موسوعة التفسير

سورةُ النُّورِ
الآيات (36-38)

ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ

غريب الكلمات:


بِالْغُدُوِّ: أي: أوَّلَ النَّهارِ، وأصلُ (غدو): يَدلُّ على زمانٍ [954] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/670)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/415)، ((المفردات)) للراغب (ص: 603). .
وَالْآَصَالِ: أي: آخِرَ النَّهارِ وَقتَ اصفِرارِ الشَّمسِ في آخرِ المساءِ، وأصلُ (أصل): يَدلُّ على زمانٍ [955] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/109)، ((المفردات)) للراغب (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 215)، ((تفسير القرطبي)) (12/276). .

المعنى الإجمالي:


يُبيِّنُ الله سبحانَه أهمَّ أماكنِ هذا النورِ، ومَن ينتفعُ به، فيقولُ تعالى: في مَساجِدَ أَذِنَ سبحانَه أن تُبنى وتُشادَ، وتُعظَّمَ وتُطهَّرَ، ويُذكَرَ فيها اسمُ الله، يُسبِّحُ للهِ فيها بإخلاصٍ في أوَّلِ النَّهارِ وفي آخِرِه- رجالٌ لا تُلهيهم تِجارةٌ ولا بَيعٌ عن ذِكرِ رَبِّهم، وإقامةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ لِمُستحقِّيها، يخافونَ يومَ القيامةِ الذي تَضْطَرِبُ مِن شِدَّةِ هَولِه وفَزَعِه قلوبُ النَّاسِ وأبصارُهم؛ ليُكافِئَهم اللهُ على أعمالِهم في الدُّنيا بأحسَنِ ما عَمِلوا، ويَزيدَهم مِن فَضلِه جزاءً عليها، واللهُ يرزُقُ مَن يشاءُ بغيرِ حِسابٍ.

تفسير الآيات :


فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ضَرَب اللهُ المَثَلَ لهذا النُّورِ، جَعَل ظَرْفَه أحسَنَ البِقاعِ [956] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 141). .
وأيضًا لَمَّا كان نورُ الإيمانِ والقُرآنِ أكثَرُ وقوعِ أسبابِه في المساجدِ، ذكَرَها اللهُ تعالى مُنَوِّهًا بها، فقال تعالى [957] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص:568). :
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ.
أي: في مَساجِدَ [958] قال الرسعني: (قولُه تعالى: فِي بُيُوتٍ ... قال ابنُ عبَّاسٍ وأكثرُ المفسِّرينَ: يعني: المساجدَ). ((تفسير الرسعني)) (5/258). ونسَبَه الواحديُّ أيضًا لأكثرِ المفسِّرينَ. يُنظر:  ((البسيط)) للواحدي (16/289). وممَّن قال بهذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عبَّاس، وسالم بن عمر، وعِكْرِمةُ في رواية عنه، وأبو صالح، ومجاهد في رواية عنه، والضحَّاكُ، والحسن في رواية عنه، ونافع بن جُبَير، وأبو بكر ابن سليمان بن أبي حَثْمَةَ، وسفيان بن حسين، وقتادة، وابن زيد. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/316)، ((تفسير ابن أبي حاتم)) (8/2604)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/202). وقال الشوكاني: (قَولُه: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ بمَ هو مُتعَلِّقٌ؟ فقيل: مُتعَلِّقٌ بما قَبْلَه، أي: كمِشْكاةٍ في بَعضِ بُيوتِ اللهِ، وهي المساجِدُ، كأنَّه قيل: مَثَلُ نُورِه كما ترى في المَسجِدِ نُورَ المِشْكاةِ التي من صِفَتِها كَيْتَ وكَيْتَ. وقيل: مُتعَلِّقٌ بمِصْباح. وقال ابنُ الأنباري: سمِعتُ أبا العبَّاسِ يقولُ: هو حالٌ للمِصباحِ والزُّجاجةِ والكَوكَبِ، كأنَّه قيل: وهي في بُيوتٍ. وقيل: مُتعَلِّقٌ بـ يُوقَدُ، أي: يُوقَدُ في بُيوتٍ. وقد قيل: متعَلِّقٌ بما بعْدَه، وهو: يُسَبِّحُ، أي: يُسَبِّحُ له رِجالٌ في بُيوتٍ، وعلى هذا يكونُ قَولُه: فِيهَا تكريرًا، كقَولِك: زيدٌ في الدَّارِ جالِسٌ فيها. وقيل: إنَّه مُنفَصِلٌ عمَّا قَبْلَه). ((تفسير الشوكاني)) (4/40). وممَّن اختار أنَّ الجارَّ والمجرورَ مُتعَلِّقانِ بمِشكاةٍ: الزجَّاجُ، والزمخشري، والغزنوي، والبقاعي. يُنظر: ((معاني القرآن وإعرابه)) للزجاج (4/45)، ((تفسير الزمخشري)) (3/242)، ((باهر البرهان)) للغزنوي (2/1003)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/277). وممَّن اختار أن الجارَّ والمجرورَ فِي بُيُوتٍ متعلِّقانِ بـ (مصباح) المذكورِ في قَولِه تعالى: فِيهَا مِصْبَاحٌ، أي: ذلك المِصباحُ في بُيوتٍ أذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ: السمرقنديُّ، والثعلبي، ومكِّي، والبغوي، والخازن، والبقاعي. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/514)، ((تفسير الثعلبي))  (7/106)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5111)، ((تفسير البغوي)) (3/418)، ((تفسير الخازن)) (3/298)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/277). قال الشنقيطيُّ بعدَ أن ذكَر هذَينِ القولينِ السَّابِقينِ: (وكِلاهما مُتقاربانِ، والمرادُ كينونةُ هذا النُّورِ العظيمِ في أعظَمِ المواضعِ المناسِبةِ له، وهي المساجدُ؛ لأنَّها بُنِيت لهذا النُّورِ خاصَّةً). ((تفسير سورة النور)) (ص: 141). وممَّن اختار أنَّ قَولَه: فِي بُيُوتٍ متعلِّقٌ بقولِه: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا والتَّقديرُ: يُسَبِّحُ للهِ رِجالٌ في بُيوتٍ: جلال الدين المحلِّي، وأبو السعود، والألوسي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 464)، ((تفسير أبي السعود)) (6/178)، ((تفسير الألوسي)) (9/366)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 251). قال الواحدي: (الاختيارُ ألَّا تُجعَلَ هذه الآيةُ مُتَّصِلةً بما قَبلَها؛ لأنَّ الآيةَ الأُولى في ضَربِ المثَلِ لنُورِ المُؤمِنِ بالمِشْكاةِ التي فيها مِصباحٌ يُزهِرُ بزَيتٍ مُضيءٍ، ولا فائِدةَ في وَصفِ المِصْباحِ بكَونِه في بُيوتٍ أو في غَيرِها، ولا تأكيدَ لِضَوئِها بأن تُوصَفَ أنَّها في بُيوتٍ يُذكَرُ فيها اسمُ اللهِ، وأيضًا فإنَّه وَحَّدَ المِشْكاةَ وجَمَع البُيوتَ، ولا تكونُ مِشكاةٌ في بُيوتٍ؛ فإذَنِ الأَوْلى أن يقالَ: قَولُه: فِي بُيُوتٍ ابتِداءُ كَلامٍ في وَصفِ مَساجِدِ المُؤمِنينَ الذين يَذكُرونَ اللهَ فيها ويَعبُدونَه ويُصَلُّونَ له). ((البسيط)) (16/288، 289). أمرَ اللهُ أن تُرفَعَ حِسًّا في البناءِ، وتُرفَعَ معنًى بتَعظيمِها وتَطهيرِها وتَنزيهِها عن كلِّ ما لا يَليقُ بها؛ مِن الرَّوائِحِ الكريهةِ، والأقوالِ السَّيِّئةِ، وغيرِ ذلك [959] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/318)، ((تفسير السمرقندي)) (2/514)، ((تفسير القرطبي)) (12/266، 267)، ((تفسير ابن كثير)) (6/62)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/277)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569). .
عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((مَن بنى مَسجِدًا -قال بُكَيرٌ [960] بكيرُ بنُ عبد الله الاشجُّ، وهو أحدُ رواةِ الحديثِ. ينظر: ((عمدة القاري)) للعيني (4/211). : حَسِبتُ أنَّه قال: يَبتغي به وجْهَ اللهِ- بنى الله له مِثلَه في الجنَّةِ )) [961] أخرجه البخاري (450)، ومسلم (533). .
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ هذه المساجِدَ لا تصلُحُ لشَيءٍ مِن هذا البَولِ ولا القَذَرِ، إنَّما هي لذِكرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، والصَّلاةِ، وقراءةِ القرآنِ)) أو كما قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [962] رواه مسلم (285). .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، قال: قال رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن سَمِعَ رجُلًا يَنشُدُ ضالَّةً [963] يَنشُدُ ضالَّةً: أي: يَطلُبُها برَفعِ الصَّوتِ ويَسألُ عنها، والضَّالَّةُ: الحَيوانُ الضَّائِعُ. يُنظر: ((مرعاة المفاتيح)) للمباركفوري (2/413). في المسجِدِ، فلْيقُلْ: لا ردَّها الله عليك؛ فإنَّ المساجِدَ لم تُبْنَ لهذا )) [964] رواه مسلم (568).  .
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رَضِيَ الله عنهما، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من أكَلَ البصَلَ والثُّومَ والكُرَّاثَ فلا يقرَبَنَّ مَسجِدَنا؛ فإنَّ الملائكةَ تتأذَّى ممَّا يتأذَّى منه بنو آدَمَ )) [965] رواه البخاري (854)، ومسلم (568) واللفظ له.   .
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لِيَلِني منكم أُولو الأحلامِ والنُّهى، ثمَّ الذين يَلونَهم -ثلاثًا-، وإيَّاكم وهَيْشاتِ الأسواقِ [966] هَيشاتِ الأسواقِ: أي: اختِلاطَها، والمُنازَعةَ والخُصوماتِ، وارتِفاعَ الأصواتِ، واللَّغَطَ والفِتَنَ التي فيها. يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (4/156).  ) [967] رواه مسلم (432).  .
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما، عن رَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أنَّه نهى عن تَناشُدِ الأشعارِ في المسجِدِ، وعن البَيعِ والاشتِراءِ فيه، وأن يتحَلَّقَ [968] يتحَلَّقَ النَّاسُ: أي: يَجلِسوا على هَيئةِ الحَلْقةِ، يُقالُ: تحَلَّقَ القَومُ: إذا جَلَسوا حَلْقةً حَلْقةً. يُنظر: ((مرقاة المفاتيح)) للقاري (2/615). النَّاسُ فيه يومَ الجمُعةِ قبْلَ الصَّلاةِ)) [969] أخرجه الترمذي (322) واللَّفظُ له، والنَّسائي (715)، وابن ماجه (749)، وأحمد (6676). حَسَّنه الترمذي، وصَحَّحه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (1/354)، وحَسَّنه النووي في ((المجموع)) (2/177)، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (1/297)، والألباني في ((صحيح سنن الترمذي)) (322)، وجوَّد أسانيدَه ابن باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (197). .
وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ.
أي: وأذِنَ اللهُ لعِبادِه أن يَذْكُروا في المساجِدِ اسمَه وحْدَه لا شريكَ له [970] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/319)، ((الوسيط)) للواحدي (3/321)، ((تفسير ابن كثير)) (6/66). قال ابن عثيمين: (المرادُ أنَّ اللهَ يُذكَرُ بأسمائِه؛ لأنَّه إذا ذُكِرَ الاسمُ ذُكِرَ المُسمَّى، لكِنْ بأيِّ شيءٍ يُذكَرُ؟ بالقراءةِ والتَّسبيحِ...، المهِمُّ أن يُذكَرَ بالثَّناءِ والتَّمجيدِ، وهذا يشمَلُ الصَّلاةَ وغيرَ الصَّلاةِ). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 253). وقال الشوكاني: (وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُتْلَى فيها كِتابُه). ((تفسير الشوكاني)) (4/44). وقال ابن عطية: (وذكرُ اسْمِه تعالى، هو بالصلاةِ والعبادةِ قولًا وفعلًا). ((تفسير ابن عطية)) (4/186). .
كما قال تعالى: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف: 29] .
وقال سُبحانَه: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن: 18] .
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ما اجتمَعَ قَومٌ في بَيتٍ مِن بُيوتِ اللهِ، يتلُونَ كِتابَ الله، ويَتدارَسونَه بيْنهم، إلَّا نزلتْ عليهمُ السَّكينةُ، وغَشِيَتْهمُ الرَّحمةُ، وحفَّتْهمُ الملائِكةُ، وذكَرَهمُ اللهُ فيمَن عِندَه )) [971] رواه مسلم (2699).   .
يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ.
أي: يُسبِّحُ للهِ بإخلاصٍ في المساجِدِ في أوَّلِ النَّهارِ وفي آخِرِه [972] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/319، 320)، ((الوسيط)) للواحدي (3/321)، ((تفسير ابن كثير)) (6/66، 67)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569). قال ابن الجوزي: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها قولانِ: أحَدُهما: أنَّه الصَّلاةُ، ثمَّ في صلاةِ الغُدُوِّ قَولانِ: أحَدُهما: أنَّها صلاةُ الفَجرِ. رواه ابنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ. والثاني: صلاةُ الضُّحى، روى ابنُ أبي مُلَيكة عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: إنَّ صلاةَ الضُّحى لَفِي كِتابِ اللهِ، وما يَغوصُ عليها إلَّا غوَّاصٌ، ثمَّ قرأ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ. وفي صلاةِ الآصالِ قَولانِ؛ أحَدُهما: أنَّها صَلاةُ الظُّهرِ والعَصرِ والمَغرِبِ والعِشاءِ، قاله ابنُ السَّائبِ. والثَّاني: صلاةُ العَصرِ. قاله أبو سليمانَ الدمشقيُّ. والقَولُ الثَّاني: أنَّه التَّسبيحُ المعروفُ. ذكره بعضُ المفَسِّرينَ). ((تفسير ابن الجوزي)) (3/298). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بالتَّسبيحِ: الصَّلاةُ: مقاتلُ بن سليمان، ويحيى بن سلام، وابن جرير، والسمرقندي، ومكِّي، والواحدي، والسمعاني، والرسعني، والخازن. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/201)، ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/451)، ((تفسير ابن جرير)) (17/320)، ((تفسير السمرقندي)) (2/514)، ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5114)، ((الوسيط)) للواحدي (3/321)، ((تفسير السمعاني)) (3/534)، ((تفسير الرسعني)) (5/259)، ((تفسير الخازن)) (3/298). وعزا الثَّعلبيُّ والبَغَويُّ إلى أهلِ التَّفسيرِ القَولَ بأنَّ المرادَ الصَّلواتُ المَفروضةُ، وأنَّ التي تُؤدَّى بالغَداةِ صَلاةُ الصُّبحِ، والتي تُؤدَّى بالآصالِ صَلاةُ الظُّهرِ والعَصرِ والعِشاءَينِ، وعزاه القرطبيُّ والشوكانيُّ إلى أكثَرِ المفَسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير الثعلبي)) (7/108)، ((تفسير البغوي)) (3/419)، ((تفسير القرطبي)) (12/276)، ((تفسير الشوكاني)) (4/41). وقيل: الغُدُوُّ: صلاةُ الصُّبحِ، والآصالُ: الظُّهرُ والعَصرُ. وممَّن اختاره: يحيى بنُ سلام، وابن أبي زمنين. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/451)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/237). وقيل: المرادُ: صلاةُ الصُّبحِ وصلاةُ العَصرِ. وممَّن اختاره: مكِّيٌّ، والسمعاني. يُنظر: ((الهداية إلى بلوغ النهاية)) لمكي (8/5114)، ((تفسير السمعاني)) (3/534). وممَّن اختار أنَّ المرادَ بالتَّسبيحِ: التَّنزيهُ: الشوكانيُّ، فقال: (قيل: المرادُ بالتَّسبيحِ هنا: معناه الحقيقيُّ، وهو تنزيهُ اللهِ سُبحانَه عمَّا لا يليقُ به في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، ويؤيِّدُ هذا ذِكرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ بَعْدَه، وهذا أرجَحُ ممَّا قَبْلَه؛ لكَونِه المعنى الحقيقيَّ، مع وجودِ دليلٍ يدُلُّ على خِلافِ ما ذهب إليه الأوَّلونَ، وهو ما ذكَرْناه). ((تفسير الشوكاني)) (4/41). وممَّن اختار الجَمْعَ بين المعنيَينِ السَّابِقَينِ: البِقاعي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/278)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 253). قال السعدي: (يدخُلُ في ذلك التَّسبيحُ في الصَّلاةِ وغَيرِها؛ ولهذا شُرِعت أذكارُ الصَّباحِ والمساءِ وأورادُهما عندَ الصَّباحِ والمساءِ). ((تفسير السعدي)) (ص: 569).  وقال ابنُ عثيمين: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا أعمُّ مِن كَونِهم يُصَلُّون، بل هم يُسَبِّحون اللهَ بالصَّلاةِ وغَيرِها مِمَّا يكونُ به تنزيهُ اللهِ سُبحانه وتعالى). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 253).
كما قال تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: 39] .
وعن عُمارةَ بنِ رُؤَيْبةَ رَضِيَ الله عنه، قال: سمِعتُ رَسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((لن يَلِجَ النَّارَ أحَدٌ صلَّى قبلَ طلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غُروبِها )) يعني: الفجرَ والعَصرَ [973] رواه مسلم (634). .
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ.
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
أي: رِجالٌ لا تَشغَلُهم أيُّ تجارةٍ ولا أيُّ بيعٍ عن ذِكرِ اللهِ تعالى [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/321)، ((تفسير السمرقندي)) (2/515)، ((تفسير ابن كثير)) (6/68). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بذكرِ الله هنا: الأذانُ؛ لأنَّهم كانوا إذا سَمِعوا المؤذِّنَ ترَكوا بيعَهم، وقاموا إلى الصَّلاةِ: يحيى بنُ سلام، وابن أبي زمنين. يُنظر: ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/451)، ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/238). وقيل: المرادُ بذكرِ الله: حُضورُ المساجِدِ لإقامةِ الصَّلَواتِ. ومِمَّن اختاره: الواحديُّ، والبغوي، والخازن. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/321)، ((تفسير البغوي)) (3/420)، ((تفسير الخازن)) (3/299). واختار مقاتلُ بنُ سليمانَ والعليميُّ أنَّ المرادَ: الصَّلواتُ المفروضةُ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/201)، ((تفسير العليمي)) (4/542). وقيل: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ باللِّسانِ والقَلبِ. ومِمَّن اختاره: النَّسَفيُّ. يُنظر: ((تفسير النسفي)) (2/508). ويُنظر أيضًا: ((تفسير القاسمي)) (7/391). وقال الشوكانيُّ: (ومعنى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ: هو ما تقَدَّمَ في قَولِه: وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)، وذكَر في تفسيرِ هذه الآيةِ أنَّ المرادَ: يُتْلَى فيها كتابُه. يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/41). .
وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ.
أي: ولا تَشغَلُهمُ التِّجارةُ ولا البيعُ عن حُضورِ المساجِدِ لأداءِ الصَّلواتِ بحُدودِها في أوقاتِها، ولا عن أداءِ الزَّكاةِ لِمُستحِقِّيها في وقتِها [975] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/323، 324)، ((الهداية)) لمكي (8/5117، 5118)، ((تفسير الخازن)) (3/299). وممَّن ذهب إلى هذا المعنى لإيتاءِ الزكاةِ: مكيُّ بن أبي طالب، والرازي، والخازن، والشوكاني. يُنظر: ((الهداية)) لمكي (8/5117)، ((تفسير الرازي)) (24/398)، ((تفسير الخازن)) (3/299)، ((تفسير الشوكاني)) (4/42). وقيل: معناها: طاعةُ الله تعالى، والإخلاصُ له. وممَّن رُوي عنه القولُ بذلك: ابنُ عباسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهما- في إحدى الرِّوايتينِ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/324). قال الرازي: (اختلفوا في الصَّلاةِ؛ فمنهم مَن قال: هي الفرائِضُ، ومنهم مَن أدخَلَ فيها النَّفلَ ...، والأوَّلُ أقرَبُ؛ لأنَّه إلى التَّعريفِ أقرَبُ، وكذلك القَولُ في الزَّكاةِ أنَّ المرادَ المفروضُ؛ لأنَّه المعروفُ في الشَّرعِ المُسمَّى بذلك، وقال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: المرادُ مِن الزَّكاةِ: طاعةُ اللهِ تعالى والإخلاصُ، وكذا في قَولِه: وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ [مريم: 55] ، وقَولِه: مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [النور: 21] ، وقَولِه: تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] ، وهذا ضَعيفٌ؛ لِما تقَدَّم، ولأنَّه تعالى عَلَّق الزَّكاةَ بالإيتاءِ، وهذا لا يُحمَلُ إلَّا على ما يُعطى مِن حُقوقِ المالِ). ((تفسير الرازي)) (24/398). .
يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان تَركُ الدُّنيا شديدًا على أكثَرِ النُّفوسِ، وحُبُّ المكاسِبِ بأنواعِ التِّجاراتِ محبوبًا لها، ويشُقُّ عليها تَركُه في الغالبِ، وتتكَلَّفُ من تقديمِ حَقِّ الله على ذلك- ذكرَ ما يدعوها إلى ذلك ترغيبًا وترهيبًا، فقال [976] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 569). :
يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ.
أي: يخافونَ يومَ القيامةِ الذي تتحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ فيه قلوبُ النَّاسِ وأبصارُهم؛ مِن شِدَّةِ الأهوالِ والفَزَعِ [977] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/69)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/548). وقيل: معنى تقَلُّبِ القُلوبِ: أنَّ النَّاسَ يومَ القيامةِ يَكونونَ بيْن الطَّمَعِ بالنَّجاةِ، والحَذَرِ مِنَ الهلاكِ، ومعنى تقَلُّبِ الأبصارِ: أنَّهم يَنظُرونَ إلى أيِّ ناحيةٍ يُؤخَذُ بهم: أذاتَ اليمينِ أمْ ذاتَ الشِّمالِ؟ ومِن أين يُؤتَونَ كُتُبَهم: أمِنْ قِبَلِ الأيمانِ أم مِن قِبَلِ الشَّمائِلِ؟ ومِمَّن اختاره: ابنُ جرير، والثعلبي، والواحدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/325)، ((تفسير الثعلبي)) (7/110)، ((الوسيط)) للواحدي (3/322). .
كما قال تعالى: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] .
وقال عزَّ وجلَّ: وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان: 7 - 10] .
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا بَيَّنَ اللهُ تعالى أفعالَ هؤلاء الرِّجالِ التي أقبَلوا بها عليه، وأعرَضوا عمَّا عداه؛ بيَّنَ غايتَهم فيها، فقال تعالى [978] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/281). :
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا.
أي: أنَّهم فَعَلوا ما فَعَلوا [979] قال أبو حيان: (اللامُ في لِيَجْزِيَهُمُ مُتعَلِّقةٌ بمحذوفٍ، أي: فعَلوا ذلك لِيَجزيَهم، ويجوزُ أن تتعلَّقَ بـ يُسَبِّحُ، وهو الظَّاهِرُ). ((تفسير أبي حيان)) (8/50). مِمَّن اختار في الجُملةِ القَولَ الأوَّلَ، أي: اشتَغَلوا بذِكرِ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ؛ لِيَجزيَهم، أو فعلوا ذلك، أو يَفعَلون ما يَفعَلون مِن هذه القُرُباتِ؛ لِيَجزيَهم: ابنُ جرير، والثعلبي، والبغوي، وابن عطية، والرازي، والخازن، والشوكاني. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/325)، ((تفسير الثعلبي)) (7/110)، ((تفسير البغوي)) (3/420)، ((تفسير ابن عطية)) (4/187)، ((تفسير الرازي)) (24/398)، ((تفسير الخازن)) (3/299)، ((تفسير الشوكاني)) (4/42). ومِمَّن اختار القَولَ الثَّانيَ: أنَّها تتعَلَّقُ بـ يُسَبِّحُ: الواحديُّ، وابن الجوزي، وأبو حيان. يُنظر: ((الوسيط)) للواحدي (3/322)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/299)، ((تفسير أبي حيان)) (8/50). وممَّن قال بأنَّ المعنى: يُسَبِّحونَ ويخافون؛ لِيَجزيَهم ثوابَهم: الزمخشريُّ، والنسفي، والشنقيطي. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/243)، ((تفسير النسفي)) (2/508)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/549). وقال ابنُ عاشور: (ويتعلَّقُ قَولُه: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا بـ يَخَافُونَ، أي: كان خَوفُهم سَبَبًا للجَزاءِ على أعمالِهم النَّاشِئةِ عن ذلك الخَوفِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/250). ؛كي يُثيبَهمُ اللهُ يومَ القيامةِ بأحسَنِ ما عَمِلوه في الدُّنيا [980] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/325)، ((تفسير ابن كثير)) (6/69)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569). قيل: المرادُ بالأحسَنِ: جميعُ الحَسَناتِ وما عَمِلوا من الخيرِ، فهي موصوفةٌ في مُقابَلةِ الذُّنوبِ بأنَّها أحسَنُ، ولهم مَساوئُ فلا يَجزيهم بها. ومِمَّن اختار هذا القَولَ: مقاتل بن سليمان، والواحدي، وابن الجوزي، والقرطبي، والخازن. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/201)، ((البسيط)) للواحدي (16/301)، ((تفسير ابن الجوزي)) (3/299)، ((تفسير القرطبي)) (12/281)، ((تفسير الخازن)) (3/299). وقيل: المرادُ: أحسَن جزاءِ أعمالِهم حَسْبَما وعَدَهم مِن تضعيفِ ذلك إلى عَشَرةِ أمثالِه وإلى سبْعِ مئةِ ضِعفٍ . وممَّن قال بذلك: الزمخشريُّ، والشوكاني، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/243)، ((تفسير الشوكاني)) (4/42)، ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 263). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن أبي زمنين)) (3/238). وقيل: المرادُ بقَولِه: أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا: أعمالُهم الحَسَنةُ الصَّالحةُ؛ لأنَّها أحسَنُ ما عَمِلوا؛ لأنَّهم يَعمَلونَ المباحاتِ وغيرَها، فالثَّوابُ لا يَكونُ إلَّا على العمَلِ الحسَنِ. وممَّن قال بذلك: السعديُّ. يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 569). وهذا على القَولِ بأنَّ المباحَ ليس مِن قِسمِ الحَسَنِ. واختار الشنقيطيُّ أنَّ الآيةَ تدُلُّ على أنَّ المباحَ مِن الحَسَنِ؛ وعليه فإنَّ أعمالَ الإنسانِ منها الحَسَنُ -وهو المباحُ- وهذا لا يُجازَى عليه، ومنها الأحسَنُ، وهو المندوبُ والواجِبُ، وهما المرادُ بقَولِه: أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا. يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 146). وقيل: يَجزيهم أحسَنَ وأفضَلَ مِن أعمالِهم، وهو الجنَّةُ. وقيل: يَجزيهم ويَغفِرُ لهم بأحسَنِ أعمالِهم، ويبقى سائِرُ أعمالِهم فَضْلًا. يُنظر: ((تفسير السمرقندي)) (2/515). .
كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت: 7] .
وقال سُبحانَه: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [الزمر: 35] .
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
أي: ويَزيدَهمُ اللهُ على ثوابِ أعمالِهم الصَّالحةِ فَوقَ ما يستَحِقُّونَه بأعمالِهم [981] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/325)، ((تفسير البغوي)) (3/420)، ((تفسير ابن كثير)) (6/69)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/549). قال أبو السعود: (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي: يتفضَّلَ عليهم بأشياءَ لم تُوعَدْ لهم بخصوصيَّاتِها أو بمقاديرِها، ولم تخطُرْ ببالِهم كيفيَّاتُها ولا كَمِّيَّاتُها، بل إنَّما وُعِدَت بطريقِ الإجمالِ). ((تفسير أبي السعود)) (6/180). وقال ابنُ عثيمين: (قَولُه: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ هذا زائِدٌ على ثوابِ العمَلِ، وذلك ما يَحصُلُ مِن زيادةِ الأعمالِ الصَّالحةِ، وزيادةِ الرِّزقِ في الدُّنيا، وزيادةِ ما يُدَّخَرُ لهم عندَ الله في الجنَّةِ؛ كالنَّظَرِ إلى وَجهِ اللهِ سُبحانَه وتعالى). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 264). .
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40] .
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
أي: واللهُ يتفضَّلُ على مَن يشاءُ، فيَرزُقُه أرزاقًا كثيرةً لا حدَّ لها ولا عَدَّ [982] يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 465)، ((حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي)) (6/386)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/250). مِمَّن اختار أنَّ المعنى: مِن غيرِ أن يُحاسِبَه على ما بَذَل له وأعطاه، فيَرزُقُه ولا يُحاسِبُه: ابنُ جرير، والسمرقندي، والقرطبي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/325)، ((تفسير السمرقندي)) (2/515)، ((تفسير القرطبي)) (12/281). وقال مقاتل بن سليمان: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ يقولُ اللهُ تعالى: ليس فوقي مَلِكٌ يُحاسِبني، أنا المَلِكُ أُعطي مَن شِئتُ بغيرِ حِسابٍ، لا أخافُ مِن أحدٍ يُحاسِبُني). ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/201). وقال يحيى بن سلام: (قَولُه: بِغَيْرِ حِسَابٍ بغيرِ أن يُحاسِبَ نفْسَه، أي: لا يَنقُصُ ما عندَ اللهِ كما يَنقُصُ ما في أيدي النَّاسِ). ((تفسير يحيى بن سلام)) (1/453). وقيل: هو كنايةٌ عن كثرةِ العَطاءِ وسَعتِه، فهو يُوسِّعُ كأنَّه لا يَحسِبُ ما يُنفِقُه ويُعطيه. ومِمَّن اختار هذا القَولَ في الجُملةِ: جلال الدين المحلي، والبِقاعي، والقاسمي، والسعدي، وابن عثيمين. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 465)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/282)، ((تفسير القاسمي)) (7/391)، ((تفسير السعدي)) (ص: 569)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النور)) (ص: 264). وقال السمرقندي: (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ... يقالُ: يَرزقُه رزقًا لا يُدرَكُ حِسابُه،... ويقال: بغيرِ حسابٍ، أي: مِن غيرِ حِسابٍ، أي: مِن حيثُ لا يَحتَسِبُ). ((تفسير السمرقندي)) (2/515). وقال البقاعي: (ولَمَّا كان المعنى: رِزقًا يفوقُ الحَدَّ، ويفوتُ العَدَّ؛ عَبَّرَ عنه بقَولِه: بِغَيْرِ حِسَابٍ، فهو كنايةٌ عن السَّعةِ، ويجوزُ أن يكونَ مع السَّعةِ التَّوفيقُ، فيكونَ بِشارةً بنَفيِ الحِسابِ في الآخرةِ أيضًا أصلًا ورأسًا؛ لأنَّ ذلك المَرزوقَ لم يَعمَلْ ما فيه دَرَكٌ عليه، فلا يُحاسَبُ، أو يحاسَبُ ولا يُعاقَبُ؛ فيكونَ المرادُ بنَفيِ الحِسابِ نَفيَ عُسرِه وعِقابِه، ويجوزُ أن يُرادَ الرزقُ كَفافًا، وقد ورد أنَّه لا حِسابَ فيه). ((نظم الدرر)) (13/282). .

الفوائد التربوية:


1- قَولُه تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ فيه دليلٌ على حَثِّ المسلمين أنْ يُصَلُّوا في المساجدِ [983] يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/479). ، وفيه استِحبابُ ذِكرِ الله فيها [984] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 194). .
2- قال الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وصْفُه تعالى لهؤلاء الرِّجالِ الذين يُسَبِّحون له بالغدُوِّ والآصالِ بكَونِهم لا تُلهيهم تِجارةٌ ولا بَيعٌ عن ذِكرِ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، على سبيلِ مَدحِهم والثَّناءِ عليهم- يدُلُّ على أنَّ تلك الصِّفاتِ لا يَنبغي التَّساهُلُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ ثناءَ الله على المتَّصِفِ بها يدُلُّ على أنَّ مَن أخَلَّ بها يستحِقُّ الذَّمَّ الذي هو ضِدُّ الثَّناءِ، ويوضِّحُ ذلك أنَّ الله نهَى عن الإخلالِ بها نهيًا جازِمًا في قولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون: 9] ، وقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: 9] ، إلى غيرِ ذلك مِن الآياتِ [985] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/539). .
3- قال تعالى: فِي بُيُوتٍ في تعقيبِ المَثَلِ بذكرِ كونِ المساجدِ ظرفًا لذلك النُّورِ -على أحدِ الأقوالِ-؛ تنبيهٌ على أنَّ صَقالةَ القَلبِ تكونُ بتزويدِه بالطَّاعةِ [986] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 141). .
4- قَولُ الله تعالى: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ فيه أنَّ التِّجارةَ لا تُنافي الصَّلاحَ؛ لأنَّ مَقصودَ الآيةِ أنَّهم يتعاطَونَها، ومع ذلك لا تُلهيهم عن الصَّلاةِ وحُضورِ الجماعةِ [987] يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 194). . فهؤلاء الرِّجالُ وإنِ اتَّجَروا وباعُوا واشتَرَوا، فإنَّ ذلك لا محذورَ فيه، لكِنَّه لا تُلهيهم تلك، بأن يقَدِّموها ويُؤثِروها على ذِكرِ اللهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، بل جَعَلوا طاعةَ اللهِ وعِبادتَه غايةَ مُرادِهم، ونهايةَ مَقصدِهم، فما حالَ بيْنهم وبيْنها رَفَضوه [988] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 569). .
5- قَولُ الله تعالى: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ بَيَّن سُبحانَه وتعالى أنَّ هؤلاء الرِّجالَ وإن تعَبَّدوا بذِكرِ اللهِ والطَّاعاتِ، فإنَّهم مع ذلك موصوفون بالوجَلِ والخَوفِ [989] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/398). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قال الله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ قولُه تعالى: أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ هذان مجموعُ أحكامِ المساجِدِ، فيدخُلُ في رَفعِها بناؤُها وكَنسُها وتنظيفُها مِن النَّجاسةِ والأذى، وصونُها مِن المجانينِ والصِّبيانِ الذين لا يتحَرَّزونَ عن النَّجاسةِ، وعن الكافِرِ، وأن تُصانَ عن اللَّغوِ فيها، ورَفعِ الأصواتِ بغيرِ ذِكرِ الله، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يدخُلُ في ذلك الصَّلاةُ كُلُّها؛ فرضُها ونَفلُها، وقراءةُ القرآنِ، والتسبيحُ، والتهليلُ، وغيرُه من أنواعِ الذِّكرِ، وتعلُّمُ العِلمِ وتعليمُه، والمذاكرةُ فيها، والاعتكافُ، وغيرُ ذلك مِن العباداتِ التي تُفعَلُ في المساجِدِ؛ ولهذا كانت عمارةُ المساجدِ على قِسمَينِ: عمارةِ بُنيانٍ وصيانةٍ لها، وعِمارةٍ بذكرِ اسمِ الله، مِن الصَّلاةِ وغَيرِها، وهذا أشرَفُ القِسمَينِ؛ ولهذا شُرِعَت الصَّلواتُ الخَمسُ والجُمُعةُ في المساجِدِ [990] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 569). .
2- قولُه: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ فيه فضيلةُ وشَرَفُ المساجدِ؛ لأنَّها مَحَلُّ ذِكْرِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتعظيمِه؛ فالمكانُ يَشرُفُ بشَرَفِ العَمَلِ فيه، كما أنَّ الزَّمانَ أيضًا يَشرُفُ بشَرَفِ العَمَلِ فيه [991] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور))  (ص: 264). .
3- في قَولِه تعالى: أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ أنَّ الأفضَلَ في الذِّكرِ أنْ يكونَ بالقلبِ واللِّسانِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أن يُذكَرَ فيها اسمُه إلَّا باللِّسانِ [992] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 266). .
4- في قَولِه تعالى: رِجَالٌ أنَّ النِّساءَ لَسْنَ مكَلَّفاتٍ بصَلاةِ الجَماعةِ وزيارةِ المساجِدِ؛ لأنَّ اللهَ خَصَّ بها الرِّجالَ [993] قال الشنقيطي: (الحاصِلُ: أنَّ لَفظَ الرِّجالِ في الآيةِ وإن كان في الاصطِلاحِ لَقَبًا، فإنَّ ما يَشتَمِلُ عليه مِن أوصافِ الذُّكورةِ المُناسِبةِ للفَرقِ بينَ الذُّكورِ والإناثِ- يَقتضي اعتِبارَ مَفهومِ المُخالَفةِ في لَفظِ رِجالٍ، فهو في الحقيقةِ مَفهومُ صِفةٍ لا مَفهومُ لَقَبٍ؛ لأنَّ لَفظَ الرِّجالِ مُستَلزِمٌ لأوصافٍ صالحةٍ لإناطةِ الحُكمِ به، والفَرقُ في ذلك بين الرِّجالِ والنِّساءِ كما لا يخفى... [و] مَفهومُ الصِّفةِ مُعتَبَرٌ عند الجُمهورِ، خِلافًا لأبي حنيفةَ). ((أضواء البيان)) (5/540). ، ومفهومُ المُخالَفةِ الذي دلَّتْ عليه هذه الآيةُ بيَّنَتْه الأحاديثُ الصَّحيحةُ، وهو أنَّ صَلاةَ المرأةِ في بَيتِها أفضلُ مِن صلاتِها في المَسجِدِ [994] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 142). ويُنظر أيضًا: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/279). ويُنظَرُ في أفضليَّةِ صَلاةِ المرأةِ في بَيتِها: ما أخرَجَه أبو داود (567)، وأحمد (2/76) (5468) مِن حديثِ ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، وما أخرجه أبو داود (570) من حديِث ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه. ، وأنَّ النِّساءَ لَسْنَ كالرِّجالِ في حكمِ الخروجِ إلى المساجِدِ، وأنَّه يجوزُ لهنَّ الخروجُ إلى المساجِدِ بِشُروطٍ [995] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/539). ويُنظَرُ في شروطِ خُروجِ المرأةِ إلى المسجِدِ: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/545). .
5- قال تعالى: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ هؤلاء الرجالُ لو كانوا لا يَعرِفونَ التِّجارةَ ولا يستطيعونَ التِّجارةَ، قُلْنا: إنَّ لجوءَهم إلى بيوتِ اللهِ مِن بابِ الضَّرورةِ -يعني: لأجْلِ أنْ يقضُوا الوقتَ عن أنفُسِهم، ويتسَلَّوا بذلك- لكنَّهم قومٌ لهم تِجارةٌ، فالصَّارِفُ عن ذِكْرِ اللهِ في المساجدِ موجودٌ، وهو التِّجارةُ، لكنَّهم مع ذلك لا تُلهيهم، وكُلَّما قَوِيَ الصَّارِفُ ولم ينصَرِفِ الإنسانُ، فهو أكمَلُ ممَّن لا صارفَ له [996] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور))  (ص: 267). .
6- قال الله تعالى: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَولُه: رِجَالٌ فيه إشعارٌ بهِمَمِهم السَّاميةِ، ونيَّاتِهم وعَزائِمِهم العاليةِ، التي بها صاروا عُمَّارًا للمَساجِدِ التي هي بُيوتُ اللهِ في أرضِه، ومواطِنُ عِبادتِه وشُكرِه، وتَوحيدِه وتَنزيهِه، كما قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: 23] [997] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (6/67). .
7- إيرادُ قولِه: وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ هاهنا وإنْ لم يكُنْ ممَّا يُفعَلُ في البُيوتِ؛ لكونِه قَرينةً لا تُفارِقُ إقامةَ الصَّلاةِ في عامَّةِ المواضعِ، مع ما فيه مِن التَّنبيهِ على أنَّ مَحاسنَ أعمالِهم غيرُ مُنْحصرةٍ فيما يقَعُ في المساجدِ، وكذلك قولُه تعالى: يَخَافُونَ إلخ؛ فليس خَوفُهم مَقصُورًا على كونِهم في المساجدِ [998] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/179). .
8- أنَّ مَن تَعَبَّدَ للهِ خَوفًا فهو محمودٌ؛ لقَولِه: يَخَافُونَ يَوْمًا، وقد أثنى اللهُ على مَن تَعبَّدَ خوفًا منه مِن العذابِ، قال تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان: 7] ، وهنا قال: يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، وأثنى اللهُ تعالى على مَن تَعَبَّدَ طلبًا، قال تعالى: تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح: 29] ، وفي هذا ردٌّ على مَن ذَهَبَ مِن الصوفيَّةِ أو غيرِهم إلى أنَّ الأفضلَ في التَّعبُّدِ أَلَّا يَقصِدَ الإنسانُ حظًّا لنَفْسِه؛ وإنما يَعْبُدُ اللهَ لذاتِه فقط، لا قصدًا لفضلِه، ولا حذرًا مِن عقابِه! وهذا نبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهؤلاء أصحابُه -وهم أكملُ حالًا- قد ذَكَر اللهُ عنهم أنَّهم كانوا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا، وكذلك فإنَّ مَن يَعْبُدُ اللهَ سبحانَه لِينالَ فضْلَه وينجوَ مِن عقابِه، هو يريدُ الوصولَ إلى رِضوانِ اللهِ وإلى رؤيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، التي هي مِن جملةِ النَّعيمِ في الجنَّةِ [999] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 268). .
9- في قَولِه تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ ردٌّ على مَن يزعُمُ أنَّه لا ينبغي أنْ يعمَلَ الإنسانُ لأجلِ الجَزاءِ الذي ينالُه مِن اللهِ؛ لأنَّه يكونُ في زَعمِهم مِن بابِ المُتاجرةِ، بل يجِبُ أنْ يعمَلَ العمَلَ تعظيمًا وإجلالًا للهِ! فهذا يخالِفُ ثناءَ اللهِ تعالى ومدْحَه لِمَن عَمِلَ لأجلِ نَيلِ جزاءِ اللهِ [1000] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 145). .
10- أنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ، بل هو في الطَّاعاتِ أحسَنُ مِن العمَلِ؛ لقَولِه تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ شيئًا فوقَ ما عَمِلوه [1001] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 270). ، فاللهُ تعالى جعَل الحُسْنَ للعملِ نفْسِه، مع أنَّ الحُسْنَ للثَّوابِ -على قولٍ في التفسيرِ- ؛ إشارةً إلى أنَّ الجزاءَ بقَدْرِ العملِ؛ ولذلك عَبَّر به عنه [1002] يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 263). .
11- استُدِلَّ بقولِه تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا ونحوِ ذلك مِن الآياتِ على أنَّ المباحَ حَسَنٌ؛ لأنَّ قولَه: أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا صيغةُ تفضيلٍ، وصيغةُ التَّفضيلِ المذكورةُ تَدُلُّ على أَنَّ مِن أعمالِهم حَسَنًا لَمْ يُجْزَوْهُ، وهو المباحُ، فصيغَةُ التفضيلِ تَدُلُّ على المشاركةِ، والواجبُ أحسَنُ مِن المندوبِ، والمندوبُ أحسَنُ مِن المباحِ؛ فيُجازَوْنَ بالأحسَنِ الَّذي هو الواجبُ والمندوبُ -على قولٍ في التفسيرِ-، دونَ مُشارِكِهما في الحُسنِ، وهو المباحُ [1003] يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (2/439)، (5/549). .
12- قال تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا فذَكَر الجزاءَ على الحَسَناتِ، ولم يَذكُرِ الجزاءَ على السَّيِّئاتِ وإن كان يُجازى عليها؛ لأمْرَينِ:
أحَدُهما: أنَّه تَرغيبٌ، فاقتَصَر على ذِكرِ الرَّغبةِ.
الثَّاني: أنَّه يكونُ في صِفةِ قَومٍ لا تكونُ منهم الكبائِرُ، فكانت صَغائِرُهم مَغفورةً [1004]  يُنظر: ((تفسير الماوردي)) (4/108). .
13- قولُه تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فيه تَنبيهٌ على كَمالِ القُدرةِ، ونَفاذِ المشيئةِ، وسَعةِ الإِحسانِ [1005] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/109). .

بلاغة الآيات:


1- قَولُه تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ
- قيل: قولُه: فِي بُيُوتٍ مِن تَمامِ التَّمثيلِ؛ فيكونُ فِي بُيُوتٍ مُتعلِّقًا بشَيءٍ ممَّا قبْلَه؛ فقيل: يتعلَّقُ بقولِه: يُوقَدُ [النور: 35] ، أي: يُوقَدُ المِصباحُ في بيوتٍ. وقيل: هو صِفةٌ لمِشكاةٍ، أي: مِشكاةٍ في بُيوت، وما بيْنهما اعتراضٌ، وإنَّما جاء (بيوت) بصِيغةِ الجمْعِ مع أنَّ (مِشكاة) و(مِصباح) مُفرَدانِ؛ لأنَّ المُرادَ بهما الجنسُ؛ فتَساوى الإفرادُ والجمْعُ. والمقصدُ مِن ذِكرِ هذا زيادةُ إيضاحِ المُشبَّهِ به. وفيه مع ذلك تَحسينُ المُشبَّهِ به؛ ليَسرِيَ ذلك إلى تَحسينِ المُشبَّهِ؛ لأنَّ ما ذُكِرَ مِن وصْفِ البيوتِ وما يجري فيها مما يُكسِبُها حُسنًا في نُفوسِ المؤمنينَ [1006] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/245، 246). .
- ويجوزُ أنْ يكونَ فِي بُيُوتٍ غيرَ مُرتبِطٍ بما قبْلَه، وأنَّه مبدَأُ استِئنافٍ ابتدائيٍّ، وأنَّ المجرورَ مُتعلِّقٌ بقولِه: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا استِئنافٌ. وتَقديمُ المجرورِ للاهتِمامِ بتلك البُيوتِ، وللتَّشويقِ إلى مُتعلَّقِ المجرورِ، وهو التَّسبيحُ وأصحابُه. ويجوزُ أنْ يكونَ فِي بُيُوتٍ خبرًا مُقدَّمًا، ورِجَالٌ مُبتدأً، والجُملةُ مُستأنَفةٌ استِئنافًا بَيانيًّا ناشئًا عن قولِه: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور: 35] ؛ فيسأَلُ السَّائلُ في نفْسِه عن تَعيينِ بعضٍ ممَّن هداهُ اللهُ لنُورِه، فقيل: رِجالٌ في بُيوتٍ [1007] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/247، 248). . وقيل: كَلِمةُ (في) في قولِه: فِي بُيُوتٍ مُتعلِّقةٌ بقولِه تعالى: يُسَبِّحُ لَهُ، وقولُه تعالى: فِيهَا تَكريرٌ لها للتَّأكيدِ والتَّذكيرِ؛ لِمَا بيْنهما مِن الفاصلةِ، وللإيذانِ بأنَّ التَّقديمَ للاهتِمامِ، لا لقصْرِ التَّسبيحِ على الوُقوعِ في البُيوتِ فقطْ [1008] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/178)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/248). . وفي ذلك تَنويهٌ بالمساجدِ، وإيقاعِ الصَّلاةِ والذِّكْرِ فيها [1009] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/248). .
- وتَنكيرُ: بُيُوتٍ؛ للتَّعظيمِ والتَّفخيمِ [1010] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/108)، ((تفسير أبي السعود)) (6/178). . وأتَى بجمعِ الكثرةِ (بيوت) دونَ جمعِ القِلَّةِ؛ للتعظيمِ [1011] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/625). .
- وفي التَّعبيرِ بالإذنِ في قولِه: أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ تلْويحٌ بأنَّ اللَّائقَ بحالِ المأمورِ أنْ يكونَ مُتوجِّهًا إلى المأمورِ به قبْلَ وُرودِ الأمرِ به ناويًا لتَحقيقِه، كأنَّه مُستأذِنٌ في ذلك، فيقَعُ الأمرُ به مَوقِعَ الإذْنِ فيه [1012] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/178). .
- قولُه: بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ قيل: فيه إفرادُ طَرفَيِ النَّهارِ بالذِّكرِ؛ لقِيامِهما مَقامَ كلِّها؛ لكونِهما العُمدةَ فيها؛ بكونِهما مَشهودَينِ، وكَونِهما أشهَرَ ما يقَعُ فيه المُباشَرةُ للأعمالِ، والاشتِغالُ بالأشغالِ. وقيل: خصَّ هذَينِ الوقتَينِ؛ لشَرَفِهما، ولتيسُّرِ السَّيرِ فيهما إلى اللهِ وسُهولتِه [1013] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 569). .
2- قَولُه تعالى: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ
- قولُه: يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ ... فاعلُ يُسَبِّحُ،# وتأخيرُه عن الظُّروفِ؛ للاعتناءِ بالمُقدَّمِ، والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ، ولأنَّ في وَصْفِه نوعَ طُولٍ، فيُخِلُّ تَقديمُه بحُسنِ الانتِظامِ [1014] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/179). .
- وخَصَّ الرِّجالَ بالذِّكرِ؛ لأنَّ النِّساءَ لَسْنَ مِن أهلِ التِّجاراتِ أو الجماعاتِ [1015] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (24/397). .
- قولُه: رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ صِفَةٌ لـ رِجَالٌ، مُؤكِّدةٌ لِمَا أفادَهُ التَّنكيرُ مِن الفخامةِ، مُفِيدةٌ لكَمالِ تَبتُّلِهم إلى اللهِ تعالى، واستغراقِهم فيما حُكِيَ عنهم مِن التَّسبيحِ، مِن غيرِ صارفٍ يَلْويهم، ولا عاطفٍ يَثْنيهم كائنًا ما كان. وتَخصيصُ التِّجارةِ بالذِّكْرِ؛ لكونِها أقوى الصَّوارفِ عندَهم وأشهَرَها [1016] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/179). ، فهي أعظَمُ ما يشتَغِلُ به الإنسانُ عن الصَّلاةِ [1017] يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (12/279). .
- وعُطِفَ البَيعُ على التِّجارةِ في قولِه: تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لمُغايَرةِ التِّجارةِ والبَيعِ؛ فاحتمَلَ أنْ تكونَ تِجَارَةٌ مِن إطلاقِ العامِّ، ويُرادُ به الخاصُّ، فأرادَ بالتِّجارةِ الشِّراءَ، ولذلك قابلَه بالبيعِ. أو يُرادُ تِجارةُ الجلَبِ، ويُقال: تَجَرَ فُلانٌ في كذا، إذا جلَبَهُ، وبالبيعِ البيعُ بالأسواقِ. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ قولُه: وَلَا بَيْعٌ مِن الخاصِّ بعدَ العامِّ؛ لأنَّ التِّجارةَ هي البيعُ والشِّراءُ طلبًا للرِّبْحِ. وإفرادُه بالذِّكرِ مع اندراجِه تحتَ التِّجارةِ؛ لأنَّه في الإلهاءِ أدخَلُ؛ لأنَّ الربحَ الحاصلَ في البيعِ مُتيقَّنٌ ناجزٌ، والربحُ الحاصلُ في الشراء شكٌّ مستقبَلٌ، مُتوقَّعٌ في ثاني الحالِ عندَ البيعِ، ولذلك كُرِّرِت كلمةُ (لا)؛ لتَذكيرِ النَّفيِ وتأْكيدِه [1018] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/243)، ((تفسير الرازي)) (24/397)، ((تفسير البيضاوي)) (4/108)، ((تفسير أبي حيان)) (8/49)، ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 398)، ((تفسير أبي السعود)) (6/179). . ويحتمِلُ أنَّه عطَفَه عليها؛ لئلَّا يُتوهَّمَ القصورُ على بيعِ التِّجارةِ [1019] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (ص: 398). ، فالإنسانُ قد يُضْطَرُّ إلى الخروجِ بالبَيعِ عن بَعضِ ما يَملِكُ؛ للاقتياتِ بثَمَنِه، أو التبلُّغِ به إلى بَعضِ المُهمَّاتِ التي لا وصولَ له إليها إلَّا به، أو بتحصيلِ ما لا يملِكُ كذلك؛ لذا قال: وَلَا بَيْعٌ أي: وإن لم يكُنْ على وجهِ التِّجارةِ [1020] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/278). ، فالتَّاجِرُ مَن يَجعلُ البيعَ والشِّراءَ حِرفةً له يستفيدُ منهما، والبائِعُ قد يَبيعُ السِّلعةَ مرَّةً واحدةً لحاجةٍ، ولا يُريدُ مِن البَيعِ التِّجارةَ [1021] يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 144). وقال ابن عثيمين: (التِّجارةُ أعَمُّ مِن البَيعِ؛ قد يلهو الإنسانُ في تجارتِه بتَصنيفِها وتبويبِها وحِفظِها وصيانتِها، وما أشبَهَ ذلك. ربَّما لا يلهو وهو يبيعُ ويشتري، لكنْ يلهو بطَريقٍ آخَرَ بهذه التجارةِ؛ لذلك نقولُ: المرادُ بالتِّجارةِ في الآيةِ: ما يتَّجِرُ به الإنسانُ، ولَهْوُه به ليس بالشِّراءِ، بل بما هو أعَمُّ، أمَّا الشِّراءُ فمَفهومٌ مِن البيعِ؛ لأنَّهم إذا اشتَرَوا فقد باع عليهم غيرُهم، وإذا باعوا فقد اشتَرى منهم غيرُهم). ((تفسير ابن عثيمين - سورة النور)) (ص: 257). .
- على القولِ بأنَّ قولَه تعالى: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أي: تَسبيحِ اللهِ؛ فـ ذِكْرِ اللَّهِ مُظْهَرٌ وُضِعَ مَوضِعَ المُضمَرِ، وتَقديرُ الكلامِ: يُسبِّحُ له فيها بالغُدوِّ والآصالِ رجالٌ لا تُلْهيهم تِجارةٌ ولا بيعٌ عنه [1022] يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/109). .
- وأعاد ذِكرَ (الصَّلاةِ) بعد ذِكرِها بالتَّسبيحِ -على قولٍ في التفسيرِ-  تَصريحًا بها؛ تأكيدًا لها، وحَثًّا على حِفظِ وَقتِها؛ لأنَّه مِن جملة مقَوِّماتِها، وكذا جميعُ حدودِها، ولو بأوجَزِ ما يكونُ من أدنى الكَمالِ، بما أشار إليه حذفُ التاءِ في (إِقامِ) [1023] قال الرسعني: (فإن قيل: لِمَ حذفوا التاءَ مِن إقام الصلاةِ، فإنَّ أصْلَها: إقامة الصلاة؟ قلتُ: لأنها عِوَضٌ مِن العَينِ الساقطةِ للإعْلالِ، وأصلُها: إقوام، فلمَّا أُضيفت جعَلوا الإضافةَ مقامَ حرفِ العِوَضِ؛ فأُسقِطتْ). ((تفسير الرسعني)) (5/261). ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/323). وقيل: حَذْفُ هاءِ (إقامة) تخفيفٌ. يُنظر: ((تفسير الجلالين)) (ص: 464). ؛ إشعارًا بأنَّ هذا المدحَ لا يتوقَّفُ على أنهى الكَمالِ [1024] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/279). .
- قولُه: لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وقولُه: يَخَافُونَ ... فيه تَعريضٌ بالمُنافِقين [1025] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/249). .
3- قَولُه تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
- قولُه: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ تذييلٌ مُقرِّرٌ للزِّيادةِ، وعْدٌ كريمٌ بأنَّه تعالى يُعْطِيهم غيرَ أجْزيةِ أعمالِهم مِن الخيراتِ ما لا يَفِي به الحِسابُ [1026] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (4/109)، ((تفسير أبي السعود)) (6/180). . وقد حصَلَ التَّذييلُ؛ لِمَا في قولِه: مَنْ يَشَاءُ مِن العُمومِ، أي: وهُمْ ممَّن يَشاءُ اللهُ لهم الزِّيادةَ [1027] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/250). .
- والاسمُ الموصولُ (مَن) في قولِه: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ عبارةٌ عمَّن ذُكِرَتْ صِفاتُهم الجميلةُ؛ كأنَّه قيل: واللهُ يرزُقُهم بغيرِ حِسابٍ، ولكنْ وُضِعَ الموصولُ مَوضِعَ ضَميرِهم؛ للتَّنبيهِ بما في حيِّزِ الصِّلةِ، على أنَّ مناطَ الرِّزقِ المذكورِ في مَحضِ مَشيئتِه تعالى لا أعمالُهم المَحكيَّةُ، كما أنَّها المناطُ لِمَا سبَقَ مِن الهِدايةِ لنُورِه تعالى لا لظاهرِ الأسبابِ، وللإيذانِ بأنَّهم ممَّن شاءَ اللهُ تعالى لأنْ يَرزُقَهم، كما أنَّهم ممَّن شاء اللهُ تعالى أنْ يَهديَهم لنُورِه، حسْبَما يُعرِبُ عنه ما فُصِّلَ مِن أعمالِهم الحَسنةِ؛ فإنَّ جميعَ ما ذُكِر مِن الذِّكرِ والتَّسبيحِ، وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وخوفِ اليومِ الآخِرِ وأهوالِه، ورجاءِ الثَّوابِ: مُقتبَسٌ مِن القُرآنِ الكريمِ العظيمِ الَّذي هو المَعْنيُّ بالنُّورِ، وبه يتِمُّ بَيانُ أحوالِ مَنِ اهْتَدى بهُداهُ، على أوضَحِ وجْهٍ وأجلاهُ [1028] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/180). .