موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيات (19-22)

ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ

غريب الكلمات:


تَشِيعَ: أي: تفشُوَ وتَذيعَ، وأصلُ (شيع): يدلُّ على بَثٍّ وإشادةٍ [410] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/235)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 255)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 321). .
الْفَاحِشَةُ: أي: الزِّنا، والفاحِشةُ: كلُّ شَيءٍ مُستقبَحٍ ومُستشنَعٍ؛ مِن قَولٍ أو فِعلٍ، وأصلُ (فحش): يدُلُّ على قُبحٍ في شَيءٍ وشناعةٍ [411] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 361)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/478)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 60). .
رَءُوفٌ: أي: شديدُ الرَّحمةِ، والرؤوفُ: ذو الرأفةِ، والرأفةُ أعلَى معاني الرحمةِ وأرَقُّها، وأصلُ (رأف): يدُلُّ على رِقَّةٍ ورحمةٍ [412] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (2/654) (3/595)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 235، 240)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (2/471)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 244). .
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: سَبيلَه ومَسلَكَه، وخُطواتٌ جَمعُ خُطوةٍ، والخُطوةُ: ما بيْن القَدَمينِ [413] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 68)، ((تفسير ابن جرير)) (3/38)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 213)، ((المفردات)) للراغب (ص: 288)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 51، 100)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 438). .
بِالْفَحْشَاءِ: الفحشاءُ مِن المعاصي: ما تناهَى قُبْحُه ممَّا يَستفحشُه مَن له عقلٌ سليمٌ، أو: هي كلُّ شيءٍ مُستقبَحٍ ومُستشنَعٍ، من قولٍ أو فِعلٍ، أو: ما ظهَر قُبْحُه لكلِّ أحدٍ، وأصلُ (فحش): يدُلُّ على قُبْحٍ في شَيءٍ وشناعةٍ [414] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 361)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/478)، ((المفردات)) للراغب (ص: 626)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 38)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 81). .
وَالْمُنْكَرِ: المنكَرُ: كلُّ معصيةٍ تَستنكرُها العقولُ والفِطَرُ، أو: ما لم يُعرَفْ حُسنُه ولم يُؤْلَفْ، وأصْلُ (نكر): يدُلُّ على خِلافِ المعرفةِ الَّتي يَسكُنُ إليها القلْبُ [415] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/476)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/377)، ((تفسير السعدي)) (ص: 632). .
زَكَا: أي: صلَح وطَهُر، وأصلُ (زكو): يدُلُّ على طهارةٍ [416] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 302)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/18)، ((تفسير القرطبي)) (12/207). .
يَأْتَلِ: أي: يَحلِفْ، مِن الأَلِيَّةِ، وهي اليَمينُ، وأصلُه يدُلُّ على الاجتِهادِ والمُبالَغةِ [417] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 302)، ((تفسير ابن جرير)) (17/222)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 517)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/127)، ((المفردات)) للراغب (ص: 84)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 255)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 977). .
وَالسَّعَةِ: أي: الغِنى والجِدَةِ، وأصلُ (وسع): يدُلُّ على خِلافِ الضِّيقِ والعُسرِ [418] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/222)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/109)، ((المفردات)) للراغب (ص:870، 871)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 311). .
وَلْيَعْفُوا: العفْوُ: التَّجاوزُ عَنِ الذَّنْبِ، وتركُ المؤاخَذةِ عليه، وأصلُ (عفو) هنا يَدُلُّ على تَرْكِ الشَّيءِ. وقيل: أصلُه المحوُ والطَّمْسُ، مِن: عَفَت الرِّيحُ الأثرَ؛ إذا طَمَسَتْه، والمعنى: فَلْيَطْمِسوا آثارَ الإساءةِ بِحِلْمِهم وتجاوُزِهم [419] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/56)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/265)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/487)، ((تفسير ابن عثيمين: الفاتحة والبقرة)) (1/358). .
وَلْيَصْفَحُوا: الصَّفْحُ: الإعراضُ عن المؤاخَذةِ بالذَّنْبِ، وتركُ التَّثريبِ والعِتابِ، وهو أبلَغُ مِن العفوِ، يُقالُ: صَفحتُ عنه: إذا أعرضْتَ عن ذنْبِه، والأصلُ فيه أنَّ مَن أعرَض عن صاحبِه ولَّاه صَفحةَ عُنُقِه (أي: جانبَه)، وصرَف عنه وجْهَه، فكأنَّه أعرَض بوجهِه عن ذنْبِه [420] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/223)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/293)، ((البسيط)) للواحدي (3/242)، ((الغريبين)) للهروي (4/1081)، ((المفردات)) للراغب (ص: 486)، ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) لابن الأثير (3/34)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (7/170). .

المعنى الإجمالي:


يقولُ الله تعالى: إنَّ الذين يُحبُّون أنْ يَظهرَ الزِّنا، ويَشيعَ خبرُه، والقذفُ به في المؤمنين؛ لهم عذابٌ مُؤْلِمٌ في الدُّنيا والآخِرةِ، واللهُ يعلَمُ، وأنتم لا تعلمون إلَّا ما علَّمكم سبحانه وتعالى، ولولا فَضلُ اللهِ على عبادِه ورحمتُه بهم، وأنَّه بهم رؤوفٌ رحيمٌ؛ لعجَّل لهم العُقوبةَ.
يا أيُّها الذين آمَنوا لا تتَّبِعوا طرقَ الشَّيطانِ، ولا تَسلُكوا مسالِكَه، ومَن يَسلُكْ طُرُقَ الشيطانِ فإنَّه يأمُرُه بقبيحِ الأفعالِ ومُنكَراتِها، ولولا فَضلُ الله ورحمتُه بكم -أيُّها المؤمِنونَ- ما تطهَّرَ أحدٌ منكم مِن الأوزارِ، ولكِنَّ اللهَ برحمتِه وفَضلِه يطهِّرُ من يشاءُ، واللهُ سميعٌ لأقوالِكم، عليمٌ بأعمالِكم ونيَّاتِكم.
ثمَّ يقولُ الله تعالى: ولا يحلِفْ أهلُ الفَضلِ وأصحابُ الغِنى على ألَّا يُؤتوا أقاربَهم والمساكينَ والمهاجرينَ ما كانوا يُعطونهم إيَّاه من الإحسانِ؛ بسبَبِ ذنْبٍ فَعَلوه، ولْيَعفوا عمَّا كان منهم مِن جُرمٍ، ولْيُعرِضوا عن ذَنبِهم ويَترُكوا عُقوبتَهم، ولْيُحسِنوا إليهم، ألَا تُحِبُّونَ أن يغفِرَ اللهُ لكم؟ واللهُ غفورٌ رحيمٌ مع كمالِ قُدرتِه على العقابِ.

تفسير الآيات:


إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بيَّن اللهُ سُبحانَه ما على أهلِ الإفكِ وما على مَن سَمِع منهم، وما يَنبغي أن يتمَسَّكوا به من آدابِ الدِّينِ؛ أتبَعَه بقَولِه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ؛ لِيُعلَمَ أنَّ من أحَبَّ ذلك فقد شارك في هذا الذَّمِّ، كما شارك فيه مَن فَعَلَه ومَن لم يُنكِرْه، ولِيُعلَمَ أنَّ أهلَ الإفكِ كما عليهم العقوبةُ فيما أظهروه، فكذلك يَستحِقُّون العقابَ بما أسرُّوه مِن محبَّةِ إشاعةِ الفاحشةِ في المؤمنينَ [421] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/345). .
وأيضًا لَمَّا حذَّر اللهُ المؤمنينَ مِن العَودِ إلى مِثلِ ما خاضوا به مِن الإفكِ على جميعِ أزمِنةِ المُستقبَلِ؛ أعقبَ تحذيرَهم بالوعيدِ على ما عسى أن يَصدُرَ منهم في المستقبَلِ، بالوعيدِ على محبَّةِ شُيوعِ الفاحشةِ في المؤمنين؛ فهو تحذيرٌ للمُؤمِنينَ، وإخبارٌ عن المنافِقينَ والمُشرِكينَ [422] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/184). .
وأيضًا لَمَّا كان مِن أعظمِ الوعظِ: بيانُ ما يستحقُّ على الذنْبِ مِن العقابِ؛ بيَّنه بقولِه [423] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/609). :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ.
أي: إنَّ الذين يُحِبُّون [424] قال ابن جزي: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ الإشارةُ بذلك إلى المنافقينَ الذين أَحَبُّوا أن يَشيعَ حديثُ الإفكِ، ثمَّ هو عامٌّ في غَيرِهم ممَّن اتَّصَف بصِفتِهم). ((تفسير ابن جزي)) (2/64). وقال ابن عطية: (وقالت فِرقةٌ -وقَولُها الأظهَرُ: الآيةُ عامَّةٌ في كلِّ قاذِفٍ، منافقًا كان أو مؤْمِنًا؛ فالقاذِفُ المؤْمِنُ لا يَتَّصِفُ بحُبِّ شِياعِ الفاحشةِ في المؤمنينَ جُملةً، لكنَّه يُحِبُّها لمَقذوفِه، وكذلك آخَرُ لمَقذوفِه، وآخَرُ حتى تَشِيعَ الفاحِشةُ مِن مجموعِ فِعلِهم؛ فهُم لها مُحِبُّون بهذا الوجِه، مِن حيث أحَبَّ كلُّ واحدٍ جزءًا مِن شِياعِها). ((تفسير ابن عطية)) (4/171). ويُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/23). أنْ يظهرَ الزِّنا، ويَشيعَ خبرُه، والقذفُ به [425] قال الماتريدي: (هذا يحتَمِلُ وجهين؛ أحدُهما: يُشيعونَ الفاحشةَ ويُذيعونها في الذين آمنوا، هم الذين تولَّوا إشاعتَها وإذاعتَها فيهم، لهم ما ذُكِرَ من العذابِ الأليمِ. والثاني: يُحِبُّونَ أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا؛ ليَكونَ ذلك ذريعةً لهم في المؤمنينَ، فيقولون: إنَّ دينَكم لم يمنَعْكم عن الفواحِشِ والمنكَرِ). ((تفسير الماتريدي)) (7/534). وقال ابن تيميَّة: (قولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ الآيةَ. وهذا ذمٌّ لِمَن يُحِبُّ ذلك، وذلك يكونُ بالقَلبِ فقط، ويكونُ مع ذلك باللِّسانِ والجوارحِ، وهو ذمٌّ لِمَن يتكَلَّمُ بالفاحِشةِ، أو يُخبِرُ بها؛ محبَّةً لِوُقوعِها في المؤمنينَ: إمَّا حَسَدًا أو بُغضًا، وإمَّا مَحبَّةً للفاحشةِ وإرادةً لها). ((مجموع الفتاوى)) (15/332). وقال السعدي: (إذا كان هذا الوعيدُ لمجَرَّدِ محبَّةِ أن تَشيعَ الفاحِشةُ، واستِحْلاءِ ذلك بالقَلبِ، فكيف بما هو أعظَمُ من ذلك؛ مِن إظهارِه ونَقْلِه؟! وسواءٌ كانت الفاحِشةُ صادِرةً أو غيرَ صادرةٍ). ((تفسير السعدي)) (ص: 564). في أوساطِ المُؤمِنينَ والمؤمِناتِ [426] ممَّن اختار أنَّ معنَى تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ: أن يَذِيعَ الزِّنا ويَظهَرَ ويَفْشُوَ: مقاتلُ بن سليمان، وابن جرير، والسمرقندي، ومكِّي، والبغوي. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/191)، ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((تفسير السمرقندي)) (2/503)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5048)، ((تفسير البغوي)) (3/395). وممَّن اختار في الجملةِ أنَّ المرادَ: إشاعةُ خبرِ الفاحشةِ، والقذف بها: الواحديُّ، وابن الجوزي، وجلال الدين المحلِّي، وابن عاشور. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (16/169)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/285)، ((تفسير الجلالين)) (ص: 460)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/184). قال بكر أبو زيد: (ومحبَّةُ إشاعةِ الفاحِشةِ تَنتَظِمُ جَميعَ الوسائِلِ القبيحةِ إلى هذه الفاحِشةِ؛ سواءٌ كانت بالقَولِ، أم بالفِعلِ، أم بالإقرارِ، أو ترويجِ أسبابِها، وهكذا). ((حراسة الفضيلة)) (ص: 75). وممن اختار الجمعَ بينَ المعنيَينِ السابقينِ: ابنُ عثيمينَ، فقال: (الأظهَرُ أنَّها أعَمُّ مِن الشُّيوعِ باللِّسانِ، وأنَّها تَشيعُ بالفِعلِ بحيثُ يُشاهِدُهم النَّاسُ، وبالقَولِ بحيثُ يُشاعُ عنهم ذلك، فهؤلاء الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ سواءٌ يُحِبُّون أن تشيعَ بالقَولِ... أو يحبُّونَ أن تَشيعَ بالفِعلِ، بمعنى أن يَظهَرَ أمْرُهم ويَتَبيَّنَ، ويُرَونَ ويُشاهَدونَ). ((تفسير ابن عثيمين-سورة النور)) (ص: 99). وقال أيضًا: (يَظهَرُ أنَّ الآيةَ عامَّة لهذا ولهذا؛ أن يَشيعَ خبَرُها وتَنتشِرَ إذا فُعلَتْ، وأن يَشيعَ فِعلُها وتَكثُرَ الفواحشُ في المؤمنينَ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 107). ؛ لهم عذابٌ مُؤْلِمٌ في الدُّنيا وفي الآخرةِ [427] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((البسيط)) للواحدي (16/169)، ((تفسير ابن عطية)) (4/171)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/285)، ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/260)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/292)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/184). ممَّن اختار أنَّ العذابَ الأليمَ في الدُّنيا بالحدِّ، وفي الآخرةِ بالنارِ: الواحديُّ، والسمعاني، وابن الجوزي، وأبو حيان، وابن كثير، والشوكاني. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (16/169)، ((تفسير السمعاني)) (3/512)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/285)، ((تفسير أبي حيان)) (8/23)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((تفسير الشوكاني)) (4/17). وممَّن قيَّد العَذابَ في الآخرةِ بالنارِ بعدَمِ التَّوبةِ ومَوتِهم مُصِرِّينَ على ذلك: ابنُ جرير، والسمرقندي، ومكِّي، والنسفي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/219)، ((تفسير السمرقندي)) (2/504)، ((الهداية الى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5048)، ((تفسير النسفي)) (2/495). قال ابن عطية: (والعذابُ الأليمُ في الدُّنيا: الحدودُ، وفي الآخِرةِ يحتمِلُ وجهَينِ؛ أحَدُهما: أن يَكونَ القاذِفُ متَوعَّدًا مِن بيْن العُصاةِ بعذابِ الآخرةِ لا يُزيلُه الحَدُّ حسَبَ مُقتضى حديثِ عُبادةَ بنِ الصامِتِ، ويَكونَ أمْرُه كأمرِ المُحارِبينَ إذا صُلِّبوا؛ لهم خِزْيٌ في الدُّنيا، ولهم في الآخرةِ عَذابٌ. والوجهُ الثَّاني: أن يُحكَمَ بأنَّ الحدَّ مُسقِطٌ عَذابَ الآخرةِ حسَبَ حديثِ عُبادةَ بنِ الصامِتِ، وأنَّ قَولَه: وَالْآَخِرَةِ لا يريدُ به عُمومَ القَذَفةِ، بل يريدُ إمَّا المنافقينَ، وإمَّا مَن لم يَتُبْ). ((تفسير ابن عطية)) (4/171). وقال ابن جزي: (ورد في الحديثِ: أنَّ مَن عُوقِب في الدُّنيا على ذنبٍ لم يُعاقَبْ عليه في الآخرةِ [يُنظر ما أخرجه البخاري «3892»، ومسلم «1709» مِن حديثِ عُبادةَ]، فأَشكَل اجتِماعُ الحَدِّ معَ عذابِ الآخرةِ في هذا الموضِعِ، فيَحتَمِلُ أن يكونَ القاذِفُ يُعذَّبُ في الآخرةِ ولا يُسقِطُ الحَدُّ عنه عذابَ الآخرةِ بخلافِ سائِرِ الحدودِ، أو يكونَ هذا مختَصًّا بمن قذَفَ عائشةَ...، أو يكونَ لِمن مات مُصِرًّا غيرَ تائبٍ، أو يكونَ للمُنافِقين). ((تفسير ابن جزي)) (2/64). .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
أي: واللهُ يَعلمُ جميعَ المعلوماتِ، ومِن جملةِ ذلك عِلمُه ما في القلوب مِن الأسرارِ والضمائرِ، فيَعلمُ مَن يُحِبُّ إشاعةَ الفاحشةِ، وهو معاقِبُه عليها، ويَعلمُ كَذِبَ الذين جاؤوا بالإفكِ، ويعلَمُ ما في ذلك من المفاسِدِ فيَعِظُكم لتَجتَنِبوا، وأنتم لا تعلمونَ إلَّا ما علَّمكم، وبيَّن لكم، فرُدُّوا الأمورَ إليه تَرْشُدوا، ولا تَرْوُوا ما لا عِلمَ لكم به [428] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/220)، ((تفسير الزمخشري)) (3/221)، ((تفسير القرطبي)) (12/206)، ((تفسير ابن كثير)) (6/29)، ((تفسير الشوكاني)) (4/17)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/185). .
عن ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عنهما، قال: ((صَعِدَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المِنبَرَ، فنادى بصوتٍ رفيعٍ، فقال: يا معشَرَ مَن أسْلَمَ بلِسانِه، ولم يُفْضِ الإيمانُ إلى قلبِه، لا تُؤْذُوا المُسلِمينَ، ولا تُعَيِّروهم، ولا تتَّبِعوا عَوْراتِهم؛ فإنَّه مَن تتَبَّع عَوْرةَ أخيه المسلِمِ تتَبَّع اللهُ عورتَه، ومَن تتَّبَع اللهُ عَورتَه يَفْضَحْهُ ولو في جَوفِ رَحلِه)) [429] أخرجه الترمذي (2032)، وابن حبان (5763). قال الترمذي: (حسنٌ غريبٌ)، وصَحَّح إسنادَه الزَّيْلعيُّ في ((تخريج الكشاف)) (3/344)، وحسَّن الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (2032). .
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
أي: ولولا فَضلُ اللهِ عليكم ورحمتُه وأنَّه رؤوفٌ بكم؛ لعجَّل لكم العُقوبةَ على خَوضِكم في الإفكِ، لكِنَّه لم يعاقِبْكم، وتاب عليكم [430] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/221)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 759)، ((الوسيط)) للواحدي (3/312)، ((تفسير البيضاوي)) (4/102)، ((تفسير ابن كثير)) (6/30). .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أخبرَ تعالى بأنَّه ما أنزَل لهم هذا الشَّرعَ على لسانِ هذا الرَّسولِ الرؤوفِ الرَّحيمِ إلَّا رحمةً لهم، بعْدَ أن حذَّرهم موارِدَ الجَهلِ؛ نهاهم عن التَّمادي فيه في سياقٍ مُعْلِمٍ أن َّالدَّاعيَ إليه الشَّيطانُ العَدُوُّ [431] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/235). .
وأيضًا لَمَّا نهَى تعالى عمَّا نهَى عنه فيما سبَق بخصوصِه، نهَى عن الذنوبِ عمومًا [432] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). ، فقال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
أي: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَسلُكوا طُرُقَ الشَّيطانِ التي يَدْعوكم إليها بوساوسِه، كإشاعةِ الفاحشةِ في الذين آمنوا [433] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/221)، ((تفسير القرطبي)) (12/206)، ((تفسير ابن كثير)) (6/30)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564). قال السعدي: (وخُطواتُ الشَّيطانِ يدخُلُ فيها سائِرُ المعاصي المتعَلِّقةِ بالقَلبِ واللِّسانِ والبَدَنِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 563). .
وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ.
أي: ومَن يَسلُكْ طرُقَ الشَّيطانِ يقَعْ في الفَحشاءِ والمنكَرِ؛ لأنَّ الشيطانَ يأمُرُ النَّاسَ بفِعلِ الذُّنوبِ العظيمةِ القبيحةِ، كالزِّنا، ويأمُرُ بمُنكراتِ الأقوالِ والأفعالِ التي تُنكِرُها الشَّريعةُ والعقولُ السَّليمةُ [434] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/221)، ((تفسير ابن كثير)) (6/30)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/187). .
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا.
أي: ولولا فَضلُ الله عليكم ورحمتُه بكم، ما تطهَّر أحَدٌ منكم أبدًا مِن الشِّركِ والمعاصي واتِّباعِ خُطواتِ الشَّيطانِ، ولا اهتدَى إلى الإيمانِ والتَّوبةِ النَّصوحِ وطاعةِ الرَّحمنِ [435] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/221)، ((تفسير ابن عطية)) (4/172)، ((تفسير ابن كثير)) (6/30)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/187)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/485). .
وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
أي: ولكنَّ اللهَ يُطهِّرُ مِن الذُّنوبِ وآثامِها، ويهدي إليه مَن يشاءُ مِن عبادِه، ممَّن يستحِقُّ ذلك [436] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/221)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 759)، ((تفسير ابن كثير)) (6/30)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 75). .
كما قال تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النساء: 49].
وعن زَيدِ بنِ أرقَمَ رَضِيَ الله عنه، قال: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((اللهُمَّ آتِ نفْسي تَقْواها، وزَكِّها أنت خيرُ مَن زكَّاها، أنت وليُّها ومَوْلاها )) [437] رواه مسلم (2722). .
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
أي: واللهُ سميعٌ لأقوالِكم كُلِّها؛ خَيرِها وشَرِّها، عليمٌ بأقوالِكم وأعمالِكم وما في قلوبِكم، وهو محيطٌ بكلِّ ذلك، ومُحصيه عليكم؛ لِيُجازيَكم به [438] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/222)، ((البسيط)) للواحدي (16/172)، ((تفسير ابن عطية)) (4/172)، ((تفسير النسفي)) (2/495)، ((تفسير ابن كثير)) (6/30). .
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
سَبَبُ النُّزولِ:
عن أمِّ المؤمنين عائِشةَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ الله عنهما- في قِصَّةِ الإفكِ، قالت: ((فأنزل اللهُ: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ [النور: 11] العشرَ الآياتِ كُلَّها في براءتي، فقال أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ -وكان يُنفِقُ على مِسْطَحٍ لِقَرابتِه منه-: واللهِ لا أُنفِقُ على مِسطَحٍ شَيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشةَ؛ فأنزل اللهُ: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النور: 22]. قال أبو بكرٍ: بلى واللهِ، إنِّي لَأُحِبُّ أن يَغفِرَ اللهُ لي، فرجَعَ إلى مِسْطَحٍ النَّفقةَ التي كان يُنفِقُ عليه، وقال: واللهِ لا أنزِعُها عنه أبدًا)) [439] رواه البخاري (6679) واللفظ له، ومسلم (2770). .
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
أي: ولا يَحلِفْ باللهِ أصحابُ الفَضلِ [440] قال الواحدي: (وَلَا يَأْتَلِ [النور: 22] قال جماعةُ المفسرين: لا يحلِفْ). ((الوسيط)) للواحدي (3/313). قال ابن جزي: (والفضلُ هنا يحتمِلُ أن يُريدَ به: الفضلَ في الدِّينِ، أو الفضلَ في المالِ، وهو أن يَفضُلَ له عن مِقدارِ ما يَكفيه، والسَّعةُ هي اتِّساعُ المالِ). ((تفسير ابن جزي)) (2/64). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالفضلِ هنا: الفضلُ في الدِّينِ: السمرقنديُّ، والرازي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والعليمي، والألوسي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/504)، ((تفسير الرازي)) (23/349)، ((تفسير البيضاوي)) (4/102)، ((تفسير النسفي)) (2/495)، ((تفسير أبي السعود)) (6/165)، ((تفسير العليمي)) (4/521)، ((تفسير الألوسي)) (9/321)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/189). قال ابن عاشور: (والفضلُ: أصْلُه الزِّيادةُ؛ فهو ضِدُّ النقصِ، وشاعَ إطلاقُه على الزيادةِ في الخَيرِ والكمالِ الدِّينيِّ، وهو المرادُ هنا. ويُطلَقُ على زيادةِ المالِ فوقَ حاجةِ صاحِبِه، وليس مرادًا هنا؛ لأنَّ عَطْفَ وَالسَّعَةِ عليه يُبعِدُ ذلك). ((تفسير ابن عاشور)) (18/189). وممَّن اختار في الجملةِ أن المرادَ به: الفضلُ في المالِ والغنى: مقاتلُ بن سليمان، ويحيى بن سلام، والواحدي، والسمعاني، والبغوي، وابن عطية، وأبو حيان، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/192)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/435)، ((البسيط)) للواحدي (16/173)، ((تفسير السمعاني)) (3/514)، ((تفسير البغوي)) (3/395)، ((تفسير ابن عطية)) (4/173)، ((تفسير أبي حيان)) (8/25)، ((تفسير الشوكاني)) (4/20). قال ابن جرير: (ذَوو الفَضلِ منكم، يعني: ذَوي التفضُّلِ). ((تفسير ابن جرير)) (17/222). وقال ابن كثير: (أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ أي: الطَّوْلِ والصدقةِ والإحسانِ). ((تفسير ابن كثير)) (6/31). والغِنى وذَوو السَّعةِ في الرِّزقِ، على ألَّا يُنفِقوا ويُعطوا الصَّدَقاتِ أقارِبَهم والمساكينَ والمُهاجرينَ في سَبيلِ اللهِ [441] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/222، 223)، ((تفسير القرطبي)) (12/208، 209)، ((تفسير ابن كثير)) (6/31)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/486). قال الواحدي: (أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ... وهو أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله عنه، في قولِ جميعِ المفسِّرينَ). ((البسيط)) (16/173). وقال الرازي: (أجمَع المفسِّرونَ على أنَّ المرادَ مِن قولِه: أُولُو الْفَضْلِ: أبو بكرٍ). ((تفسير الرازي)) (23/349). وقال أيضًا: (أجمعوا على أنَّ المرادَ مِن قوله: أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: مِسطَحٌ؛ لأنَّه كان قريبًا لأبي بكرٍ، وكان من المساكينِ، وكان من المهاجرينَ). ((تفسير الرازي)) (23/352). وقال ابن عطية: (غيرَ أنَّ الآيةَ تتناوَلُ الأمَّةَ إلى يومِ القيامةِ، بألَّا يَغتاظَ ذو فَضلٍ وسَعةٍ فيَحلِفَ ألَّا ينفَعَ مَن هذه صِفتُه غابِرَ الدَّهرِ). ((تفسير ابن عطية)) (4/173). وقال ابنُ عاشور: (المرادُ مِن أُولي الفضلِ ابتداءً أبو بكرٍ، والمرادُ مِن أولي القُربى ابتداءً مِسطَحُ ابنُ أُثاثةَ، وتعُمُّ الآيةُ غيرَهما ممَّن شاركوا في قضية الإفكِ، وغيرَهم ممَّن يشمَلُه عمومُ لَفظِها). ((تفسير ابن عاشور)) (18/189). قال البقاعي: (ذكَرَ الصِّفاتِ المُقتَضيةَ للإحسانِ، فقال: أُولِي الْقُرْبَى، وعدَّدَها بأداةِ العَطفِ؛ تكثيرًا لها وتَعظيمًا لأمرِها، وإشارةً إلى أنَّ صِفةً منها كافيةٌ في الإحسانِ، فكيف إذا اجتمَعَت؟! فقال سُبحانَه: وَالْمَسَاكِينَ أي: الذين لا يجِدون ما يُغنيهم وإن لم تكن لهم قَرابةٌ، وَالْمُهَاجِرِينَ لأهلِهم وديارِهم وأموالِهم، فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي: الذي عَمَّ الخلائِقَ بجودِه؛ لِما له من الإحاطةِ بالجلالِ والإكرامِ، وإنِ انتفى عنهم الوصفانِ الأوَّلانِ فإنَّ هذه الصِّفاتِ مُؤْذِنةٌ بأنَّهم ممَّن زكَّى الله، وتَعدادُها بجَعلِها عِلَّةً للعَفوِ- دليلٌ على أنَّ الزاكيَ مِن غيرِ المعصومين قد يَزِلُّ، فتُدرِكُه الزكاةُ بالتوبةِ، فيَرجِعُ كما كان، وقد تكونُ الثلاثةُ لِموصوفٍ واحدٍ؛ لأنَّ سَبَبَ نزولِها مِسطَحٌ رضِيَ الله عنه؛ فالعَطفُ إذَنْ للتمكُّنِ في كُلِّ وصفٍ منها). ((نظم الدرر)) (13/238). .
كما قال تعالى: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: 224].
وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا.
أي: ولْيَعْفُ ذَوو الفَضلِ والسَّعةِ منكم عن أولئك المحتاجينَ الذين خاضُوا في الإفكِ، ويتجاوَزوا عنهم، ويُعرِضوا عن ذَنبِهم، ويَترُكوا عُقوبتَهم؛ فلا يَمْنعوهم مِن الصَّدقاتِ والنَّفَقاتِ التي كانوا يُقدِّمونَها إليهم مِن قبْلُ [442] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/223، 224)، ((تفسير السمرقندي)) (2/505)، ((تفسير ابن كثير)) (6/31)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/239). قال ابن عثيمين: (إذا قال قائلٌ: ما الفرقُ بيْن العَفوِ والصفحِ؟ الجوابُ: العفوُ بمعنَى التجاوُزِ، يعني: أنَّ اللهَ إذا عفا عنه فقد تجاوَزَ عنه، وقد يَكونُ الصفحُ بدُونِ عَفوٍ، كما لو أعرَضَ الإنسانُ عن هذا الاعتِداءِ لكنَّ قلبَه مملوءٌ على صاحِبِه، ولم يَعْفُ عنه، وقد يَكونُ العفوُ بدُونِ صَفحٍ، بأن يَتجاوَزَ ولا يُعاقِبَه على ذَنبِه، ولكنَّه ليس مُعرِضًا عن هذا الذَّمِّ كلَّما جاءت مناسَبةُ ذِكرِه؛ ولهذا أمَرَ اللهُ بالأمْرَينِ جميعًا). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 121). وقال أيضًا: (العفو: ترْكُ المؤاخَذةِ على الذنْبِ، والصفحُ: الإعراضُ عنه... فالصفحُ معناهُ: الإعراضُ عن هذا بالكلِّيَّةِ وكأنَّه لم يَكُنْ؛ فعلى هذا يَكونُ بيْنهما فرقُ؛ فالصفحُ أكمَلُ إذا اقترَنَ بالعَفْوِ). ((تفسير ابن عثيمين - الفاتحة والبقرة)) (1/358). .
أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
أي: ألا تُحِبُّونَ أن يَستُرَ اللهُ ذُنوبَكم، ويَتجاوزَ عن مؤاخَذتِكم بها؟ إذَنْ فاعفُوا واصفَحوا عمَّن أساؤوا إليكم؛ لِيَغفِرَ اللهُ لكم [443] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/224)، ((تفسير ابن عطية)) (4/173)، ((تفسير ابن كثير)) (6/31)، ((تفسير السعدي)) (ص: 564)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/488). .
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
أي: واللهُ ساترٌ لذُنوبِ التَّائبينَ الطَّائعينَ، ومُتجاوِزٌ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بعبادِه المؤمِنينَ الصَّالحينَ [444] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/224)، ((تفسير السمرقندي)) (2/505)، ((تفسير السمعاني)) (3/514)، ((تفسير البيضاوي)) (4/102). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ يدُلُّ على وجوبِ سلامةِ القَلبِ للمُؤمنينَ، كوجوبِ كَفِّ الجوارِحِ والقَولِ عمَّا يَضُرُّ بهم [445] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/345). .
2- العاقِلُ هو الذي يتحَسَّسُ مَعايبَ نَفْسِه، ويَنظُرُ فيها لِيُصلِحَها، لا أن يَنظُرَ في معايبِ الغَيرِ لِيُشيعَها -والعياذُ باللهِ-؛ ولهذا قال اللهُ عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [446] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين: الحجرات - الحديد)) (ص: 51). .
3- مَن كان مِن النَّاسِ مَستورًا لا يُعرَفُ بشَيءٍ مِن المعاصي، إذا وقَعَت منه هَفوةٌ أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كَشفُها ولا هَتكُها، ولا التَّحدُّثُ بها؛ لأنَّ ذلك غِيبةٌ مُحرَّمةٌ، وهذا هو الذي ورَدتْ فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ، والمرادُ: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمِنِ المُستَتِرِ فيما وقع منه، أو اتُّهِم به وهو بريءٌ منه [447] يُنظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (2/292). ، فالآية فيها الحثُّ على سَترِ المؤمِنِ، وعَدَمِ هَتكِه [448] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 190). .
4- قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ إذا أَحَبُّوا إشاعتَها وإذاعتَها، فكيفَ إذا توَلَّوا هم إشاعتَها وإذاعتَها، لا نصيحةً منهم، ولكن طاعةً لإبليسَ ونيابةً عنه [449] يُنظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (2/260). ؟! ففي الآيةِ أنَّ هذا العقابَ ثابتٌ لِمَن أشاع الفاحِشةَ؛ لأنَّه إذا ثَبَتَ فيمَن أحَبَّها، فكذلك فيمَن أشاعَها مِن بابِ أَولى [450] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 106). .
5- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ يدُلُّ على أنَّ العَزمَ على الذَّنبِ العَظيمِ عَظيمٌ، وأنَّ إرادةَ الفِسقِ فِسقٌ؛ لأنَّه تعالى علَّق الوعيدَ بمحبَّةِ إشاعةِ الفاحشةِ [451] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/346). .
6- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ مِن أدَبِ هذه الآيةِ أنَّ شأنَ المؤمنِ ألَّا يُحِبَّ لإخوانِه المؤمنين إلَّا ما يحِبُّ لنفسِه، فكما أنَّه لا يحِبُّ أن يُشيعَ عن نَفْسِه خبَرَ سوءٍ، كذلك يجِبُ عليه ألَّا يحِبَّ إشاعةَ السوءِ عن إخوانِه المؤمِنينَ [452] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/185). .
7- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لِشُيوعِ أخبارِ الفواحِشِ بيْن المؤمِنينَ بالصِّدقِ أو بالكَذِبِ مَفسدةٌ أخلاقيَّةٌ؛ فإنَّ ممَّا يَزَعُ النَّاسَ عن المفاسِدِ تَهيُّبَهم وُقوعَها، وكراهتَهم سوءَ سُمعتِها، وذلك مِمَّا يَصرِفُ تفكيرَهم عن تذكُّرِها -بَلْهَ الإقدامِ عليها- رويدًا رويدًا حتى تُنسى وتَنْمحي صُوَرُها مِن النُّفوسِ، فإذا انتشرَ بيْن الأمَّةِ الحديثُ بوقوعِ شَيءٍ مِن الفواحِشِ، تذكَّرَتها الخواطِرُ، وخَفَّ وقْعُ خَبَرِها على الأسماعِ؛ فدَبَّ بذلك إلى النُّفوسِ التهاوُنُ بوقوعِها، وخِفَّةُ وَقعِها على الأسماعِ، فلا تلبَثُ النفوسُ الخبيثةُ أن تُقدِمَ على اقترافِها، وبمقدارِ تكرُّرِ وُقوعِها وتكرُّرِ الحديثِ عنها تصيرُ متداوَلةً. هذا إلى ما في إشاعةِ الفاحشةِ مِن لَحاقِ الأذى والضُّرِّ بالنَّاسِ ضُرًّا متفاوِتَ المقدارِ على تفاوُتِ الأخبارِ في الصِّدقِ والكَذِبِ [453] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/185). .
8- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ التَّحذيرُ مِن اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيطانِ، وبيانُ عاقبةِ اتِّباعِها [454] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 117). ، ومِن حِكمتِه تعالى أنْ بَيَّنَ الحُكمَ، وهو: النَّهيُ عن اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيطانِ. والحِكمةَ، وهي: بيانُ ما في المَنهيِّ عنه مِنَ الشَّرِّ المُقتضي والدَّاعي لِتَركِه؛ فنَهيُ اللهِ عنها للعبادِ نِعمةٌ منه عليهم أن يَشكُروه ويَذكُروه؛ لأنَّ ذلك صيانةٌ لهم عن التدَنُّسِ بالرَّذائِلِ والقَبائحِ؛ فمِن إحسانِه عليهم أنْ نهاهم عنها كما نهاهم عن أكلِ السُّمومِ القاتِلةِ، ونَحوِها [455] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 564). . ومِن نعمةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى أنْ يُبيِّنَ للعِبادِ أسبابَ الشَّرِّ، ويُحَذِّرَهم منها، يعني لا يَكِلُهم إلى أنفُسِهم، بل اللهُ سُبحانَه وتعالى يتولَّى بيانَ ذلك بفَضلِه ورَحمتِه [456] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 117). .
9- في قولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ أنَّه يَنبغي ذِكرُ الحوافزِ التي تُحَفِّزُ الإنسانَ، وتَحمِلُه على الامتثالِ؛ لقولِه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا، كأنَّه يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لأنَّكم مؤمِنونَ لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ؛ ففي هذا إثارةٌ وحافزٌ قويٌّ يُحَفِّزُ الإنسانَ على ألَّا يَتَّبِعَ خُطواتِ الشَّيطانِ [457] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 116). .
10- زكاةُ القَلبِ مَوقوفةٌ على طهارتِه، كما أنَّ زكاةَ البدَنِ موقوفةٌ على استفراغِه مِن أخلاطِه الرَّديئةِ الفاسدةِ؛ قال تعالى: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وذكَرَ ذلك سُبحانَه عَقِيبَ تحريمِ الزِّنا والقَذفِ ونِكاحِ الزَّانيةِ؛ فدَلَّ على أنَّ التزكِّيَ هو باجتنابِ ذلك [458] يُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/49). .
11- قولُه تعالى: عَلِيمٌ أي: بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جُملتِها نيَّاتُهم، وفيه حَثٌّ لهُم على الإخلاصِ في التَّوبةِ [459] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/165). .
12- قال الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ في هذه الآيةِ مِن الأخلاقِ الاجتماعيَّةِ ما يدُلُّ على أنَّ القُرآنَ تَشريعٌ سَماويٌّ؛ حيثُ يُعطِّفُ الإنسانَ على مَن تَكلَّمَ فيه بما لا يَنبغي، وليس فيه تَشجيعٌ على الجرائمِ؛ فإنَّ كلَّ واحدٍ يُؤَدَّبُ مِن جهةٍ؛ فالذي رمى أُدِّبَ مِن جهةِ الحَدِّ، والذي حَلَفَ ألَّا يُنفِقَ عليه أُدِّبَ مِن جهةِ تَكفيرِ يمينِه، وإيتاءِ الفَقيرِ ما يَستحِقُّ [460] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 79). .
13- قَولُ الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فيه دليلٌ على أنَّه لا تُترَكُ النَّفقةُ والإحسانُ بمعصيةِ الإنسانِ [461] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). .
14- قَولُ الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فيه الحَثُّ على العَفوِ والصَّفحِ، ولو جرى عليه ما جرى مِن أهلِ الجرائِمِ [462] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). . قال الإمامُ أحمدُ: (كُلُّ مَن ذكرني ففي حِلٍّ إِلَّا مُبتدعًا، وقدْ جعلْتُ أبا إسحاقَ -يعني: المعتصمَ [463] فقد حُبِس، وضُرِب بينَ يديِ المعتصمِ في المحنةِ بخلقِ القرآنِ. يُنظر: ((البداية والنهاية)) لابن كثير (14/393، 398). - في حِلٍّ، ورأيْتُ اللهَ يقولُ: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ، وأمَر النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم أبا بكرٍ بالعفوِ في قِصَّةِ مِسطحٍ). وقال أيضًا: (وما ينفعُكَ أنْ يُعَذِّبَ اللهُ أخاكَ المسلمَ في سببِكَ) [464] يُنظر: ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (11/261). ؟!
15- قَولُه تعالى: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه ترغيبٌ عظيمٌ في العفوِ، ووَعْدُ الكريمِ بمُقابَلتِه [465] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/165). .
16- في قَولِه تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ دليلٌ على أنَّ مُواصلةَ مَن قطَع، والإحسانَ إلى مَن أساء: هو خُلُقٌ مَرْضِيٌّ، ومندوبٌ إليه المرءُ [466] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/441). .
17- يُفيدُ قَولُه تعالى: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ أنَّه ينبغي التعرُّضُ لمَغفرةِ اللهِ ورِضوانِه [467] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 125). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قَولُ الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ عبَّر بالحُبِّ؛ إشارةً إلى أنَّه لا يَرتكِبُ هذا مع شناعتِه إلَّا مُحِبٌّ له [468] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/233). .
2- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَعليقُ الوعيدِ على مَحبَّةِ الشِّياعِ: دَليلٌ على أنَّ إرادةَ الفِسْقِ فِسْقٌ [469] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/23). .
3- في قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فضْلُ اللهِ على المؤمنينَ في حمايةِ أعراضِهم؛ حيث تَوعَّدَ مَن أحبَّ أن تَشيعَ الفاحشةُ فيهم [470] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 108). .
4- قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ هذا الوَعيدُ الشَّديدُ يَنطَبِقُ على دُعاةِ تَحريرِ المرأةِ في بلادِ الإسلامِ مِن الحِجابِ، والتخَلُّصِ مِن الأوامِرِ الشَّرعيَّةِ الضَّابِطةِ لها في عِفَّتِها وحِشمتِها وحيائِها [471] يُنظر: ((حراسة الفضيلة)) لبكر أبو زيد (ص: 75). .
5- حَسُنَ مَوقِعُ قَولِ الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ بعْدَ قَولِه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا؛ لأنَّ محبَّةَ القَلبِ كامِنةٌ، ونحن لا نعلَمُها إلَّا بالأماراتِ، أمَّا الله سُبحانَه فهو لا يخفَى عليه شَيءٌ، فصار هذا الذِّكرُ نهايةً في الزَّجرِ؛ لأنَّ مَن أحبَّ إشاعةَ الفاحشةِ -وإنْ بالغَ في إخفاءِ تلك المحبَّةِ- فهو يعلمُ أنَّ اللهَ تعالى يعلَمُ ذلك منه، وأنَّ عِلمَه سُبحانَه بذلك الذي أخفاه كعِلمِه بالذي أظهَرَه، ويعلَمُ قَدرَ الجزاءِ عليه [472] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/346). .
6- في قَولِه تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ وجوبُ رَدِّ الأشياءِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وحُكمِها؛ لقَولِه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ [473] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 109). .
7- قوله تعالى: وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فيه قصورُ علمِ المخلوقِ؛ ولذلك نفى اللهُ عنه العِلمَ؛ لأنَّ ما أُوتي مِن العلمِ قليلٌ [474] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 109). .
8- في قَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ بيانُ فضلِ اللهِ وحكمتِه؛ حيثُ يَقرِنُ الأحكامَ بعِلَلِها؛ لأنَّ قولَه: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ هذا حُكمٌ؛ علةُ النَّهيِ: فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وذِكرُ الأحكامِ بعِلَلِها له فوائدُ؛ منها: زيادةُ اطمئنانِ الإنسانِ للحُكمِ، ومعرفةُ أسرارِ الشريعةِ وكمالِها، وتعدِّي هذا الحُكمِ بتعدِّي العلَّةِ [475] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 117). .
9- قَولُه تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ لا يُعارِضُه قَولُه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: 9]، ولا قَولُه تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: 14]، ووجهُ ذلك في قَولِه: مَنْ زَكَّاهَا أنَّه لا يزكِّيها إلَّا بتوفيقِ اللهِ وهدايتِه إيَّاه للعمَلِ الصَّالحِ، وقَبولِه منه. وكذلك الأمرُ في قَولِه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى كما لا يخفى [476] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/485). .
10- قَولُ الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فيه دليلٌ على النَّفَقةِ على القَريبِ [477] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 563). .
11- في قَولِه تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ فضيلةُ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه [478] يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (17/118). ، فقولُه: أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ أي: في الدِّين -على قولٍ في التفسيرِ-، وكفَى به دليلًا على فضلِ الصِّدِّيقِ رضي الله تعالى عنه [479] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/165). .
12- قَولُ الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فيه النَّهيُ عن الحَلِفِ ألَّا يفعَلَ خَيرًا، وأنَّ مَن حلَف على يمينٍ فرأى غيرَها خيرًا منها، فيُستحَبُّ له الحِنثُ [480] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص:190). ويُنظر أيضًا: ((نظرية العقد)) لابن تيمية (1/34). ، وفيه دليلٌ على أنَّ اليمينَ إذا وقعَتْ على ما لا قُربةَ فيه إلى اللهِ، فالطَّاعةُ تَرْكُها وتَركُ المُضِيِّ عليها -وإنْ لم يكُنِ التَّركُ مفروضًا- إذا كان غيرُه أقربَ منه؛ لأنَّ سياقَ الآيةِ يدُلُّ على أنَّ اللهَ تعالى نَدَب أبا بكرٍ إلى العَودِ إلى مِسطَحٍ بفَضلِه، وتَرْكِ مُعاقبتِه على ما كان منه إلى ابنتِه نَدبًا، ولم يَفرِضْ عليه فَرضًا، ولولا ذلك ما دَلَّه -واللهُ أعلمُ- على العَفوِ والصَّفحِ، ولا وَعَده عليه الغُفرانَ؛ إذِ العَفوُ والصَّفحُ بَابَا فَضلٍ، لا يُجبَرُ أحدٌ عليهما [481] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/441). .
13- في قَولِه تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أنَّ الإساءةَ مِن الشَّخصِ لا تُوجِبُ إسقاطَ حُقوقِه، فإذا أساء فليس معنى ذلك أنَّنا نُسيءُ إليه بتَركِ ما يجبُ علينا؛ فإساءتُه تكونُ على نفْسِه، ونحن علينا ما يجِبُ [482] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 124). .
14- في قَولِه تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دليلٌ على أنَّ اسمَ القُربى شاملٌ لكلِّ مَن مَتَّ إلى الإنسانِ برَحِمٍ -قَرُبَت أو بَعُدَت-؛ إذِ الرَّحِمُ قُربَةٌ يَقتربُ بها ذو النَّسَبِ، وقد عَرِي منها الأجنبيُّ، فلا يَمُتُّ بها أبدًا، وكذا النَّسَبُ -وإن بَعُدَ نسَبُه- فهو قُرْبةٌ مِن الإنسانِ لا يقتربُ بها سائرُ جنْسِه مِن النَّاسِ، وسواءٌ كان ذلك مِن قِبَلِ الأبِ أو الأمِّ؛ لا أنَّه أسباطُ الإنسانِ وبنو عمِّه الأَدْنَونَ، كما تزعُمُ الرَّافضةُ مِن أنَّ قولَ اللهِ تبارك وتعالى: قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى: 23] أنه عليٌّ والحسَنُ والحُسَينُ وفاطمةُ رضي الله عنهم، دون سائرِ قراباتِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم!! ألَا ترَى أنَّ مِسطحَ بنَ أُثَاثةَ -الذي حُضَّ أبو بكرٍ رَضِيَ الله عنه على الإنفاقِ عليه، المسمَّى بأُولي القُربى- إنَّما هو ابنُ بنتِ خالةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ الله عنه، وقد سمَّاه اللهُ مِن أُولي قُربَاه؟! فكيف تُخَصُّ ابنةُ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وسِبْطاهُ وابنُ عمِّه دونَ سائرِ أقاربِه المسلمين، بالمودَّةِ في الآيةِ، وابنُ بنتِ خالةِ الإنسانِ قريبُه كما ترى [483] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/438). ؟!
15- في قَولِه تعالى: وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الرَّدُّ على المعتزلةِ القائلِين: إنَّ الكبائرَ تُحبِطُ الأعمالَ [484] قال شيخ الإسلام ابن تيميَّةَ: (إذا كانت السَّيِّئاتُ لا تُحبِطُ جميعَ الحَسَناتِ، فهل تُحبِطُ بقَدْرِها؟ وهل يُحبَطُ بعضُ الحَسَناتِ بذَنبٍ دونَ الكُفرِ؟ فيه قولانِ للمُنتَسِبينَ إلى السُّنَّةِ: منهم مَن يُنكِرُه، ومنهم مَن يُثبِتُه، كما دلَّت عليه النُّصوصُ). ((مجموع الفتاوى)). (10/638). وقال أيضًا: (أمَّا الصَّحابةُ وأهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ فعلى أنَّ أهلَ الكبائِرِ يُخرَجونَ مِن النَّارِ، ويُشفَعُ فيهم، وأنَّ الكبيرةَ الواحِدةَ لا تُحبِطُ جميعَ الحَسَناتِ، ولكِنْ قد يُحبَطُ ما يقابِلُها عند أكثرِ أهلِ السُّنَّةِ، ولا يُحبِطُ جميعَ الحَسَناتِ إلَّا الكُفرُ، كما لا يُحبِطُ جميعَ السَّيِّئاتِ إلَّا التَّوبةُ؛ فصاحِبُ الكبيرةِ إذا أتى بحسَناتٍ يبتغي بها رضا الله أثابه اللهُ على ذلك، وإن كان مُستَحِقًّا للعُقوبةِ على كبيرتِه). ((مجموع الفتاوى)) (10/321، 322). ؛ لأنَّ مِسطَحًا رضي اللهُ عنه كان ممَّن خاض في رَميِ عائشةَ، وذلك كَبيرةٌ قَطعًا، كما قال تعالى: وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وتَوَعَّدَ على ذلك توعُّدًا عظيمًا، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ومع ذلك بَيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ هِجرةَ مِسطَحٍ باقيةٌ، فلو كانتِ الكبيرةُ -غيرَ الشِّركِ- تُحبِطُ العمَلَ، لَمَا بَقِيت له هِجرةٌ، فلمَّا نَوَّه تعالى بهِجرتِه بعدَ ارتكابِه ذَنبَ القذْفِ؛ دلَّ ذلك على أنَّ سائرَ الذُّنوبِ لا تَقضي على الأعمالِ الصَّالحةِ إلَّا ذنبَ الشِّركِ الذي لا يَغفِرُه اللهُ [485] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 79)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/488). ويُنظر أيضًا: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/440). ، وفيه ردٌّ على مَن يزعُمُ أنَّ الذُّنوبَ كُفرٌ، وكيف تكونُ كُفرًا وقد سمَّى اللهُ مِسطحًا -مع عظيمِ ذَنبِه- مُهاجِرًا [486] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/440). ؟!
16- قَولُ الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يؤْذِنُ بأنَّ كفَّارةَ اليمينِ كانت مشروعةً مِن قبْلِ هذه القصَّةِ، ولكنَّهم كانوا يَهابون الإقدامَ على الحِنثِ [487] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/190). .
17- قَولُه تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فيه أنَّ كمالَ العَفوِ يكونُ بالصَّفحِ؛ فالعفوُ بعدمِ المؤاخَذةِ على الذنْبِ، والصَّفحُ بالإعراضِ عنه بالكلِّيَّةِ، وكأنَّه لم يَجْرِ؛ فيكونُ تكميلًا للعفوِ [488] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 125). .
18- قَولُه تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ دليلٌ على أنَّ العفوَ والصَّفحَ عن المسيءِ المسلمِ مِنْ مُوجِباتِ غفرانِ الذُّنوبِ [489] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/488). .
19- قَولُه تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه بيانُ أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العمَلِ [490] يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (6/483). .
20- قال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ قيل: هذه أرجَى آيةٍ في كتابِ الله تعالى [491] قاله عبدُ الله بنُ المبارك. يُنظر: ((صحيح مسلم)) (2770) . ؛ لأنَّ الله أوصَى بالإحسانِ إلى القاذفِ [492] يُنظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/65). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القرطبي)) (12/208)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/488-490). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ الجُملةُ استِئنافٌ ابتِدائيٌّ، واسمُ المَوصولِ الَّذِينَ يَعُمُّ كلَّ مَن يَتَّصِفُ بمَضمونِ الصِّلَةِ؛ فيَعُمُّ المُؤمِنينَ والمُنافِقينَ والمُشرِكينَ؛ فهو تَحذيرٌ للمُؤمِنينَ، وإخبارٌ عنِ المُنافِقينَ والمُشرِكينَ [493] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/184). .
- وقولُه: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فيه جَعْلُ الوعيدِ على المَحبَّةِ لشُيوعِ الفاحشةِ في المُؤمِنينَ؛ تَنبيهًا على أنَّ مَحبَّةَ ذلك تَستحِقُّ العُقوبةَ؛ لأنَّ مَحبَّةَ ذلك دالَّةٌ على خُبْثِ النِّيَّةِ نحوَ المُؤمِنينَ. ومِن شأْنِ تلك الطَّوِيَّةِ: ألَّا يَلْبَثَ صاحبُها إلَّا يَسيرًا حتَّى يَصدُرَ عنه ما هو مُحِبٌّ له أو يُسَرَّ بصُدورِ ذلك مِن غَيرِه؛ فالمحبَّةُ هنا كِنايةٌ عنِ التَّهيُّؤِ لإبرازِ ما يُحِبُّ وُقوعَه. وجِيءَ بصِيغةِ الفِعْلِ المُضارعِ يُحِبُّونَ؛ للدَّلالةِ على الاستِمرارِ [494] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/184). .
- قيل: المرادُ بشُيوعِ الفاحشةِ في قولِه: يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ شُيوعُ خَبَرِها -على قولٍ في التفسيرِ-، أي: يُحِبُّون شُيوعَها، ويَتَصدَّون مع ذلك لإشاعتِها؛ وإنَّما لم يُصرِّحْ به اكتِفاءً بذِكْرِ المحبَّةِ؛ فإنَّها مُستتبِعةٌ له لا مَحالةَ [495] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/163). . وقيل: إذا أُريدَ بالمحبَّةِ نفْسُها مِن غَيرِ أنْ يُقارِنَها التَّصدِّي للإشاعةِ، فيَكونُ تَرتيبُ العذابِ عليها تَنبيهًا على أنَّ عذابَ مَن يُباشِرُ الإشاعةَ ويَتَولَّاها أشَدُّ وأعظَمُ، ويَكونُ الاعتِراضُ التَّذييليُّ -وهو: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ- تَقريرًا لثُبوتِ العذابِ الأليمِ لهم، وتَعليلًا له [496] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/163). .
- قَولُه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ تَذييلٌ، أي: يَعلَمُ ما في ذلك مِن المفاسدِ؛ فيَعِظُكم لِتَجتَنِبوا، وأنتم لا تَعلَمون فتَحسَبون التَّحدُّثَ بذلك لا يَترتَّبُ عليه ضُرٌّ [497] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/185). .
2- قَولُه تعالى: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
- قَولُه: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فيه تَكرارُ المِنَّةِ بتَرْكِ المُعاجَلةِ بالعِقابِ، وحُذِفَ جَوابُ (لَوْلَا) كما حُذِفَ ثَمَّةَ، وفي هذا التَّكريرِ مع حَذْفِ الجوابِ مُبالَغةٌ عظيمةٌ، وكذلك في التَّوَّابِ والرَّؤوفِ والرَّحيمِ [498] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/221)، ((تفسير البيضاوي)) (4/102)، ((تفسير أبي السعود)) (6/164). . فجَعَل هذا المعنى أوَّلًا خاتمةً لأحكامِ الزَّاني والرَّامي والمُلاعِنِ، ثمَّ أتَى به في حديثِ الإفكِ؛ للإيذانِ بأنَّهما سِيَّانِ في استِيجابِ سَخَطِ اللهِ ونَكالِه ولَعْنِه، وجَعَل الفاصِلةَ هنالِك: تَوَّابٌ حَكِيمٌ [النور: 10]، وهاهنا: رَءُوفٌ رَحِيمٌ؛ تَنبيهًا على أنَّ هذا أعظَمُ مِن ذلك [499] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/43). .
- قَولُه: وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فيه إظهارُ الاسمِ الجليلِ؛ لتَربيةِ المَهابةِ [500] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/164). .
3- قَولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
- قَولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ استِئنافٌ ابتِدائيٌّ. ووُقوعُه عَقِبَ الآياتِ العَشْرِ الَّتي في قَضيَّةِ الإفكِ يُشيرُ إلى أنَّ ما تَضمَّنَتْه تلك الآياتُ مِن المَناهي وظُنونِ السُّوءِ ومَحبَّةِ شُيوعِ الفاحشةِ، كلُّه مِن وَساوِسِ الشَّيطانِ؛ فشَبَّه حالَ فاعِلِها في كَونِه مُتلبِّسًا بوَسوَسةِ الشَّيطانِ، بهَيئةِ الشَّيطانِ يَمشي، والعاملُ بأمْرِه يَتَّبِعُ خُطَى ذلك الشَّيطانِ؛ ففي قولِه: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ... تَمثيلٌ مَبنيٌّ على تَشبيهِ حالةٍ مَحسوسةٍ بحالةٍ مَعقولةٍ؛ إذْ لا يَعرِفُ السَّامِعون للشَّيطانِ خُطُواتٍ حتَّى يُنْهَوْا عنِ اتِّباعِها. وفيه: تَشبيهُ وَسوَسةِ الشَّيطانِ في نُفوسِ الَّذين جاؤُوا بالإفكِ بالمَشيِ [501] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/186، 187). .
- وقولُه: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ  ... بَيانٌ لعِلَّةِ النَّهيِ عنِ اتِّباعِه [502] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/102). .
- وقولُه: فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ عِلَّةٌ للجزاءِ، وُضِعَتْ مَوضِعَه، كأنَّه قيلَ: فقدِ ارتَكَبَ الفَحشاءَ والمُنكَرَ؛ لأنَّ دَأَبَه المُستمِرَّ أنْ يَأمُرَ بهما، فمَنِ اتَّبَعَ خُطُواتِه فقدِ امتَثَلَ بأمْرِه قَطْعًا [503] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/164). .
- وفي قولِه: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ... وَضْعُ الظَّاهِرَينِ مَوضِعَ ضَميرَيْهما، حيثُ لمْ يَقُلْ: (ومَن يَتَّبِعْها)، أو: (ومَن يَتَّبِعْ خُطواتِه)؛ لزيادةِ التَّقريرِ، والمُبالَغةِ في التَّنفيرِ والتَّحذيرِ [504] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/164). .
- قَولُه: فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ مفعولُ يَأْمُرُ مَحذوفٌ؛ لقصْدِ العُمومِ [505] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/187). .
- قَولُه: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اعتِراضٌ تَذْييليٌّ بيْن الوعدِ والوعيدِ. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ؛ للإيذانِ باستِدعاءِ الأُلوهيَّةِ للسَّمعِ والعِلْمِ؛ ولِيَكونَ التَّذييلُ مُستقِلًّا بنفْسِه؛ لأنَّه ممَّا يَجري مَجرَى المَثَلِ [506] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/165)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/188). .
4- قَولُه تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
- عطْفٌ على جُملةِ: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور: 21]؛ عطفَ خاصٍّ على عامٍّ؛ للاهتمامِ به؛ لأنَّه قد يَخْفى أنَّه مِن خُطواتِ الشَّيطانِ؛ فإنَّ مِن كَيدِ الشَّيطانِ أنْ يأتيَ بوَسوسةٍ في صُورةِ خواطِرِ الخيرِ إذا علِمَ أنَّ المُوسوَسَ إليه مِن الَّذين يتوخَّونَ البِرَّ والطَّاعةَ، وأنَّه ممَّن يتعذَّرُ عليه تَرويجُ وَسوستِه إذا كانت مَكشوفةً [507] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/188). .
- وقولُه: أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صِفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ، جيءَ بها بطريقِ العطْفِ؛ تَنبيهًا على أنَّ كلًّا منها عِلَّةٌ مُستقلَّةٌ لاستِحقاقِه الإيتاءَ، وقيل: لمَوصوفاتٍ أُقيمتْ هي مُقامَها؛ فيكونُ أبلَغَ في تعليلِ المقصودِ. وحُذِفَ المفعولُ الثَّاني لغايةِ ظُهورِه، أي: على ألَّا يُؤْتوهم شيئًا [508] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/102)، ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/45)، ((تفسير أبي السعود)) (6/165). .
- والاستِفهامُ في قولِه: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ إنكاريٌّ، مُستعملٌ في التَّحضيضِ على السَّعيِ فيما به المغفرةُ [509] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/189). .
- وعُطِفَ قولُه: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ على جُملةِ: أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؛ زِيادةً في التَّرغيبِ في العفْوِ والصَّفحِ، وتَطمينًا لنفْسِ أبي بكرٍ في حِنْثِه، وتَنبيهًا على الأمْرِ بالاتِّصافِ بمقتضياتِ صفاتِ اللهِ تعالى، مما ليس مختصًّا به سبحانَه [510] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/190). .