موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيتان (34-35)

ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ

غريب الكلمات:


وَمَثَلًا: أي: قصةً عجيبةً، أو شبَهًا، أو أخبارًا تكونُ لكم مثلًا، وأصلُ (مثل): يَدُلُّ على مُناظرَةِ الشَّيءِ لِلشَّيءِ [862] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/296)، ((الوجوه والنظائر)) لأبي هلال العسكري (ص: 453)، ((تفسير الزمخشري)) (3/240)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 257). .
كَمِشْكَاةٍ: المشكاةُ: الكَوَّةُ فِي الحائِطِ غيرُ النافذةِ يُوضَعُ فيها المصباحُ، وقيل: مَوضِعُ الفتيلةِ مِن القنديلِ، واختُلِف هل هي عربيةٌ أو حبشيَّةٌ مُعَرَّبةٌ [863] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 305)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 311). ((المفردات)) للراغب (ص: 463). ((تفسير القرطبي)) (12/258)، ((الدر المصون)) للسمين (8/404)، ((تفسير ابن كثير)) (6/58)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 876).
دُرِّيٌّ: أي: مضئٌ؛ منسوبٌ إلى الدُّرِّ، وهو كِبارُ اللُّؤْلُؤِ، تَشْبيهًا بصفائِه، والدريُّ: الشَّديدُ الإنارةِ، وأصلُ (دري) هنا: يدلُّ على اضْطِرابٍ في شيءٍ، وسُمِّي الدرُّ بذلك؛ لاضطرابٍ يُرَى فيه لِصَفائِه، كأنَّه ماءٌ يَضْطَرِبُ [864] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 305). ((تفسير ابن جرير)) (17/302). ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/255، 256). ((الغريبين في القرآن والحديث)) للهروي (2/630)، ((المفردات)) للراغب (ص: 695)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (2/113)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 312). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: ولقد أنزَلْنا إليكم آياتٍ واضحاتٍ موضِّحاتٍ، ومَثَلًا بمَن سبقَكم مِن الأُمَمِ؛ لتتَّعِظوا وتعتَبِروا، وعِظةً وذِكرى للمتَّقين. اللهُ نورُ السَّمواتِ والأرضِ، وهادي مَن فيهما، مَثَلُ نورِ الله في قلبِ المؤمِنِ ككَوَّةٍ في حائطٍ غيرِ نافذةٍ، فيها مِصباحٌ، المِصباحُ في زُجاجةٍ مُتوهِّجةٍ كأنَّها كوكبٌ مُضيءٌ كالدُّرِّ، يوقَدُ المصباحُ مِن زيتِ شَجَرةِ زيتونٍ مُبارَكةٍ، لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ، فلا يستُرُها عن الشَّمسِ شَيءٌ في الصَّباحِ أو في المساءِ، يكادُ زيتُها -لصفائِه- يضيءُ ولو لم تمسَسْه نارٌ، نورٌ على نورٍ؛ نورُ النَّارِ مع نورِ الزَّيتِ والزجاجة، وانعكاسه مِن الكوَّةِ، وهكذا قلبُ المؤمنِ إذا أشرقَ فيه نورُ الهدايةِ، واللهُ يَهدي لنورِه مَن يشاءُ مِن عبادِه، ويضرِبُ اللهُ الأمثالَ للنَّاسِ، واللهُ بكُلِّ شيءٍ عَليمٌ، لا يخفى عليه شَيءٌ.

تفسير الآيتين:


وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
بعدَ أن فصَّل هذه الأحكامَ التي سبَقت وبيَّنها؛ امتنَّ على عبادِه بذلك، فقال [865] يُنظر: ((تفسير المراغي)) (18/106). :
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
1- قراءةُ مُبَيَّنَاتٍ بفتح الياءِ، بمعنى: واضحاتٍ مفسَّراتٍ مفصَّلاتٍ [866] قرأ بها ابن كثير، وأبو بكر شعبة، ونافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/248). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (17/294)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/298). .
2- قراءةُ مُبَيِّنَاتٍ بكسر الياءِ، بمعنى: موضِّحاتٍ؛ تُبَيِّنُ الحقَّ والصوابَ للنَّاسِ [867] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/249). ويُنظر لمعنى هذه القراءةِ: ((تفسير ابن جرير)) (17/294)، ((معاني القراءات)) للأزهري (1/298). .
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ.
أي: ولقد أنزَلْنا إليكم [868] ) قال ابنُ جريرٍ: (ولقد أنزلنا إليكم أيُّها الناسُ). ((تفسير ابن جرير)) (17/294). آياتٍ واضحاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، توضِّحُ الحقَّ، وتميِّزُه مِن الباطلِ، وتُبَيِّنُ الأحكامَ [869] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/294)، ((تفسير ابن كثير)) (6/57)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النور)) (ص: 231، 232). قال البِقَاعي: (آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ مفصَّلٌ فيها الحقُّ من الباطلِ، موضَّحٌ بالنقل والعقلِ، بحيث صارت لشدَّةِ بيانِها تبينُ هي لمن تدبَّرها طرقَ الصوابِ). ((نظم الدرر)) (13/270). .
وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ.
أي: وأنزَلْنا إليكم قِصَّةً عجيبةً في هذه السُّورةِ مِن جنسِ قَصَصِ الأُمَمِ الماضينَ مِن قَبْلِكم [870] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/240)، ((تفسير أبي حيان)) (8/42)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/271)، ((تفسير الشوكاني)) (4/36)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/230)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/533، 534، 536). قال ابن عاشور: (وفي الكلامِ حذفُ مُضافٍ يَدُلُّ عليه السِّياقُ، تقديرُه: مِنْ أمثالِ الَّذينَ خَلَوا مِنْ قبلِكم). ((تفسير ابن عاشور)) (18/230). وممَّن قال بهذا القولِ: الزمخشريُّ، والبقاعي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/240)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/271)، ((تفسير الشوكاني)) (4/36). وقال الشنقيطي: (المرادُ بالقِصَّةِ العجيبةِ التي أنزل إلينا، وعبَّرَ عنها بقَولِه: وَمَثَلًا هي براءةُ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها مِمَّا رماها به أهلُ الإفك... لأنَّ كُلًّا مِن عائشةَ ومريمَ ويوسُفَ رُمي بما لا يليقُ، وكلٌّ منهم برَّأه الله، وقِصَّةُ كُلٍّ منهم عجيبةٌ؛ ولذا أطلَقَ عليها اسمَ المَثَل). ((أضواء البيان)) (5/534، 536). وقال ابنُ عثيمين: (المرادُ بالمَثَلِ -والله أعلم- هنا ما هو أعَمُّ مِن الواقِعِ، يعني: أمثالًا مِن الذين خَلَوا، وليس هذا خاصًّا بخبَرِ عائشةَ رضِيَ الله عنها ومريمَ ويوسُفَ، بل هو أعَمُّ مِن ذلك... فاللهُ سُبحانه وتعالى ضرَبَ لنا أمثالًا ممَّن خلا مِن قَبلِنا فيما يتعلَّقُ بالعِفَّةِ والصِّيانةِ، وفيما يتعلَّقُ بالأمرِ بالدِّينِ والإيمانِ والقُدوةِ الحَسَنةِ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 233). .
وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.
أي: وأنزَلْنا إليكم من الوَعدِ والوعيدِ، والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ ما يَعتبِرُ به الذين يتَّقون اللهَ، ويخافونَ عقابَه، فيَمتثِلون أوامِرَه، ويجتَنِبون نواهيَه [871] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/295)، ((تفسير ابن كثير)) (6/57)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568). .
كما قال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: 29] .
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بَيَّن سُبحانَه مِنَ الأحكامِ ما بَيَّنَ، أردَف ذلك بكَونِه سُبحانَه في غايةِ الكَمالِ [872] يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/38). ، وعلَّل إنزالَه ما سبَق على هذا السَّنَنِ الأقوَمِ، والنَّظْمِ المُحكَمِ [873] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/271). .
وأيضًا لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى ببَعضِ الأُمورِ التي لا غِنَى للنَّاسِ عنها، ونَهى عن بَعضِ الأُمورِ التي بارتِكابِها يَحصُلُ الضَّرَرُ على المُجتمَعِ والأفرادِ، وحَثَّ على بَعضِ الآدابِ؛ بَيَّن سُبحانَه أنَّ امتِثالَ تلك الأوامِرِ، واجتِنابَ تلك النَّواهي، والتِزامَ تلك الآدابِ: يُنَوِّرُ لها قُلوبَ بَعضِ عِبادِه؛ فيُوفِّقُهم لها، ويَطمِسُ قُلوبَ آخَرِينَ؛ فلا يَمتَثِلونَ أوامِرَه، ويَرتَكِبونَ نواهيَه، فضَرَبَ للمُوَفَّقِ هذا المَثَلَ، وضَرَب للضَّالِّينَ المَثَلَ الآتيَ بعدَ ذلك [874] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 135). .
وأيضًا لَمَّا كان غَضُّ البصرِ يَكْسِبُ القَلبَ نُورًا، كما أنَّ إطلاقَه يُلْبِسُه ظُلمةً؛ ذَكَرَ اللهُ سبحانَه آيةَ النُّورِ عَقِيبَ الأمرِ بغَضِّ البصرِ [875] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 178). ، فقال تعالى:
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أي: اللهُ مُنَوِّرُ السَّمواتِ والأرضِ، وهادي مَن فيهما، ومُدبِّرُ أمورِهم، وهو بذاتِه نورٌ جلَّ وعلا [876] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/295)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/43)، ((تفسير البغوي)) (3/415)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/391)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/44 - 46)، ((تفسير ابن كثير)) (6/57)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/233)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 239). قال ابنُ القيِّمِ: (اللهُ سبحانَه وتعالى سمَّى نفسَه نورًا، وجعل كتابَه نورًا، ورسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نورًا، ودينَه نورًا، واحتجَبَ عن خلقِه بالنورِ، وجعَلَ دارَ أوليائِه نورًا تتلألأ... وقد فُسِّر: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور: 35] الآيةَ: بكونِه مُنَوِّرَ السَّموات والأرضِ، وهاديَ أهلِ السَّمواتِ والأرضِ؛ فبُنورِه اهتدى أهلُ السَّمواتِ والأرضِ، وهذا إنَّما هو فِعلُه، وإلَّا فالنورُ الذي هو من أوصافِه قائِمٌ به، ومنه اشتُقَّ له اسمُ النورِ الذي هو أحدُ الأسماءِ الحُسنى. والنورُ يُضافُ إليه سُبحانَه على أحدِ وَجهَينِ: إضافةُ صِفةٍ إلى موصوفِها، وإضافةُ مَفعولٍ إلى فاعِلِه. فالأوَّلُ: كقَولِه تعالى: وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا  ... [الزمر: 69] الآيةَ، فهذا إشراقُها يومَ القيامةِ بنورِه تعالى إذا جاء لفَصلِ القَضاءِ... وفي مُعجَمِ الطَّبَرانيِّ والسُّنَّةِ له، وكتابِ عُثمانَ الدَّارميِّ، وغيرِها، عن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ الله عنه، قال: «ليس عند ربِّكم ليلٌ ولا نهارٌ؛ نورُ السَّمواتِ والأرضِ مِن نورِ وَجهِه»، وهذا الذي قاله ابنُ مسعودٍ رَضِيَ الله عنه أقرَبُ إلى تفسيرِ الآيةِ مِن قَولِ مَن فسَّرها بأنَّه هادي أهلِ السَّمواتِ والأرضِ، وأمَّا مَن فسَّرها بأنَّه مُنَوِّرُ السَّمواتِ والأرضِ، فلا تنافيَ بيْنه وبيْن قَولِ ابنِ مَسعودٍ، والحَقُّ أنَّه نورُ السَّمواتِ والأرضِ بهذه الاعتِباراتِ كُلِّها). ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (2/44-46). وقال السَّعدي: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الحسِّيُّ والمعنويُّ؛ وذلك أنَّه تعالى بذاتِه نورٌ، وحِجابُه -الذي لولا لُطفُه لأحرَقَت سُبُحاتُ وَجهِه ما انتهى إليه بصَرُه مِن خَلقِه- نورٌ، وبه استنار العَرشُ والكرسيُّ، والشَّمسُ والقَمَرُ والنورُ، وبه استنارت الجنَّةُ. وكذلك النورُ المعنويُّ يَرجِعُ إلى الله؛ فكتابُه نورٌ، وشَرعُه نورٌ، والإيمانُ والمعرفةُ في قُلوبِ رُسُلِه وعبادِه المؤمنين نورٌ. فلولا نورُه تعالى لتَراكمت الظُّلُمات؛ ولهذا كُلُّ محَلٍّ يَفقِدُ نورَه، فثَمَّ الظُّلمةُ والحَصرُ). ((تفسير السعدي)) (ص: 568). وقال ابنُ عثيمين: (النُّورُ حقيقيٌّ لله سبحانَه وتعالى؛ فهو نورٌ، وصِفاتُه نورٌ، وكذلك آياتُه نورٌ؛ سَمَّاها اللهُ تعالى نورًا لأنَّ اللهَ تعالى وَصَف نَفْسَه بهذا الشَّيءِ، ولكِنْ ليس كالنُّورِ الذي نتصَوَّرُه أو نتخيَّلُه). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 238). وقال ابن تيميَّةَ: (اللهُ تعالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ فإنَّه ليس كشَيءٍ مِنَ الأنوارِ، كما أنَّ ذاتَه ليست كشيءٍ مِنَ الذَّواتِ). ((مجموع الفتاوى)) (6/395). .
عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو مِنَ اللَّيلِ: ((اللهُمَّ لك الحمدُ، أنت ربُّ السَّمواتِ والأرضِ، لك الحمدُ أنت قَيِّمُ السَّمواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، لك الحمدُ أنت نورُ السَّمواتِ والأرضِ، قولُك الحقُّ، ووعدُك الحقُّ، ولِقاؤُك حَقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ، والسَّاعةُ حَقٌّ، اللهمَّ لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصَمتُ، وإليك حاكَمتُ؛ فاغفِرْ لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وأسرَرتُ وأعلَنتُ، أنت إلهي لا إلهَ لي غيرُك)) [877] رواه البخاري (7385) واللفظ له، ومسلم (769). .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: سَمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ خلَق خَلْقَه في ظُلمةٍ، فألقَى عليهم مِن نُورِه، فمَن أصابَه مِن ذلك النُّورِ اهتدَى، ومَن أخطأه ضلَّ؛ فلذلك أقولُ: جفَّ القَلمُ على عِلمِ اللهِ )) [878] أخرجه الترمذي (2642) واللفظُ له، وأحمد (6644) مُطوَّلًا. حسَّنه الترمذي، وصَحَّحه الحاكِمُ في ((المستدرك)) (1/84) وقال: (قد تداوله الأئمَّةُ، وقد احتجَّا بجميعِ رُواتِه ثُمَّ لم يُخَرِّجاه، ولا أعلمُ له عِلَّةً). وحَسَّنه ابنُ العربي في ((عارضة الأحوذي)) (5/316)، وصَحَّح إسنادَه البوصيري في ((إتحاف الخيرة المهرة)) (1/166)، وأحمد شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (11/79)، وصَحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (2642). .
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ.
أي: مَثَلُ نورِ الله [879] ممَّن اختار أنَّ الضَّميرَ في قَولِه: نُورِهِ يعودُ إلى اللهِ تعالى: البغويُّ، وابن جُزي، والخازن، وابن القيم، والعليمي، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير البغوي)) (3/415)، ((تفسير ابن جزي)) (2/70)، ((تفسير الخازن)) (3/297)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/49)، ((تفسير العليمي)) (4/538)، ((تفسير الشوكاني)) (4/38)، ((تفسير القاسمي)) (7/389)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/234). قال السمعاني: (مَثَلُ نُورِهِ فيه أقوالٌ؛ أحَدُها: أنَّ معناه: مَثَلُ نُورِ اللهِ في قَلبِ المُؤمِنِ، وهو النُّورُ الذي يُهتدَى به، وهذا في معنى قَولِه تعالى: فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: 22] . والقَولُ الثَّاني: مَثَلُ نُورِهِ أي: نورِ قَلبِ المؤمِنِ بالإيمانِ. والقَولُ الثَّالِثُ: أنَّه نورُ مُحمَّدٍ، ومنهم مَن أوَّلَ على القُرآنِ). ((تفسير السمعاني)) (3/529). قال ابنُ عطيَّة: (واختلف المتأوِّلون في الضَّميرِ في نُورِهِ على مَن يعودُ؛ فقال كَعبُ الأحبارِ وابنُ جُبَيرٍ: هو عائِدٌ على محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، أي: مَثَلُ نُورِ محمَّدٍ. وقال أُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وابنُ جُبَيرٍ [في روايةٍ أُخرَى]، والضحَّاكُ: هو عائِدٌ على المؤمِنينَ... وقال الحسَنُ: هو عائِدٌ على القُرآنِ والإيمانِ... وهذه أقوالٌ فيها عَودُ الضَّميرِ على مَن لم يَجْرِ له ذِكرٌ، وفيها قَطعُ المعنى المرادِ بالآيةِ. وقالت فِرقةٌ: الضَّميرُ في نُورِهِ عائدٌ على الله، ثم اختَلَفت هذه الفِرقةُ في المرادِ بـالنورِ الذي أُضيفَ إلى اللهِ تعالى إضافةَ خَلقٍ إلى خالقٍ، كما تقولُ: سماءُ اللهِ، وناقةُ الله؛ فقال بعضُها: هو محمَّدٌ. وقال بعضُها: هو المؤمِنُ. وقال بعضُها: هو الإيمانُ والقرآنُ. وهذه الأقوالُ متَّجِهةٌ مطَّرِدٌ معها المعنى). ((تفسير ابن عطية)) (4/183). قال ابن جزي: (المعنى: صفةُ نورِ الله في وضوحِه كصفةِ مِشكاةٍ فيها مِصباحٌ، على أعظَمِ ما يَتصوَّرُه البَشَرُ مِن الإضاءةِ والإنارةِ... وقيل: الضَّميرُ في نورِه عائدٌ على سيدِنا محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: على القرآنِ، وقيل: على المؤمنِ. وهذه الأقوالُ ضعيفةٌ؛ لأنَّه لم يتقدَّمْ ما يعودُ عليه الضَّميرُ). ((تفسير ابن جزي)) (2/70). وقال ابن القيم: (وقد اختُلف في تفسيرِ الضميرِ في نُورِهِ؛ فقيل: هو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أي: مثَلُ نورِ محمدِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقيل: تفسيرُه المؤمنُ، أي: مثلُ نورِ المؤمنِ، والصحيحُ أنَّه يعودُ على الله عزَّ وجلَّ، والمعنى: مثلُ نورِ الله سبحانه وتعالى في قلبِ عبدِه. وأعظَمُ عبادِه نصيبًا مِن هذا النورِ رسولُه صلَّى الله عليه وسلَّم، فهذا مع ما تضمَّنه عودُ الضميرِ إلى المذكورِ، وهو وجهُ الكلامِ يتضمَّنُ التقاديرَ الثلاثةَ، وهو أتمُّ معنًى ولفظًا). ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (2/49). في قَلبِ المؤمنِ الذي هداه الله مثلُ كَوَّةٍ غيرِ نافذةٍ، وُضِع فيها مِصباحٌ [880] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/529)، ((تفسير البغوي)) (3/415). ممَّن اختار أنَّ المشكاةَ هي الكَوَّةُ غيرُ النَّافذةِ في الجِدارِ: الفَرَّاءُ، وأبو عبيدة، وابنُ قُتَيبة، والزجَّاج، والسمعاني، والراغب الأصبهاني، والبغوي، والزمخشري، وابن عطية -ونسَبه لجمهورِ المفسِّرين-، وابن جزي، وابن القيم، والشوكاني، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/252)، ((مجاز القرآن)) لأبي عبيدة (2/66)، ((تأويل مشكل القرآن)) لابن قتيبة (ص: 197)، ((معاني القرآن)) للزجاج (4/43)، ((تفسير السمعاني)) (3/530)، ((المفردات في غريب القرآن)) للراغب (ص: 463)، ((تفسير البغوي)) (3/415)، ((تفسير الزمخشري)) (3/241)، ((تفسير ابن عطية)) (4/184)، ((تفسير ابن جزي)) (2/70)،  ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/50)، ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص: 52)، ((تفسير الشوكاني)) (4/38)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 241). قال الألوسي: (والمُعَوَّلُ عليه قَولُ الجُمهورِ). ((تفسير الألوسي)) (9/359). قال الواحدي: (كَمِشْكَاةٍ وهي كَوَّةٌ غيرُ نافذةٍ، في قَولِ الجَميعِ). ((الوسيط)) (3/320). وقال أيضًا: (قال ابنُ عباسٍ في رواية عطاءٍ وسليمانَ [بن قتَّة]: كَمِشْكَاةٍ يعني: كَوَّةً غيرَ نافذةٍ بلِسانِ الحَبَشِ. وهذا قولُ السُّدِّي، والكلبي، وقتادةَ، وجميعِ المفسِّرين. قالوا: هي الكَوَّةُ غيرُ النافذةِ، كما قال أهلُ اللغةِ، غيرَ أنَّ بعضَهم ذكر أنَّها بلُغةِ الحبَشَةِ). ((البسيط)) (16/260). وقال ابن عاشور: (المِشْكاةُ: المعروفُ مِن كلامِ أهلِ اللُّغةِ أنَّها فُرجةٌ في الجِدارِ مِثلُ الكَوَّةِ، لكِنَّها غيرُ نافِذةٍ، فإن كانت نافِذةً فهي الكَوَّةُ. ولا يُوجَدُ في كلامِ الموثوقِ عنهم من أهلِ العربيَّةِ غيرُ هذا المعنى، واقتصَرَ عليه الرَّاغِبُ، وصاحِبُ «القاموس»، و «الكشَّاف»). ((تفسير ابن عاشور)) (18/235). وممَّن قال بهذا القَولِ مِنَ السَّلَفِ: ابنُ عمر، وابنُ عَبَّاسٍ في روايةٍ عنه، وكعب الأحبار، والحسن، وابن جُرَيج، وسعد بن عياض، والسُّدِّي، وعِكْرِمة، والكلبي، وسليمان بن قتة، وقتادة، والضحاك، وأبو مالك. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/301)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2595)، ((البسيط)) للواحدي (16/260). وقيل: المِشْكاةُ: هي مَوضِعُ الفَتيلةِ مِنَ القِنديلِ. وممَّن اختار ذلك: ابنُ جرير، وابن كثير، والسيوطي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/297)، ((تفسير ابن كثير)) (6/58)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (2/33). وممَّن قال بهذا القَولِ مِنَ السَّلَفِ: ابنُ عبَّاسٍ في روايةٍ، ومجاهِدٌ، ومحمَّدُ بنُ كعبٍ، وابنُ زيد. يُنظر:  ((تفسير ابن جرير)) (17/315)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2595)، ((تفسير الرازي)) (23/389)، ((تفسير ابن كثير)) (6/58). قال الواحدي: (كَمِشْكَاةٍ وهي: الكَوَّةُ غيرُ النَّافذةِ، والمرادُ بها هاهنا: الذي وسَطَ القِنديلِ كالكَوَّةِ يُوضَعُ فيها الذُّبالةُ). ((الوجيز)) (ص: 764). ويُنظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (10/166). وقال ابنُ العربي: (لا خِلافَ بينَ المُحَقِّقينَ الذين يُنزِلونَ التَّفسيرَ مَنازِلَه، ويَضَعونَ التَّأويلَ مَواضِعَه مِن غيرِ إفراطٍ ولا تفريطٍ: أنَّ هذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللهُ تعالى لنُورِه، ولا يُمكِنُ أن يَضرِبَ لنُورِه المُعَظَّمِ مَثَلًا تنبيهًا لخَلقِه إلَّا ببَعضِ خَلْقِه؛ لأنَّ الخَلْقَ بقُصورِهم لا يَفهَمونَ إلَّا بأنفُسِهم ومِن أنفُسِهم، ولولا ذلك ما عَرَفَ اللهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه). ((أحكام القرآن)) (3/404). .
قال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: 22] .
الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ.
أي: وهذا المِصباحُ داخلَ زجاجةٍ تُحيطُ به [881] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/307)، ((تفسير ابن كثير)) (6/59)، ((تفسير أبي السعود)) (6/176). .
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ.
القراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: دُرِّيٌّ قِراءاتٌ:
1- قِراءةُ: دِرِّيءٌ بكَسرِ الدَّالِ مع المَدِّ والهَمزِ، وهو فِعِّيلٌ، مِثلُ سِكِّيرٍ؛ مِنَ الدَّرْءِ: وهو الدَّفعُ، والمعنى: أنَّ الخَفاءَ يُدفَعُ عنه لِتَلألُئِه في ظُهورِه، أو أنَّه يَدفَعُ بنُورِه مِن أن يَنظُرَ النَّاظِرُ إليه. وقيل: سُمِّيَ دِرِّيئًا؛ لأنَّ الكوكَبَ يَدفَعُ الشَّياطينَ مِنَ السَّماءِ، وشَبَّهَه بحالةِ الدَّفعِ؛ لأنَّه يكونُ في تلك الحالةِ أضوَأَ وأنوَرَ. ويُقالُ: هو مِنَ دَرَأَ الكَوكبُ: إذا اندفَعَ مُنقَبِضًا، فيتَضاعَفُ ضَوؤُه في ذلك الوَقتِ. وقيل: إنَّما سُمِّيَ دِرِّيئًا؛ لأنَّه يَطلُعُ عليك مِن مَطْلِعِه، يُقالُ: دَرَأَ النَّجمُ: إذا طَلَع وارتَفَع [882] قرأ بها أبو عمرو والكسائي. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/332). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/207)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 262)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 499)، ((تفسير البغوي)) (3/415)، ((تفسير ابن كثير)) (6/59). .
2- قِراءةُ: دُرِّيءٌ بضَمِّ الدَّالِ والمَدِّ والهَمزِ، وهو فُعِّيلٌ مِنَ الدَّرءِ: وهو الدَّفعُ [883] قرأ بها حمزة وشعبة. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/332). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/207)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 262)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 499). .
3- قِراءةُ: دُرِّيٌّ نِسبةً إلى الدُّرِّ؛ لفَرطِ ضِيائِه وبَهائِه ونُورِه، ويجوزُ أن يكونَ فُعِّيلًا مِنَ الدَّرءِ: وهو الدَّفعُ، فخُفِّفَت الهَمزةُ فانقَلَبَت ياءً، ثم أُدغِمَت الياءُ في الياءِ، فتكونُ بمعنى القِراءةِ السَّابقةِ [884] قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (2/332). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((معاني القراءات)) للأزهري (2/207)، ((الحجة في القراءات السبع)) لابن خالويه (ص: 262)، ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 499). .
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ.
أي: الزُّجاجةُ صافيةٌ وبهيَّةٌ كأنَّها كوكَبٌ صافٍ حَسَنٍ مُضيءٍ، وهكذا قَلبُ المؤمِنِ الخالِصِ من الكُفرِ والشَّكِّ، المتطهِّرِ من دَنَسِ المعاصي [885] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/307، 309)، ((الوابل الصيب)) لابن القيم (ص: 52)، ((تفسير ابن كثير)) (6/59)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568). قال البقاعي: (فإنه إذا كان في زجاجةٍ صافيةٍ انعكَست الأشعةُ المنفصلةُ عنه مِن بعضِ جوانبِ الزُّجاجةِ إلى بعضٍ؛ لِما فيها مِن الصَّفاءِ والشفيفِ، فيزدادُ النورُ، ويبلغُ النهايةَ، كما أنَّ شعاعَ الشمسِ إذا وقَع على ماءٍ أو زجاجةٍ صافيةٍ تضاعَف النُّورُ، حتى إنَّه يَظهرُ فيما يقابلُه مثلُ ذلك النُّورِ). ((نظم الدرر)) (13/273). .
عن حُذيفةَ رَضِيَ الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ كالحَصيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قَلبٍ أُشرِبَها نُكِتَ [886] نُكِتَ: أي: نُقِطَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (2/172). فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قَلبٍ أنكَرَها نُكِتَ فيه نُكتةٌ بَيضاءُ، حتى تصيرَ على قَلبينِ؛ على أبيَضَ مِثلِ الصَّفا [887] الصَّفا: أي: الحَجَرِ الأملَسِ الذي لا يَعلَقُ به شَيءٌ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (2/172). ، فلا تضُرُّه فِتنةٌ ما دامت السَّمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسوَدُ مِرْبادًّا، كالكُوزِ مُجَخِّيًا [888] مُجَخِّيًا: أي: مائِلًا مَنكوسًا. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (2/173). ، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلَّا ما أُشرِبَ مِن هواه!)) [889] رواه مسلم (144). .
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ.
القِراءاتُ ذاتُ الأثَرِ في التَّفسيرِ:
في قَولِه تعالى: يُوقَدُ قِراءاتٌ:
1- قِراءةُ يُوقَدُ وفاعِلُ (يوقَدُ) المِصباحُ. وقيل: يجوزُ أن يكونَ التوقُّدُ للكَوكَبِ [890] قرأ بها نافع، وابن عامر، وحفص. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/332). وينظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 500). .
2- قِراءةُ تَوَقَّدَ: فعلٌ ماضٍ بزِنةِ (تَفَعَّلَ)، وفاعِلُ (تَوقَّدَ) المِصباحُ. ويجوزُ أن يكونَ التوقُّدُ للكوكَبِ. وقيل: لا يعودُ على (كوكب)؛ لفَسادِ المعنى [891] قرأ بها ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو جعفر. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/332). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 500)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/407). .
3- قِراءةُ تُوقَدُ على أنَّ الإيقادَ للزُّجاجةِ [892]  قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر في القراءات العشر)) لابن الجزري (2/332). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((حجة القراءات)) لابن زنجلة (ص: 500)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (8/407). قال ابن زنجلة: (فإنْ قِيلَ: كيف وُصِفَت الزُّجاجةُ بأنَّها تُوقَدُ، وإنَّما يكونُ الاتِّقادُ للنَّارِ؟ قيل: لَمَّا كان الاتِّقادُ فيها جازَ أن يُوصَفَ به؛ لارتفاعِ اللَّبسِ عن وَهمِ السَّامِعينَ، وعِلمِهم بالمرادِ مِن الكَلامِ، والعَرَبُ قد تُسنِدُ الأفعالَ كثيرًا إلى ما لا فِعْلَ له في الحقيقةِ إذا كان الفِعلُ يَقَعُ فيه، فيقولونَ: ليلٌ نائِمٌ؛ لأنَّ النَّومَ فيه يكونُ). ((حجة القراءات)) (ص: 500) .
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ.
أي: يَستَمِدُّ المصباحُ نورَه مِن زيتِ شَجرةِ زيتونٍ، مُبارَكةٍ كَثيرةِ المنافِعِ، لا شرقيَّةٍ تصيبُها الشَّمسُ عند الشُّروقِ فقط، ولا غربيَّةٍ تصيبُها الشَّمسُ عند الغروبِ فقط، بل الشَّمسُ تصيبُها طوالَ النَّهارِ؛ فيكونُ زيتُها أصفى وأجوَدَ وأشدَّ إضاءةً [893] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/310، 313)، ((تفسير ابن جزي)) (2/70)، ((تفسير ابن كثير)) (6/59، 60)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568). ممَّن اختار القولَ المذكورَ: الفرَّاءُ، وابن جرير، والزجاج، والبقاعي، والقاسمي. يُنظر: ((معاني القرآن)) للفراء (2/253)، ((تفسير ابن جرير)) (17/313)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/45) ، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/274)، ((تفسير القاسمي)) (7/386). ونسَبَ السمعانيُّ هذا القولَ لأكثَرِ أهلِ المعاني، ونسَبَه البغويُّ للأكثرينَ، والرَّسعنيُّ لأكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/532)، ((تفسير البغوي)) (3/417)، ((تفسير الرسعني)) (5/255). قال ابن عثيمين: (فهي إمَّا في رَبْوةٍ، وذلك أكمَلُ وأبيَنُ وأعلى وأطيَبُ زَيتًا، وإمَّا في مكانٍ مُستَوٍ؛ صحراويَّة). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 245). وقال الشنقيطيُّ بعد أن ذكَر أنَّ أظهَرَ الأقوالِ أنَّها باديةٌ لا يَستُرُها شَيءٌ عن الشمسِ، قال: (وذلك بألَّا يَكونَ في شَرقِها ولا في غَربِها شجَرٌ). ((تفسير سورة النور)) (ص: 137). وقيل: ليست مِن المَشرقِ ولا مِن المَغربِ، بلْ في الوسَطِ منهما، وهو الشامُ، وأجْوَدُ الزَّيتونِ زَيتونُ الشامِ. وممَّن اختار هذا القولَ: الكرمانيُّ، والزمخشري، والنسفي. يُنظر: ((تفسير الكرماني)) (2/798)، ((تفسير الزمخشري)) (3/241)، ((تفسير النسفي)) (2/506). ويُنظر أيضًا: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 138)، وقد وصَف هذا القولَ بأنَّه غيرُ سديدٍ. وقال السعدي: (لَا شَرْقِيَّةٍ فقط، فلا تُصيبَها الشمسُ آخِرَ النهارِ، وَلَا غَرْبِيَّةٍ فقط، فلا تُصيبَها الشمسُ أوَّلَ  النهارِ، وإذا انتفى عنها الأمْرانِ، كانت متوسِّطةً مِن الأرضِ؛ كزَيتونِ الشامِ، تُصيبُها الشمسُ أوَّلَ النهارِ وآخِرَه؛ فتَحسُنُ وتَطيبُ، ويَكونُ أصْفى لزَيتِها). ((تفسير السعدي)) (ص: 568). وقيل: المعنى: أنَّها شجرةٌ بيْن الأشجارِ، لا هي بارزةٌ للشمسِ عندَ شُروقِها، ولا هي بارزةٌ عندَ غروبِها. وذكَر الشنقيطيُّ أنَّه باطلٌ. وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/532)، ((تفسير الماوردي)) (4/104)، ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 138). وقال السمرقندي: (ورُويَ عن الحسَنِ أنَّه قال: ليس هذه مِن أشجارِ الدُّنيا، لكنْ مِن أشجارِ الآخِرةِ، يعني: أنَّ أشجارَ الدُّنيا لا تَخلو مِن أن تَكونَ شرقيَّةً أو غربيَّةً، ولكنْ هذه مِن أشجارِ الآخرةِ). ((تفسير السمرقندي)) (2/513). وقال ابنُ القيِّمِ: (كذلك مادَّةُ نورِ المِصباحِ الذي في قلبِ المؤْمِنِ هو مِن شجرةِ الوحيِ التي هي أعظَمُ الأشياءِ بَرَكةً، وأبعَدُها مِن الانحرافِ، بل هي أوسَطُ الأمورِ وأعْدَلُها وأفضَلُها، لم تَنحرِفِ انحرافَ النصرانيَّةِ، ولا انحرافَ اليهوديَّةِ، بل هي وسَطٌ بيْن الطرفَينِ المَذمومَينِ في كلِّ شَيءٍ، فهذه مادَّةُ مِصباحِ الإيمانِ في قلبِ المؤمِنِ). ((الوابل الصيب)) (ص: 53). .
يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ.
أي: يُقارِبُ زَيتُ هذه الشَّجَرةِ المباركةِ أن يضيءَ بنَفسِه ولو لم تمسَسْه نارٌ؛ مِن شدَّةِ صَفائِه وتلألُئِه، فإذا مسَّتْه النارُ أضاء إضاءةً عظيمةً [894] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/313، 314)، ((تفسير السمعاني)) (3/533)، ((تفسير القرطبي)) (12/264)، ((تفسير البيضاوي)) (4/107)، ((تفسير ابن كثير)) (6/60)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568). قال ابن ُجريرٍ: (وعُنيَ بقَولِه: يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ أنَّ حُجَجَ اللهِ تعالى ذِكرُه على خَلقِه تَكادُ مِن بَيانِها ووُضوحِها تُضيءُ لِمَن فكَّر فيها، ونظَرَ، أو أعرَضَ عنها ولها. وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ يقولُ: ولو لم يَزِدْها الله بيانًا ووضوحًا بإنزالِه هذا القرآنَ إليهم، مُنَبِّهًا لهم على تَوحيدِه، فكيف إذا نبَّهَهم به، وذكَّرهم بآياتِه، فزادهم به حُجَّةً إلى حُجَجِه عليهم قبْلَ ذلك؟! فذلك بيانٌ مِنَ الله، ونورٌ على البيانِ والنُّورِ الذي كان قد وصَفَه لهم ونصَبَه قبْلَ نُزولِه). ((تفسير ابن جرير)) (17/313، 314). وقال السمعانيُّ: (يَكادُ قلبُ المؤمنِ يَعرِفُ الحقَّ قبْلَ أن يُبَيَّنَ له؛ لِموافَقتِه إيَّاه). ((تفسير السمعاني)) (3/533). وقال القرطبيُّ: (تَكادُ حُجَجُ القرآنِ تتَّضحُ، ولو لم يُقرَأْ). ((تفسير القرطبي)) (12/264). وقال ابنُ القيِّمِ: (وهكذا المؤمِنُ؛ قلبُه مُضيءٌ، يَكادُ يَعرِفُ الحقَّ بفِطرتِه وعَقلِه، ولكنْ لا مادَّةَ له مِن نفْسِه). ((الوابل الصيب)) (ص: 53). .
نُورٌ عَلَى نُورٍ.
أي: اجتمعُ نورُ النَّارِ مع نور الزَّيتِ، وهكذا المؤمِنُ قَلبُه مضيءٌ، يكادُ يعرِفُ الحَقَّ بفِطرتِه وعَقلِه، فإذا نزلت آياتُ الوحيِ فباشرَت قلبَه وخالطت بَشاشتَه، ازداد نورًا بالوَحيِ على نورِ الإيمانِ الذي فطَرَه اللهُ تعالى عليه [895] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (20/46)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/52)، ((الوابل الصيب من الكلم الطيب)) لابن القيم (ص: 53)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568). قال ابن القيِّمِ: (النورُ على النورِ: نورُ الفِطرةِ الصحيحةِ والإدراكِ الصحيحِ، ونورُ الوَحيِ والكِتابِ، فيَنضافُ أحَدُ النُّورَينِ إلى الآخَرِ؛ فيَزدادُ العبدُ نورًا على نورٍ... فيَتَّفِقُ عندَه شاهِدُ العقلِ والشرعِ، والفِطرةِ والوَحيِ، فيُريهِ عقلُه وفِطرتُه وذَوقُه أنَّ الذي جاء به الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو الحقُّ، لا يَتعارَضُ عندَه العقلُ والنقلُ الْبَتَّةَ، بل يَتصادَقانِ ويَتوافَقانِ). ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) (2/52). وقد تقدَّمَ (ص: 271) اختِلافُ المفسِّرينَ -الذين ذهبوا إلى أن الضميرَ في قولِه: نُورَهُ يَعودُ على اللهِ- في المرادِ بالنورِ، وأنَّ منهم مَن قال: المرادُ به محمَّدٌ. ومنهم مَن قال: المؤمِنُ. ومنهم مَن قال: القرآنُ والإيمانُ. قال ابنُ عطيَّةَ: (فعلى قَولِ مَن قال: الممثَّلُ به محمَّدٌ عليه السَّلامُ، وهو قَولُ كَعبٍ الحَبْرِ؛ فرسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ هو «المشكاة » أو صدرُه، و الْمِصْبَاحُ هو النُّبوءةُ وما يتَّصِلُ بها مِن عمَلِه وهُداهُ، والزُّجَاجَةُ قلبُه، و«الشجرة المباركة» هي الوحيُ، والملائكةُ رُسُلٌ إليه وسببُه المتَّصِلُ به، والزَّيتُ هو الحُجَجُ والبَراهينُ، والآياتُ التي تضَمَّنها الوحيُ. وعلى قَولِ مَن قال: الممَثَّلُ به المؤمِنُ -وهذا قَولُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ- فـ «المشكاة» صدرُه، والْمِصْبَاحُ الإيمانُ والعِلمُ، والزُّجَاجَةُ قلْبُه، و«الشجرةُ» القرآنُ، وزَيتُها هو الحُجَجُ والحِكمةُ التي تضَمَّنها. قال أُبَيٌّ: فهو على أحسَنِ الحالِ؛ يَمْشي في الناسِ كالرجُلِ الحيِّ يمشي في قُبورِ الأمواتِ. ومَن قال: إنَّ الممثَّلَ به القرآنُ والإيمانُ، فتقديرُ الكلامِ: مَثَلُ نُورِهِ الذي هو الإيمانُ في صدرِ المؤمِنِ في قلْبِه كَمِشْكَاةٍ، أي: كهذه الجُملةِ. وهذا القولُ ليس في مقابلةِ التَّشبيهِ كالأوَّلَينِ؛ لأنَّ المِشكاةَ ليست تُقابِلُ الإيمانَ. وتَحتمِلُ الآيةُ معنًى آخَرَ ليس فيه مُقابَلةُ جُزءٍ مِنَ المِثالِ لجُزءٍ مِنَ المُمَثَّلِ، بل وقَع التَّشبيهُ فيه جُملةً بجُملةٍ،  وذلك أن يُريدَ: مثَلُ نورِ الله الذي هو هُداهُ وإتقانُه صَنعةَ كلِّ مَخلوقٍ وبراهينُه الساطِعةُ على الجملةِ كهذه الجُملةِ مِن النورِ الذي تتَّخِذونه أنتم على هذه الصِّفةِ التي هي أبلَغُ صِفاتِ النورِ الذي بيْن أيدي الناسِ، أي: فمثَلُ نورِ الله في الوضوحِ كهذا الذي هو مُنتهاكم أيُّها البشَرُ). ((تفسير ابن عطية)) (4/183). وقال الرسعني: (قال أكثَرُ المفسِّرينَ: هذا مثَلٌ للمؤمِنِ؛ فـ «المشكاةُ»: قلْبُه، و«الزجاجةُ»: صدرُه، و«المِصباحُ»: هو الإيمانُ والقرآنُ، «توقدُ مِن شجرةٍ مبارَكةٍ»: وهي الإخلاصُ، «لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ»: بل هي مُسَلَّمةٌ ممَّا يوجِبُ نَقصًا فيها، كذلك المؤمِنُ قد أُجيرَ وحُرِسَ مِن الفِتَنِ القادِحةِ في نورِ إيمانِه، فإنْ أُعطيَ شَكَر، وإنِ ابتُليَ صبَر، وإنْ قال صَدَق، وإنْ حَكَم عَدَل، يَكادُ قلبُ المؤمنِ يَعمَلُ بالهُدى ولو لم يأتِه العِلمُ، فإذا أتاه العِلمُ ازداد نورًا على نورِه الذي جُبِل عليه). ((تفسير الرسعني)) (5/257). وقال السعديُّ: (وجْهُ هذا المثَلِ الذي ضرَبه الله، وتطبيقه على حالةِ المؤمِنِ، ونور الله في قلبِه: أنَّ فِطرتَه التي فُطِر عليها بمَنزِلةِ الزَّيتِ الصافي، ففِطرتُه صافيةٌ، مُستعِدَّةٌ للتعاليمِ الإلهيَّةِ، والعملِ المشروعِ، فإذا وصَل إليه العِلمُ والإيمانُ اشتَعَل ذلك النورُ في قلبِه، بمَنزلةِ اشتِعالِ النارِ في فَتيلةِ ذلك المِصباحِ، وهو صافي القلبِ مِن سوءِ القَصدِ، وسوءِ الفَهمِ عن الله، إذا وصَل إليه الإيمانُ أضاء إضاءةً عظيمةً؛ لصفائه مِن الكُدوراتِ، وذلك بمَنزِلةِ صفاءِ الزُّجاجةِ الدُّرِّيَّةِ؛ فيَجتمِعُ له نورُ الفِطرةِ، ونورُ الإيمانِ، ونورُ العِلمِ، وصَفاءُ المعرفةِ؛ نورٌ على نورِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 568). وقال ابن عثيمينَ: (اللهُ شَبَّهَ النورَ الذي في قلبِ المؤمنِ بهذه القضيةِ كلِّها: «مشكاة فيها مِصباحٌ»، والذي يُقابِلُ المِشكاةَ هو القلبُ، والنورُ الذي يَقذِفُه الله في قلبِه مع نورِ الإيمانِ هو المِصباحُ، لكنْ هذا المِصباحُ مُرَكَّبٌ في زُجاجةٍ، والزُّجاجةُ صافيةٌ لامِعةٌ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ووَقودُ هذا النورِ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ جيِّدةٍ؛ لأنَّ الزُّجاجةَ تَقي النورَ وتُصفِّيه...، فتَجدُ أنَّ هذا النورَ قد كمَلَتْ فيه أسبابُ الصفاءِ مِن حيث الوَقودُ والمكانُ، وكذلك أسبابُ الشمولِ والقوةِ من حيث كوْنُه في مِشكاةٍ، النورُ الذي في قلبِ المؤمنِ مثلُ هذا، ولكنِ المرادُ المؤمِنُ كامِلُ الإيمانِ في الحقيقةِ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 246). .
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان الإخبارُ عن مُضاعفةِ هذا النُّورِ موجِبًا لاعتقادِ أنَّه لا يخفَى عن أحدٍ، أشار إلى أنَّه -بشُمولِ عِلمِه، وتمامِ قُدرتِه- يُعمي عنه مَن يريدُ، مع شِدَّةِ ضيائِه، وعظيمِ لألائِه، فقال [896] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/275). :
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ.
أي: يوفِّقُ الله لنورِه مَن يختارُه ممن يعلمُ زكاءَه وطهارتَه [897] يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/514)، ((تفسير ابن كثير)) (6/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569). قال الشوكاني: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِه، أي: هدايةً خاصَّةً مُوَصِّلةً إلى المطلوبِ، وليس المرادُ بالهدايةِ هنا مجرَّدَ الدَّلالَةِ). (( تفسير الشوكاني)) (4/40). وقال الواحدي: (قَولُه تعالى: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ قال ابنُ عبَّاسٍ: لدينِه الإسلامِ، وإنْ شِئتَ قُلتَ: للقُرآنِ، وإنْ شِئتَ لمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، على اختِلافِ التَّفسيرِ في قَولِه تعالى: مَثَلُ نُورِهِ). ((البسيط)) (16/287). وقال السعدي: (ولمَّا كان هذا مِن نورِ الله تعالى، وليس كلُّ أحدٍ يصلحُ له ذلك، قال: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ممَّن يعلمُ زكاءَه وطهارته، وأنَّه يزكو معه وينمو). ((تفسير السعدي)) (ص: 568). .
كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [الحج: 16] .
وقال عزَّ وجَلَّ: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: 15، 16].
وقال سُبحانَه: لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور: 46].
وقال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] .
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ.
أي: ويُبيِّن اللهُ الأمثالَ للنَّاسِ؛ ليفهَموا معانيَها، ويُدرِكوا مراميَها، كما مثَّل لهم نورَ القرآنِ في قلبِ المؤمِنِ [898] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/315)، ((تفسير القرطبي)) (12/264)، ((تفسير ابن كثير)) (6/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568). .
كما قال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: 43] .
وقال سُبحانَه: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21] .
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
أي: واللهُ محيطٌ عِلمًا بجميعِ الأشياءِ، لا يخفَى عليه شَيءٌ، ومِن ذلك عِلمُه بمَن هو قابلٌ للهُدى، ومَن هو مُصِرٌّ على ضلالِه، ومِن ذلك عِلمُه بما يَضرِبُ مِن الأمثالِ، فهو ضَربُ مَن يعلَمُ حقائِقَ الأمورِ وتفاصيلَها، وأنَّها مَصلحةٌ للعبادِ، فليكُنِ اشتغالُكم بتدبُّرِها وتعقُّلِها، لا بالاعتراضِ عليها أو بمعارَضتِها؛ فهو سُبحانَه يعلَمُ وأنتم لا تعلَمونَ [899] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/315)، ((تفسير ابن كثير)) (6/61)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/244). .
الفَوائِدُ التَّربويَّةُ:
1- قوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ أي: مَثَلُ نورِه في قَلبِ عَبدِه المؤمِنِ الذي امتَثَل أوامِرَه واجتَنَب نواهيَه، وإذا استنار القَلبُ أقبلتْ وفودُ الخيراتِ إليه مِن كُلِّ ناحيةٍ، كما أنَّه إذا أظلَم أقبَلَت سحائِبُ البلاءِ والشَّرِّ عليه مِن كُلِّ مكانٍ، فما شِئتَ مِن بِدَعٍ وضلالةٍ، واتِّباعِ هَوًى، واجتنابِ هُدًى، وإعراضٍ عن أسبابِ السَّعادة، واشتغالٍ بأسبابِ الشَّقاوةِ، فإنَّ ذلك إنَّما يَكشِفُه له النورُ الذي في القلبِ، فإذا نَفِدَ ذلك النورُ بَقِيَ صاحِبُه كالأعمَى الذي يجوسُ في حنادِسِ الظَّلامِ [900] يُنظر: ((الجواب الكافي)) لابن القيم (ص: 178). .
2- قَولُ الله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ يُومِئ إلى الحاجةِ إلى اجتِهادِ عُلَماءِ الدِّينِ في استخراجِ إرشادِ الإسلامِ على مرورِ الأزمنةِ؛ لأنَّ استخراجَ الزَّيتِ مِن ثَمَرِ الشَّجرةِ يتوقَّفُ على اعتِصارِ الثَّمَرةِ، وهو الاستِنباطُ [901] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/244). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ ... هذه الآيةُ دَليلٌ صريحٌ على أنَّ اللهَ أنزلَ القرآنَ مِن عندِه، وأنَّ النُّزولَ ليس بمعنى الوحيِ فقط، بل هو معنًى خاصٌّ أخَصُّ مِن الوحيِ، وأنَّه يلزَمُ مِن الإنزالِ أن يكونَ المُنزِلُ عاليًا [902] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور))  (ص: 229، 230). ، فالنُّزولُ لا يَكونُ إلَّا مِن أعلَى؛ ففيه إثباتُ علُوِّ اللهِ عزَّ وجلَّ الذي هو مِن صفاتِه الذاتيَّةِ اللازمةِ له، التي لم يَزَلْ ولا يَزالُ متَّصِفًا بها [903] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/319) (3/447). .
2- الإيمانُ له نورٌ في القلبِ، قال تعالى مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ أي: مثَلُ نورِه فِي قلبِ المُؤمِنِ كمِشكاةٍ فِيهَا مِصباحٌ، إلى قولِه: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ، وقال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: 122] ، فسمَّى الايمانَ الذي يَهَبُه للعبدِ نورًا [904] يُنظر: ((مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية)) للبعلي (ص: 143). .
3- قال الله تعالى: الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ إنْ قيل: لمَ خَصَّ الزُّجاجةَ بالذِّكرِ؟
فالجوابُ: أنَّه قيل: إنَّما ذكَرَ الزُّجاجةَ؛ لأنَّ المِصباحَ فيها أضوأُ. وقيل: ذكَرَ الزُّجاجةَ؛ لأنَّها إذا انكَسَرت لا يُنتفَعُ منها بشَيءٍ، كذلك القَلبُ إذا فسَد لا يُنتفَعُ منه بشَيءٍ [905] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/530). ، ولأنَّها جمعت أوصافًا هي في قلبِ المؤمنِ، وهي الصَّفاءُ والرِّقَّةُ، فيَرى الحقَّ والهدى بصفائِه، وتحصُلُ منه الرأفةُ والرَّحمةُ والشَّفَقةُ برِقَّتِه، ويجاهِدُ أعداءَ الله تعالى ويُغلِظُ عليهم ويشتَدُّ في الحَقِّ ويَصلُبُ فيه بصلابتِه، ولا تُبطِلُ صِفةٌ منه صِفةً أخرى ولا تُعارِضُها، بل تُساعِدُها وتُعاضِدُها أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [906] يُنظر: ((الوابل الصيب من الكلم الطيب)) لابن القيم (ص: 52). .
4-  قال الله تعالى: الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ إن قيلَ: لمَ شبَّهَ بالكواكِبِ، ولم يشَبِّهْ بالشَّمسِ والقَمرِ؟
 الجواب: لأنَّ الشَّمسَ والقَمَرَ يلحَقُهما الخُسوفُ والكسوفُ، والكواكِبُ لا يلحَقُها ذلك [907] يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/530)، ((تفسير الشربيني)) (2/623). .
5- قال الله تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ المرادُ بالشَّجَرةِ هاهنا: شجرةُ الزَّيتونِ، وبَرَكتُها مِن وجوهٍ: أنَّها تجمَعُ الأُدمَ والدُّهنَ والوَقودَ؛ فيُوقَدُ بحَطَبِ الزَّيتونِ، ويُغسَلُ برَمادِه الإبْريسَمُ [908] الإبْريسَمُ: أي: الحريرُ، أو الخامُ الخالِصُ منه. يُنظر: ((تاج العروس)) للزَّبِيدي (31/276). ، ويُستخرَجُ دُهنُه أسهلَ استخراجٍ، ويُورِقُ غُصنُه مِن أوَّلِه إلى آخِرِه، وإنَّما خُصَّت بالذِّكرِ هاهنا دونَ غيرِها؛ لأنَّ دُهنَها أصفَى وأضوأُ [909] يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (3/296). .
6- في قَولِه تعالى: زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ دليلٌ وإرشادٌ إلى أنَّه يَنبغي للإنسانِ إذا وَضَعَ الشجرَ أَلَّا يَضعَه في مكانٍ يَحتجِبُ عن الشمسِ شرقًا أو غربًا؛ بل يَنبغي أن يوضَعَ الشجرُ في مكانٍ يَبرُزُ للشمسِ شرقًا وغربًا [910] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور))  (ص: 245). ، وذلك على قولٍ في التفسيرِ، وأنَّها إمَّا في رَبْوةٍ -وذلك أكمَلُ وأبْيَنُ وأعلى وأطيَبُ زَيتًا-؛ وإمَّا في مكانٍ مُستوٍ؛ صحراويَّةً.
7- قَولُ الله تعالى: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ فيه أنَّ وضوحَ الدَّلائِلِ لا يَكفي ولا ينفَعُ ما لم يَخلُقِ اللهُ الإيمانَ [911] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/391). . وقَولُه: مَنْ يَشَاءُ فيه إيذانٌ بأنَّ مَناطَ هذه الهدايةِ ومِلاكَها ليس إلَّا مَشيئتَه تعالى، وأنَّ تظاهُرَ الأسبابِ بدُونِها بمَعزلٍ مِن الإفضاءِ إلى المَطالِبِ [912] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/177). .

بلاغة الآيتين:


1- قَولُه تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ
- قَولُه: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ كَلامٌ مُستأنَفٌ، جِيءَ به في تَضاعيفِ ما ورَدَ مِن الآياتِ السَّابقةِ واللَّاحقةِ؛ لبَيانِ جَلالةِ شُؤونِها المُستوجبةِ للإقبالِ الكُلِّيِّ على العمَلِ بمَضمونِها [913] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/174). .
- وابتُدِئَ الكلامُ بلامِ القسَمِ وحَرفِ التَّحقيقِ؛ لإبرازِ كَمالِ العِنايةِ بشأْنِه [914] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/174)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/229). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ حيث وصَفَ هذه الآياتِ المُنزَّلةِ بثلاثِ صِفاتٍ -مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ- كما وصَفَ السُّورةَ في طالِعَتِها بثلاثِ صِفاتٍ -سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور: 1] -، والمقصدُ مِن الأوصافِ في الموضعينِ هو الامتِنانُ؛ فكأنَّ هذا يُشبِهُ رَدَّ العجُزِ على الصَّدرِ، فجُملةُ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ مُستأنَفةٌ استئنافَ التَّذييلِ، وكان مُقْتضى الظَّاهرِ ألَّا تُعطَفَ؛ لأنَّ شأْنَ التَّذييلِ والاستئنافِ الفصْلُ، وإنَّما عُدِلَ عن الفصْلِ إلى العطفِ؛ لأنَّ هذا خِتامُ التَّشريعاتِ والأحكامِ الَّتي نزَلَتِ السُّورةُ لأسبابِها. وقد خُلِّلَت بمِثْلِ هذا التَّذييلِ مرَّتينِ قبْلَ هذا بقولِه تعالى في ابتداءِ السُّورةِ: وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور: 1] ، ثمَّ قولِه: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [النور: 18] ، ثمَّ قولِه هنا: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ؛ فكان كلُّ واحدٍ مِن هذه التَّذييلاتِ زائدًا على الَّذي قبْلَه؛ فالأوَّلُ زائدٌ بقولِه: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ [النور: 18] ؛ لأنَّه أفاد أنَّ بَيانَ الآياتِ لِفائدةِ الأمَّةِ، وما هنا زاد بقولِه: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ؛ فكانت كلُّ زِيادةٍ مِن هاتينِ مُقْتضيةً العطفَ؛ لِمَا حصَلَ مِن المُغايَرةِ بيْنها وبيْن أخْتِها، وتُعتبَرُ كلُّ واحدةٍ عطفًا على نَظيرتِها؛ فوُصِفَتِ السُّورةُ كلُّها بثلاثِ صِفاتٍ، ووُصِفَ ما كان مِن هذه السُّورةِ مُشتمِلًا على أحكامِ القذْفِ والحُدودِ وما يُفْضي إليها أو إلى مُقاربِها مِن أحوالِ المُعاشَرةِ بينَ الرِّجالِ والنِّساءِ بثلاثِ صِفاتٍ؛ فقولُه هنا: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ يُطابِقُ قولَه في أوَّلِ السُّورةِ: وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [النور: 1] ، وقولُه: وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ يُقابِلُ قولَه في أوَّلِ السُّورةِ: وَفَرَضْنَاهَا [النور: 1] ، على أنَّ مَعنى الفرْضِ التَّعيينُ والتَّقديرُ؛ لأنَّ في التَّمثيلِ تقْديرًا وتَصويرًا للمعاني بنَظائرِها، وفي ذلك كشْفٌ للحقائقِ، وقولُه: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يُقابِلُ قولَه في أوَّلِها لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [915] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/228، 229). [النور: 1] .
- وإنَّما قِيلَ: لِلْمُتَّقِينَ مع شُمولِ الموعظةِ للكلِّ -حسَبَ شُمولِ الإنزالِ لقولِه تعالى: أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ-؛ حثًّا للمُخاطَبينَ على الاعتِناءِ بالانتِظامِ في سِلْكِ المُتَّقينَ، ببَيانِ أنَّهم المُغتنِمون لآثارِها، المُقتبِسون مِن أنوارِها [916] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/106)، ((تفسير أبي حيان)) (8/42)، ((تفسير أبي السعود)) (6/175). ، والمنتَفِعون بها [917] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/622). .
- وفيه مُناسَبةٌ حَسنةٌ؛ حيث جاء قولُه هنا: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ بذِكْرِ الواوِ وإِلَيْكُمْ، وقالَه بعْدُ بحذْفِهما: لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور: 46] ؛ ووَجْهُه: أنَّ اتِّصالَ ما هنا بما قبْلَه أشدُّ؛ إذ قولُه بعْدُ: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ مَصروفٌ إلى الجُمَلِ السَّابقةِ مِن قولِه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا [النور: 33] إلى آخِرِه، وفيه مَعطوفانِ بالواوِ؛ فناسَبَ ذِكرَها العطْفُ، وذكَرَ إِلَيْكُمْ؛ ليُفِيدَ أنَّ الآياتِ المُبيِّناتِ نزَلَتْ في المُخاطبينَ في الجُمَلِ السَّابقةِ، وما ذُكِرَ بعدُ خالٍ عن ذلك؛ فناسَبَهُ الاستِئنافُ والحذْفُ [918] يُنظر: ((أسرار التكرار في القرآن)) للكرماني (ص: 187)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (1/337، 338)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 396). .
2- قَولُه تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ جاءت هذه الآيةُ رابطةً لقصَّةِ بَراءةِ ساحةِ حِجابِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمِّ المُؤمنين الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيقِ رضِيَ اللهُ عنهما بقولِه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وتخلُّصًا منها إليه، وقد كرَّرَ هذا المعنى في هذه السُّورةِ الكريمةِ مِرارًا؛ تَرجيعًا إلى ما هو مُهتمٌّ به، وتخلُّصًا إلى ما يَنْبغي أنْ يَشرَعَ فيه. منها: قولُه تعالى في فاتحةِ السُّورةِ: وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور: 1] . ومِن ثَمَّ جاء في هذا المقامِ مَفصولًا استئنافًا على بَيانِ المُوجَبِ؛ امتِنانًا على المُنزَّلِ عليهم، كأنَّه قِيل: إنَّما أنزَلَ اللهُ إليكم هذه الآياتِ ومثَلًا مِن الَّذين خَلَوا مِن قبْلِكم ومَوعظةً للمُتَّقينِ؛ لأنَّه هادي أهلِ السَّمواتِ وأهلِ الأرضِ بإنزالِ الآياتِ البيِّناتِ والكتابِ المُنيرِ المُشتمِلِ على ما تأْتون به وتَذَرون؛ ففيهِ مع الامتِنانِ تَعظيمُ شأْنِ الرَّسولِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، حيث استشهَدَ لبراءةِ حِجابِه بمثْلِ هذه الآيةِ الكريمةِ الجامعةِ، وفي جَعْلِ تلك الآيةِ تخلُّصًا لهذه، وإنَّها مِن الجوامعِ المُحتويةِ على الأمَّهاتِ؛ فإنَّ قولَه: مُبَيِّنَاتٍ يَشتمِلُ على جميعِ ما يَستحِقُّ أن يُبيَّنَ مِن أصولِ الدِّينِ وفُروعِه [919] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/91). .
- قَولُه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فيه إتْباعُ مِنَّةِ الهدايةِ الخاصَّةِ في أحكامٍ خاصَّةٍ -المُفادةِ من قولِه تعالى: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ الآيةَ [النور: 34] - بالامتِنانِ بأنَّ اللهَ هو مُكوِّنُ أصولِ الهدايةِ العامَّةِ والمعارفِ الحقَّةِ للنَّاسِ كلِّهم بإرسالِ رسولِه بالهُدى ودِينِ الحقِّ، مع ما في هذا الامتِنانِ مِن الإعلامِ بعَظَمةِ اللهِ تعالى ومجْدِه، وعُمومِ عِلْمِه وقُدرتِه [920] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/230). .
- وإذا كان المُرادُ بالآياتِ المُبيِّناتِ والمثَلِ والموعظةِ جميعَ ما في القُرآنِ المجيدِ مِن الآياتِ والأمثالِ والمواعظِ؛ فقولُه تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ استِئنافٌ مَسوقٌ لتَقريرِ ما فيها مِن البَيانِ، مع الإشعارِ بكونِه في غايةِ الكَمالِ. وإذا كان المُرادُ بالآياتِ المُبيِّناتِ والمثَلِ والموعظةِ ما نُزِّلَ في هذه السُّورةِ؛ فهو استِئنافٌ مَسوقٌ لتَحقيقِ أنَّ بَيانَه تعالى ليس مَقصُورًا على ما ورَدَ في السُّورةِ الكريمةِ، بلْ هو شاملٌ لكلِّ ما يحِقُّ بَيانُه مِن الأحكامِ والشَّرائعِ، ومَباديها وغاياتِها المُترتِّبةِ عليها في الدُّنيا والآخرةِ، وغيرِ ذلك ممَّا له مَدخلٌ في البَيانِ، وأنَّه واقِعٌ منه تعالى على أتمِّ الوُجوهِ وأكمَلِها؛ حيث عبَّرَ عنه بالتَّنويرِ الَّذي هو أقْوى مَراتبِ البَيانِ وأجْلاها، وعبَّرَ عن المُنوِّرِ بنفْسِ النُّورِ؛ تَنبيهًا على قُوَّةِ التَّنويرِ، وشدَّةِ التَّأثيرِ، وإيذانًا بأنَّه تعالى ظاهرٌ بذاتِه، وكلُّ ما سِواهُ ظاهرٌ بإظهارِه [921] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/175). .
- وفي الانتِقالِ مِن ضَميرِ التَّعظيمِ أَنْزَلْنَا إلى اسمِ الذَّاتِ اللَّهُ خطْبٌ جليلٌ، وخطَرٌ خطيرٌ، وإيذانٌ بأنَّ تلك الهِدايةَ أيضًا جامعةٌ لِمَا يُناطُ به أُمورُ الدِّينِ؛ مِن بَعثةِ الرُّسلِ، وإنزالِ الكُتبِ، وغيرِ ذلك [922] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/92). .
- وهذه الجُملةُ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ ... بَيانٌ لجُملةِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور: 34] ؛ إذ كان يَنْطوي في معنى آياتٍ ووَصْفِها بـ مُبَيِّنَاتٍ ما يَستشرِفُ إليه السَّامعُ مِن بَيانٍ لـ: ما هي الآياتُ، وما هو تَبيينُها؟ فالجُملةُ مُستأنَفةٌ استئنافًا بَيانيًّا. ووقعَتْ جُملةُ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُعترِضةً بيْنَ هذه الجُملةِ والَّتي قبْلَها؛ تَمهيدًا لعَظَمةِ هذا النُّورِ المُمثَّلِ بالمِشكاةِ. وقيل: إنَّها بَيانٌ لجُملةِ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فيَكونُ مَوقعُها مَوقعَ عطْفِ البَيانِ؛ فلذلك فُصِلَت فلمْ تُعطَفْ [923] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/231، 234). .
- ومُناسَبةُ مَوقعِ جُملةِ: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ بعدَ جُملةِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ [النور: 34] : أنَّ آياتِ القُرآنِ نُورٌ؛ قال تعالى في سُورةِ النِّساءِ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: 174] ، وقال: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة: 15] ، فكان قولُه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كلمةً جامعةً لِمَعانٍ جَمَّةٍ تتْبَعُ معاني النُّورِ في إطلاقِه في الكلامِ. ومَوقعُ الجُملةِ عجيبٌ مِن عدَّةِ جِهاتٍ، وانتقالٌ مِن بَيانِ الأحكامِ إلى غرَضٍ آخَرَ مِن أغراضِ الإرشادِ، وأفانينَ مِن الموعظةِ والبُرهانِ [924] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/231). .
- قَولُه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ النُّورُ اسمٌ جامدٌ لمعنًى؛ فهو كالمصدرِ، وبذلك كان الإخبارُ به بمَنزلةِ الإخبارِ بالمصدَرِ أو باسمِ الجِنسِ في إفادةِ المُبالَغةِ [925] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/231). .
- وإضافةُ النُّورِ إلى السَّمواتِ والأرضِ في قولِه: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ إمَّا للدَّلالةِ على سَعةِ إشراقِه وفُشوِّ إضاءتِه حتَّى تُضيءَ له السَّمواتُ والأرضُ، وإمَّا أنْ يُرادَ أهْلُ السَّمواتِ والأرضِ وأنَّهم يَسْتضيئون به، وإمَّا لاشتِمالِها على الأنوارِ الحسِّيَّةِ والعقليَّةِ، وقُصورِ الإِدراكاتِ عليهما، وعلى المُتعلِّقِ بهما، والمَدلولِ لهما [926] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/241)، ((تفسير البيضاوي)) (4/107)، ((تفسير أبي حيان)) (8/43). ، فيجوزُ أنْ يُرادَ بالسَّمواتِ والأرضِ مَن فيهما مِن بابِ: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] ، وهو أبلَغُ مِن ذِكْرِ المُضافِ المحذوفِ؛ لأنَّ في هذا الحذْفِ إيهامَ أنَّ السَّمواتِ والأرضَ قابلةٌ لهذا النُّورِ، كما أنَّ القريةَ نفْسَها تَشهَدُ بما يُسأَلُ منها، وذلك أبلَغُ في الدَّلالةِ على الإحاطةِ بالمقصودِ وألْطَفُ دَلالةً [927] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/233). .
- قَولُه: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ.
- هذا التَّشبيهُ العجيبُ الذي تَضمَّنه قَولُه سُبحانَه: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ فيه مِن الأسرارِ والمعاني وإظهارِ تَمامِ نِعمة اللهِ تعالَى على عبْدِه المؤمِنِ بما أنالَه مِن نُورِه ما تَقَرُّ به عيونُ أهلِه، وتَبتهِجُ به قلوبُهم. وهذا التَّشبيهُ تَشبيهٌ مُرسَلٌ [928] التَّشبيهُ: هو إلحاقُ شَيءٍ بذِي وصْفٍ في وَصْفِه. وقيل: هو إثباتُ حُكمٍ مِن أحكامٍ المُشبَّهِ به للمُشبَّهِ. وقد اتَّفقَ الأُدباءُ على شَرفِه في أنواعِ البَلاغةِ، وأنَّه إذا جاء في أعقابِ المعاني أفادَها كمَالًا، وكساها حُلَّةً وجَمالًا، وهو جارٍ في كلامِ العَربِ، بلْ هو أكثرُ كلامِهم. ويَنقسمُ التشبيهُ عِدَّةَ تَقسيماتٍ باعتباراتٍ عِدَّة؛ فمنه: التَّشبيهُ المُفرَد. ومنه: التشبيهُ المُركَّبُ: وهو الذي يكونُ وجهُ الشَّبهِ فيه مُنتزَعًا مِن مُتعدِّدٍ، أو مِن أمورٍ مجموعٍ بعضُها إلى بعضٍ، كقولِه تعالى: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا [الجمعة: 5] ؛ فالتشبيهُ هنا مُركَّبٌ من أحوالِ الحِمارِ. وخَصَّ البيانيُّونَ لفْظَ «التمثيل» بالتشبيهِ المركَّبِ. ومنه: التشبيهُ البليغُ: وهو ما كانتْ أداةُ التشبيهِ فيه مَحذوفةً. وينقسمُ التشبيهُ باعتبارٍ آخَرَ إلى مُؤكَّدٍ: وهو ما حُذفتْ فيه الأداةُ، نحو: وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل: 88] ، أي: مِثلَ مرِّ السحابِ. ومُرْسَل: وهو ما لم تُحذَفْ فيه الأداةُ. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 332 وما بعدها)، ((البرهان)) للزركشي (3/414، 422)، ((الإتقان في علوم القرآن)) للسيوطي (3/146)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (1/66)، ((البلاغة العربية)) لعبد الرحمن حَبَنَّكَة الميداني (2/161). ؛ حيثُ جاء التَّشبيهُ هنا بواسطةِ الأداةِ وهي الكافُ، ولأهلِ البَلاغةِ والمعاني في هذا التَّشبيهِ طَريقتانِ؛ أحدُهما: طريقةُ التَّشبيهِ المركَّبِ، وهي أقرَبُ مأخْذًا، وأسلَمُ مِن التكلُّفِ، وهي أن تُشبَّهَ الجُملةُ برُمَّتِها بنورِ المؤمنِ مِن غيرِ تعرُّضٍ لتفصيلِ كلِّ جزءٍ مِن أجزاءِ المشبَّهِ، ومقابلتِه بجزءٍ مِن المشبَّهِ به، وعلى هذا عامَّةُ أمثالِ القرآنِ الكريمِ. فتأمَّلْ صِفةَ مشكاةٍ -وهي كَوَّةٌ لا تَنفذُ؛ لتكونَ أجمعَ للضوءِ- قد وُضع فيها مِصباحٌ، وذلك المصباحُ داخلُ زُجاجةٍ تُشبِهُ الكوكبَ الدُّرِّيَّ في صفائِها وحسنِها، ومادَّتُه مِن أصفَى الأدْهانِ وأتمِّها وَقودًا مِن زَيتِ شجرةٍ في وسَطِ القَراحِ [929] القَراحِ: أي: المَزْرَعةِ التي ليس فيها بِناءٌ ولا شَجَرٌ. يُنظر: ((المصباح المنير)) للفيومي (2/496). ، لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ، فمِن شِدَّةِ إضاءةِ زَيتِها وصَفائِه وحُسنِه يَكادُ يُضيءُ مِن غيرِ أنْ تمسَّه نارٌ، فهذا المجموعُ المركَّبُ هو مثَلُ نورِ الله تعالَى الذي وضَعه في قلْبِ عَبدِه المؤمنِ وخصَّه به؛ فمثَلُ نُورِه في قلْبِ عبْدِه المُخلِصِ كمِشكاةٍ، والمِشكاةُ: القلْبُ، والمِصباحُ: النُّورُ الَّذي قُذِفَ فيه، والمعرفةُ تُضِيءُ في قلْبِ العارفِ بنُورِ التَّوفيقِ في مِصباحِ النُّورِ، توقَدُ مِن شَجرةٍ مُبارَكةٍ، تُضِيءُ على شخصٍ مُبارَكٍ، تتبيَّنُ أنوارُ باطنِه على آدابِ ظاهرِه، وحُسنِ مُعامَلتِه، زَيتونةٍ لا شرقيَّةٍ ولا غربيَّةٍ، جَوهرةٍ صافيةٍ.
والطَّريقةُ الثانية: طريقةُ التَّشبيهِ المفصَّلِ؛ فقيل: المِشكاةُ صَدرُ المؤمنِ، والزُّجاجةُ قلبُه، وشَبَّه قلبَه بالزُّجاجةِ؛ لرِقَّتِها وصَفائِها وصَلابتِها، وكذلك قلبُ المؤمنِ فإنَّه قد جمَع الأوصافَ الثلاثةَ؛ فهو يَرحمُ ويُحسنُ ويتحنَّنُ ويُشفقُ على الخَلقِ برِقَّتِه. وبصَفائِه تَتجلَّى فيه صُوَرُ الحقائقِ والعُلومِ على ما هي عليه، ويُباعِدُ الكَدرَ والدَّرَنَ والوَسخَ بحسَبِ ما فيه مِن الصَّفاءِ، وبصَلابتِه يَشتدُّ في أمرِ الله تعالى، ويَتصلَّبُ في ذاتِ الله تعالى، ويُغلظُ على أعداءِ الله تعالى، ويَقومُ بالحقِّ لله تعالى. والمصباحُ هو نورُ الإيمانِ في قلبِه، والشجرةُ المباركةُ هي شجرةُ الوحيِ المتضمِّنةُ للهُدَى ودِينِ الحقِّ، وهي مادَّةُ المِصباحِ التي يتَّقدُ منها. والنورُ على النورِ: نورُ الفِطرةِ الصَّحيحةِ والإدراكِ الصحيحِ، ونورُ الوحيِ والكِتابِ؛ فيَنضافُ أحدُ النُّورينِ إلى الآخَرِ فيَزدادُ العبدُ نورًا على نورٍ.
وقيل: هذا مَثَلٌ ضرَبَهُ اللهُ لنَبيِّه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: المِشكاةُ: صدْرُه، والزُّجاجةُ: قلْبُه، والمِصباحُ فيه: النُّبوَّةُ. والمِصباحُ: ما في قلْبِه مِن الدِّينِ. وقيل: المِشكاةُ: جوفُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والزُّجاجةُ: قلْبُه، والمِصباحُ: النُّورُ الَّذي فيه.
وقيل: الشَّجرةُ المُبارَكةُ شَجرةُ الوَحيِ، يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ: تَكادُ حُجَّةُ القُرآنِ تتَّضِحُ وإنْ لم يُقْرَأْ. وقيل: هي شَجرةُ النُّبوَّةِ. وقيل وجْهٌ آخَرُ: وهو أنْ يُشبَّهَ القُرآنُ بالمِصباحِ على ما سبَقَ، ونفْسُه الزَّكيَّةُ الطَّاهرةُ صلواتُ اللهِ على صاحبِها بالشَّجرةِ؛ لكونِها ثابتةً مِن أرضِ الدِّينِ، مُتشعِّبةً فُروعُها إلى سماءِ الإيمانِ، مُتدلِّيةً أثمارُها إلى فضاءِ الإخلاصِ والإحسانِ؛ وذلك لاستقامتِها بمُقْتضَى قولِه تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود: 112] ، غيرَ مائلةٍ إلى طرفَيِ الإفراطِ والتَّفريطِ. ويُشبَّهُ ما مُحِّضَ مِن تلك الثَّمراتِ بعدَ التَّصفيةِ التَّامَّةِ للتَّهيئةِ، وقَبولِ تلك الأنوارِ: بالزَّيتِ الصَّافي؛ لوُفورِ قوَّةِ استعدادِها للاستضاءةِ، وهي الدُّهنيَّةُ القابلةُ للاشتعالِ، ومِن ثَمَّ خُصَّتْ شجرةُ الزَّيتونِ؛ لأنَّ لُبَّ ثَمرتِها الزَّيتُ الَّذي تشتعِلُ به المصابيحُ، وخُصَّ هذا الدُّهنُ؛ لمزيدِ إشراقِه، مع قِلَّةِ الدُّخَانِ، يَكادُ زيتُ استِعدادِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه -لصفائِه وذَكائِه- يُضِيءُ ولو لم يمَسَّهُ نُورُ القُرآنِ [930] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/95 - 98)، ((تفسير أبي حيان)) (8/44)، ((اجتماع الجيوش الإسلامية)) لابن القيم (2/49 - 52)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/608- 609). .
- وأيضًا ذُكِرَ في معنَى هذا التَّمثيلِ وُجوهٌ أُخرَى؛ الأوَّلُ: أنَّه تمثيلٌ للهُدى الَّذي دلَّتْ عليه الآياتُ المُبيِّناتُ في جَلاءِ مَدْلولِها، وظُهورِ ما تضمَّنَه مِن الهُدى بالمشكاةِ المنعوتةِ. الثاني: أنَّه تَشبيهٌ للهُدى مِن حيثُ إنَّه محفوفٌ بظُلماتِ أوهامِ النَّاسِ وخيالاتِهم بالمصباحِ، وإنَّما ولِيَ الكافُ المِشكاةَ؛ لاشتِمالِها عليه، وتَشبيهُه به أوفَقُ مِن تَشبيهِه بالشَّمسِ. وقيل غيرُ ذلك [931] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/107)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/98- 100). .
- والضَّميرُ في قولِه: نُورِهِ عائدٌ إلى اسمِ الجَلالةِ، أي: مَثَلُ نورِ اللهِ سُبحانَه، أي: مثَلُه في إنارةِ عُقولِ المُهتدينَ؛ فالكلامُ تَمثيلٌ لهيئةِ إرشادِ اللهِ المؤمنينَ بهَيئةِ المِصباحِ الَّذي حفَّتْ به وسائلُ قوَّةِ الإشراقِ، فهو نورُ اللهِ لا مَحالةَ، وإنَّما أُوثِرَ تَشبيهُه بالمِصباحِ الموصوفِ بما معه مِن الصِّفاتِ دونَ أنْ يُشبَّهَ نُورُه بطُلوعِ الشَّمسِ بعدَ ظُلمةِ اللَّيلِ؛ لقصْدِ إكمالِ مُشابَهةِ الهيئةِ المُشبَّهِ بها بأنَّها حالةُ ظُهورِ نُورٍ يَبْدو في خِلالِ ظُلمةٍ، فتَنقشِعُ به تلك الظُّلمةُ في مِساحةٍ يُرادُ تَنويرُها. ودونَ أنْ يُشبَّهَ بهَيئةِ بزُوغِ القمَرِ في خِلالِ ظُلمةِ الأُفقِ؛ لقصْدِ إكمالِ المُشابَهةِ؛ لأنَّ القمَرَ يَبْدو ويَغيبُ في بعضِ اللَّيلةِ، بخِلافِ المصباحِ الموصوفِ، وبعْدَ هذا: فلأنَّ المقصودَ ذِكْرُ ما حفَّ بالمِصباحِ مِن الأدواتِ؛ لِيَتسنَّى كَمالُ التَّمثيلِ بقَبولِه تَفريقَ التَّشبيهاتِ، وذلك لا يتأتَّى في القمَرِ، والمثَلُ: تَشبيهُ حالٍ بحالٍ؛ فمعنى مَثَلُ نُورِهِ: شَبيهُ هَدْيِه حالُ مِشكاةٍ... إلى آخرِه. فالمُشبَّهُ به هو المِشكاةُ وما يتْبَعُها [932] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/234، 235). .
- وإنَّما قدَّمَ المِشكاةَ في الذِّكرِ؛ لأنَّ المُشبَّهَ به هو مَجموعُ الهيئةِ؛ فاللَّفظُ الدَّالُّ على المُشبَّهِ به هو مَجموعُ المُركَّبِ المُبْتَدِئِ بقولِه: كَمِشْكَاةٍ، والمُنْتهي بقولِه: وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ؛ فلذلك كان دُخولُ كافِ الشَّبهِ على كلمةِ (مِشكاة) دونَ لفْظِ (مِصباح) لا يَقْتضي أصالةَ لفْظِ (مِشكاةٍ) في الهيئةِ المُشبَّهِ بها دونَ لفْظِ (مِصباح)، بلْ مُوجبُ هذا التَّرتيبِ مُراعاةُ التَّرتيبِ الذِّهنيِّ في تصوُّرِ هذه الهيئةِ المُتخيَّلةِ حين يلمَحُ النَّاظِرُ إلى انبثاقِ النُّورِ، ثمَّ ينظُرُ إلى مَصدرِه، فيَرى مِشكاةً، ثمَّ يَبْدو له مِصباحٌ في زُجاجةٍ [933] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/235). .
- وهذا تَشبيهٌ بالِغٌ كَمالَ الإفصاحِ، بحيثُ هو مع أنَّه تَشبيهُ هَيئةٍ بهيئةٍ هو أيضًا مُفرَّقُ التَّشبيهاتِ لأجزاءِ المُركَّبِ المُشبَّهِ مع أجزاءِ المُركَّبِ المُشبَّهِ به؛ وذلك أقْصَى كَمالِ التَّشبيهِ التَّمثيليِّ في صناعةِ البلاغةِ، ولَمَّا كان المقصودُ تَشبيهَ الهَيئةِ بالهيئةِ والمُركَّبِ بالمُركَّبِ، حسُنَ دُخولُ حرفِ التَّشبيهِ على بَعضِ ما يدُلُّ على بعضِ المُركَّبِ؛ ليَكونَ قَرينةً على أنَّ المُرادَ التَّشبيهُ المُركَّبُ، ولو كان المُرادُ تَشبيهَ الهُدَى فقطْ، لَقال: نُورُه كمِصباحٍ في مِشكاةٍ... إلى آخرِه؛ فالنُّورُ هو مَعرفةُ الحقِّ على ما هو عليه، المُكتسَبةُ مِن وحْيِ اللهِ، وهو القُرآنُ. شُبِّهَ بالمصباحِ المحفوفِ بكُلِّ ما يَزِيدُ نُورَه انتشارًا وإشراقًا [934] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/242). .
- وفي إعادةِ المصباحِ والزُّجاجةِ مُعرَّفينِ إثْرَ سبْقِهما مُنكَّرينِ، والإخبارِ عنهما بما بعْدَهما مع انتِظامِ الكلامِ بأنْ يُقالَ: كمشكاةٍ فيها مِصباحٌ في زُجاجةٍ، كأنَّها كَوكبٌ دُرِّيٌّ: مِن تفخيمِ شأْنِهما، ورفعِ مكانِهما؛ بالتَّفسيرِ إثْرَ الإبهامِ، والتَّفصيلِ بعْدَ الإجمالِ، وبإثباتِ ما بعْدَهما لهما بطريقِ الإخبارِ المُنْبِئِ عن القصْدِ الأصليِّ، دونَ الوَصفِ المَبْنيِّ على الإشارةِ إلى الثُّبوتِ في الجُملةِ- ما لا يَخْفى [935] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/176). .
- وإعادةُ لفْظِ المِصباحِ دونَ أنْ يُقالَ: فيها مِصباحٌ في زُجاجةٍ، كما قال: كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ؛ للتَّنويهِ بذِكْرِ المِصباحِ؛ لأنَّه أعظَمُ أركانِ هذا التَّمثيلِ، وكذلك إعادةُ لَفْظِ الزُّجاجةِ في قولِه: الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ؛ لأنَّه مِن أعظَمِ أركانِ التَّمثيلِ. ويُسمَّى مِثْلُ هذه الإعادةِ تَشابُهَ الأطرافِ في فنِّ البديعِ [936] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/236). تَشابُهِ الأطرافِ: وهو أنْ يَنظُرَ المُتكلِّمُ إلى لفظةٍ وقَعَتْ في آخرِ جُملةٍ مِن الفقرةِ في النَّثرِ، أو آخرِ لفْظةٍ وقعَتْ في آخرِ المِصراعِ الأوَّلِ في النَّظمِ؛ فيَبْتدِئُ بها. يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/611). .
- قَولُه: الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ إنَّما سلَكَ طريقَ التَّشبيهِ في التَّعبيرِ عن شدَّةِ صَفاءِ الزُّجاجةِ؛ لأنَّه أوجَزُ لفْظًا، وأبيَنُ وصْفًا. وهذا تَشبيهُ مُفردٍ في أثناءِ التَّمثيلِ، ولا حَظَّ له في التَّمثيلِ [937] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/239). .
- وفي صِيغةِ المُضارعِ على قِراءةِ الأكثرينَ -يُوقَدُ و(تَوَقَّدُ)- إفادةُ تجدُّدِ إيقادهِ، أي: لا يَذْوِي ولا يُطفَأُ. وعلى القِراءةِ بصِيغةِ المُضِيِّ -(تَوَقَّدَ)- إفادةُ أنَّ وَقودَه ثبَتَ وتحقَّقَ [938] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/239). .
- وذُكِرَتِ الشَّجرةُ باسمِ جِنْسِها، ثمَّ أُبْدِلَ منه زَيْتُونَةٍ وهو اسمُ نَوعِها؛ للإبهامِ الَّذي يَعقُبُه التَّفصيلُ؛ اهتِمامًا بتقرُّرِ ذلك في الذِّهنِ، وتَفخيمًا لشأْنِها [939] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/107)، ((تفسير أبي السعود)) (6/176)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/240). .
- ووَصَفَ الزَّيتونةَ بالمُبارَكةِ؛ لِمَا فيها مِن كثرةِ النَّفعِ؛ فإنَّها يُنتفَعُ بحَبِّها أكلًا، وبزَيتِها كذلك، ويُستنارُ بزَيتِها، ويدخُلُ في أدويةٍ وإصلاحِ أُمورٍ كثيرةٍ، ويُنتفَعُ بحطَبِها، وهو أحسَنُ حطَبٍ؛ لأنَّ فيه المادَّةَ الدُّهنيَّةَ، قال تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: 20] ، ويُنتفَعُ بجَودةِ هواءِ غاباتِها. وقد قِيل: إنَّ بَرَكتَها؛ لأنَّها مِن شجَرِ بلادِ الشَّامِ، والشَّامُ بَلدٌ مُبارَكٌ مِن عهْدِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ؛ قال تعالى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 71] ، يُرِيد أرضَ الشَّامِ. ووَصْفُ الزَّيتونةِ بـ مُبَارَكَةٍ على هذا وصْفٌ كاشفٌ، ويجوزُ أنْ يكونَ وصْفًا مُخصِّصًا لـ زَيْتُونَةٍ، أي: شَجرةٍ ذاتِ بَرَكةٍ، أي: نَماءٍ ووَفرةِ ثمَرٍ مِن بيْنِ شجَرِ الزَّيتونِ؛ فيكونَ ذِكْرُ هذا الوصْفِ لتَحسينِ المُشبَّهِ به؛ ليَنجَرَّ منه تَحسينٌ للمُشبَّهِ [940] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/240). .
- وفي قولِه: لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ وصْفٌ لـ زَيْتُونَةٍ، دخَلَ حرْفُ (لا) النَّافيةِ في كِلَا الوصفينِ، فصار بمَنزلةِ حَرفِ هِجاءٍ مِن الكلمةِ بعْدَه؛ لإفادةِ الاتِّصافِ بنفْيِ كلِّ وصْفٍ، وعُطِفَ على كلِّ وصْفٍ ضِدُّه؛ لإرادةِ الاتِّصافِ بوصْفٍ وسَطٍ بيْن الوصفَينِ المَنْفيَّينِ؛ لأنَّ الوصفَينِ ضِدَّانِ، على طريقةِ قولِهم: الرُّمَّانُ حُلوٌ حامضٌ. والعطْفُ هنا مِن عطْفِ الصِّفاتِ؛ كقولِه تعالى: لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ [النساء: 143] ، والمعنى: أنَّها زَيتونةٌ جِهتُها بيْن جِهةِ الشَّرقِ وجِهةِ الغرْبِ، فنَفى عنها أنْ تكونَ شرقيَّةً وأنْ تكونَ غربيَّةً، وهذا الاستِعمالُ مِن قَبيلِ الكِنايةِ؛ لأنَّ المقصودَ لازمُ المعنى لا صريحُه. وأمَّا إذا لم يكُنِ الأمرانِ المَنفيَّانِ مُتضادَّينِ، فإنَّ نَفْيَهما لا يَقْتضي أكثَرَ مِن نفْيِ وُقوعِهما؛ كقولِه تعالى: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ [الواقعة: 43، 44]. وهذا الاستعمالُ يكونُ في عطْفِ نفْيِ الأسماءِ [941] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/240، 241). .
- قولُه: وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ مُبالَغةٌ في صَفاءِ الزَّيتِ، وأنَّه -لإشراقِه وجَودتِه- يكادُ يُضِيءُ مِن غيرِ نارٍ [942] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/46). .
- وكلمةُ (لو) لبَيانِ تحقُّقِ ما يُفِيدُه الكلامُ السَّابقُ مِن الحُكْمِ المُوجَبِ على كلِّ حالٍ مَفروضٍ مِن الأحوالِ المُقارِنةِ له إجمالًا بإدخالِها على أبعَدِها منه؛ إمَّا لوُجودِ المانعِ كما في قولِه تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء: 78]، وإمَّا لعدَمِ الشَّرطِ كما في هذه الآيةِ الكريمةِ؛ لِيَظهرَ بثُبوتِه أو انتفائِه معه ثُبوتُه أو انتفاؤُه مع عداهُ مِن الأحوالِ بطريقِ الأولويَّةِ؛ لِمَا أنَّ الشَّيءَ متى تحقَّقَ مع ما يُنافِيه مِن وُجودِ المانعِ أو عدَمِ الشَّرطِ، فلَأنْ يتحقَّقَ بدونِ ذلك أَولى. وتَقديرُ الآيةِ الكريمةِ: يَكادُ زيتُها يُضِيءُ لو مسَّتْه نارٌ ولو لم تمَسَّهُ نارٌ، أي: يُضِيءُ كائنًا على كلِّ حالٍ مِن وُجودِ الشَّرطِ وعدَمِه، وقد حُذِفَتِ الجُملةُ الأُولى حسْبَما هو المُطَّردُ في البابِ؛ لدَلالةِ الثَّانيةِ عليها دَلالةً واضحةً [943] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/176، 177). .
- قَولُه: نُورٌ عَلَى نُورٍ مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ هو صِفةٌ له، مُؤكِّدةٌ لِما أفادَهُ التَّنكيرُ مِن الفَخامةِ، والجُملةُ فَذْلكةٌ للتَّمثيلِ، وتَصريحٌ بما حصَلَ منه، وتَمهيدٌ لِمَا يَعقُبُه، أي: ذلك النُّورُ الَّذي عُبِّرَ به عن القُرآنِ [944] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/177). .
- وفي تَنكيرِ قولِه: نُورٌ عَلَى نُورٍ ضَربٌ مِن الفَخامةِ والمُبالَغةِ [945] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/611). .
- جُملةُ: نُورٌ عَلَى نُورٍ مُستأنَفةٌ، إشارةً إلى أنَّ المقصودَ مِن مجموعِ أجزاءِ المُركَّبِ التَّمثيليِّ هنا هو البُلوغُ إلى إيضاحِ أنَّ الهيئةَ المُشبَّهَ بها قد بلغَتْ حدَّ المُضاعَفةِ لوسائلِ الإنارةِ؛ إذ تظاهَرَتْ فيها المِشكاةُ والمِصباحُ والزُّجاجُ الخالصُ والزَّيتُ الصَّافي؛ فالمِصباحُ إذا كان في مِشكاةٍ، كان شُعاعُه مُنحصِرًا فيها غيرَ مُنتشِرٍ، فكان أشدَّ إضاءةً لها ممَّا لو كان في بَيتٍ، وإذا كان مَوضوعًا في زُجاجةٍ صافيةٍ تضاعَفَ نُورُه، وإذا كان زَيتُه نقيًّا صافيًا كان أشدَّ إسراجًا؛ فحصَلَ تَمثيلُ حالِ الدِّينِ أو الكتابِ المُنزَّلِ مِن اللهِ في بَيانِه وسُرعةِ فُشوِّه في النَّاسِ، بحالِ انبثاقِ نُورِ المِصباحِ وانتشارِه فيما حفَّ به مِن أسبابِ قوَّةِ شُعاعِه وانتشارِه في الجهةِ المُضاءةِ به [946] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/241)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/242، 243). .
- قَولُه: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ فيه إظهارُ كَلمةِ النُّورِ في مَقامِ الإضمارِ؛ لزِيادةِ تَقريرِه، وتأكيدِ فَخامتِه الذَّاتيَّةِ بفَخامَتِه الإضافيَّةِ النَّاشئةِ مِن إضافتِه إلى ضَميرِه عَزَّ وجَلَّ [947] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/177). .
- قَولُه: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ إظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّهُ في مَقامِ الإضمارِ؛ للإيذانِ باختِلافِ حالِ ما أُسنِدَ إليه تعالى مِن الهدايةِ الخاصَّةِ، وضَرْبِ الأمثالِ الَّذي هو مِن قَبيلِ الهدايةِ العامَّةِ، كما يُفصِحُ عنه تَعليقُ الأُولى بمَن يشاءُ، والثَّانيةِ بالنَّاسِ كافَّةً [948] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/177، 178). .
- وفي قولِه: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ الإشعارُ بأنَّ هذه تَقريباتٌ وتلْويحاتٌ بحسَبِ الاستِعداداتِ، وأنَّ بَيانَ نُورِه الحقيقيِّ لا يسَعُه نِطاقُ التَّحريرِ، لكنَّ اللهَ بعِلْمِه الواسعِ يَعلَمُ حَقيقتَه، واللهُ بكلِّ شيءٍ عليمٌ [949] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/99). .
- قَولُه: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هذه الجُملُ الثَّلاثُ مُعترضةٌ، أو تَذييلٌ للتَّمثيلِ، والمعنى: دفْعُ التَّعجُّبِ مِن عدَمِ اهتِداءِ كثيرٍ مِن النَّاسِ بالنُّورِ الَّذي أنزلَهُ اللهُ، وهو القُرآنُ والإسلامُ؛ فإنَّ اللهَ إذا لم يشَأْ هدْيَ أحَدٍ خلَقَه وجبَلَه على العِنادِ والكُفرِ، وأنَّ اللهَ يَضرِبُ الأمثالَ للنَّاسِ مَرْجُوًّا منهم التَّذكُّرُ بها: فمِنْهم مَن يَعتبِرُ بها فيَهْتدي، ومنْهم مَن يُعرِضُ فيَستمِرُّ على ضَلالِه، ولكنْ شأْنُ تلك الأمثالِ أنْ يَهتدِيَ بها غيرُ مَن طُبِعَ على قلْبِه [950] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/244). .
- قَولُه: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ جاء مفصولًا للاستِئنافِ، وبَيانِ أنَّ اللهَ يختَصُّ بتلك الهدايةِ مَن يشاءُ، وقولُه تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ [النور: 39] ، أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [النور: 40] جاء مُقابِلًا لهذه الآياتِ، والمعنى: أنَّ أعمالَهم الصَّالحةَ الَّتي لم تكُنْ مُقتبسةً مِن مِشكاةِ النُّبوَّةِ ضائعةٌ؛ ألَا ترى كيف أوقَعَ قولَه: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ؛ تَنبيهًا على أنَّ الكافرَ كان فاقِدَ ذلك النُّورِ عند عمَلِه؟ وقولُه: ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مُقابِلٌ لقولِه: نُورٌ عَلَى نُورٍ؛ ولهذا ختَمَها بقولِه: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ. وقيل: إنَّه تعالى لمَّا وصَفَ هِدايةَ المؤمنِ بأنَّها في نِهايةٍ مِن الجَلاءِ والظُّهورِ، عقَّبَها بأنْ قال: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ، ولمَّا وصَفَ ضَلالةَ الكافرِ بأنَّها في نِهايةِ الظُّلمةِ، عقَّبَها بقولِه: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: 40] ؛ مُظهِرًا أنَّ المُرادَ بالنُّورِ: الهدايةُ بإنزالِ الكُتبِ وإرسالِ الرُّسلِ، شبَّهَها في ظُهورِها في نفْسِها والبَيانِ والجَلاءِ، وفي كَونِها مُبَيِّنًا لغيرِها ممَّا يُناطُ به أمرُ الدِّينِ بالنُّورِ؛ لأنَّه ظاهرٌ في نفْسِه، مُظهِرٌ لغيرِه [951] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/401)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/92). .
- قَولُه: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تَذييلٌ لمَضمونِ الجُملتينِ قبْلَها، أي: لا يَعزُبُ عن عِلْمِه شَيءٌ، ومِن ذلك عِلْمُ مَن هو قابِلٌ للهُدى، ومَن هو مُصِرٌّ على غيِّه. وهذا تَعريضٌ بالوعدِ للأوَّلينَ، والوعيدِ للآخِرينَ [952] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/108)، ((تفسير أبي السعود)) (6/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/244). .
- وأيضًا في قولِه: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إظهارُ الاسمِ الجَليلِ وَاللَّهُ؛ لتأكيدِ استِقلالِ الجُملةِ، والإشعارِ بعلَّةِ الحُكْمِ وبما ذُكِرَ مِن اختلافِ حالِ المحكومِ به ذاتًا وتعلُّقًا [953] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/178). .