موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيات (11-18)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ

غريب الكلمات:


بِالْإِفْكِ: أي: الكَذِبِ والبُهتانِ، وقيل: الإِفْكُ: أسوأُ الكذبِ، وأصلُه يدُلُّ على قَلبِ الشَّيءِ، وصَرفِه عن جِهَتِه [235] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 30)، ((تفسير ابن جرير)) (17/189)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/118)، ((المفردات)) للراغب (ص: 79)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 244)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 153، 990). .
عُصْبَةٌ: العُصبةُ: الجماعةُ مِن العَشَرةِ إلى الأربعينَ، وأصلُ (عصب): يدُلُّ على ربطِ شَيءٍ بشَيءٍ [236] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 212)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 342)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/336). .
كِبْرَهُ: أي: مُعظَمَه، أي: معظمَ ذلك الإثمِ والإفكِ، ومنه الكِبْرُ: وذلك أن يرى الإنسانُ نفْسَه أكبَرَ مِن غيرِه، وقيلَ: الكِبْرُ: الإثمُ، وهو مِن الكبيرةِ، وأصلُ (كبر): خِلافُ الصِّغَرِ [237] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 301)، ((تفسير ابن جرير)) (17/191)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/153)، ((المفردات)) للراغب (ص: 697)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 254)، ((النهاية)) لابن الأثير (4/142). .
أَفَضْتُمْ: أي: خُضتُم، وأصلُ (فيض): يدُلُّ على جَرَيانِ الشَّيءِ بسُهولةٍ [238] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 301)، ((تفسير ابن جرير)) (17/214)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/465)، ((المفردات)) للراغب (ص: 648)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 155). .
تَلَقَّوْنَهُ: أي: يُلقيه بعضُكم إلى بعضٍ، يقالُ: تلقَّيتُ الحديثَ مِن فلانٍ، أي: أخذتُه عنه فقَبِلتُه، وأصلُ التلقِّي: التكَلُّفُ لِلِقاءِ الغَيرِ [239] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 301)، ((تفسير ابن جرير)) (17/215)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 150)، ((الغريبين)) للهروي (5/1701)، ((المفردات)) للراغب (ص: 884)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 254)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/177). .
هَيِّنًا: يَسيرًا سَهلًا، لا تَبِعةَ فيه، وأصلُه يدلُّ على اليُسرِ والسُّهولةِ [240] يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 849)، ((النهاية)) لابن الأثير (5/290)، ((تفسير القرطبي)) (12/204)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 964). .
بُهْتَانٌ: أي: افتِراءٌ وكَذِبٌ يَبهَتُ سامِعَه لفظاعتِه، يقالُ: بَهَت فلانٌ فُلانًا: إذا كذَب عليه، وأصلُه مِن قولِهم: بُهِت الرجُلُ: إذا تحيَّر؛ فالبهتانُ كَذِبٌ يُحيِّرُ الإنسانَ لعِظَمِه، ثم جُعِلَ كلُّ باطلٍ يُتحيَّرُ مِن بطلانِه بُهتانًا [241] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 122)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1 /307)، ((الغريبين)) للهروي (1/225)، ((المفردات)) للراغب (ص: 148)، (البسيط)) للواحدي (6/401)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 310). .
يَعِظُكُمَ: أي: يُوصِيكُم ويُذكِّرُكم، والوَعظُ: زجرٌ مُقتَرِنٌ بتخويفٍ [242] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/336)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6 /126)، ((المفردات)) للراغب (ص: 876)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 987). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: إنَّ الذين قذَفوا أمَّ المؤمنينَ عائِشةَ كَذِبًا وباطلًا، جماعةٌ منكم -أيُّها المُسلِمونَ-، لا تَحسَبوا قذْفَهم لها شرًّا لكم، بل هو خيرٌ لكم؛ لكلِّ فردٍ من أولئك القاذفينَ حظُّه من العذابِ بقَدْرِ جُرمِه، والذي تحمَّلَ مُعظَمَ ذلك الافتِراءِ والكَذِبِ له عذابٌ عظيمٌ. هلَّا حين سَمِعتُم ذلك الإفكَ ظننتُم -أيُّها المُؤمِنونَ والمُؤمِناتُ- بإخوانِكم وأخواتِكم خيرًا مِن العفافِ والصَّلاحِ، وقلتُم: هذا القذفُ كَذِبٌ وافتراءٌ باطِلٌ! وهلَّا جاء هؤلاء المُفتَرونَ القاذِفونَ بالباطِلِ بأربعةِ رجالٍ عُدولٍ يشهَدون على صِحَّةِ قولِهم! وما داموا لم يأتوا بالشُّهداءِ فإنَّهم -في حُكمِ الله تعالى- كاذِبونَ.
ولولا فَضلُ الله عليكم ورحمتُه بكم -بإمهالِكم للتَّوبةِ، وعدَمِ تعجيلِ العقوبةِ لكم، وعَفوِه عنكم- لنزَلَ بكم بسبَبِ خَوضِكم في حديثِ الإفكِ عذابٌ عظيمٌ حينَ تناقلتُم بيْنكم هذا الحديثَ السيِّئَ دون تحرُّجٍ أو تمهُّلٍ، وتفَوَّهتُم بكلامٍ لا عِلمَ لكم بحقيقتِه، ولا دليلَ معكم على صِدقِه، وتظنُّونَ خَوضَكم الباطِلَ هذا شيئًا يسيرًا سهلًا، وهو -عندَ اللهِ- ذنْبٌ عظيمٌ!
وهلَّا قلتُم وقتَ سماعِكم هذا الإفكَ: ما يَصِحُّ لنا أن نتكلَّم بهذا الباطِلِ، نُنزِّهُك -يا ربَّنا- ونتعجَّبُ مِن شناعةِ ما سَمِعْناه، ونبرَأُ إليك مِن هذا الافتراءِ العظيمِ! يُذَكِّرُكم اللهُ ويُحَذِّرُكم مِن العودةِ لهذا الإثمِ العظيمِ إن كنتُم مؤمنينَ بالله حقًّا، ويوضِّحُ اللهُ لكم آياتِه، واللهُ عليمٌ بأحوالِ خَلقِه، حكيمٌ فيما يأمُرُ به ويَنهى عنه.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
بعْدَ أنْ بيَّنَ اللهُ سبحانه وتعالى حُكْمَ القَذفِ بالنِّسبةِ للمُحصَناتِ، وبالنِّسبةِ للزَّوجاتِ، أتبَعَ ذلك بإيرادِ مثَلٍ لِما قاله المُنافِقونَ في شأنِ أمِّ المؤمِنينَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها، ولِما كان يجبُ على المؤمِنينَ أن يَفعلوه في مِثلِ هذه الأحوالِ [243] يُنظر: ((التفسير الوسيط)) لطنطاوي (10/91). . فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... .
سَبَبُ النُّزولِ:
عن الزُّهْريِّ، قال: أخبَرَني سعيدُ بنُ المسيِّبِ وعُرْوةُ بنُ الزُّبيرِ وعَلْقَمةُ بنُ وقَّاصٍ وعُبَيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مَسعودٍ، عن حديثِ عائشةَ زَوجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حين قال لها أهلُ الإفكِ ما قالوا، فبَرَّأها اللهُ ممَّا قالوا، وكلُّهم حدَّثَني طائفةً مِن حديثِها، وبعضُهم كان أَوْعَى لحديثِها مِن بعضٍ، وأثبَتَ اقتِصاصًا، وقد وَعَيتُ عن كلِّ واحدٍ منهم الحديثَ الذي حدَّثني، وبعضُ حديثِهم يُصَدِّقُ بعضًا؛ ذكروا أنَّ عائشةَ زوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالت: ((كان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أراد أن يَخرُجَ سَفرًا [244] سَفرًا: أي: إلى سفرٍ؛ فهو نُصِب بنزعِ الخافضِ، أو ضُمِّن (يَخرُجُ) معنَى: يُنشئ؛ فالنصبُ على المفعوليةِ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (4/390). أقرَع بيْنَ نسائِه، فأيَّتُهنَّ خرَج سهمُها خرَج بها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم معه. قالت عائشةُ: فأقرَع بيْنَنا في غزوةٍ غزاها، فخرَج فيها سهمي، فخرجتُ مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وذلك بعدَما أُنزِل الحِجابُ، فأنا أُحمَلُ في هَوْدَجي [245] الهَوْدَجُ: مَركَبٌ مِن مَراكِبِ النِّساءِ يكونُ على البعيرِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/104). ، وأُنزَلُ فيه مَسيرَنا، حتى إذا فَرَغ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن غَزْوِه وقَفَلَ [246] وقَفَل: أي: رَجَع. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/258). ، ودَنَوْنا مِن المدينةِ؛ آذَنَ [247] آذَنَ: أي: أعلَمَ. يُنظر: ((شرح القسطلاني)) (7/258). لَيلةً بالرَّحيلِ، فقُمتُ حين آذَنوا بالرَّحيلِ، فمَشيتُ حتى جاوزتُ الجيشَ، فلمَّا قضيتُ مِن شأني أقبلتُ إلى الرَّحلِ، فلمَستُ صدري، فإذا عِقْدي مِن جَزْعِ ظَفَارِ [248] جَزْعِ ظَفَارِ: الجَزعُ: خَرَزٌ يماني، وظَفَارِ: قَريةٌ في اليَمَنِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/104). قد انقطع، فرجعتُ، فالتمستُ عِقدي، فحبسَني ابتغاؤُه، وأقبل الرَّهطُ الذين كانوا يَرْحَلون لي [249] يَرْحَلون لي: أي: يَجعَلونَ الرَّحْلَ على البعيرِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/104). ، فحَمَلوا هَوْدَجي، فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركَبُ، وهم يَحسَبون أنِّي فيه -قالت: وكانت النِّساءُ إذ ذاك خِفافًا، لم يُهَبَّلْنَ [250] يُهَبَّلْنَ: أي: يَثقُلْنَ باللَّحمِ والشَّحمِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/104). ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ؛ إنَّما يأكُلنَ العُلْقةَ [251] العُلْقةَ: أي: القَليلَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/104). مِن الطعامِ، فلمْ يَستنكرِ القومُ ثِقلَ الهَودَجِ حين رحَلوه ورفَعوه، وكنتُ جاريةً حديثةَ السِّنِّ- فبَعَثوا الجملَ وساروا، ووجدتُ عِقدي بعدَما استمَرَّ الجيشُ، فجِئتُ منازِلَهم وليس بها داعٍ ولا مُجيبٌ، فتيمَّمتُ [252] فتيمَّمتُ: أي: قَصَدتُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/105). منزلي الذي كنتُ فيه، وظننتُ أنَّ القومَ سيَفقِدوني فيرجِعونَ إليَّ، فبيْنا أنا جالسةٌ في منزلي غلبَتْني عيني فنِمتُ، وكان صفوانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلميُّ ثمَّ الذَّكْوانيُّ قد عَرَّسَ [253] عرَّس: التَّعريسُ: النُّزولُ آخِرَ اللَّيلِ في السَّفَرِ لِنَومٍ أو استراحةٍ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/105). مِن وراءِ الجيشِ، فادَّلَجَ [254] ادَّلَجَ: أي: سار آخِرَ اللَّيلِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/105). فأصبَحَ عندَ منزلي، فرأى سوادَ إنسانٍ نائمٍ، فأتاني فعرَفَني حينَ رآني -وقد كان يراني قبْلَ أن يُضرَبَ الحِجابُ علَيَّ- فاستيقظتُ باستِرجاعِه حينَ عرَفَني، فخَمَّرتُ [255] فخمَّرتُ: أي: غطَّيتُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/105). وجهي بجِلبابي، وواللهِ ما يُكَلِّمُني كَلِمةً، ولا سمِعْتُ منه كَلِمةً غيرَ استِرجاعِه، حتى أَناخَ [256] أناخ: أي: أبرَكَ بَعيرَه. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (3/391). راحلتَه، فوَطئَ على يَدِها فرَكِبْتُها، فانطلَق يَقودُ بيَ الراحلةَ، حتى أتَيْنا الجيشَ بعدَما نزَلوا مُوغِرينَ [257] مُوغِرين: الموغرُ: النازلُ في وقت الوَغْرة، وهي شِدَّةِ الحَرِّ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/105). في نَحْرِ الظَّهيرةِ [258] نحرِ الظَّهيرةِ: أي: وقت القائلةِ وشِدَّة الحَرِّ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/105). ، فهَلَكَ مَن هلَكَ في شأني، وكان الذي تولَّى كِبْرَه عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ ابنُ سَلولَ.
فقَدِمْنا المدينةَ، فاشتكيتُ حينَ قَدِمْنا المدينةَ شَهرًا، والنَّاسُ يُفيضونَ في قَولِ أهلِ الإفكِ، ولا أَشعُرُ بشَيءٍ مِن ذلك، وهو يَرِيبُني [259] يَريبُني: أي: يُوهِمُني ويُشَكِّكني. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/106). في وَجَعي أنِّي لا أعرِفُ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم اللُّطفَ الذي كنتُ أرى منه حينَ أشتكي؛ إنَّما يَدخُلُ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيُسَلِّمُ، ثمَّ يقولُ: كيف تِيكُمْ؟ فذاك يَرِيبُني، ولا أشعُرُ بالشَّرِّ.
حتى خرجتُ بعدَما نَقَهْتُ [260] نَقَهْتُ: بَرِئْتُ مِن المَرَضِ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/106). ، وخرَجَتْ معي أمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِعِ [261] المَناصِعُ: مَواضِعُ خارِجَ المدينةِ كانوا يتبَرَّزونَ فيها. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/106). -وهو مُتبَرَّزُنا- ولا نخرُجُ إلَّا لَيلًا إلى لَيْلٍ، وذلك قبْلَ أن نتَّخِذَ الكُنُفَ قَريبًا مِن بُيوتِنا، وأمْرُنا أمْرُ العَرَبِ الأُوَلِ في التنَزُّهِ، وكنَّا نتأذَّى بالكُنُفِ أن نتَّخِذَها عندَ بيوتِنا، فانطلقتُ أنا وأمُّ مِسْطَحٍ -وهي بنتُ أبي رُهْمِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وأمُّها ابنةُ صَخرِ ابنِ عامرٍ، خالةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وابنُها مِسطَحُ بنُ أُثاثةَ بنِ عبَّادِ بنِ المُطَّلبِ- فأقبلتُ أنا وبنتُ أبي رُهْمٍ قِبَلَ بيتي حين فرَغْنا مِن شأنِنا، فعَثَرَتْ أمُّ مِسطَحٍ في مِرْطِها [262] مِرطِها: المِرطُ: كِساءٌ مِن صُوفٍ أو غَيرِه. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/107). ، فقالت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فقلتُ لها: بئسَ ما قُلتِ! أتسُبِّينَ رجُلًا قد شَهِدَ بَدرًا؟! قالت: أيْ هَنْتَاهُ [263] هَنْتَاهُ: أي: يا هذه، أو يا امرأةُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/107). ، أوَلَمْ تَسمَعي ما قال؟! قلتُ: وماذا قال؟ قالت: فأخبَرَتني بقولِ أهلِ الإفكِ؛ فازددتُ مرضًا إلى مرَضي، فلمَّا رجعتُ إلى بيتي، فدخَل علَيَّ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسلَّم، ثمَّ قال: كيف تِيكُمْ؟ قلتُ: أتأذَنُ لي أن آتيَ أبَوَيَّ؟ -قالت: وأنا حينَئذٍ أريدُ أن أتيقَّنَ الخبَرَ مِن قِبَلِهما-، فأذِنَ لي رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجِئتُ أبَوَيَّ، فقُلتُ لأمي: يا أُمَّتَاهْ، ما يتحدَّثُ الناسُ؟! فقالت: يا بُنَيَّةُ، هَوِّني عليك؛ فواللهِ لَقَلَّما كانت امرأةٌ قَطُّ وَضِيئةً [264] وضيئةً: أي: جميلةً حَسناءَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/107). عندَ رجُلٍ يحِبُّها، ولها ضرائِرُ، إلَّا كثَّرْنَ عليها، قالت: قلتُ: سُبحانَ اللهِ، وقد تحدَّث النَّاسُ بهذا؟! قالت: فبكيتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يَرْقأُ [265] لا يَرقأُ: أى: لا يَنقَطِعُ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/107). لي دَمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، ثم أصبحتُ أبكي.
ودعا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عليَّ بنَ أبي طالبٍ وأُسامةَ بنَ زيدٍ حين استلبثَ الوحيُ، يستشيرُهما في فِراقِ أهلِه، قالت: فأمَّا أسامةُ بنُ زيدٍ فأشار على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالذي يَعلمُ مِن براءةِ أهلِه، وبالذي يعلَمُ في نفْسِه لهم مِن الوُدِّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، هم أهلُك، ولا نعلمُ إلَّا خيرًا. وأمَّا عليُّ بنُ أبي طالبٍ فقال: لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنِّساءُ سواها كثيرٌ، وإنْ تسألِ الجاريةَ تَصْدُقْك. قالت: فدعا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَرِيرةَ، فقال: أيْ بَرِيرةُ، هل رأيتِ مِن شَيءٍ يَرِيبُكِ مِن عائشةَ؟ قالت له بَرِيرةُ: والذي بعثَك بالحَقِّ، إنْ رأيتُ عليها أمرًا قَطُّ أَغْمِصُه [266] أغمِصُه عليها: أي: أعيبُها به. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/109). عليها أكثَرَ مِن أنَّها جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، تنام عن عَجينِ أهلِها، فتأتي الدَّاجِنُ [267] الدَّاجِنُ: أي: الشاةُ التي تألَفُ البَيتَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/109). فتأكُلُه. قالت: فقام رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على المِنبرِ، فاستَعْذَرَ [268] فاستعذر: أي: قال مَن يقومُ بعُذري إن كافأتُه على قبيحِ فِعالِه ولا يلومُني، أو من ينصُرُني؟ يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/109). مِن عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ ابنِ سَلولَ، قالت: فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو على المِنبرِ: يا مَعشرَ المُسلمينَ، مَن يَعذِرُني مِن رجُلٍ قد بلغ أذاه في أهلِ بيتي؟ فوالله ما عَلِمتُ على أهلي إلَّا خيرًا، ولقد ذكَروا رجلًا ما علمتُ عليه إلَّا خيرًا، وما كان يدخُلُ على أهلي إلَّا معي. فقام سعدُ بنُ معاذٍ الأنصاريُّ، فقال: أنا أَعذِرُك منه يا رسولَ اللهِ، إن كان مِن الأَوسِ ضَرَبْنا عُنُقَه، وإن كان مِن إخوانِنا الخَزرجِ أمَرْتَنا ففعَلْنا أمْرَك، قالت: فقام سعدُ بنُ عُبادةَ -وهو سَيِّدُ الخَزرجِ، وكان رجلًا صالِحًا، ولكِنِ اجتَهَلَتْه الحَمِيَّةُ [269] اجتَهَلَتْه: أي: استَخَفَّتْه وأغضَبَتْه وحَمَلَتْه على الجَهلِ. والحَمِيَّةُ: أي: العَصبيَّةُ والأنفَةُ والغَضَبُ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/322)، ((شرح النووي على مسلم)) (17/110). - فقال لسَعدِ بنِ مُعاذٍ: كذَبْتَ، لعَمْرُ اللهِ [270] لعَمْرُ اللهِ: هو قَسَمٌ ببَقاءِ اللهِ تعالى ودَوامِه. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (3/298). لا تقتُلُه، ولا تقدِرُ على قَتلِه! فقام أُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ -وهو ابنُ عَمِّ سعدِ بنِ مُعاذ- فقال لسَعدِ بنِ عُبادةَ: كذَبْتَ، لَعَمْرُ اللهِ لنَقتُلَنَّه؛ فإنَّك منافِقٌ تجادِلُ عن المنافقين! فثار الحَيَّانِ: الأَوسُ والخزرجُ، حتى هَمُّوا أن يَقتَتِلوا، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ على المِنبَر، فلم يزَلْ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُخَفِّضُهم [271] يُخفِّضُهم: أي: يُسَكِّنُهم. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (12/158). حتى سكَتوا وسكَتَ.
قالت: وبكيتُ يَومي ذلك لا يَرْقأُ لي دمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، ثمَّ بكيتُ ليلتي المُقبِلةَ لا يَرقأُ لي دمعٌ، ولا أكتَحِلُ بنومٍ، وأبَوايَ يَظُنَّانِ أنَّ البكاءَ فالِقٌ كَبِدي، فبيْنما هما جالِسانِ عندي وأنا أبكي استأذنَتْ علَيَّ امرأةٌ من الأنصارِ، فأذِنتُ لها، فجَلَسَت تبكي. قالت: فبيْنا نحنُ على ذلك دخَلَ علينا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَلَّم ثمَّ جلس، قالت: ولم يجلِسْ عندي منذُ قيلَ لي ما قيل، وقد لَبِث شَهرًا لا يُوحَى إليه في شأني بشَيءٍ. قالت: فتشهَّدَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ جلَس، ثمَّ قال: أمَّا بعدُ، يا عائشةُ، فإنَّه قد بلغَني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كُنتِ بريئةً فسيُبَرِّئُك اللهُ، وإن كنتِ ألممْتِ [272] ألممْتِ: أي: فعَلْتِ ذَنبًا. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/111). بذنْبٍ فاستغفري اللهَ وتوبي إليه؛ فإنَّ العبدَ إذا اعترَف بذنبٍ ثم تاب، تاب الله عليه. قالت: فلمَّا قضى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مقالتَه، قَلَصَ [273] قلَصَ: أي: استمسَك نزولُه فانقَطَع. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/475). دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً! فقلتُ لأبي: أجِبْ عنِّي رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما قال، فقال: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقلتُ لأمي: أجيبي عنِّي رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالت: واللهِ ما أدري ما أقولُ لرَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! فقلتُ -وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ، لا أقرأُ كثيرًا مِن القرآنِ-: إنِّي واللهِ لقد عرَفْتُ أنَّكم قد سمِعتُم بهذا حتى استقَرَّ في نفوسِكم، وصدَّقتُم به، فإنْ قلتُ لكم: إنِّي بريئةٌ -واللهُ يعلمُ أنِّي بريئةٌ- لا تُصَدِّقوني بذلك، ولئنْ اعترَفْتُ لكم بأمرٍ -واللهُ يعلمُ أنِّي بريئةٌ- لَتُصدِّقونَني! وإنِّي واللهِ ما أجِدُ لي ولكم مثلًا إلَّا كما قال أبو يوسفَ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ  [يوسف: 18]، قالت: ثمَّ تحوَّلتُ فاضْطَجَعتُ على فِراشي.
قالت: وأنا -واللهِ- حينَئذٍ أعلَمُ أنِّي بريئةٌ، وأنَّ اللهَ مُبَرِّئي ببَراءتي، ولكِنْ واللهِ ما كنتُ أظُنُّ أن يُنزَلَ في شأني وحْيٌ يُتلَى، ولَشَأني كان أحقَرَ في نفْسي مِن أن يتكلَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيَّ بأمرٍ يُتلى! ولكنِّي كنتُ أرجو أن يرَى رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في النَّومِ رُؤيا يُبَرِّئُني اللهُ بها. قالت: فواللهِ ما رامَ [274] ما رام: أي: ما فارق. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/476). رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مجلِسَه، ولا خرَج مِن أهلِ البَيتِ أحدٌ حتى أنزَل اللهُ عزَّ وجَلَّ على نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخَذه ما كان يأخُذُه مِن البُرَحاءِ [275] البُرَحاءِ: أي: شِدَّةِ الحُمَّى أو شِدَّةِ الكَربِ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/476). عندَ الوَحيِ، حتى إنَّه لَيَتحَدَّرُ منه مِثلُ الجُمَانِ [276] الجُمَانِ: أي: اللُّؤلؤِ. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/476). مِن العَرَقِ في اليومِ الشَّاتِ؛ مِن ثِقَلِ القَولِ الذي أُنزِلَ عليه، قالت: فلمَّا سُرِّيَ [277] سُرِّيَ: أَيْ: كُشِفَ وأُزيلَ. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/112). عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يضحَكُ، فكان أوَّلَ كَلِمةٍ تكلَّمَ بها أنْ قال: أَبْشِري يا عائشةُ، أمَّا اللهُ فقد برَّأكِ! فقالت لي أمِّي: قُومي إليه، فقلتُ: واللهِ لا أقومُ إليه، ولا أحمَدُ إلَّا اللهَ؛ هو الذي أنزل براءتي! قالت: فأنزل اللهُ عَزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ [النور: 11] عشْرَ آياتٍ، فأنزل اللهُ عَزَّ وجَلَّ هؤلاء الآياتِ براءتي.
قالت: فقال أبو بكرٍ -وكان يُنفِقُ على مِسْطَحٍ؛ لقَرابتِه منه وفَقرِه-: واللهِ لا أُنفِقُ عليه شيئًا أبدًا بعدَ الذي قال لعائشةَ؛ فأنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور: 22]...، فقال أبو بكرٍ: واللهِ إنِّي لَأُحِبُّ أن يغفِرَ اللهُ لي، فرجَع إلى مِسطَحٍ النَّفقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: لا أَنزِعُها منه أبدًا.
قالت عائشةُ: وكان رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سأل زينبَ بنتَ جَحشٍ زوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أمري: ما عَلِمْتِ؟ -أو: ما رأيتِ؟- فقالت: يا رسولَ اللهِ، أَحْمي سَمعي وبصري، واللهِ ما عَلِمتُ إلَّا خيرًا. قالت عائشةُ: وهي التي كانت تُسامِيني [278] تُساميني: أي: تُعاليني. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (8/478). مِن أزواجِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فعصَمَها اللهُ بالوَرَعِ، وطَفِقَتْ أختُها حَمْنةُ بنتُ جَحشٍ تُحارِبُ لها، فهلَكَت فيمَن هلَكَ))
. قال الزُّهْريُّ: فهذا ما انتهى إلينا مِن أمرِ هؤلاءِ الرَّهطِ [279] رواه البخاري (4750)، ومسلم (2770) واللفظُ له. قال ابنُ الجوزي: (أجمع المفسِّرون أنَّ هذه الآيةَ وما يتعلَّقُ بها بعدَها نزلت في قصَّةِ عائشةَ رضيَ الله عنها). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/282). ويُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/14). .
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ.
أي: إنَّ الذين جاؤوا بالبُهتانِ والكَذِبِ الشَّنيعِ بقَذفِهم عائشةَ، جماعةٌ في عدادِكم، أيُّها المُسلِمونَ [280] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/189)، ((تفسير القرطبي)) (12/198)، ((تفسير ابن كثير)) (6/25)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/221-223). قال ابنُ كثير: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ أي: جماعةٌ منكم، يعني: ما هو واحِدٌ ولا اثنانِ، بل جماعةٌ، فكان المقَدَّمُ في هذه اللَّعنةِ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلولَ: رأسَ المنافقين؛ فإنَّه كان يجمَعُه ويستوشيه، حتى دخَل ذلك في أذهانِ بعضِ المسلِمينَ، فتكَلَّموا به، وجوَّزه آخرون منهم، وبقِي الأمرُ كذلك قريبًا من شهرٍ، حتى نزَل القرآنُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/19). .
لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ.
أي: لا تظنُّوا قَذْفَهم لها شَرًّا لكم، بل هو خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخرةِ [281] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/189)، ((تفسير القرطبي)) (12/198)، ((تفسير ابن كثير)) (6/25)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/221-223). قال ابن عاشور: (خيرٌ لهم؛ لأنَّ فيه منافِعَ كثيرةً؛ إذ يميَّزُ به المؤمنون الخُلَّصُ مِن المنافقين، وتُشرَعُ لهم بسبَبِه أحكامٌ تردَعُ أهلَ الفِسقِ عن فِسقِهم، وتتبيَّنُ منه براءةُ فُضَلائِهم، ويزدادُ المنافِقونَ غيظًا، ويُصبِحونَ محقَّرينَ مذمومينَ، ولا يفرحون بظَنِّهم حُزْنَ المسلمين؛ فإنَّهم لَمَّا اختلَقوا هذا الخبَرَ ما أرادوا إلَّا أذَى المسلمينَ، وتجيءُ منه مُعجزاتٌ بنزولِ هذه الآياتِ بالإنباء بالغيبِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/172). ويُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). وقال ابنُ جُزي: (والخيرُ في ذلك من خمسةِ أوجُهٍ: تَبرِئةُ أمِّ المؤمنينَ، وكرامةُ اللهِ لها بإنزالِ الوَحيِ في شأنِها، والأجرُ الجزيلُ لها في الفِرْيةِ عليها، ومَوعِظةُ المؤمِنينَ، والانتِقامُ مِن المُفتَرينَ). ((تفسير ابن جزي)) (ص: 1217). وقال ابن الأثير: (قال عروةُ: لو لم يكُنْ لعائشةَ مِن الفضائلِ إلَّا قصةُ الإفكِ لكفَى بها فضلًا وعلوَّ مجدٍ؛ فإنَّها نزَل فيها مِن القرآنِ ما يُتلَى إلى يومِ القيامةِ). ((أسد الغابة)) (6/191). ومِن أوجُهِ الخَيريَّةِ أيضًا: أنَّه ظهر بذلك نقاءُ وطُهرُ فِراشِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأنَّه لا يُمكِنُ لفِراشِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَتدَنَّسَ بهذا. ومنها: الأجرُ العظيمُ الذي ترتَّب على ما أصاب المؤمِنينَ في هذه الحادثةِ مِنَ الأذى والمشقَّةِ والجَهدِ الجَهيدِ، حتى إنَّه مِن حِكمةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ أنَّ الوَحيَ انقطَعَ شَهرًا كامِلًا! ومنها: رِفعةُ شأنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لِكَونِ اللهِ سُبحانَه وتعالى يدافِعُ بنَفْسِه عنه. ومنها: تأديبُ المؤمنينَ وعِظَتُهم بما يَنبغي أن يَكونوا عليه مِن عدَمِ إطلاقِ القَولِ والتَّجَرُّؤِ على أعراضِ الأعِفَّاءِ. يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 57). .
كما قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216].
وقال سُبحانَه: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19].
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ.
أي: لكلِّ واحدٍ ممَّن تكلَّم بالإفكِ نَصيبُه مِن العذابِ؛ جزاءً له بقَدرِ ذَنبِه [282] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/191)، ((تفسير السمرقندي)) (2/502)، ((الوسيط)) للواحدي (3/311)، ((تفسير القرطبي)) (12/200)، ((تفسير ابن كثير)) (6/25). .
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
أي: والذي تحمَّل مُعظَمَ ذلك الإثمِ والإفكِ، له عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ [283] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/191، 192)، ((تفسير ابن كثير)) (6/25)، ((تفسير السعدي)) (ص: 563). وقال ابن كثير: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ قيل: ابتدأَ به. وقيل: الذي كان يجمَعُه ويَستوشيه ويُذيعُه ويُشيعُه). ((تفسير ابن كثير)) (6/25). قال ابنُ جرير: (لا خِلافَ بيْن أهلِ العِلمِ بالسِّيَرِ أنَّ الذي بدأ بذكْرِ الإفكِ، وكان يجمعُ أهلَه ويحدِّثُهم: عبدُ الله بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ، وفِعلُه ذلك على ما وصفتُ كان تولِّيَه كِبْرَ ذلك الأمرِ). ((تفسير ابن جرير)) (17/197). وقال ابن عطية: (والإشارةُ بقَولِه: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ إلى عبدِ الله بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ، والعذابُ المتوَعَّدُ به هو عذابُ الآخرةِ، وهذا قولُ الجمهورِ، وهو ظاهِرُ الحديثِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/169) وممَّن نسَبَ إلى الأكثرينَ أيضًا أنَّه عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ: السمعانيُّ، وابنُ كثير. يُنظر: ((تفسير السمعاني)) (3/510)، ((تفسير ابن كثير)) (6/25). قال ابنُ كثيرٍ: (وقيل: بل المرادُ به حسَّانُ بنُ ثابتٍ، وهو قولٌ غريبٌ، ولولا أنَّه وقَع في صحيح البخاريِّ ما قد يدُلُّ على ذلك لَمَا كان لإيرادِه كبيرُ فائدةٍ؛ فإنَّه مِنَ الصحابةِ الذين كان لهم فضائلُ ومناقبُ ومآثرُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/25). .
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ سُبحانَه وتعالى قِصَّةَ الإفكِ، وذكَرَ حالَ المقذوفينَ والقاذفينَ؛ عقَّبَها بما يليقُ بها مِن الآدابِ والزَّواجرِ [284] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/340). .
وأيضًا لَمَّا أخبر اللهُ سُبحانَه وتعالى بعقابِ أهلِ الإفكِ، وكان في المؤمنينَ مَن سَمِعَه وسكَت، وفيهم مَن سَمِعه فتحَدَّث به متعجِّبًا مِن قائِلِه، أو متثبِّتًا في أمرِه، وفيهم مَن أكذَبه- أتْبَعه سُبحانَه وتعالى بعتابِهم في أسلوبِ خطابِهم، مُثنيًا على مَن كذَّبه، فقال مُستأنفًا مُحرِّضًا [285] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/607). :
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا.
أي: هلَّا حين سَمِعتُم قولَ أهلِ الإفكِ ظَنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم ببعضٍ السلامةَ مما رُمُوا به مِن الإفكِ [286] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/212)، ((تفسير النسفي)) (2/492)، ((تفسير السعدي)) (ص: 563)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/174). ممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ: ظنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ بإخوانِهم وأهلِ دينِهم الذين هم منهم مِن المؤمنينَ والمؤمناتِ خيرًا: ابنُ جرير، والزجَّاجُ، ومكِّي، والسمعانيُّ، والبغوي، والبيضاوي، والنسفي، والسعدي، والشنقيطي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/211)، ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/36)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5045)، ((تفسير السمعاني)) (3/510)، ((تفسير البغوي)) (3/393)، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير النسفي)) (2/492)، ((تفسير السعدي)) (ص: 563)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/42)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/174). وممَّن اختار أنَّ المرادَ: أنَّه كان يَنبغي أن يَقيسَ فُضلاءُ المؤمنينَ والمؤمناتِ الأمرَ على أنفُسِهم، وإذا كان ذلك يَبعُدُ في حقِّهم، فهو في حقِّ عائشةَ أَبْعَدُ؛ لفَضلِها: ابنُ عطية، وابنُ جزي، وابن كثير، والثعالبي، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/170)، ((تفسير ابن جزي)) (2/63)، ((تفسير ابن كثير)) (6/27)، ((تفسير الثعالبي)) (4/174)، ((تفسير الشوكاني)) (4/15). !
وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ.
أي: وقال المؤمنونَ والمؤمناتُ: هذا الذي يقولُه أهلُ الإفكِ كَذِبٌ واضِحٌ على أُمِّ المؤمنينَ [287] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/213)، ((تفسير ابن كثير)) (6/27)، ((تفسير أبي السعود)) (6/161). قال ابنُ كثير: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ أي: كَذِبٌ ظاهِرٌ على أمِّ المؤمنينَ؛ فإنَّ الذي وقع لم يكن ريبةً، وذلك أنَّ مجيءَ أمِّ المؤمنين راكبةً جَهرةً على راحلةِ صفوانَ بنِ المُعطِّلِ في وقتِ الظَّهيرةِ، والجيشُ بكمالِه يُشاهِدونَ ذلك، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيْن أظهُرِهم، لو كان هذا الأمرُ فيه ريبةٌ لم يكنْ هكذا جهرةً، ولا كانا يَقدَمانِ على مِثلِ ذلك على رؤوسِ الأشهادِ، بل كان يكونُ هذا -لو قُدِّرَ- خُفيةً مستورًا؛ فتعيَّن أنَّ ما جاء به أهلُ الإفك ممَّا رَمَوا به أمَّ المؤمنينَ هو الكَذِبُ البَحتُ، والقولُ الزورُ، والرُّعونةُ الفاحشةُ الفاجرةُ، والصفقةُ الخاسرةُ!). ((تفسير ابن كثير)) (6/27). .
لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ.
لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
أي: هلَّا جاء أهلُ الإفكِ بأربعةِ رِجالٍ عُدولٍ يَشهَدونَ على صِحَّةِ ما رَمَوا به عائشةَ رَضِي اللهُ عنها [288] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/214)، ((تفسير ابن كثير)) (6/27)، ((تفسير السعدي)) (ص: 563)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/373). !
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ.
أي: فإذ لم يأتِ القاذِفون بأربعةِ شُهَداءَ يَشهَدونَ على صِحَّةِ ما قالوا، فإنَّهم في حُكمِ اللهِ كاذِبونَ [289] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/214)، ((تفسير ابن كثير)) (6/27)، ((تفسير السعدي)) (ص: 563). قال القرطبي: (قد يعجِزُ الرجلُ عن إقامةِ البيِّنة وهو صادقٌ في قذفِه، ولكنَّه في حُكمِ الشَّرع وظاهرِ الأمرِ كاذبٌ، لا في علم الله تعالى، وهو سبحانَه إنَّما رتَّب الحدودَ على حُكمِه الذي شرعه في الدُّنيا لا على مقتضى عِلمِه... وأجمع العُلَماءُ أنَّ أحكامَ الدُّنيا على الظاهر، وأنَّ السَّرائرَ إلى الله عزَّ وجلَّ). ((تفسير القرطبي)) (12/203). وقال ابنُ تيمية: (القاذِفُ كاذِبٌ، ولو كان قد قذَف مَن زنى في نفسِ الأمرِ؛ لأنَّه أخبَر بما لا يحلُّ له الإخبارُ به، وتكلَّف ما لا عِلمَ له به). ((مجموع الفتاوى)) (13/371). وقال السعدي: (فإنَّهم كاذبونَ في حُكمِ الله؛ لأنَّ الله حرَّم عليهم التكلُّمَ بذلك، مِن دونِ أربعةِ شهودٍ؛ ولهذا قال: فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ولم يقل «فأولئك هم الكاذبون» وهذا كلُّه من تعظيمِ حُرمةِ عِرضِ المسلمِ؛ بحيث لا يجوزُ الإقدامُ على رميه، مِن دون نصابِ الشَّهادةِ بالصِّدقِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 563). .
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّنَ اللهُ تعالى لهم بإقامةِ الدَّليلِ على كَذِبِ الخائضينَ في هذا الكلامِ أنَّهم استحَقُّوا الملامَ، وكان ذلك مرَغِّبًا لأهلِ التقوى؛ بيَّن أنَّهم استحقُّوا بالتقصيرِ في الإنكارِ عمومَ الانتقامِ في سياقٍ مُبَشِّرٍ بالعفوِ [290] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/230). ، فقال تعالى:
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ.
أي: ولولا فضلُ الله عليكم -أيُّها الخائضون في الإفكِ- ورحمتُه بكم في الدُّنيا والآخرةِ، بإمهالِه لكم لتتوبوا، وقَبولِ توبتِكم، وعَفوِه عنكم، وعدَمِ معُاجلتِكم بالعقوبةِ- لأصابَكم بسبَبِ خوضِكم في عِرضِ عائشةَ عذابٌ عظيمٌ [291] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/214)، ((الوسيط)) للواحدي (3/311)، ((تفسير القرطبي)) (12/203)، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير ابن كثير)) (6/28)، ((تفسير السعدي)) (ص: 563). قال ابنُ كثير: (وهذا فيمن عندَه إيمانٌ رزقه اللهُ بسبَبِه التوبةَ إليه؛ كمِسطحٍ، وحسانَ، وحَمْنةَ بنتِ جحشٍ أختِ زينبَ بنتِ جحش. فأمَّا مَن خاض فيه مِن المنافقين -كعبدِ الله بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلولَ وأضرابِه- فليس أولئك مرادينَ في هذه الآيةِ؛ لأنَّه ليس عندَهم مِن الإيمانِ والعملِ الصالحِ ما يُعادِلُ هذا ولا ما يُعارِضُه، وهكذا شأنُ ما يَرِدُ مِن الوعيدِ على فِعلٍ معيَّنٍ، يكونُ مطْلَقًا مشروطًا بعدمِ التوبةِ، أو ما يقابِلُه مِن عملٍ صالحٍ يوازنُه أو يرجَحُ عليه). ((تفسير ابن كثير)) (6/28). .
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ.
أي: لَمَسَّكم عذابٌ عظيمٌ حين تتلقَّونَ الإفكَ، ويأخُذُه ويَرويه بعضُكم عن بعضٍ [292] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/215)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 759)، ((تفسير ابن جزي)) (2/63، 64)، ((تفسير ابن كثير)) (6/28)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564). قال ابن الجوزي: (ذَكَرَ الوقتَ الذي لولا فَضلُه لأصابهم فيه العذابُ، فقال: ﮟ ﮠ، وكان الرجُلُ منهم يَلْقى الرجُلَ فيقولُ: بلَغَني كذا، فيتلقَّاه بعضُهم من بعضٍ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/284). .
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ.
أي: وتقولونَ في عائشةَ كلامًا ليس لكم أيُّ دليلٍ على صحَّتِه [293] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/218)، ((الوسيط)) للواحدي (3/311)، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير ابن كثير)) (6/28)، ((السراج المنير)) للشربيني (2/608). قال ابنُ تيميَّةَ: (قوله: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فهذا بيانٌ لسببِ العذابِ، وهو تلقِّي الباطِلِ بالألسنةِ، والقَولِ بالأفواه، وهما نوعانِ محرَّمانِ: القولُ بالباطلِ، والقولُ بلا علمٍ). ((مجموع الفتاوى)) (15/331). وقال ابن جُزي: (في هذا الكلامِ عِتابٌ لهم على خوضِهم في حديثِ الإفكِ، وإن كانوا لم يُصَدِّقوه؛ فإنَّ الواجِبَ كان الإغضاءَ عن ذِكرِه، والتركَ له بالكلِّيَّةِ، فعاتَبَهم على ثلاثةِ أشياءَ، وهي: تلقِّيهِ بالألسنةِ، أي: السؤالُ عنه، وأخْذُه مِن المسؤولِ، والثاني: قولُهم ذلك، والثالث: أنهم حَسِبوه هيِّنًا، وهو عندَ الله عظيمٌ). ((تفسير ابن جزي)) (2/63، 64). !
وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ.
أي: وتَظُنُّونَ أنَّ تلقِّيَكم الإفكَ، وروايةَ بَعضِكم له عن بعضٍ، والخوضَ فيه بلا علمٍ- أمرٌ سهلٌ يسيرٌ، وهو عندَ اللهِ ذنْبٌ عظيمٌ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ [294] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/218)، ((تفسير القرطبي)) (12/204)، ((تفسير أبي حيان)) (8/23)، ((تفسير ابن كثير)) (6/28). !
كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: 23].
وعن أبي هُريرةَ رضِيَ الله عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ [295] المُوبقاتِ: أي: المُهلِكاتِ. يُنظر: ((إكمال المُعْلِم)) للقاضي عياض (1/356). ، قيل: يا رسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قال: الشِّركُ باللهِ، والسِّحرُ، وقتلُ النَّفسِ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والتولِّي يومَ الزَّحفِ [296] التولِّي يومَ الزَّحفِ: أي: الإعراضُ عن الحَربِ، والفِرارُ مِن الكُفَّارِ. يُنظر: ((شرح المشكاة)) للطِّيبي (2/505)، ((عمدة القاري)) للعَيني (14/62). ، وقَذفُ المُحصَناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ )) [297] رواه البخاري (2766)، ومسلم (89) واللفظُ له. .
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا.
أي: وهلَّا حين سَمِعتُم الإفكَ قلتُم: ما يَنبغي لنا أن نتكلَّمَ بهذا الباطِلِ أو نذكُرَه لأحدٍ [298] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/218)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/180). قال ابن كثير: (هذا تأديبٌ آخَرُ بعد الأوَّلِ: الأمرِ بالظنِّ خيرًا، أي: إذا ذُكِرَ ما لا يَليقُ من القولِ في شأنِ الخِيْرَةِ، فأَوْلى يَنبغي الظَّنُّ بهم خيرًا، وألا يُشعِرَ نفْسَه سوى ذلك، ثم إن عَلِقَ بنفْسِه شَيءٌ من ذلك -وسوسةٌ أو خيالٌ- فلا يَنبغي أن يتكلَّم به). ((تفسير ابن كثير)) (6/29). وقال ابن عاشور: (معنى قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أن يقولوا لِلَّذينَ أخبَروهم بهذا الخبرِ الآفِك، أي: قلتُم لهم زجرًا وموعِظةً. وضميرُ لَنَا مرادٌ به القائِلون والمخاطَبون؛ فأمَّا المخاطَبون فلأنَّهم تكلَّموا به حين حدَّثوهم بخبرِ الإفكِ، والمعنى: ما يَكونُ لكم أن تتكلَّموا بهذا. وأمَّا المتكَلِّمون فلِتنَزُّهِهم مِن أن يجريَ ذلك البهتانُ على ألسنَتِهم). ((تفسير ابن عاشور)) (18/180). .
سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
أي: ننزِّهُك -يا ربَّنا- ونبرأُ إليك من هذا الكَذِبِ العظيمِ [299] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/218)، ((تفسير الزمخشري)) (3/220)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 88). !
يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
أي: يَنصَحُكم اللهُ ويُذَكِّرُكم ويَنهاكم؛ لئلَّا تَعودُوا لِقَذفِ المُحصَناتِ، والخَوضِ في أعراضِهنَّ بلا عِلمٍ، إن كنتُم مؤمنينَ باللهِ وشَرعِه، وتتَّعظونَ بِعِظاتِه، فتنتهُون عمَّا نهاكم عنه، وتأتمِرون بأمرِه [300] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/218)، ((البسيط)) للواحدي (16/167)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((تفسير الشوكاني)) (4/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564). قال الشوكاني: (وعظ سُبحانَه الذين خاضوا في الإفكِ، فقال: يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا أي: ينصَحُكم اللهُ، أو يُحَرِّمُ عليكم، أو يَنهاكم؛ كراهةَ أن تعودوا، أو مِن أن تعودوا، أو في أن تعودوا لمِثلِ هذا القذفِ مُدَّةَ حياتِكم إن كنتم مؤمِنينَ؛ فإنَّ الإيمانَ يَقتضي عدَمَ الوقوعِ في مِثلِه ما دمتُم، وفيه تهييجٌ عَظيمٌ، وتقريعٌ بالغٌ). ((تفسير الشوكاني)) (4/17). .
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ.
أي: ويوضِّحُ اللهُ لكم آياتِ كتابِه، فيَجعَلُها لكم واضِحةَ الدَّلالةِ على المقصودِ؛ لتَعمَلوا بها وتتَّعِظوا [301] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((تفسير الشوكاني)) (4/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/183). قال البِقَاعي: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ أي: بما له مِن الاتِّصافِ بصِفاتِ الجلالِ والإكرامِ لَكُمُ الْآَيَاتِ أي: العلاماتِ الموضِّحةَ للحَقِّ والباطِلِ، مِن كُلِّ أمرٍ دينيٍّ أو دُنيويٍّ). ((نظم الدرر)) (13/233). .
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
أي: واللهُ عليمٌ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بعبادِه وما يُصلِحُهم، وعِلمُه بأعمالِهم، فيُجازي كلًّا بما قدَّم مِن خيرٍ أو شرٍّ، وهو ذو الحكمةِ التامَّةِ العامَّةِ، ومِن ذلك حكمتُه في شرعِه، وتكليفِ عِبادِه، وتدبيرِ خَلقِه، فيضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللائِقِ به [302] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/233)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ فيه تنبيهٌ على أنَّ حَقَّ المؤمِنِ إذا سَمِعَ قالةً في أخيه أن يبنيَ الأمرَ فيه على ظَنِّ الخيرِ، وأن يقولَ بِناءً على ظنِّه: هذا إفكٌ مُبينٌ، هكذا باللَّفظِ الصَّريحِ ببراءةِ أخيه، كما يقولُ المُستيقنُ المطَّلِعُ على حقيقةِ الحالِ، وهذا مِن الأدبِ الحسَنِ [303] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/21). ، فالواجِبُ على المؤمِنين إذا سَمِعوا قَولَ القاذِفِ أن يُكَذِّبوه، ويَشتَغِلوا بإحسانِ الظَّنِّ، ولا يُسرِعوا إلى التُّهمةِ فيمن عرَفوا فيه الطَّهارةَ [304] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/341). .
2- قَولُ الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ يدُلُّ على أنَّ الواجِبَ فيمن كان ظاهِرُه العدالةَ أن يُظَنَّ به خيرٌ، ويوجِبُ أن تكونَ عُقودُ المسلمين وتصَرُّفاتُهم محمولةً على الصِّحَّةِ والجوازِ [305] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/341). .
3- قَولُ الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ استُدِلَّ به على أنَّ المسلمينَ عُدولٌ ما لم يظهَرْ منهم رِيبةٌ؛ لأنَّا مأمورونَ بحُسنِ الظَّنِّ، وذلك يوجِبُ قَبولَ الشهادةِ ما لم يَظهَرْ منه ريبةٌ توجِبُ التوقُّفَ عنها أو ردَّها [306] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/341). .
4- في قولِه تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ دليلٌ على أنَّ التصديقَ بالذَّايِعِ مِن الخبرِ المُنْكَرِ والنِّحلةِ الفاحشةِ إلى المُخْبَرِ عنه- مُحَرَّمٌ؛ وهو مُوجِبٌ على سامعِه إعدادَه في وجوهِ الكذبِ والزُّورِ، بل لازمٌ له أن يَلفِظَ بتكذيبِه، ولا يقتصرَ على إضمارِ القلبِ ونُبُوِّه عنه [307] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/436). !
5- قَولُه تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ فيه تحريمُ ظَنِّ السُّوءِ، وأنَّه لا يُحكَمُ بالظنِّ [308] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 190). .
6- قَولُ الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ فيه أنَّ مَن عُرِف بالصلاحِ لا يُعدَلُ به عنه لخبرٍ مُحتَمَلٍ، وأنَّ القاذِفَ يُكذَّبُ شرعًا ما لم يأتِ بالشُّهَداءِ [309] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 190). .
7- قَولُ الله تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ جعَل اللهُ الخطابَ عامًّا مع المؤمنين كلِّهم، وأخبر تعالى أنَّ قَدْحَ بعضِهم ببعضٍ كقَدحٍ في أنفُسِهم -وذلك على قولٍ في التفسيرِ-؛ ففيه أنَّ المؤمنينَ في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم، واجتماعِهم على مصالحِهم- كالجَسَدِ الواحِدِ؛ والمؤمِنَ للمؤمِنِ كالبُنيانِ، يَشُدُّ بعضُه بعضًا، فكما أنَّه يُكرهُ أن يقدَحَ أحَدٌ في عِرضِه، فلْيَكرَهْ مِن كلِّ أحدٍ أن يَقدحَ في أخيه المؤمِنِ الذي بمنزلةِ نفْسِه، وما لم يَصِلِ العبدُ إلى هذه الحالةِ فإنَّه مِن نقصِ إيمانِه، وعدَمِ نُصحِه [310] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). !
8- وفي عَطْفِ وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ على قولِه: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا تَشريعٌ لوُجوبِ المُبادَرةِ بإنكارِ ما يَسمَعُه المُسلِمُ مِن الطَّعنِ في المُسلِمِ بالقَولِ كما يُنكِرُه بالظَّنِّ، وكذلك تَغييرُ المُنكَرِ بالقلبِ واللِّسانِ [311] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/175). .
9- قولُه تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ في هذا تربيةٌ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ تُفيدُ أنَّ الإنسانَ يتثبَّتُ فيما يقولُ؛ لِيَكونَ قولُه معتبرًا، ولِيَسْلَمَ مِن إثمِ القولِ بلا علمٍ، لا سيَّما إذا كان القولُ على الله؛ فإنَّه لا أحدَ أظلَمُ ممَّن افترَى على الله كذبًا، أو كان القولُ في النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وآلِ بيتِه وأصحابِه [312] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 84). . ففيه مِن الأدَبِ الأخلاقيِّ أنَّ المرءَ لا يقولُ بلِسانِه إلَّا ما يعلَمُه ويتحَقَّقُه، وإلَّا فهو أحدُ رجُلين: أَفِنُ [313] أفِنُ: الأفَنُ: النَّقصُ. ورجُلٌ أفينٌ ومأفونٌ، أي: ناقِصُ العقلِ. يُنظر: ((النهاية)) لابن الأثير (1/57). الرأيِ، يقولُ الشَّيءَ قبْلَ أن يتبيَّنَ له الأمرُ، فيُوشِكُ أن يقولَ الكَذِبَ فيَحسَبَه النَّاسُ كذَّابًا، وفي الحديثِ: ((كفَى بالمرءِ كذبًا أن يحَدِّثَ بكُلِّ ما سمِعَ)) [314] أخرجه مسلم (5). ، أو رجُلٌ مُمَوِّهٌ مُراءٍ، يقولُ ما يعتَقِدُ خِلافَه؛ قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة: 204]، وقال: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 3]. هذا في الخبرِ، وكذلك الشأنُ في الوعدِ، فلا يَعِدُ إلَّا بما يعلَمُ أنَّه يستطيعُ الوفاءَ به، وفي الحديثِ: ((آيةُ المنافقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلفَ، وإذا ائتُمِنَ خان )) [315] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/178). والحديث أخرجه البخاري (33)، ومسلم (59) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. .
10- قَولُ الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ يُرشِدُ إلى أنَّ الواجِبَ على المكلَّفِ في كلِّ محرَّمٍ أن يَستعظِمَ الإقدامَ عليه؛ إذ لا يأمَنُ أنَّه من الكبائِرِ [316] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/343). ، فهذا فيه الزَّجرُ البليغُ عن تعاطي بعضِ الذنوبِ على وجهِ التَّهاونِ بها؛ فإنَّ العبدَ لا يُفيدُه حسبانُه شيئًا، ولا يُخفِّفُ مِن عقوبةِ الذَّنبِ، بل يُضاعفُ الذَّنبَ، ويُسهِّلُ عليه مواقعتَه مرَّةً أُخرَى [317] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 564). .
11- قَولُ الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ فيه مِن أدبِ الشريعةِ أنَّ احترامَ القوانينِ الشرعيَّةِ يجبُ أن يكونَ سواءً في الغَيبةِ والحضرةِ، والسرِّ والعلانيةِ [318] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/179). .
12- قال تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وصْفُ اللهِ سُبحانَه وتعالى أو ذِكرُه ينبغي أن يُذكَرَ في كلِّ مَحَلٍّ بما يُناسبُه؛ فعندَما يكونُ الأمرُ يقتضي انتِقاصَ اللهِ عزَّ وجلَّ نأتي بالتَّسبيحِ، وعندَما يكونُ الأمرُ موجِبًا لإظهارِ فضْلِ اللهِ ورحمتِه نأتي بالحَمدِ، وعندَما يَشعُرُ الإنسانُ في نَفْسِه بعُلُوٍّ يأتي بالتَّكبيرِ؛ ولهذا كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وجيوشُه إذا علَوُا الثَّنايا كبَّروا، وإذا هبَطوا سبَّحوا [319] أخرجه أبو داود (2599)، والبيهقي في ((الدعوات الكبير)) (463) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. حسَّن إسنادَه النووي في ((المجموع)) (4/395)، وصحَّح الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن أبي داود)) (2599). ، فالإنسانُ عندَما يَعلو يَشعُرُ في نَفسِه بالكبرياءِ، فيُكَبِّرُ اللهَ، وعندما يَهْبِطُ فيقتضي أنْ يُسَبِّحَ اللهَ؛ لِيُنزِّهَه عن السُّفُولِ [320] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 90). .
13- قال تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ فلا يَنبغي لمن يؤمِنُ باللهِ تعالى ورسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يخالِجَ قلبَه بعدَ الوقوفِ على الآياتِ والأخبارِ شَكٌّ في طهارةِ نساءِ الأنبياءِ -عليهم الصلاةُ والسَّلامُ- عن الفُجورِ في حياةِ أزواجِهنَّ، وبعدَ وفاتِهم عنهنَّ [321] يُنظر: ((تفسير الألوسي)) (9/318). .
14- في قَولِه تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ دَلالةٌ على أنَّه يجِبُ على الإنسانِ إذا سَمِعَ إفكًا ألَّا يتكلَّمَ به، بل يُدافِعُ عنِ المَقولِ فيه، ويقولُ: هذا إفكٌ ظاهِرٌ كبيرٌ [322] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 71). .
15- قَولُ الله تعالى: يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يدُلُّ على أنَّ الإيمانَ الصَّادِقَ يمنَعُ صاحِبَه من الإقدامِ على المحَرَّماتِ [323] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). .
16- قال تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فثِقوا ببَيانِه حَكِيمٌ لا يضَعُ شَيئًا إلَّا في أحكَمِ مواضِعِه، وإن دَقَّ عليكم فَهْمُ ذلك؛ فلا تتوقَّفوا في أمرٍ مِن أوامِرِه، واعلَموا أنَّه لم يختَرْ لنبيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَّا الخُلَّصَ مِن عِبادِه، على حسَبِ مَنازِلِهم عندَه، وقُربِهم مِن قَلبِه [324] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/233). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ نزل في براءةِ عائشةَ -رضي الله عنها- فيما قُذِفَت به، فاستدَلَّ به الفُقَهاءُ على أنَّ قاذِفَها يُقتَلُ؛ لتكذيبِه لنصِّ القرآنِ [325] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 190). ، قال مالكٌ: فمَن رماها فقد خالفَ القرآنَ، ومَن خالفَ القرآنَ قُتِل [326] يُنظر: ((المحلى)) لابن حزم (12/440)، ((الشفا)) للقاضي عياض (2/1109). قال ابن حزم: (قول مالكٍ هاهنا صحيحٌ، وهي رِدَّةٌ تامَّةٌ، وتكذيبٌ لله تعالى في قَطعِه ببَراءتِها). ((المحلى)) (12/440). .
2- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ فيه سؤالٌ: لِمَ ترَكَ تسميةَ عائشةَ رضيَ الله عنها؟
الجوابُ: أنَّه تركَه تنزيهًا لها عن هذا القالِ، وإبعادًا لِصَونِ جانبِها العَليِّ عن هذا المرادِ [327] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/602). .
3- في قولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ كمالُ غَيرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ على رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه جَلَّ وعلا يدافِعُ عن نبيِّه وعن فِراشِ نبيِّه هذه المدافَعةَ البليغةَ [328] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 67). .
4- في قَولِه تعالى: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الخطابُ للمؤمنينَ، وكونُهم مِن المؤمنينَ يدُلُّ على أنَّهم لم يَخرجوا مِن الإيمانِ بذلك -أي: بهذا القذفِ-؛ لأنه صَدَرَ قبْلَ أنْ يَتبيَّنَ الحُكمُ في هذا [329] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 54). ، فالآيةُ فُهِم منها أنَّ كِبارَ الذُّنوبِ لا تُخرِجُ المُسلمَ عن دائرةِ الإسلامِ، وكونُ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ منهم لا يَضُرُّ؛ فإنَّ القُرآنَ يتكلَّمُ عنِ الظَّاهرِ، وهو في ظاهِرِه منهم، له أحكامُ الإسلامِ [330] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 64). ، وإلَّا فمَن قذَف عائشةَ بما رُمِيتْ به فإنَّه يَكفرُ؛ لأنَّه مكذِّبٌ للقرآنِ [331] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 66). قال النوويُّ: (براءةُ عائشةَ رضي الله عنها مِن الإفكِ، وهي براءةٌ قطعيَّةٌ بنصِّ القرآنِ العزيزِ، فلو تَشكَّكَ فيها إنسانٌ -والعياذُ بالله- صار كافرًا مرتدًّا بإجماعِ المسلمينَ). ((شرح النووي على مسلم)) (17/117). وقال ابن القيم: (واتَّفقَتِ الأمَّةُ على كُفرِ قاذِفِها). ((زاد المعاد)) (1/103). وقال ابن كثير: (وقد أجمَعَ العلماءُ رحمهمُ اللهُ قاطِبةً على أنَّ مَن سبَّها بعدَ هذا ورماها بما رماها به بعدَ هذا الذي ذُكِر في هذه الآيةِ، فإنَّه كافرٌ؛ لأنَّه معانِدٌ للقرآنِ. وفي بقيَّةِ أمَّهاتِ المؤمنينَ قولانِ؛ أصَحُّهما: أنَّهُنَّ كَهِيَ، واللهُ أعلَمُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/31). ، قال العُلماءُ: قَذْفُ عائِشةَ -رضي الله عنها- كُفرٌ؛ لأنَّ اللهَ سَبَّح نفْسَه عندَ ذِكرِه، فقال: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، كما سبَّح نفْسَه عند ذِكرِ ما وصفَه به المُشرِكونَ من الزَّوجةِ والولَدِ [332] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 190). .
5- قَولُ الله تعالى: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لإزالةِ ما حصل في نفُوسِ المؤمنينَ مِن الأسَفِ مِن اجتراءِ عُصبةٍ على هذا البُهتانِ الذي اشتملت عليه القِصَّةُ، فضميرُ تَحْسَبُوهُ عائِدٌ إلى الإفكِ [333] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/171). .
6- في قولِه تعالى: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ دليلٌ على أنَّ مَن لحِقَه غَمٌّ بالمُتَقَوَّلِ عليه مِن الزُّورِ، فإنَّه شريكُه في الأجرِ؛ لأنَّ المَرميَّةَ بالإفكِ أمُّ المؤمنين رضي الله عنها وحْدَها، فجَمَعَ اللهُ معها مَن لَحِقَه أذَى القولِ، ورسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبوَيها وكلَّ مَن لَحِقَه غَمٌّ بسبَبِها، فقال: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ على لفظِ الجميعِ [334] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/433). .
7- في قَولِه تعالى: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أنَّ الخيرَ قد يكونُ فيما يَتوقَّعُ الإنسانُ منه الشَّرَّ [335] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 66). .
8- في قولِه تعالى: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ دليلٌ على أنَّ قولَ الزُّورِ في المَقولِ خيرٌ مُدَّخَرٌ له، يُثابُ عليه في الآخرةِ، وشَرٌّ على قائلِه، معدودٌ عليه في عِدادِ ذُنوبِه [336] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/433). .
9- في قَولِه تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ عُدِلَ عن «على» إلى «اللامِ»؛ لِتُفيدَ الاستِحقاقَ، أي: لبيانِ أنَّ هؤلاء العُصبةَ الذين ارتكَبوا ما ارتكبوا مستحِقُّون لِمَا عليهم مِن الإثمِ [337] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 63). .
10- في قَولِه تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ كمالُ عَدْلِ اللهِ جلَّ وعلا؛ لأنه لا يُحَمِّلُ الإنسانَ أكثرَ ممَّا يَستحِقُّ، ولا يُحَمِّلُ أحدًا وِزْرَ أحدٍ، فهذه الآيةُ دليلٌ على مسألتينِ: أنَّ الإنسانَ يُجازَى بقَدرِ عَمَلِه، وأنَّه لا يُجازَى بذنْبِ غَيرِه [338] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 68). .
11- في قَولِه تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ دليلٌ على أنَّ مَن سَنَّ شرًّا أعظمُ إثمًا ممَّن واطأهُ عليه؛ لأنَّ المتولِّيَ للكِبْرِ كان السابقَ إلى الإفكِ، وسائرَهم صَدَّقَ قولَه؛ فاستوجَبَ ضِعْفَ العذابِ [339] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/434). .
12- في قَولِه تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ أنَّ الإنكارَ يكونُ بالقَلبِ واللِّسانِ [340] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 72). .
13- في قَولِه تعالى: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا أنَّ مِن فوائدِ الإيمانِ أنَّ صاحبَه مَحَلٌّ للثِّقةِ، وأنَّ الإيمانَ مُوجِبٌ للعدالةِ؛ حيثُ إنَّ اللهَ نهَى أنْ يُظَنَّ بالمؤمنينَ إلَّا الخيرُ [341] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 73). .
14- قَولُه تعالى: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا فيه وجوبُ إنزالِ الناسِ مَنازِلَهم؛ فالمؤمنُ يُظَنُّ به الخيرُ، والفاسِقُ -الذي هو مَحَلُّ التُّهمةِ- يُظَنُّ به ما يليقُ به [342] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 74). .
15- في قَولِه تعالى: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وجوبُ احترامِ أعراضِ المؤمنينَ؛ وأَلَّا تُعَرَّضَ لِمَا يُسيءُ إليها وما يَخدِشُ المجتمعَ الإسلاميَّ، فإذا كان المقذوفُ له مكانةٌ في المجتمعِ الإسلاميِّ؛ فإنّ قَذْفَه ليس عيبًا لشخصِه فقط، بل عيبٌ للإسلامِ كلِّه، وذلك كالعيبِ في علماءِ المسلمينَ، فهذا في الحقيقةِ عيبٌ للإسلامِ كلِّه؛ لأننا إذا عِبْنا واجهةَ الإسلامِ -وهم علماؤه- فقد عِبْنا الإسلامَ كلَّه [343] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 74). .
16- في قَولِه تعالى: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا أنَّ ظَنَّ السُّوءِ بمَن يَستحِقُّه لا يُنافي الإيمانَ؛ فالمؤمنُ ليس مَحَلًّا لسُوءِ الظنِّ، أمَّا غيرُه مِن الفُسَّاقِ إذا كان مَحَلًّا فلا بأسَ، فإذا دَلَّتِ القرائنُ مثلًا على أنَّ هذا الرجُلَ مَحَلٌّ لسُوءِ الظنِّ، فلا بأسَ أنْ نَظُنَّ به، بل قد يجبُ على الإنسانِ أن يَتَّهِمَ الشَّخصَ الذي دَلَّتِ القرائنُ على اتِّهامِه [344] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 74). .
17- القرائِنُ لها تأثيرٌ، والإنسانُ يَحكُمُ بالظَّنِّ بحَسَبِ القرائنِ؛ لقَولِه تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، فهذا يدُلُّ على أنَّ القرائِنَ لها تأثيرٌ في الأحكامِ، وأنَّ الإنسانَ يجِبُ عليه أن يبنيَ ظَنَّه على قرائِنَ [345] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 68). ، فالآيةُ فيها تنبيهٌ على أنَّ حَقَّ المؤمِنِ أن ينظُرَ في قرائنِ الأحوالِ وصلاحيةِ المقامِ، فإذا نُسِبَ سُوءٌ إلى مَن عُرِف بالخير، ظَنَّ أنَّ ذلك إفكٌ وبهتانٌ حتى يتَّضِحَ البُرهانُ [346] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/175). .
18- في قَولِه تعالى: وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ دَلالةٌ على أنَّه يجبُ على القُضاةِ أن يَحكُموا ببُطلانِ مِثلِ هذه الإشاعاتِ في الذين ظاهِرُهم البراءةُ [347] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 68). .
19- في قَولِه تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ دَلالةٌ على أنَّه لا يُقبَلُ في شَهادةِ الزِّنا إلَّا أربعةُ رجالٍ؛ وذلك لأنَّ «أربعة» مؤنَّثةٌ؛ فيكونُ المعدودُ مُذَكَّرًا [348] يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (15/446). .
20- في قَولِه تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ حمايةُ اللهِ عزَّ وجلَّ للأعراضِ؛ حيثُ جَعَل البَيِّنةَ على الزِّنا أربعةَ رجالٍ [349] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 76). .
21- في قَولِه تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ بيانُ أنَّ مِن الكذبِ: الخبرَ الذي لا يجوزُ الإخبارُ به -وإنْ كان خَبَرُه مطابِقًا للمُخبَرِ به- فحُكمُ اللهِ في مِثلِ هذا أن يُعاقَبَ عقوبةَ المفتري الكاذبِ، وإنْ كان خبرُه مُطابِقًا، وعلى هذا فلا تتحقَّقُ توبتُه حتى يَعترفَ بأنَّه كاذِبٌ عندَ اللهِ -وهذا على أحدِ القولَينِ-، كما أخبَرَ اللهُ تعالى به عنه، فإذا لم يَعترِفْ بأنَّه كاذِبٌ وجعَلَه اللهُ كاذِبًا، فأيُّ توبةٍ له؟ وهل هذا إلَّا محضُ الإصرارِ والمجاهرةِ بمخالفةِ حُكمِ اللهِ الذي حكَمَ به عليه [350] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/371). ؟!
22- قولُه تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... فيه تَوبيخٌ وتَعنيفٌ للَّذين سَمِعوا الإفكَ فلمْ يَجِدُّوا في دَفْعِه وإنكارِه، واحتِجاجٌ عليهِم بما هو ظاهرٌ مَكشوفٌ في الشَّرعِ: مِن وُجوبِ تكذيبِ القاذِفِ بغَيرِ بَيِّنةٍ، والتَّنكيلِ به إذا قَذَف امرأةً مُحْصَنةً مِن عُرْضِ نِساءِ المُسلِمينَ؛ فكيف بأُمِّ المُؤمِنينَ، الصِّدِّيقةِ بنتِ الصِّدِّيق، حُرْمةِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وحَبيبةِ حَبيبِ اللهِ [351] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/219)، ((تفسير أبي حيان)) (8/22). ؟!
23- في قَولِه تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ أنَّ الأسبابَ قد يَحصُلُ لها مِن الموانعِ ما يمنعُ تأثيرَها؛ فقد يَجعَلُ اللهُ تعالى مِن الموانِعِ ما يمنعُ حصولَ الشَّيءِ مع تحقُّقِ أسبابِه؛ لأنَّ الأسبابَ موجودةٌ -وهي المَسُّ بعذابٍ عظيمٍ- والمانعُ مِن هذا فضلُ اللهِ ورحمتُه [352] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 79). .
24- في قَولِه تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إثباتُ الأسبابِ، وربطُها بمسبَّباتِها [353] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- الفاتحة والبقرة)) (1/228)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 79). .
25- في قَولِه تعالى: لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ أنَّ شُيوعَ المعصيةِ بيْنَ النَّاسِ سببٌ للعُقوبةِ العامَّةِ [354] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 79). .
26- قال الله تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ نبَّه بقَولِه: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا على أنَّ عِظَمَ المعصيةِ لا يختَلِفُ بظَنِّ فاعِلِها وحُسبانِه، بل ربَّما كان ذلك مؤكِّدًا لعِظَمِها؛ مِن حيثُ جهلُ كَونِها عظيمًا [355] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/343). .
27- في قَولِه تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ بيانُ عِظَمِ قَذْفِ زَوجاتِ الرَّسولِ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- بالزِّنا [356] يُنظر: ((فتاوى نور على الدرب)) لابن عثيمين (11/343). .
28- قَولُ الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ يدُلُّ على أنَّ القَذفَ مِن الكبائِرِ وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ [357] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/343). .
29- لَمَّا وصَفَ طَعنَ اليَهودِ في مريمَ بأنَّه بُهتانٌ عَظيمٌ، وذلك في قَولِه تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [النساء: 156]، ووصَف طَعْنَ المنافقينَ في عائشةَ بأنَّه بهتانٌ عظيمٌ؛ حيث قال هنا: سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ- دَلَّ ذلك على أنَّ الرَّوافِضَ الذين يَطعنونَ في عائشةَ -رضِيَ اللهُ عنها- بمنزلةِ اليهودِ الذين يطعنونَ في مريمَ عليها السَّلامُ [358] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/259)، ((تفسير ابن عادل)) (7/111). .
30- قَولُه تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ هذا من بابِ الآدابِ، أي: هلَّا إذ سمِعتُموه قلتُم: ما يكونُ لنا أن نتكَلَّم بهذا! وإنما وجَب عليهم الامتناعُ منه؛ لوُجوهٍ:
أحدُها: أنَّ المقتضيَ لكونِهم تاركينَ لهذا الفعلِ قائِمٌ، وهو العقلُ والدِّينُ، ولم يوجَدْ ما يعارِضُه؛ فوجبَ أن يكونَ ظَنُّ كونِهم تاركينَ للمَعصيةِ أقوى مِن ظَنِّ كَونِهم فاعلينَ لها، فلو أنَّه أخبر عن صدورِ المعصيةِ، لكان قد رجَّح المرجوحَ على الرَّاجِحِ، وهو غيرُ جائزٍ.
وثانيها: أنَّه يتضَمَّنُ إيذاءَ الرَّسولِ، وذلك سببٌ لِلَّعنِ؛ لقولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ [الأحزاب: 57].
وثالثها: أنَّه سببٌ لإيذاء عائشةَ وإيذاءِ أبوَيها ومَن يتَّصِلُ بهم، مِن غيرِ سَبَبٍ عُرِفَ إقدامُهم عليه، ولا جنايةٍ عُرِفَ صدورُها عنهم، وذلك حرامٌ.
ورابعها: أنَّه إقدامٌ على ما يجوزُ أن يكونَ سببًا للضَّررِ مع الاستِغناءِ عنه، والعقلُ يقتضي التباعُدَ عنه؛ لأنَّ القاذِفَ بتقديرِ كونِه صادقًا لا يستحِقُّ الثوابَ على صدقِه، بل يستحِقُّ العقابَ؛ لأنَّه أشاع الفاحشةَ، وبتقديرِ كونِه كاذبًا فإنَّه يستحِقُّ العقابَ العظيمَ، ومِثلُ ذلك ممَّا يقتضي صريحُ العقلِ الاحترازَ عنه.
وخامسها: أنَّه تضييعٌ للوقتِ بما لا فائدةَ فيه.
وسادسها: أنَّ في إظهارِ محاسِنِ النَّاسِ وسَترِ مقابِحِهم اتِّصافًا بمقتضياتِ صفاتِ اللهِ تعالى.
فهذه الوجوه توجِبُ على العاقِلِ أنَّه إذا سَمِع القَذفَ أن يسكُتَ عنه، وأن يجتَهِدَ في الاحترازِ عن الوقوعِ فيه [359] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/343). .
31- قَولُ الله تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ فيه سؤالٌ: كيف يليقُ (سُبحانَك) بهذا الموضِعِ؟
الجواب مِن وُجوهٍ:
الوجه الأوَّل: أنَّ المرادَ منه التعجُّبُ مِن عِظَمِ الأمر، وإنَّما استُعمِلَ في معنى التعجُّبِ؛ لأنَّه يُسَبَّحُ اللهُ عندَ رؤيةِ العجيبِ مِن صنائعِه، ثمَّ كثُرَ حتى استُعملَ في كلِّ متعَجَّبٍ منه.
الوجه الثاني: المرادُ تنزيهُ الله تعالى عن أن تكونَ زوجةُ نبيِّه فاجرةً.
الوجه الثالث: أنَّه مُنزَّهٌ عن أنْ يرضَى هؤلاء الفِرقةَ المُفترينَ.
الوجه الرابع: أنَّه مُنزَّهٌ عن ألَّا يعاقِبَ هؤلاء القَذَفةَ الظَّلَمةَ [360] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/343، 344). .
32- في قَولِه تعالى: يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أنَّ المؤمنَ هو الذي يَنتفِعُ بالموعظةِ، أمَّا غيرُه فإنَّه لا يَنتفِعُ [361] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 93). .
33- في قَولِه تعالى: يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فضلُ اللهِ ورحمتُه بالعِبادِ؛ حيثُ كان اللهُ سُبحانَه وتعالى يَعِظُهم عمَّا يضُرُّهم ويُنافي إيمانَهم، ولا شكَّ أنَّ الذي يَعِظُك ويُرشِدُك وينصَحُك له فَضلٌ عليك [362] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 93). .
34- أنَّه ينبغي للمؤمِنِ إذا خَفِيَ عليه شيءٌ أن يَتأمَّلَ؛ لأنَّ الآياتِ مُبَيَّنةٌ وظاهِرةٌ، فمثلًا إذا خَفِيَ عليك حُكمُ شيءٍ مِن كتابِ اللهِ، فأعِدِ النظرَ؛ لأنَّ اللهَ قال: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ، فالآياتُ مُبَيَّنَاتٌ، وخفاؤُها على الإنسانِ في بعضِ الأحيانِ يدُلُّ على قُصورِه؛ إمَّا في العلمِ، أو الفَهمِ، أو التَّدبُّرِ [363] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 97). .
35- في قَولِه تعالى: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إثباتُ الصِّفاتِ والأسماءِ؛ لأنَّ عَلِيمٌ مِن أسماءِ الله جلَّ وعلا، وحَكِيمٌ من أسمائِه أيضًا، وهما متضَمِّنانِ لِصِفَتينِ: العِلمِ، والحِكمةِ [364] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 97). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ نَزَل في قِصَّةِ الإفكِ آياتٌ؛ كلُّ واحدةٍ منها مُستقِلَّةٌ بما هو تَعظيمٌ لشأْنِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَسليةٌ له، وتَنزيهٌ لأُمِّ المُؤمِنينَ رِضوانُ اللهِ عليها، وتَطهيرٌ لأهْلِ البَيتِ، وتَهويلٌ لمَن تَكلَّمَ في ذلكَ أو سَمِع به فلمْ تَمُجَّه أُذُناهُ، وعِدَّةُ ألْطافٍ للسَّامِعينَ والتَّالينَ إلى يَومِ القيامةِ، وفوائدُ دِينيَّةٌ، وأحكامٌ وآدابٌ لا تَخفَى على مُتأمِّليها [365] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/217، 218)، ((تفسير البيضاوي)) (4/100). .
- قَولُه: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ استِئنافٌ ابتِدائيٌّ [366] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/169). . وفي لفظِ (المَجيءِ) إشارةٌ إلى أنَّهم أظْهَروه مِن عندِ أنفُسِهم مِن غيرِ أنْ يكونَ له أصْلٌ [367] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/160). .
- قَولُه: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ معناه: قَصَدوا واهتَمُّوا. وأصلُه: أنَّ الَّذي يُخبِرُ بخبرٍ غريبٍ يُقالُ له: جاء بخبرِ كذا؛ لأنَّ شأنَ الأخبارِ الغريبةِ أنْ تَكونَ مع الوافِدينَ مِن أسفارٍ، أو المُبتَعِدينَ عن الحَيِّ [368] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/169، 170). .
- قَولُه: عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ذِكْرُ عُصْبَةٌ تَحقيرٌ لهُم ولقَولِهم، أي: لا يُعبَأُ بقَولِهِم في جانبِ تَزكيةِ جميعِ الأُمَّةِ لمَن رُميَتْ بالإفكِ. ووَصْفُ العُصبةِ بكَونِهم مِنْكُمْ يَدُلُّ على أنَّهم مِن المُسلِمينَ، وفي ذلك تَعريضٌ بهم بأنَّهم حادُوا عن خُلُقِ الإسلامِ، حيثُ تَصَدَّوا لِأَذَى المُسلِمينَ [369] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/171). .
- قَولُه: لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ جُملةٌ مُعترِضةٌ [370] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/171). . وقيل: استِئنافٌ خُوطِبَ به رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأبو بكرٍ وعائشةُ وصَفْوانُ رضِيَ اللهُ عنهم؛ تَسليةً لهم مِن أوَّلِ الأمرِ [371] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/160). .
- قَولُه: بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إضْرابُ إبطالِ أنْ يَحسَبوه شَرًّا، وإثباتُ أنَّه خَيرٌ لهُم؛ لأنَّ فيه مَنافعَ كثيرةً. وعَدَل عن أنْ يَعطِفَ خَيرًا على شَرًّا بحَرفِ (بَلْ)، فيُقالُ: بَلْ خَيرًا لكم؛ إيثارًا للجُملةِ الاسميَّةِ الدَّالَّةِ على الثَّباتِ والدَّوامِ [372] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/172). .
- قَولُه: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ في التَّعبيرِ عنه بـ (الَّذي)، وتَكريرِ الإسنادِ [373] لم يقُلْ: (وللذي تولَّى كبرَه عذابٌ أليمٌ)؛ إنَّما كرَّر الإسنادَ بجَعْلِ الجملةِ الظرفيَّةِ خبرًا للموصولِ؛ لتقويةِ الحُكم. ، وتَنكيرِ العذابِ، ووَصْفِه بالعِظَمِ: مِن تَهويلِ الخَطْبِ ما لا يَخفَى [374] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/161). .
2- قَولُه تعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ استِئنافٌ لتَوبيخِ عُصْبةِ الإفكِ مِن المُؤمِنينَ وتَعنيفِهِم بَعدَ أنْ سَمَّاهُ إفْكًا. ولَوْلَا هنا حَرفٌ بمعنَى (هَلَّا) للتَّوبيخِ كما هو شأْنُها إذا وَلِيَها الفِعلُ الماضي، وهو هنا ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ. وأمَّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ فهو ظَرْفٌ مُتعلِّقٌ بفِعلِ الظَّنِّ؛ فقُدِّمَ عليه، ومَحَلُّ التَّوبيخِ جُملةُ: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا، فأُسنِدَ السَّماعُ إلى جَميعِ المُخاطَبينَ، وخُصَّ بالتَّوبيخِ مَن سَمِعوا ولم يُكذِّبوا الخَبرَ [375] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/173، 174). .
- وفي قولِه: ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا جَرى الكلامُ على الإبهامِ في التَّوبيخِ بطَريقةِ التَّعبيرِ بصِيغَةِ الجَمْعِ، وإنْ كان المَقصودُ دُونَ عددِ الجَمْعِ؛ فإنَّ مَن لمْ يَظُنَّ خيرًا رَجُلانِ، فعُبِّرَ عنهما بالمُؤمِنينَ، وامرأةٌ، فعُبِّرَ عنها بالمُؤمِناتِ، على حَدِّ قولِه: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [376] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/174). [آل عمران: 173].
- وكذلك ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا فيه التَّعبيرُ بالأنفُسِ عنِ الآخَرينَ -هذا على قولٍ في التفسيرِ-؛ والتَّعبيرُ بالأنفُسِ عنِ الآخَرينَ يَنطوي على أبعَدِ النُّكتِ مَرمًى، وأكثَرِها حُفولًا بالمعاني السَّامِيَةِ؛ فهو أوَّلًا يُهيبُ بالمُؤمِنينَ إلى التَّعاطُفِ وإجراءِ التَّوبيخِ على النَّفْسِ بدَلًا مِن أنْ يَذكُرَه بسُوءٍ، وذلك أدْعَى إلى اصطِناعِه وجَعْلِه مَحمولًا على المُوالاةِ والاصطِفاءِ، وذلك بتَصويرِه بصُورةِ مَن أخَذَ يَقذِفُ نَفْسَه ويَرميها بما ليس فيها مِن الفاحشةِ، فأُطلقتِ الأنفسُ مرادًا بها الإخوانُ؛ لبيانِ شدَّةِ ارتباطِ المُسلمِ بأخيه المُسلمِ، وأنَّه كنَفْسِه؛ تنفيرًا له مِن أنْ يعمَلَ معه ما يَسوؤُه. ومجيءُ النَّفسِ مُرادًا بها الإخوانُ كثيرٌ في القُرآنِ. وهو ثانيًا يَحتمِلُ أنْ يَكونَ التَّعبيرُ بالأنفُسِ حقيقةً، والمَقصودُ إلزامُ سَيِّئِ الظَّنِّ بنَفْسِه؛ لأنَّه لم يَعْتَدَّ بنَوازِعِ الإيمانِ ووَزائِعِه في حَقِّ غَيرِه وألْغاهُ، واعتَبَرَه في حَقِّ نفْسِه وادَّعى لها البَراءةَ قَبْلَ مَعرفتِه، بحُكْمِ الهَوى لا بحُكْمِ الهُدى، والمعنى: أنَّه كما تظُنُّ بنَفسِك الخيرَ، يجبُ أنْ تظنَّ ذلك بأخيك، إلَّا بيقينٍ يُبَيِّنُ خِلافَ ذلك [377] يُنظر: ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/577، 578). ويُنظر أيضًا: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (67، 68). . وقيل: قال بِأَنْفُسِهِمْ؛ لأنَّ أهلَ الإسلامِ كلَّهم بمنزلةِ نفسٍ واحدةٍ؛ لأنَّهم أهلُ ملةٍ واحدةٍ [378] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/212). .
- ووقَعَ قولُه: بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا في مُقابَلةِ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ؛ فيَقتَضي التَّوزيعَ، أي: ظَنَّ كلُّ واحدٍ منهُم بالآخَرينَ ممَّن رُمُوا بالإفكِ خَيرًا -على قولٍ في التفسيرِ-؛ إذْ لا يَظُنُّ المَرءُ بنفْسِه، وهذا كقولِه تعالى: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11]، أي: لا يَلْمِزْ بعضُكُم بعضًا [379] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/174). .
- وتَوسيطُ الظَّرفِ إِذْ بيْن لَوْلَا وفِعْلِها سَمِعْتُمُوهُ؛ لتَخصيصِ التَّحضيضِ بأوَّلِ زمانِ سماعِهِم، وقَصْرُ التَّوبيخِ على تأخيرِ الإتيانِ بالمُحضَّضِ عليه عن ذلك الآنِ والتَّردُّدِ فيه؛ ليُفِيدَ أنَّ عدَمَ الإتيانِ به رأسًا في غايةِ ما يكونُ مِن القَباحةِ والشَّناعةِ، أي: كان الواجِبُ أنْ يَظُنَّ المُؤمِنونَ والمُؤمِناتُ أوَّلَ ما سَمِعوه ممَّن اختَرَعَه بالذَّاتِ أو بالواسطةِ، مِن غَيرِ تَلَعثُمٍ وتَردُّدٍ بمِثلِهِم مِن آحادِ المُؤمِنينَ: خَيرًا [380] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/37)، ((تفسير أبي السعود)) (6/161)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/174). ، فذِكرُه مُنبِّهٌ على الاهتمامِ به؛ لوجوبِ المبادرةِ إلى المحضَّضِ عليه [381] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/231، 232). ، وأنَّه كان الواجِبُ عليهم أن يحتَرِزوا أوَّلَ ما سَمِعوا بالإفكِ عن التكَلُّمِ به [382] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/343). .
- وأيضًا في قولِه: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا فيه مُناسبةٌ حَسَنةٌ؛ حيث لمْ يَقُلْ: (لولا إذْ سمِعتُموه ظنَنْتُم بأنفسِكُم خَيرًا وقُلتُم)، وعَدَلَ عنِ الخِطابِ إلى الغَيبةِ، وعنِ الضَّميرِ إلى الظَّاهرِ؛ ليُبالِغَ في التَّوبيخِ بطريقةِ الالتِفاتِ، ولِيُصرِّحَ بلَفظِ الإيمانِ؛ دَلالةً على أنَّ الاشتِراكَ فيه مُقتَضٍ ألَّا يُصَدِّقَ مُؤمِنٌ على أخيه ولا مُؤمِنةٌ على أُختِها قولَ غائبٍ ولا طاعنٍ. وفيه: تَنبيهٌ على أنَّ حَقَّ المُؤمِنِ إذا سمِعَ قالةً في أخيهِ أنْ يَبْنِيَ الأمرَ فيها على الظَّنِّ لا على الشَّكِّ، وأنْ يقولَ بمِلْءِ فيه -بِناءً على ظَنِّه بالمُؤمِنِ الخَيرَ-: هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، هكذا بلَفظِ المُصرِّحِ ببَراءةِ أخيهِ وبَراءةِ ساحتِه، كما يقولُ المُستَيقِنُ المُطَّلِعُ على حقيقةِ الحال. وهذا مِنَ الأدبِ الحَسنِ [383] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/218)، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير أبي حيان)) (8/21)، ((تفسير أبي السعود)) (6/161)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/174، 175)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/578، 579). . وقيل: والأصلُ أيضًا: (وظنَنْتُم بها)، أي: بأُمِّ المُؤمِنينَ -رضِيَ اللهُ عنها- خيرًا؛ وعدَلَ عن المُفرَدِ إلى الجماعةِ؛ لأنَّ في العُدولِ مِنَ المفرَدِ إلى الجماعةِ وسُلوكِ طريقِ الكِنايةِ: الإشعارَ بتَعظيمِ شأْنِها، ورِفعةِ مَنزلتِها [384] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/34، 35). .
3- قَولُه تعالى: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ
- قَولُه: لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... استِئنافٌ ثانٍ لتَوبيخِ العُصْبةِ الَّذين جاؤُوا بالإفكِ، وذَمٌّ لهُم [385] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/175). . وقيل: هو إمَّا مِن تَمامِ القولِ المُحضَّضِ عليهِ، مَسوقٌ لحَثِّ السَّامِعينَ على إلْزامِ المُسمِّعين وتَكذيبِهِم إثْرَ تَكذيبِ ما سَمِعوه منهُم بقولِهِم: هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، وتَوبيخِهِم على تَرْكِه، وإنَّما قيل: بِالشُّهَدَاءِ؛ لزِيادةِ التَّقريرِ. وإمَّا كلامٌ مُبتدَأٌ مَسوقٌ مِن جِهَتِه تعالى للاحتِجاجِ على كَذِبِهِم، بكَونِ ما قالُوه قَولًا لا يُساعِدُه الدَّليلُ أصلًا [386] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/37)، ((تفسير أبي السعود)) (6/161، 162). .
- قَولُه: فَأُولَئِكَ إشارةٌ إلى الخائِضينَ، وما فيه مِن معنَى البُعدِ؛ للإيذانِ بغُلوِّهِم في الفسادِ، وبُعْدِ مَنزلتِهِم في الشَّرِّ [387] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/161). . وأيضًا التَّعبيرُ باسمِ الإشارةِ؛ لزِيادةِ تَمييزِهِم بهذه الصِّفةِ؛ لِيَحذَرَ النَّاسُ أمثالَهم [388] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/176). .
- وصِيغةُ الحَصرِ في قولِه: فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ للمُبالَغةِ؛ كأنَّ كَذِبَهم -لِقُوَّتِه وشَناعَتِه- لا يُعَدُّ غَيرُهم مِن الكاذِبِينَ كاذِبًا؛ فكأنَّهمُ انحصَرَتْ فيهم ماهيَّةُ المَوصوفِينَ بالكذِبِ. والتَّقييدُ بقولِه: عِنْدَ اللَّهِ لزِيادةِ تَحقيقِ كَذِبِهم، أي: هو كَذِبٌ في عِلْمِ اللهِ؛ فإنَّ عِلْمَ اللهَ لا يكونُ إلَّا مُوافِقًا لنفْسِ الأمرِ، واسمُ الإشارةِ لزيادةِ تمييزِهم بهذه الصفةِ؛ ليَحذرَ الناسُ أمثالَهم [389] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/176). .
4- قَولُه تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ على القولِ بأنَّ المعنى: ولولا فضْلُ اللهِ عليكُم ورَحمتُه لمَسَّكُم فيما أفَضْتُم فيه عذابٌ عظيمٌ في الدُّنيا والآخِرةِ مَعًا؛ فيكونُ فيه تَقديمٌ وتأخيرٌ [390] يُنظر: ((تفسيرالرازي)) (23/342). .
- قَولُه: لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ، أي: حديثِ الإفكِ، والإبهامُ لتَهويلِ أمْرِه، والاستِهجانِ بذِكْرِه [391] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/162). .
5- قَولُه تعالى: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
- قَولُه: إِذْ ظرْفٌ مُتعلِّقٌ بـ أَفَضْتُمْ [النور: 14]، والمقصودُ منه ومِن الجُملةِ المُضافِ هو إليها: استِحضارُ صُورةِ حَديثِهِم في الإفكِ، وتَفظيعُها [392] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/177). .
- وفي قولِه: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ تَعريضٌ بحِرْصِهم على تَلقِّي هذا الخبرِ؛ فهم حين يَتلقَّوْنَه يُبادِرونَ بالإخبارِ به بلا تَرَوٍّ ولا تَرَيُّثٍ، وهذا تَعريضٌ بالتَّوبيخِ أيضًا [393] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/178). .
- فإنْ قيل: كيفَ يُسنَدُ التَّلقِّي إلى الألسنةِ مع أنَّ الكلامَ يُتلقَّى بالأُذنِ؟
والجوابُ: أنَّه لَمَّا كان المقصودُ مِن تلقِّيه بالأذُنِ أن يُتكلَّمَ به ويُشاعَ باللِّسانِ، عَبَّرَ عنه بحسَبِ المقصودِ؛ فكأنَّ اللِّسانَ هو الذي يَتلقَّاه.
وقيل: إنَّ في الكلامِ حَذفًا دلَّ عليه المقامُ؛ أي: تَلَقَّونه حالَ كونِكم تُشِيعونَه بألسنتِكم؛ ففيه إشارةٌ إلى سرعةِ إشاعتِه، بحيث كأنَّه لا يقَعُ على الأسماعِ، وإنَّما يقَعُ على اللِّسانِ ثمَّ يُنقَلُ مُباشَرةً! وليس فيه تَكرارٌ على هذا التَّقديرِ مع قَولِه تعالى: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ؛ لأنَّ المقامَ مَقامُ توبيخٍ يقتضي الإطنابَ [394] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 70). . وقيل غيرُ ذلك [395] يُنظر: ((تفسير الزمخشري-الحاشية)) (3/219)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/38، 39)، ((تفسير القاسمي)) (7/338)، ((إعراب القرآن وبيانه)) لدرويش (6/577 - 583). .
- وَجْهُ ذِكْرِ بِأَفْوَاهِكُمْ في قولِه: وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ مع أنَّ القَولَ لا يكونُ بغَيرِ الأفواهِ: أنَّه أُرِيدَ التَّمهيدُ لقَولِه: مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، أي: هو قَولٌ غَيرُ مُوافِقٍ لِما في العِلْمِ، ولكنَّه عن مُجرَّدِ تَصوُّرٍ؛ لأنَّ أدلَّةَ العِلْمِ قائمةٌ بنَقيضِ مَدلولِ هذا القولِ؛ فصارَ الكلامُ مُجرَّدَ ألْفاظٍ تَجري على الأفواهِ؛ فالشَّيءُ المعلومُ يكونُ عِلْمُه في القلبِ، فيُتَرجِمُ عنه اللِّسانُ، وهذا الإفكُ ليس إلَّا قَولًا يَجري على ألْسنتِكُم، ويَدورُ في أفواهِكُم مِن غَيرِ تَرجمةٍ عن عِلْمٍ [396] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/219)، ((تفسير أبي حيان)) (8/22)، ((تفسير أبي السعود)) (6/162)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/178). .
- قَولُه: مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، فيه تنكيرُ عِلْمٌ؛ للتحقيرِ [397] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/231). .
- قَولُه: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ زِيادةٌ في تَوبيخِهم، أي: تَحسَبون الحديثَ بالقذْفِ أمْرًا هَيِّنًا [398] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/178). .
6- قَولُه تعالى: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ
- قَولُه: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا تَوسيطُ الظَّرفِ بيْن (لَوْلَا) و(قُلْتُمْ)؛ لتَخصيصِ التَّحضيضِ بأوَّلِ وَقْتِ السَّماعِ، وقَصْرِ التَّوبيخِ واللَّومِ على تأخيرِ القَولِ المذكورِ عن ذلكَ الآنِ؛ ليُفيدَ أنَّه المُحتملُ للوُقوعِ، المُفتقِرُ إلى التَّحضيضِ على تَرْكِه [399] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/220)، ((تفسير أبي حيان)) (8/23)، ((تفسير أبي السعود)) (6/162)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/179)، ((إعراب القرآن وبيانه)) (6/583). .
- قَولُه: وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ عَطْفٌ على جُملةِ: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ إلخ [النور: 12]. وأُعيدَتْ (لَوْلَا) وشَرْطُها وجَوابُها؛ لزِيادةِ الاهتِمامِ بالجُملةِ [400] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/179). .
- قَولُه: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، ولمْ يَقُلْ: (ليس لنا أنْ نَتكلَّمَ بهذا)؛ للتَّنبيهِ على أنَّ الكلامَ في هذا وكَيْنونةَ الخَوضِ فيه حَقيقٌ بالانتِفاءِ؛ وذلكَ أنَّ قَولَك: (ما يَكونُ لي أنْ أفعَلَ) أشَدُّ في نَفْيِ الفِعْلِ عنك مِن قَولِك: ليس لي أنْ أفعَلَ. وهذا مَسوقٌ للتَّوبيخِ على تَناقُلِهمُ الخبرَ الكاذبَ. وكان الشَّأنُ أنْ يقولَ القائلُ في نَفْسِه: ما يكونُ لنا أنْ نَتكلَّمَ بهذا، ويقولَ ذلك لمَن يُجالِسُه ويَسمَعُه منه؛ فهذا زِيادةٌ على التَّوبيخِ على السُّكوتِ عليه في قولِه تعالى: وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ [401] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/180). .
- قَولُه: سُبْحَانَكَ تَعجُّبٌ مِن ذلك الإفكِ، أو ممَّن يقولُ ذلك [402] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/220)، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير أبي حيان)) (8/23))، ((تفسير أبي السعود)) (6/163). ؛ فقولُه: سُبْحَانَكَ جُملةُ إنشاءٍ وقَعَتْ مُعترِضةً بيْن جُملةِ: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا وجُملةِ: هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ؛ للتَّعجُّبِ. والأحسَنُ أنْ يكونَ هنا لإعلانِ المُتكلِّمِ البَراءةَ مِن شَيءٍ، بتَمثيلِ حالِ نَفْسِه بحالِ مَن يُشهِدُ اللهَ على ما يقولُ، فيَبتَدِئُ بخِطابِ اللهِ بتَعظيمِه، ثمَّ بقولِ: هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ؛ تَبرُّؤًا مِن لازِمِ ذلك، وهو مُبالَغةٌ في إنكارِ الشَّيءِ، والتَّعجُّبِ مِن وُقوعِه [403] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/180، 181). .
- وتَوجيهُ الخِطابِ إلى اللهِ تعالى في قولِه: سُبْحَانَكَ؛ للإشعارِ بأنَّ اللهَ غاضبٌ على مَن يَخوضُ في ذلك، فعليهِم أنْ يتَوجَّهوا للهِ بالتَّوبةِ منه لِمَن خاضُوا فيه، وبالاحتِرازِ مِن المُشارَكةِ فيه لِمَن لمْ يَخوضوا فيه [404] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/181). .
- وجُملةُ: هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ تَعليلٌ لجُملةِ: مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا؛ فهي داخِلةٌ في تَوبيخِ المَقولِ لهم. ووَصْفُ البُهتانِ بأنَّه عَظِيمٌ مَعناهُ: أنَّه عَظيمٌ في وُقوعِه، أي: بالِغٌ في كُنْهِ البُهتانِ مَبْلغًا قَويًّا [405] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/181). .
7- قَولُه تعالى: يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
- قَولُه: يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا، في الكلامِ إيجازٌ بالحَذْفِ؛ ففِعلُ يَعِظُكُمَ لا يَتعدَّى إلى مفعولٍ ثانٍ بنَفْسِه؛ فالمصدرُ المأخوذُ مِن أَنْ تَعُودُوا لا يكونُ مَعمولًا لفِعلِ يَعِظُكُمَ إلَّا بتقديرِ شَيءٍ محذوفٍ، أو بتَضمينِ فِعلِ الوَعظِ معنَى فِعلٍ مُتعَدٍّ، أو بتقديرِ حرْفِ جرٍّ محذوفٍ؛ فجائزٌ أنْ يُضمَّنَ فِعلُ يَعِظُكُمَ معنى التَّحذيرِ؛ والتقديرُ: يُحذِّرُكم مِن العَودِ لمِثلِه، أو يُقدَّرَ: يَعِظُكم الله في العودِ لمِثلِه، أو يُقدَّرَ حرْفُ نَفيٍ، أي: ألَّا تعودوا لمِثلِه، وحَذْفُ حرْفِ النَّفيِ كثيرٌ إذا دلَّ عليه السِّياقُ [406] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/182). .
- وقولُه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تَهييجٌ وإلْهابٌ لهم، يَبعَثُ حِرْصَهم على ألَّا يَعودوا لمِثْلِه؛ لأنَّهم حَريصونَ على إثْباتِ إيمانِهِم؛ فالشَّرطُ في مِثْلِ هذا لا يُقصَدُ بالتَّعليقِ؛ إذْ ليس المعنَى: إنْ لمْ تَكونوا مُؤمِنينَ فعُودوا لمِثْلِه، ولكنْ لَمَّا كان احتِمالُ حُصولِ مَفهومِ الشَّرطِ مُجْتنَبًا، كان في ذِكْرِ الشَّرطِ بَعْثٌ على الامتِثالِ [407] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/221))، ((تفسير البيضاوي)) (4/101)، ((تفسير أبي حيان)) (8/23)، ((تفسير أبي السعود)) (6/163)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/182). .
8- قَولُه تعالى: وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فيه إظهارُ الاسمِ الجَليلِ في مَوقعِ الإضمارِ؛ لتَفخيمِ شأْنِ البَيانِ [408] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/163). ، ولتَأكيدِ استِقلالِ الاعتِراضِ التَّذييليِّ، والإشعارِ بعِلَّةِ الأُلوهيَّةِ للعِلْمِ والحِكمةِ [409] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/163). .