قال في سُورة هود والمؤمنون: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا [هود: 25، المؤمنون: 23] بواوٍ؛ وذلِك لأنَّ ما هنا مستأنفٌ لم يَتقدَّمه ذكرُ نبيٍّ، فلم يَكُن فيها ذِكرُ بَعثةِ نَبيٍّ، ومخالفةِ مَن كان له مِن عَدُوٍّ؛ فصارَ الكلامُ هنا كالأجنبيِّ مِن الأوَّل، فلم يُعطَفْ عليه، واستُؤنِفَ ابتداءُ الكلامِ؛ ليدلَّ على أنَّه في حُكمِ المنقطِعِ مِن الأوَّلِ. وأمَّا في سُورة هُود فقد تَقدَّمه ذِكرُ الأنبياء مرَّةً بعدَ أخرى؛ لأنَّ أوَّلها افتُتح إلى أنْ انتَهَى إلى قِصَّةِ نُوح بما هو احتجاجٌ على الكُفَّارِ بآياتِ اللهِ، التي أَظْهَرَها على أَيدي أنبيائِه وأَلْسِنتِهم، صلواتُ اللهِ عليهم، وتَوعُّدٌ لهم على كُفرِهم، وذِكْرُ قِصَّة مِن قَصَصِ مَن تَقدَّمهم مِنَ الأنبياءِ الذين جَحَد بآياتِهم أُممُهم؛ فعُطِفتْ هذِه الآيةُ على ما قَبْلَها إذْ كانت مِثلَها. وما في سورة المؤمنون تَقدَّمه قولُه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ [المؤمنون: 12]، ثم قولُه: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ [المؤمنون: 17]، ثمَّ انقطعتِ الآيُ إلى قولِه: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون: 22]، وكلُّها بالواو؛ فناسَبَ ذِكرها فِيهما؛ فدَخلتْ واوُ العطفِ في قِصَّةِ نُوحٍ عليه السَّلام في سورةِ المؤمنون للفْظَينِ المُتقدِّمَينِ، وهُما: وَلَقَدْ في رُؤوسِ الآيتَينِ، وللمَعْنى المقتضى مِن ذِكر الفُلك الذي نَجَّى اللهُ عليه مَن جَعَله أصلَ الخَلْقِ، وبَذْرَ هذا النَّسلِ [800] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي (2/593-597)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:120-121)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/195). .
وأيضًا مِن المُناسَبةِ الحَسنةِ أنَّه قال هنا في سُورةِ الأعراف: مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، بَينما قالَ في سُورة هود: أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: 26]، وفي سورة المؤمنون: فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ [المؤمنون: 23]؛ فاختلفتِ المَحكيَّاتُ والقِصَّةُ قِصَّةٌ واحدةٌ، وهذا الاختلافُ لا إشكالَ فيه؛ لأنَّه وقَعَ بحَسَبِ اختلافِ الأوقاتِ، وما يُناسِبُ كلَّ وقتٍ، وما يَجْري فيه ويُشاهَدُ مِن أقوالِ المَدْعوِّينَ وأحوالِهم؛ فإنَّ للأنبياءِ- صلواتُ اللهِ عليهم- مقاماتٍ مع أُممهم، يُكرَّر فيها الإعذارُ والإنذارُ، ولا يكونُ دُعاؤُهم إلى الإيمانِ باللهِ في موقفٍ واحدٍ بلفظٍ واحدٍ لا يَتغيَّرُ عن حالِه، كذلك الجوابُ يَرِدُ مِن أقوامٍ يَكثُرُ عددُهم، ويَختلفُ كلامُهم ومقصدهم [801] والقاعدةُ أنَّ (ما ورَد في القرآنِ حكايةً عن غيرِ أهلِ اللسانِ مِن القرونِ الخاليةِ، إنَّما هو مِن معروفِ معانِيهم، وليس بحقيقةِ ألفاظِهم)، فالألفاظُ لها دلالاتٌ أصليَّة تحملُ أصلَ المعْنَى، وتنتهي إليها مقاصدُ المكلَّفين، وهذا النَّوعُ يشتركُ فيه جميعُ الألسنةِ، والنَّوعُ الثَّاني مِن الدَّلالات: الدلالاتُ التابعةُ، وهي التي يختصُّ بها لسانُ العربِ، وذلك بحسبِ المخبِر والمخبَر عنه والمخبَر به ونفسِ الإخبارِ، بالإضافةِ إلى نوعِ الأسلوبِ مِن الإيجازِ والإطنابِ وغيرِ ذلك، فمثلُ هذه التصرفاتِ التي يختلفُ معنَى الكلامِ الواحدِ بحسبِها ليست هي المقصودَ الأصليَّ، لكنَّها مِن مكمِّلاتِه ومتمِّماتِه، وبهذا النوعِ اختلفَتِ العباراتُ وكثيرٌ مِن أقاصيصِ القرآنِ؛ لأنَّه يأتي مساقُ القصَّة في بعضِ السُّورِ على وجهٍ، وفي بعضِها على وجهٍ آخرَ، وفي ثالثةٍ على وجهٍ ثالثٍ. يُنظر: ((قواعد التفسير)) للسبت (2/762). ، ومع هذا فإنَّ لهذا الاختلافِ مُناسبةً حسنةً؛ فإنَّه لَمَّا تَقدَّمَ ذِكرُ اليومِ الآخِرِ في غيرِ ما آيةٍ مِن أوَّل سورةِ الأعرافِ إلى ابتداءِ قِصَّة نوحٍ عليه السلام، وقد تَضمَّن ما ذُكِر مِن ذلك مِن أهوالِ ذلك اليومِ ما يَعظُم أَمْرُه كقولِه: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ... [الأعراف: 8] الآية، وقوله: قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ... [الأعراف: 38] إلى قوله: فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [الأعراف: 39]، ومَا جرَى مجرَى ذلك إلى قولِه: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ... [الأعراف: 50] الآية؛ فلمَّا تَقدَّم مِن أهوالِ هذا اليومِ ما لم يَتقدَّمْ في السُّورتَينِ الأُخريين؛ ناسَبه مِن مقالاتِ نُوحٍ لقومِه هنا في سورة الأعراف: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
وأمَّا في سورة هود؛ فقولُه: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود: 26] مُناسبٌ لقولِه تعالى على لِسان نبيِّنا عليه السلام لقومِه ممَّن خاطبَه وشافَهَه: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ [هود: 3]، وقولِه: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ [هود: 8]، وقولِه: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود: 17]؛ فتَكرارُ ذِكرِ العذابِ يُناسِبُه ما خُتِمتْ به آيةُ دُعاءِ نُوحٍ عليه السلام مِن قوله: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [802] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي  (2/598-600)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/190). .
قوله: قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
قولهم: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ استئنافٌ مبنيٌّ على سُؤالٍ نشَأَ مِن حكايةِ قولِه عليه السَّلامُ، كأنَّه قِيل: فماذا قالوا له عليه السَّلامُ في مُقابلةِ نُصْحه؟ فقيل: قال الرُّؤساءُ مِن قومِه والأشرافُ: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [803] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/235). .
وقدِ اقترَن جوابُهم إِنَّا لَنَرَاكَ بحَرْفِ التَّأكيدِ (إنَّ واللَّام)؛ للدَّلالةِ على أنَّهم حقَّقوا وأكَّدوا اعتقادَهم أنَّ نُوحًا مُنغِمسٌ في الضَّلالةِ -حاشَاه ذلِك عليه السَّلامُ [804] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/82)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/190). .
وظَرفيَّةُ فِي ضَلَالٍ فيها تعبيرٌ عن تَمكُّنِ وصْفِ الضَّلالِ مِن نُوحٍ- حاشاهَ ذلك عليه السَّلامُ- حتى كأنَّه مُحيطٌ به مِن جوانبِه إحاطةَ الظَّرفِ بالمظروفِ [805] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/82)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/191). .
وفيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيثُ قال هنا في سُورةِ الأعرافِ في قِصَّة نوح وهود: قَالَ الْمَلَأُ بلا فاءٍ، بَينما قاله في سورة هود والمؤمنون: فَقَالَ الْمَلَأُ [هود: 27، المؤمنون: 24] بالفاءِ؛ وذلِك لأنَّه في سُورةِ الأعرافِ خرَجَ مَخْرَجَ الابتداءِ، وإنْ تَضمَّن الجوابَ؛ لأنَّهم في جوابِهم صاروا كالمُبتدِئين له بالخِطابِ، غير سالِكينَ طَريقَ الجواب؛ لأنَّهم قالوا: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، فكان كلامُهم له كالكلامِ الذي يَبتدِئُ به الإنسانُ صاحبَه؛ فلذلك جاءَ بغيرِ فاءٍ مُخالِفًا طريقةَ ما الكلامُ بَعْدَه مبنيٌّ بِناءَ الجوابِ، كما في قوله تعالى: قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا بعدَ قوله: قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا [العنكبوت: 32]. وأمَّا في سُورة هود والمؤمنون فوقَعَ جوابًا لِمَا قبله؛ فناسبتْه الفاءُ؛ فالموضعانِ اللَّذانِ دَخلتْهما الفاءُ ما بَعدَهما ممَّا اقتضاه كلامُ النبيِّ ممَّا رآه الكفَّارُ جوابًا له؛ فكان بناءُ الجوابِ على الابتداءِ يُوجِبُ دُخولَ الفاءِ [806] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي  (2/601-603)، ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:121)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/195). .
وأيضًا في قوله: قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ مناسبةٌ حسنَةٌ، حيث  عدَلَ عن وصْفِ الملأِ بالكُفرِ هنا في سورة الأعراف، بَينما في سُورتي هود والمؤمنون قال: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا [هود: 27، المؤمنون: 24]، فوَصَف الملأَ بالكُفرِ في السُّورتين؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ رُسلَه عليهم السلام بالرِّفقِ في دُعاءِ الخلقِ، وحَضَّهم على التلطُّفِ بهم، والصَّبرِ على أذاهم، وعلى هذا جَرَى دُعاءُ الرُّسلِ أُممَهم في إخبارِ اللهِ تعالى عنهم، ثمَّ اختلفَ جوابُ الأممِ؛ فمِن مُسرعٍ في الإجابةِ بهدايةِ الله تعالى، ومِن مُبطئ، ومِن مُصمِّم على ضلالِه، ثم لكلِّ نبيٍّ مقاماتٌ ومقالاتٌ بحسَب اختلافِ الموطنِ والمجتمعاتِ، ولكلِّ مقامٍ مقالٌ يُناسُبه؛ فجرَى اختلافُ ما ورَدَ جوابًا بنِسبةِ ما وقَعَ الجوابُ عليه؛ فقومُ نوحٍ ذُكِر في سُورتي هود والمؤمنون إساءةٌ في جوابِهم لنبيِّهم، وإطالةٌ في المرتكَبِ حِين قالوا في سُورة هود: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: 27]، فجَمَعوا في هذِه الإطالةِ تَوهُّمَهم مُساواتَه عليه السَّلام فيما رآه البادِي مِن البَشريةِ والصُّورةِ الإنسانيةِ إلى استرذالِ أتْباعِه، ومثلُ هذا قولُهم في آيةِ المؤمنون: مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ إلى قولِهم: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون:24- 25]؛ فلإساءتِهم فيما ذُكِر مِن الواردِ عنهم في الموضعينِ وُصِفوا بالكفرِ، فقال تعالى: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [هود: 27، المؤمنون: 24]، وأمَّا آيةُ الأعراف فقولهم فيها: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ليس كجوابِهم في السُّورتَينِ الأُخريين لا مِن جِهةِ الطولِ، ولا مِن جِهةِ المعنى؛ فلمَّا لم يَكُنْ في الواردِ في سورةِ الأعرافِ مِن الإطالةِ في العِبارةِ والإبلاغِ فيما قَصَدوه مِن المعنى مِثلُ ما في السُّورتَينِ، ناسبَه الإيجازُ [807] يُنظر: ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/194-196). .
قوله: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
قوله: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ النِّداءُ في جوابِه إيَّاهم؛ للاهتمامِ بالخبرِ [808] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/191). .
ولم يَرِدِ النَّفيُ مِن نوحٍ عليه السَّلامُ على لَفْظِ ما قالَه قومُه قبل ذلك: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، فلم يأتِ التركيبُ: (لستُ في ضَلالٍ مِبين)، بل جاءَ في غايةِ الحُسنِ مِن نفي أن يَلتبسَ به ويختلطَ ضلالةٌ ما واحدةٌ، وإذا انتفَى عنه فرْدٌ واحدٌ مِن أفرادِ الضَّلالةِ فانتفاءُ غيرِه أنْفَى وأنْفَى، أي: ليس بي نوعٌ مِن أنواعِ الضَّلالةِ البتَّةَ؛ فكان هذا أبلغَ في عُمومِ السَّلبِ، فـ(الضَّلالة) في قوله: لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ أخصُّ من الضَّلالِ؛ فكانتْ أبلغَ في نفْي الضَّلالِ عن نفْسِه؛ كأنَّه قال: ليس بي شيءٌ مِن الضلالِ. وقيل: الضلالة أَدْنَى مِن الضَّلالِ وأقلُّ؛ لأنَّها لا تُطلَقُ إلَّا على الفَعلةِ الواحدةِ منه، وأمَّا الضلالُ فيُطلَقُ على القليلِ والكثيرِ مِن جِنسِه، ونَفْيُ الأدْنَى أبلغُ مِن نفْيِ الأعْلَى، لا مِن حيثُ كونُه أخصَّ، وهو مِن بابِ التنبيهِ بالأدْنَى على الأعْلَى [809] يُنظر: ((تفسير الزمخشري- مع الحاشية)) (2/113)، ((تفسير الرازي)) (14/296)،  ((تفسير أبي حيان)) (5/82-83)، ((العذب النمير)) (3/454). . وقيل: (الضَّلالة) مصدرٌ مِثلُ (الضلال)، وتأنيثُه لفظيٌّ محضٌ، والتَّخالُفُ بَينهما تفنُّنٌ في العِبارة؛ فلمَّا تَقدَّم لفظ (ضَلال) اسْتُحسِنَ أنْ يُعادَ بلفْظٍ يُغايرُه في السورةِ؛ دفعًا لثِقل الإعادةِ [810] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/192). .
وأفادَ تَنكيرُ ضَلَالَةٌ في سِياقِ النَّفيِ: المبالغةَ في النَّفيِ [811] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/428-429)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/438). .
والباءُ في قَولِه: بِي للمُصاحَبةِ أو المُلابسةِ، وهي تُناقِضُ معنى الظَّرفيَّةِ مِن قَولِهم في نُوحٍ عليه السَّلامُ: إنَّه فِي ضَلَالٍ، فنَفَى أن يكونَ للضَّلالِ مُتَلبَّسٌ به [812] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/192). ، وفي تَقديمِ هذا الظرفِ بِي تعريضٌ بضلالِهم [813] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/438). .
قوله: وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقَع استدراكًا للانتفاءِ عن الضَّلالةِ؛ فكونُه رسولًا مِن الله، مُبلِّغًا رِسالاتِه، ناصحًا، في معنى كونِه على الصِّراطِ المستقيمِ؛ فصحَّ لذلك أنْ يكونَ استدراكًا للانتفاءِ عن الضلالةِ [814] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/114). ، وهو استدراكٌ ممَّا قَبْلَه باعتِبارِ ما يَستلزِمه مِن كونِه في أقْصَى مَراتبِ الهداية؛ فإنَّ رَسالةَ ربِّ العالَمِين مستلزِمةٌ لهذا لا مَحالةَ، كأنَّه قيل: ليس بي شَيءٌ مِن الضَّلالِ، ولكنِّي في الغايةِ القُصْوى من الهِدايةِ [815] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/235- 236). ، وهذا لرفْعِ مَا تَوهَّموه مِن أنَّه في ضلالٍ حيثُ خالَفَ دِينَهم، أي: هو في حالِ رِسالةٍ عن اللهِ تعالى، مع ما تَقْتضِي الرِّسالةُ من التبليغِ والنُّصحِ والإخبارِ بما لا يَعلمونه، وذلك ما حَسِبوه ضلالًا [816] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/192- 193). .
واختيارُ طريقِ الإضافةِ في تعريفِ المُرسَل بقوله: رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ؛ لِمَا تُؤذِنُ به مِن تَفخيمِ المضافِ، ومِن وجوبِ طاعتِه على جميعِ النَّاسِ؛ تعريضًا بقومِه إذ عَصَوْه [817] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/193). ، ومِن في قولِه: رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ لابتداءِ الغايةِ مُتعلِّقةٌ بمحذوفٍ وقَع صِفةً لـ رسولٌ، وهي مُؤكِّدةٌ لِمَا يُفيدُه التنوينُ مِن الفخامةِ الذَّاتيةِ بالفخامةِ الإضافيةِ، أيْ: رسولٌ وأيُّ رَسولٍ كائنٌ مِن ربِّ العالَمِين [818] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/236، 238). .
قوله: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
قوله: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ استئنافٌ على سَبيلِ البَيانِ لكونِه رسولًا، وهو مَسوقٌ لتَقريرِ رِسالتِه، وتفصيلِ أَحكامِها وأحوالِها، ويجوزُ أن تكونَ هذه الجملةُ في موضِع الصِّفة لـرَسُول [819] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/18)، ((تفسير أبي حيان)) (5/83)، ((تفسير أبي السعود)) (3/236). وقال ابنُ عاشور: (ثمَّ إنِ اعتُبرت جملة: أُبَلِّغُكُمْ صِفةً، يَكُنِ العُدولُ عن ضميرِ الغَيبةِ إلى ضميرِ التكلُّمِ في قوله: أُبَلِّغُكُمْ وقولِه: رَبِّي الْتِفاتًا، باعتبارِ كونِ الموصوفِ خبرًا عن ضَميرِ المتكلِّم، وإنِ اعتُبرت استئنافًا؛ فلا الْتِفاتَ). ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/193). ، والمقصودُ منها إفادةُ التجدُّد، وأنَّه غيرُ تاركٍ التبليغَ مِن أجْلِ تَكذيبِهم؛ تَأْييسًا لهم مِن متابعتِه إيَّاهم، ولولا هذا المقصدُ لكان معنى هذِه الجملةِ حاصلًا مِن معنى قوله: وَلَكِنِّي رَسُولٌ [820] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/193). .
وقَولُه: أُبَلِّغُكُمْ مِنَ التَّبليغِ، وهي بالتَّشديدِ؛ لإفادةِ مَعنى التَّدريجِ والتَّكرارِ، وذلك يناسِبُ قَولَه: رِسَالَاتِ بالجَمعِ؛ باعتبارِ مُتعَلقِها وموضوعِها [821] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (8/438). .
قوله: رِسَالَاتِ رَبِّي: جَمَع رِسَالَات؛ لاختِلافِ أوقاتِها، أو لتنوُّعِ مَعانِيها مِن الأوامرِ والنَّواهِي، والمواعظِ والزَّواجِر، والبَشائِر والنَّذائر، أو لأنَّ كلَّ تَبليغٍ يَتضمَّنُ رسالةً بما بلَّغَه [822] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/115)، ((تفسير أبي السعود)) (3/236)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/193). .
قولُه: رَبِّي فيه تَخصيصُ رُبوبيَّتِه تعالى بِه عليه الصَّلاةِ والسَّلام بعدَ بَيانِ عمومِها للعَالَمين بقوله: مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ للإشعارِ لعِلَّة الحُكمِ الذي هو تَبليغُ رِسالتِه تعالى إليهم؛ فإنَّ رُبوبيَّتَه تعالى له عليه الصَّلاة والسلامُ مِن موجباتِ امتثالِه بأمْره تعالى بتبليغِ رسالتِه تعالى إليهم [823] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/236). .
ووَجهُ العُدولِ عَنِ الإضمارِ إلى الإظهارِ- حيثُ قال: رِسَالَاتِ رَبِّي، ولم يَقُل: (رِسَالاتِه)- هو ما تُؤذِنُ به إضافةُ الرَّبِّ إلى ضَميرِ المُتكَلِّمِ مِن لُزومِ طاعَتِه، وأنَّه لا يَسَعُه إلَّا تبليغُ ما أمَرَه بتبليغِه، وإن كَرِهَ قَومَه [824] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/194). .
قولُه: وَأَنْصَحُ لَكُمْ في الإتيانِ بالمضارعِ دَلالةٌ على تَجديدِ النُّصحِ لهم، وأنَّه غيرُ تاركِه مِن أجْلِ كراهيتِهم أو بَذاءتِهم [825] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/194). .
الأصلُ في معنى (يَنصَحُ) أنْ يَتعَدَّى إلى المفعولِ بنَفْسِه، وفي زِيادة اللَّامِ هنا- حيثُ قال: وَأَنْصَحُ لَكُمْ ولم يقُلْ: (وأَنْصَحُكم)- مبالغةٌ ودلالةٌ على إمحاضِ النَّصيحةِ، وأنَّها وقعَتْ خالصةً للمنصوحِ له، مقصودًا بها جانبُه لا غيرُ [826] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/115)، ((تفسير أبي حيان)) (5/83)، ((تفسير أبي السعود)) (3/236)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/194). .
قَولُه تعالى: وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ جاءَ بعدَ قولِه تعالى: أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ؛ جمعًا لِمَعانٍ كثيرةٍ ممَّا تتضَمَّنُه الرِّسالةُ، وتأييدًا لِثَباتِه على دَوامِ التَّبليغِ والنُّصحِ لهم، والاستخفافِ بكراهِيَتِهم وأذاهم؛ لأنَّه يعلَمُ ما لا يَعلمونَه مِمَّا يَحمِلُه على الاستِرسالِ في عَمَلِه ذلك؛ فجاءَ بهذا الكلامِ الجامِع، ويَتضمَّنُ هذا الإجمالُ البديع أيضًا تهديدًا للمُخالِفين من قومِه بحلولِ عَذابٍ بهم في العاجِل والآجِل، وتَنبيهًا للتأمُّلِ فيما أَتاهم به، وفتحًا لبصائرِهم أن تتطلَّبَ العلمَ بما لم يكونوا يَعلمونه، وكلُّ ذلك شأنُه أنْ يَبعثَهم على تصديقِه، وقَبولِ ما جاءَهم به [827] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/194- 195). .
قَولُه تعالى: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ  عبَّر بالاستفهامِ دُونَ أن يقولَ: (لا عَجَبَ)؛ إشارةً إلى أنَّ احتمالَ وُقوعِ ذلك منهم ممَّا يتردَّدُ فيه ظَنُّ العاقِلِ بالعُقلاءِ، فقَولُه: أَوَعَجِبْتُمْ بمنزلةِ المَنعِ لقضيَّةِ قَولِهم: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؛ لأنَّ قَولَهم ذلك بمنزلةِ مُقَدِّمةِ دليلٍ على بُطلانِ ما يدعوهم إليه [828] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/195). .
قوله: فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ
قوله: فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فيه تَقديمُ الإخبارِ بالإنجاءِ على الإخبارِ بالإغراقِ، مع أنَّ مُقتضى مقامِ العِبرةِ تَقديمُ الإخبارِ بإغراقِ المُنكرينَ؛ وذلك للمسارعةِ إلى الإخبارِ به، والإيذانِ بسَبْقِ الرحمةِ، وللاهتمامِ بإنجاءِ المُؤمنينَ، وتعجيلًا لِمَسرَّةِ السَّامعينَ مِنَ المُؤمنينَ، بأنَّ عادةَ اللهِ إذا أهلَكَ المشركينَ أن يُنَجِّيَ الرسولَ والمُؤمنينَ؛ فذلك التقديمُ يفيدُ التَّعريضَ بالنَّذَارة، وإلَّا فإنَّ الإغراقَ وقَعَ قبل الإنجاءِ؛ إذ لا يظهَرُ تحقُّقُ إنجاءِ نُوحٍ ومَن معه إلَّا بعد حُصولِ العَذابِ لِمَن لم يؤمِنوا به [829] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/237)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/197-198). .
وقوله: فِي الْفُلْكِ مُتعلق بمعنى قولِه: مَعَهُ؛ لأنَّ تَقديرَه: استقرُّوا معه في الفُلك، بهذا التعليقِ عُلِم أنَّ اللهَ تعالى أمَرَه أنْ يَحمِلَ في الفُلكِ مَعشرًا، وأنَّهم كانوا مُصدِّقين له؛ فكان هذا التعليقُ إيجازًا بديعًا [830] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/198). .
والإتيانُ بالموصولِ (الَّذين) في قَولِه: وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا دونَ أن يقولَ: (وأَغْرَقْنا سائرَهم)، أو (بقِيَّتَهم)؛ لِمَا تُؤذِن به الصِّلةُ من وجهِ تَعليلِ الخبرِ في قوله: وَأَغْرَقْنَا، أي: أَغرقْناهم لأجْلِ تَكذيبِهم [831] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/431)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/198). .
وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ، حيث قال تعالى هنا في سُورةِ الأعراف: فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ، وفي سُورة يونس قال: فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ [يونس: 73]؛ فاختلف نقْلُ الفِعل بالهمزةِ في الأُولى، وفي الثانية بالتَّضعيف، وفي الأولى قال: وَالَّذِينَ مَعَهُ، وفي الثانية: وَمَنْ مَعَهُ، فاختَلَف الموصولُ أيضًا؛ لأنَّ قولَه: أَنْجَيْنا أَصلٌ في هذا البابِ؛ لأنْ (أفعلت) في باب النَّقل أصلٌ لـ(فعلت) وهو أكثرُ؛ فآية الأعراف جاءتْ على الأصلِ الأكثرِ، وقوله: وَالَّذِينَ مَعَهُ هو الأصلُ، و(مَنْ) تجيء بمعناها، وتكونانِ مشتركتَينِ في مَعانٍ، و(الذين) خالصةٌ للخبر، مخصوصةٌ بالصِّلة؛ فاستُعمِلَ الأصلُ في اللَّفظين، وهما: (أَنجينا) و(الذين)، ولَمَّا كُرِّرَ هذا الذِّكرُ كان العدولُ إلى اللَّفظين الآخَرين اللَّذين هما معناهما، وهما: (نَجَّينا) و(مَن) أشبهَ بطريقةِ الفصحاءِ وعادةِ البلغاءِ [832] يُنظر: ((درة التنزيل وغرة التأويل)) للإسكافي  (2/607-610)، ((ملاك التأويل)) لأبي جعفر الغرناطي (1/199). . وقيل: لأنَّ (أَنْجينا) و(نجَّينا) للتعدِّي، لكنَّ التَّشديدَ يدلُّ على الكثرةِ والمبالَغة؛ فكان في يُونُس وَمَنْ مَعَهُ ولَفْظُ (مَن) يقعُ على كثرةِ ما يَقعُ عليه (الذين)؛ لأنَّ (مَن) يَصلُح للواحدِ والتثنيةِ والجمعِ، والمُذكَّر والمؤنَّث، بخِلاف (الذين) فإنَّه لجمْع المذكَّر فحسبُ؛ فكان التَّشديدُ مع (مَن) أَليقَ [833] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص:122). .
قوله: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ حرفُ (إنَّ) هنا لا يُقصَدُ به ردُّ الشكِّ والتردُّد؛ إذ لا شكَّ فيه، وإنَّما المقصودُ مِن الحرفِ الدَّلالةُ على الاهتمامِ بالخبرِ، ومِن شأن (إنَّ) إذا جاءت للاهتمامِ أنْ تَقومَ مقامَ فاء التَّفريعِ [834] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/198). .
وعبَّر عنهم بالصِّفةِ المُشَبَّهةِ عَمِينَ؛ لِدَلالَتِها على ثُبوتِ الصِّفةِ، وتمكُّنِها بأن تكون سَجِيَّةً [835] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/299)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/198). .