موسوعة التفسير

سُورةُ الأعرافِ
الآيات (88-93)

ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ

غريب الكلمات:


مِلَّتِنَا: أي: دِينِنا، وطريقتِنا، والمِلَّةُ مُشتقَّةٌ من (أَمْلَلْتُ)؛ لأنَّها تُبنَى على مَسموعٍ ومَتْلُوٍّ، وإذا أُريدَ الدِّينُ باعتبارِ الدُّعاء إليه قيل: (مِلَّة)، وإذا أُريدَ باعتبارِ الطَّاعةِ والانقيادِ له قيل: (دِين) [1108] يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/275)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 91)، ((المفردات)) للراغب (ص: 773، 774)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 443). .
افْتَرَيْنَا: أي: اخْتَلَقْنَا، وكَذَبْنا؛ والافتراءُ الاختلاقُ، ومنه قِيل: افتَرَى فلانٌ على فلانٍ، إذا قذَفَه بما ليسَ فيه، وأصلُ (فري) قَطْعُ الشَّيءِ؛ فالفَرْيُ: قطعُه لإصلاحِه، والإفراءُ: قطعُه للإفسادِ، والافتِراءُ فيهما، وفي الإفسادِ أكثرُ [1109] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 31، 128، 280)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 102، 460)، ((المفردات)) للراغب (ص: 634- 635)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 154). .
تَوَكَّلْنَا: التوكُّل هو تَفويضُ الأمرِ إلى مَن يُتوكَّلُ عليه، والاعتمادُ عليه، والثِّقةُ بِه، وأَصْلُ (وكل): يدُلُّ على اعتمادِ غَيرِكَ في أمْرِكَ [1110] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/250)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (6/136)، ((المفردات)) للراغب (ص: 882)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 630). .
افْتَحْ: أي: اقْضِ، أو احْكُمْ بَيْننا، وأَصْلُ الفَتْحِ: إزالةُ الإغلاقِ والإشكالِ [1111] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 104)، ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 621)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 114)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 155). .
لَمْ يَغْنَوْا: أي: لَمْ يَعيشوا، أو لَمْ يَنزِلوا، وغَنِيَ القومُ في دارِهِمْ: أقاموا، كأنَّهم استغنَوْا بها، وأَصْلُ (غني): يدُلُّ على الكِفايةِ، والاسْتغناءِ عن الغَيرِ [1112] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 170)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 507)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/397)، ((المفردات)) للراغب (ص: 616)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 114)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 987). .
آسَى: أي: أحْزَنُ، يُقَالُ: أسِيتُ على الشَّيءِ آسَى أسًى، أي: حَزِنْتُ عليه، وأصْلُ (أسي): الحزنُ [1113] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 142)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 59)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/106)، ((الكليات)) للكفوي (ص: 115). .

المعنى الإجمالي:


قال الرُّؤساءُ المُتكبِّرونُ من قوم شُعَيْبٍ: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ، ومَنْ آمَنَ معك من قريتِنا، أو لَتَرْجِعُنَّ إلى دِينِنا، قال لهم شعيبٌ مُنْكِرًا عليهم: أَتُعيدوننا إلى دِينِكم حتَّى لو كُنَّا كارهينَ له؟! قدِ افْتَرَيْنا على اللهِ كَذِبًا إنْ رجَعْنا إلى دِينِكم بعَدْ أنْ نجَّانا اللهُ منه، وما يكون لنا الرُّجوعُ إليه إلَّا أنْ يشاءَ ربُّنا، وَسِعَ ربُّنا كُلَّ شيءٍ عِلْمًا، على الله اعتمَدْنَا في جميعِ أُمورِنا، ثم دعا ربَّه قائلًا: ربَّنا احْكُمْ بَيْننا وبين قومِنَا بحُكْمِكَ، وانصُرْنا عليهم، وأنتَ خَيْرُ الحاكمينَ.
وقال الرُّؤَساءُ الَّذين كَفَروا من قومِ شعيبٍ لِمَنْ هم دونَهم: لئِنِ اتَّبعتُم شعيبًا إنَّكم إذًا لخاسِرونَ.
فأخَذَتِ الكفَّارَ من قوم شعيبٍ زلزلةٌ شديدةٌ، فصاروا في بَلْدَتِهم صَرْعَى مُنكبِّينَ على وُجوهِهم، لاصقينَ بالأرضِ على رُكَبِهِمْ، خامدينَ لا حياةَ فيهم.
الَّذين كذَّبوا شعيبًا قد هَلَكوا، وكأنَّهم لم يُقيموا قَطُّ في بلدِهم، ولم يَتمتَّعوا فيها، الَّذين كذَّبوا شعيبًا كانوا هُمُ الخاسرينَ.
فانصَرَفَ عنهم شعيبٌ، وقال: يا قومِ لقدْ أَبلغْتُكم ما أُرْسِلْتُ به من ربِّي، ونصَحْتُ لكم؛ فكيف يَشتدُّ حُزْني على قومٍ كافرينَ؟!

تفسير الآيات:


قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ(88)
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
أي: قال الأشرافُ والرُّؤساءُ الذين تكبَّروا عن الإيمانِ بشعيبٍ عليه السلامُ واتِّباعِه من قومِه: واللهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شعيبُ ومَنْ آمَنَ معك من مدينتِنا، أو لَتَرْجِعَنَّ أنتَ وهُمْ إلى دِينِنا [1114] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/317)، ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 296)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/6)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/594، 598). في معنى قوله: لَتَعُودُنَّ إشكالٌ أُجِيبَ عنه بعِدَّةِ أجوبةٍ واحتمالاتٍ ذكَرها كثيرٌ مِنَ المفسِّرينَ. قال الشنقيطي: (وفي هذه الآيةِ الكريمةِ سؤالٌ معروفٌ مشهورٌ؛ لأن ظاهرَ القرآنِ هنا أن شعيبًا قد دَخَلَ في ملتهم سابقًا يومًا؛ لأَنَّ قولَهم مخاطبونَ له: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا وقول شعيبٍ مُجِيبًا لهم: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا يدلُّ بظاهرِه على أنه قد كان فيها سابقًا يومًا ما. وأكثرُ العلماءِ يقولونَ: إن الأنبياءَ- صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم- معادنُ وَحْيٍ، ومحلُّ الخيرِ، واللهُ يقول: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: 124]. فلا يكفرونَ بالله؛ لأَنَّ فِطْرَتَهم التي وُلدوا عليها لا يُبَدِّلُها اللَّهُ بالكفرِ لمكانتِهم عندَه، فبعضُ العلماءِ يقولُ: لو فَرَضْنا أنهم وقعَ منهم بعضُ الشركِ وأنابوا إلى اللَّهِ، [فإنهم يصيرونَ إلى مثلِ حالِهم] قَبْلَه وصارَ كأنه لم يَكُنْ. وأكثرُ الأصوليين وعلماءِ التفسيرِ أن شعيبًا لم يكنْ كافرًا يومًا ما. ويجابُ عن ظاهرِ الآيةِ بجوابينِ : أحدُهما: أن العربَ تطلقُ لفظةَ (عَادَ) إطلاقين: أحدُهما: عَادَ إلى أمرٍ كان فيه سَابِقًا. والثاني: تقولُ العربُ: عَادَ كذا كذا. بمعنَى: صار إلى كذا من جَدِيدٍ. الوجهُ الثاني: وبه قال غيرُ واحدٍ: أن نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبًا كان معه جماعةٌ من قومِه آمنوا به، فالذين آمنوا به من قومِه كانوا كُفَّارًا على ملةِ قومِهم، وهم عددٌ كثيرٌ، وهو رجلٌ واحدٌ [فعُبِّر] باسمِ العددِ الكثيرِ، وَغَلَّبُوهُ على ذلك الواحدِ، والتزمَ معهم شعيبٌ في هذا الخطابِ تَغْلِيبًا لقومِه الأكثرين. وظاهرُ كلامِ ابنِ جريرٍ- رحمه الله- في تفسيرِ هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ الأعرافِ ذَاهِبًا أن شعيبًا كان معهم- سابقًا- على مِلَّتِهم، وكذلك قال صَريحًا عن إبراهيمَ في قولِه: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي [الأنعام: 76] . ونحنُ نقولُ: إن قولَه في الخليلِ إبراهيمَ غَلَطٌ مَحْضٌ، لا شَكَّ فيه؛ لأن الآياتِ القرآنيةَ صَرَّحَتْ بأن إبراهيمَ لم يكن من المشركين، فنفيُ هذا عن إبراهيمَ صريحٌ، ونفيُه عن شعيبٍ لم يَقُمْ دليلٌ عليه في الصراحةِ كإبراهيمَ). ((العذب النمير)) (3/595) بتصرف. وقال الثعالبي: (للعربِ فعلٌ لا يقولُه غيرُهم. تقولُ: عاد فلانٌ شيخًا. وهو لم يكنْ قطُّ شيخًا، و: عادَ الماءُ آجنًا. وهو لم يكنْ كذلك. قال الهذليُّ:  أطَعتُ العِرْسَ في الشَّهواتِ حتَّى ... أعادَتْني أَسِيفًا عَبْدَ عَبْدِ. وهو لم يكنْ قبلُ أسيفًا حتى يعودَ إلى تلك الحالِ، وفي كتاب الله عزَّ وجلَّ: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ  وهم لم يكونوا في نورٍ مِن قبلُ، ومثله قولُه تعالى: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ  وهم لم يبلُغوا أرذلَ العمرِ فيُرَدُّوا إليه). ((فقه اللغة وسر العربية)) (ص: 268). ويُنظر: ((البسيط)) للواحدي (9/231)، ((تفسير البغوي)) (2/215)، ((تفسير ابن عطية)) (2/428)، ((زاد المسير)) لابن الجوزي (2/138)، ((تفسير الرازي)) (14/316)، ((تفسير ابن جزي)) (1/295)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/6-7)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/596- 597). وذهب ابنُ تيميَّةَ إلى أنَّ الآيةَ على ظاهِرِها ولا إشكالَ فيها، فقال: (ظاهرُهُ دليلٌ على أنَّ شعيبًا والَّذين آمنوا معه كانوا على مِلَّةِ قومِهم؛ لقولِهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، ولقولِ شعيبٍ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ [الأعراف: 88-89]، فدَلَّ على أنَّهم كانوا فيها، ولقولِهِ: بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا، فدَلَّ على أنَّ اللهَ أنجاهم منها بعد التَّلوُّثِ بها، ولقولِهِ: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا، ولا يجوز أنْ يكونَ الضَّميرُ عائدًا على قومِهِ؛ لأنَّه صرَّحَ فيه بقولِهِ: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ، ولأنَّه هو المُحاوِرُ له بقولِهِ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ إلى آخِرِها، وهذا يجِبُ أنْ يدخُلَ فيه المتكلِّمُ، ومِثلُ هذا في سورةِ إبراهيمَ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: 13]). ((مجموع الفتاوى)) (15/29). وقال أيضًا: (التَّحقيقُ أنَّ اللهَ سبحانَه إنَّما يصطفي لرسالتِهِ مَنْ كان خِيارَ قومِهِ حتَّى في النَّسبِ كما في حديثِ هِرَقْلَ، ومَنْ نشأ بين قومٍ مشركين جُهَّالٍ لم يكنْ عليه نَقْصٌ إذا كان على مِثلِ دِينِهم إذا كان معروفًا بالصِّدْقِ والأمانةِ وفِعْلِ ما يَعرِفون وجوبَهُ وتَرْكِ ما يعرفون قُبْحَهُ، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15]، فَلَمْ يكنْ هؤلاءِ مُستوجِبينَ العذابَ، وليس في هذا ما يُنَفِّرُ عَنِ القَبولِ منهم؛ ولهذا لم يذكُرْهُ أحدٌ مِنَ المشركين قادحًا، وقدِ اتَّفقوا على جوازِ بَعْثَةِ رسولٍ لا يَعرِفُ ما جاءَتْ به الرُّسلُ قَبْلَهُ مِنَ النُّبوَّةِ والشَّرائعِ، وأنَّ مَنْ لم يُقِرَّ بذلك بَعْدَ الرِّسالةِ فهو كافرٌ). ((مجموع الفتاوى)) (15/30). ويُنظر: ((تفسير آيات أشكلت)) لابن تيمية (1/160- 238). .
كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [إبراهيم: 13].
قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ
أي: قال شعيبٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لقومِهِ مُنْكِرًا عليهم: أَتُجبروننا على العَوْدةِ إلى مِلَّتِكم قَهْرًا، وإنْ كنَّا كارهينَ لها؛ لعِلْمِنا ببُطْلانِها [1115] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/317)، ((التفسير الوسيط)) للواحدي (2/388)، ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 296)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/8)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/598). ؟!
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا
أي: قال شعيبٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لقومِهِ الكافرينَ: قدِ اخْتَلَقْنا على اللهِ كَذِبًا إنْ نحن رجَعْنا إلى دِينِكم، الَّذي هو الكفرُ والشِّركُ، بعْدَ أنْ أنقَذَنا اللهُ منه، فَصِرْنا مؤمنينَ باللهِ، لا نُشرِكُ به شيئًا [1116] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/318)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/599- 600). .
وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا
أي: وما يصِحُّ لنا ولا ينبغي أبدًا أنْ نَرجِعَ إلى مِلَّتِكُمُ الباطلةِ، ونترُكَ دِينَ الحقِّ الَّذي هَدانا اللهُ إليه، إلَّا أنْ يكونَ قدْ سبَقَ في عِلْمِ اللهِ تعالى أنَّا نَعودُ إليها، فتمْضِي فِينَا حِينَئِذٍ مشيئةُ اللَّهِ، التابعةُ لعلمِه وحكمتِه؛ إذْ لا مَفَرَّ عمَّا شاءَ وقدَّرَ [1117] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/318)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/356)، ((الوسيط)) للواحدي (2/388)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/600). وممَّنْ قال بنحوِ التَّفسيرِ المذكورِ مِنَ السَّلَفِ: السُّدِّيُّ. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (5/1523)، ((تفسير ابن جرير)) (10/319). .
كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الإنسان: 30-31].
وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا
أي: وَسِعَ عِلْمُ اللهِ كُلَّ شيءٍ، فلا يَخْفى عليه ما كان، ولا ما سيَكونُ [1118] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/318)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/600). .
كما قال تعالى: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر: 7 ].
عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا
أي: على اللهِ وَحْدَهُ نَعتمِدُ في جميعِ أُمورِنا [1119] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/319)، ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/606). .
كما قال تعالى حاكيًا قَوْلَ شعيبٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88].
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ
أي: يا ربَّنا، احْكُمْ بَيْننا وبَيْنَ قومِنا الكفَّارِ بحُكْمِكَ الحقِّ، وانصُرْنا عليهم [1120] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/319)، ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/606). قال الزَّجَّاجُ: (أي: أَظهِرْ أمْرَنا؛ حتَّى يَنفتِحَ ما بيننا وبين قومِنا ويَنكشِفَ، فجائزٌ أنْ يكونَ يَسألونَ بهذا أنْ يَنْزِلَ بقومِهم مِنَ العذابِ والهَلَكَةِ ما يَظهَرُ به أنَّ الحقَّ معهم). ((معاني القرآن)) (2/358). وقال السعديُّ: (فسَأَلوا اللهَ أنْ يَفتَحَ بينهم وبين قومِهم بالحقِّ والعَدْلِ، وأنْ يُرِيَهُمْ من آياتِهِ وعِبَرِهِ ما يكون فاصلًا بين الفريقين). ((تفسير السعدي)) (ص: 297). .
وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
أي: وأنتَ- يا أللهُ- خيرُ الحاكمينَ؛ فحُكْمُكَ بين عبادِكَ عَدْلٌ، لا ظُلْمَ فيه أبدًا [1121] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/319)، ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/606). قال السِّعديُّ: (وفَتْحُهُ تعالى لِعبادِهِ نوعانِ: فَتْحُ العِلْمِ، بتبيينِ الحقِّ مِنَ الباطلِ، والهُدى مِنَ الضَّلالِ، ومَنْ هو مِنَ المُستقيمينَ على الصِّراطِ ممَّنْ هو مُنحرِفٌ عنه. والنَّوعُ الثَّاني: فَتْحُه بالجَزاءِ وإيقاعِ العقوبةِ على الظَّالمينَ، والنَّجاةِ والإكرامِ للصَّالحينَ). ((تفسير السعدي)) (ص: 297). .
كما قال تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: 46].
وقال سُبحانَه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [يونس: 44].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف: 76].
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) 
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها:
لَمَّا يَئِسَ الملأُ مِن قومِ شعيبٍ- عليه السَّلامُ- مِن عَوْدتِهِ في مِلَّتِهم، وعَلِموا أنَّه ثابتٌ على مُقارَعَتِهم، خافوا أنْ يَكْثُرَ المُهتَدونَ به من قومِهم، فحذَّروهم ذلك بما حَكاهُ اللهُ تعالى عنهم في قولِهِ [1122] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/10). :
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) 
أي: قال الأشرافُ والرُّؤَساءُ الكَفَرَةُ من قومِ شعيبٍ عليه السَّلامُ؛ تحذيرًا لِمَنْ دونَهم مِنَ النَّاسِ مِنِ اتِّباعِهِ [1123] اختار أنَّ خطابَ الملأِ الذين كفروا موجَّهٌ إلى آخرينَ منهم مِن أتباعِهم: ابنُ جريرٍ في ((تفسيره)) (10/321)، وابن عطية في ((تفسيره)) (2/429)،  والقرطبي في ((تفسيره))  (7/251)، والشنقيطي في ((العذب النمير)) (3/607)، وابن عاشور في ((تفسيره)) (9/13). قال ابن عاشور: (والمخاطَبُ في قولِه: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا هم الحاضرونَ حينَ الخطابِ لدَى الملأِ، فحُكِي كلامُ الملأِ كما صَدَر منهم، والسِّياقُ يُفَسِّرُ المعنيِّينَ بالخِطابِ، أعني عامَّةَ قومِ شعيبٍ الباقينَ على الكفرِ). وظاهرُ قولِ الرازي في ((تفسيره)) (14/319) والسعدي في ((تفسيره)) (ص: 296 ) أنَّ خطاب الكفَّار هنا للمؤمنين بشعيبٍ عليه السَّلام. : واللهِ لَئِنِ اتَّبعْتُم شعيبًا؛ فتركْتُم دِينَكم وآمَنْتُم بما يَدعوكُم إليه، لَهَلَكْتُم وَشَقيتُم، وخَسِرْتُم مصالِحَكُمُ الدُّنيويَّةَ [1124] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/322)، ((تفسير البغوي)) (2/215)، ((تفسير الرازي)) (14/319)، ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/607). قال الشِّنقيطيُّ: (ومعنى خُسْرانِهم: يَزعُمونَ أنَّهم عِندَ ذلك يَشْتَرونَ الضَّلالةَ بالهُدى، زاعمينَ أنَّ الهُدى هو الكُفْرُ الَّذي كانوا عليه، وأنَّ اتِّباعَ نبيِّ اللهِ ضلالٌ، ومن خُسْرانِهم المزعومِ: أنَّهم كانوا يَنتفِعونَ بأموالِ النَّاسِ إذا أضلُّوهم وبَخَسوهُم أشياءَهم، وطفَّفوا لهم المِكيالَ والميزانَ، ونبيُّ اللهِ شعيبٌ يُضيِّقُ عليهم هذه المصالحَ الدُّنيويَّةَ، فيَخسَرونَ ما كانوا يأخُذونَه من أموالِ النَّاسِ ظُلمًا). ((العذب النمير)) (3/607- 608). .
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
أي: فأَخَذَتْ [1125] جعَلَ ابنُ عاشورٍ الفاءَ في قولِهِ سُبحانَه: فَأَخَذَتْهُمُ للتَّعقيبِ، فقال: (والفاءُ في: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ للتَّعقيبِ، أي: كان أخْذُ الرَّجفةِ إيَّاهم عَقِبَ قولِهم لقومِهم ما قالوا). ((تفسير ابن عاشور)) (9/13). وجعَلَها الشِّنقيطيُّ للسَّببيَّةِ، فقال: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ أي: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وإلحادِهم). ((العذب النمير)) (3/608). أولئكَ الكفَّارَ الزلزلةُ الشَّديدةُ [1126] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/448)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/608). قال ابنُ كثيرٍ: (أصابَهم عذابُ يومِ الظُّلَّةِ، وهي سحابةٌ أظلَّتْهم، فيها شَرَرٌ من نارٍ ولَهَبٍ، ووَهَج عظيم، ثمَّ جاءَتْهم صيحةٌ مِنَ السَّماءِ، ورَجْفَةٌ مِنَ الأرضِ شديدةٌ من أسفلَ منهم). ((تفسير ابن كثير)) (3/449). ويُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/610). .
كما قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: 94].
وقال سُبحانَه: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشعراء: 189].
فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
أي: فصارَ الكفَّارُ في بَلَدِهم لاصقينَ بالأرضِ على رُكَبِهم، ومُنكبِّينَ على وُجوهِهم صَرْعى، خامِدينَ لا حياةَ فيهم [1127] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/303)، ((الوسيط)) للواحدي (2/384)، ((تفسير القرطبي)) (7/242)، ((تفسير السعدي)) (ص: 295)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/227- 228)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/533). .
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا
أي: الَّذين كذَّبوا شعيبًا عليه السَّلامُ قد هَلَكوا، وكأنَّهم لم يُقيموا قَطُّ في بَلَدِهم، ولم يَتمتَّعوا فيها [1128] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/325)، ((الوسيط)) للواحدي (2/388)، ((تفسير ابن كثير)) (3/449)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/612- 615). .
كما قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود: 94-95].
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ
أي: لم يكُنِ الخاسِرُ مَنِ اتَّبَعَ شعيبًا عليه السَّلامُ، بل الَّذين كذَّبوه كانوا هُمُ الخاسرينَ الهالِكينَ؛ لأنَّهم خَسِروا دِينَهم وأَنْفُسَهم وأَهْليهم يومَ القيامةِ [1129] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/326)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/615). .
كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: 15].
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي
أي: فانْصَرَفَ شعيبٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن قومِهِ بعْدَ حُلولِ العذابِ بهم [1130] اختار أنَّ مُخاطَبتَهم كانت بعْدَ هلاكِهم وموتِهم: ابنُ كثيرٍ، والسعديُّ، وابنُ عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/449)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/15). واختار أنَّ مُخاطَبتَهم كانت قَبْلَ هلاكِهم وموتِهم: ابنُ جريرٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/326). ويُنظر ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/620-621). ، وقال مُخاطِبًا لهم توبيخًا وعِتابًا [1131] اختارَه ابنُ كثيرٍ في ((تفسيره)) (3/449)، والسعديُّ في ((تفسيره)) (ص: 297). وقيل: خاطَبَهم بذلك حزنًا، وحَسرةً وشفقةً عليهم، وهذا اختيارُ ابنِ جريرٍ، وابنِ عطيَّةَ، وابن عاشورٍ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/326)، ((تفسير ابن عطية)) (2/431)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/15). : لقدْ أَدَّيْتُ إليكم- يا قومي- جميعَ ما أَمَرني اللهُ تعالى بأدائِه إليكم [1132] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/326)، ((تفسير ابن كثير)) (3/449)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297). .
وَنَصَحْتُ لَكُمْ
أي: وأردْتُ لَكُمُ الْخَيْرَ في الدُّنيا والآخِرةِ، واجتهدْتُ في هِدايتِكم؛ فأَمَرْتُكم بما فيه خيرٌ لكم، ونَهَيْتُكُمْ عمَّا فيه شَرٌّ لكم، فلم تَقبَلوا نُصْحي، ولا انْقَدْتُم لإرشادي، بل طَغَيْتُم وتمَرَّدْتُم حتَّى أهْلَكَكمُ اللهُ [1133] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/304)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/625). .
فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ
أي: فكيف يَشتدُّ حُزني على قومٍ كَفَروا باللهِ عزَّ وجلَّ، وكذَّبوا رسولَهُ؟! فَهُمْ لا خيرَ فيهم [1134] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/327)، ((معاني القرآن)) للزجاج (2/359)، ((الوسيط)) للواحدي (2/388)، ((تفسير السعدي)) (ص: 297). .

الفوائد التربوية:


1- أمْرُ الدِّينِ هو الأعظمُ عِند المؤمنِ، والمُؤثِّرُ في أمْرِ الدُّنيا؛ يُبَيِّنُ ذلك قولُ اللهِ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ؛ فشعيبٌ عليه السَّلامُ لم يُؤْثِرْ هو ومَنْ آمَنَ معه التَّمَتُّعَ بالإقامةِ في وطَنِهم، ومُجاراةَ أَهْليهم في كُفرِهم ورَذائلِهم على مَرْضاةِ اللهِ تعالى [1135] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/113)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/4-5). .
2- لم تَزَلِ الأنبياءُ والأكابرُ يخافونَ العاقبةَ، وانقلابَ الأمْرِ، فلو بلَغَ العبْدُ مِنَ الطَّاعةِ ما بلَغَ فلا ينبغي له أنْ يُفارِقَه هذا الحَذَرُ؛ يُرشِدُ إلى ذلك قولُ اللهِ تعالى: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [1136] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/317). .
3- قال تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ، هذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ قومَ الرَّجلِ إذا كانوا أعداءً للهِ، فأهلَكَهم اللهُ بذُنوبِهم، فلا ينبغي له أنْ يحزَنَ عليهم؛ لأنَّهم ليسوا أهلًا للحُزْنِ عليهم؛ لِعَداوتِهم للهِ ورسلِهِ [1138] يُنظر: ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/625). .

الفوائد العلمية واللطائف:


قولُ اللهِ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا التعبيرُ بصِيغةِ (استفعل) التي تدلُّ على الطَّلبِ اسْتَكْبَرُوا؛ للدَّلالةِ على أنَّهم أَوْجَدوا الكِبْرَ إيجادَ مَنْ هو طالبٌ له بغايةِ الرَّغبةِ [1139] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/1). .
قولُ اللهِ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ، خِطابُهم شعيبًا عليه السَّلامُ بالنِّداءِ- من غيرِ استعطافٍ ولا إجلالٍ- جارٍ على طريقةِ خِطابِ الغَضَبِ [1140] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/1)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/6). .
قولُ اللهِ تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، فيه ما يدُلُّ على صُعوبةِ مُفارَقةِ الوَطَنِ؛ إذْ قَرَنوا ذلك بالعَوْدِ إلى الكُفْرِ [1141] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/112). .
قولُ اللهِ تعالى: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، عُدِّيَ (عاد) بـ (في) الظَّرفيَّةِ، كأنَّ المِلَّةَ لهم بمنزلةِ الوِعاءِ المُحيطِ بهم [1142] يُنظر: ((تفسير ابن عادل)) (9/215). .
قولُ اللهِ تعالى: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، فيه ما يُبطِلُ تأويلَ القَدَريَّةِ (المشيئةَ) في مِثْلِ ذلك بمعنى (الأَمْرِ)، ومعلومٌ أنَّه مِنَ المُمتنِعِ على اللهِ أنْ يأمُرَ بالدُّخولِ في مِلَّةِ الكُفْرِ والشِّرْكِ به، ولكنِ اسْتثنَوْا بمشيئتِهِ الَّتي يُضِلُّ بها مَنْ يشاءُ، ويَهدي مَنْ يَشاءُ، فالله تعالى له في خلقِه علمٌ محيطٌ، ومشيئتُه نافذةٌ وراءَ ما يعلمُه الخلائقُ، فامتناعُهم مِن العودِ فيها هو مبلغُ علومِهم ومشيئتِهم، ولله علمٌ آخرُ، ومشيئةٌ أُخرى وراءَ علومِهم ومشيئتِهم [1143] يُنظر: ((شفاء العليل)) لابن القيم (ص:64). .
قولُ اللهِ تعالى: وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، قولُه: وَسِعَ فِعْلٌ ماضٍ يدُلُّ على أنَّه تعالى كان عالِمًا في الأَزَلِ بجميعِ الأشياءِ مِنَ الكُلِّيَّاتِ والجزئيَّاتِ [1144] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/318)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/4). .

بلاغة الآيات:


قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا استِئنافٌ مَبْنِيٌّ على سؤالٍ يَنساقُ إليه المَقالُ، كأنَّه قيل: فماذا قالوا بعدَما سمِعوا هذه المواعظَ من شعيبٍ عليه السَّلامُ؟، فقيل: قَالَ المَلَأُ... [1145] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/248). .
وفي قولِهِ: لَتَعُودُنَّ تغليبُ الجَمعِ على الواحدِ؛ إذْ منهم شعيبٌ، ولم يكُنْ في مِلَّتِهم حتَّى يعودَ إليها، وكذا قولُ شعيبٍ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ بعدَ إذْ نجَّانَا اللَّهُ منهَا، وهو يُريدُ عَوْدَ قومِهِ، إلَّا أنَّه نَظَمَ نفسَهُ في جُملتِهم، وإنْ كان بريئًا من ذلك؛ إجراءً لكلامِهِ على حُكْمِ التَّغليبِ [1146] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/129-130). ، هذا على أحدِ أوجهِ تأويلِ الآيةِ.
وقولُه: لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا فيه تَوْسيطُ النِّداءِ باسمِهِ العَلَميِّ بينَ المعطوفَيْنِ؛ لزيادةِ التَّقريرِ، والتَّهديدِ النَّاشِئ عن غايةِ الوَقاحةِ والطُّغيانِ مِن قومِه [1147] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/248). .
قولُه: قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ استئنافٌ، وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قَالَ...،: أي لم تُعطَفْ بالواوِ على الجُملةِ قبلها؛ لِوُقوعِها فِي سِيَاقِ الـمُحاوَرَةِ [1148] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/7). .
والهمزةُ في أَوَلَوْ للاستفهامِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعَجُّبِ؛ لإنكارِ الوُقوعِ، ونَفْيِه [1149] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/130)، ((تفسير أبي السعود)) (3/248)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/7). .
قولُه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا
قولُه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا يَحتمِلُ أنْ يكونَ كلامًا مُستأنَفًا، فيه معنى التَّعجُّبِ، كأنَّهم قالوا: ما أَكْذَبَنا على اللهِ إنْ عُدْنَا في الكفرِ بعدَ الإسلامِ! ويَحتمِلُ أنْ يكونَ قَسَمًا على تَقديرِ حذْفِ اللَّامِ، بمعنى: واللهِ لقدِ افْترَيْنا على اللهِ كَذِبًا [1150] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/130)، ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (5/113). .
وانتصابُ كَذِبًا على المفعوليَّةِ المُطْلَقَةِ؛ تأكيدًا لـ افْتَرَيْنَا بما هو مُساوٍ له، أو أَعَمُّ منه [1151] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/9). .
قوله: إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ شَرْطٌ، وجوابُه محذوفٌ دَلَّ عليه قولُه: قَدِ افْتَرَيْنَا، وهو بمعنى المستقبَلِ؛ لأنَّه لم يقَعْ، لكنَّهُ جُعِلَ كالواقعِ؛ للمُبالَغَةِ، وأُدْخِلَ عليه (قَدْ)؛ لتقريبِهِ مِنَ الحالِ [1152] يُنظر: ((تفسير البيضاوي)) (3/24). .
وقولُه: بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا فيه إيجازُ حذْفٍ، أو كِنايةٌ؛ إذ المعنى: بعدَ إذْ هَدانا اللهُ للدِّينِ الحقِّ الَّذي اتَّبَعْناهُ بالوحيِ، فنجَّانا مِنَ الكفرِ، وذَكَر الإنجاءَ؛ لدَلالتِهِ على الإهداءِ، والإعلانِ بأنَّ مُفارَقةَ الكُفْرِ نَجاةٌ [1153] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/8). .
قوله: وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
قولُه: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا تقييدٌ مقصودٌ منه التَّأدُّبُ، وتفويضُ العِلْمِ بالمستقبلِ إلى اللهِ، والكِنايةُ عن سُؤالِ الدَّوامِ على الإيمانِ مِنَ اللهِ تعالى [1154] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/9). .
وفي الإتيانِ بوَصْفِ الرَّبِّ وإضافتُه إلى ضميرِ المتكلِّمِ المشارِكِ رَبُّنَا: تَعريضٌ بأنَّ اللهَ مَوْلى الَّذين آمَنوا [1155] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/10). .
وقولُه: وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فيه إعادةُ وَصْفِ الرُّبوبيَّةِ، وهو مِن الإظهارِ في مَقامِ الإضمارِ؛ لزيادةِ إظهارِ وَصْفِهِ بالرُّبوبيَّةِ المُلْتَمَسِ بذِكْرِها فِعْلُ ما يَفعَلُ المُرَبِّي الشَّفيقِ، وتأكيدِ التَّعريضِ المتقدِّمِ؛ حتَّى يَصيرَ كالتَّصريحِ [1156] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (8/3)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/11). .
وفي قولِه: عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا تَقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفِعْلِ؛ لإفادةِ الاختِصاصِ، أي: عليه تَوكَّلْنا لا على غَيرِهِ؛ تحقيقًا لمعنى التَّوحيدِ، ونَبْذِ غيرِ اللهِ تعالَى [1157] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/318)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/11). .
وإظهارُ الاسمِ الجليلِ اللَّه في موقِعِ الإضمارِ، يُفيدُ المبالَغَةَ في التَّضرُّعِ والجُؤَارِ إلى اللهِ تعالى [1158] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/251). .
وقولُه: وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ تذييلٌ مُقرِّرٌ لمضمونِ ما قَبْلَهُ [1159] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/251). .
قولُه: وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ: ذِكْرُ الملأِ إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ؛ لِطولِ الفَصْلِ بينَ المُتعاطِفَينِ، وإنَّما وَصَفَ الملأَ بالموصولِ وصِلَتِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا دونَ أنْ يقول: (الكافِرون) فيَكتفيَ بحَرفِ التَّعريفِ المُقتضي أنَّ الملأَ الثَّانيَ هو الملأُ المذكورُ قَبْلَه؛ لِقَصْدِ زيادةِ ذَمِّ الملأِ بوَصْفِ الكُفْرِ، كما ذُمَّ فيما سبَق بوَصْفِ الاستكبارِ [1160] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (14/318)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/11). .
و(إذًا) في قولِه: إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ تفيدُ التَّوكيدَ [1161] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (5/115). .
قولُه: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمينَ فيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيثُ قالَ هنا فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمينَ، وقال في سورَةِ هُودٍ: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: 94] وقال تعالى إخبارًا عنهم في سورَةِ الشُّعَراءِ: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشُّعراء: 189] ؛ فالله تعالى أخبَر في هذه السُّورةِ هنا أنَّهم أخَذَتْهم الرَّجْفَةُ، كما أرجَفوا شُعَيْبًا وأصْحابَه، وتَوَعَّدوهم بالجَلاءِ، والمناسَبَةُ في ذِكرِ الصيحة في سورة هود أَنَّهم لَمَّا تَهَكَّمُوا بنَبِيِّ اللَّهِ شُعَيْبٍ في قَوْلِهم: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [هود: 87] فجاءت الصَّيْحَةُ فأسْكَتَتْهم. وأما في سورَةِ الشُّعَراءِ فقال: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الشُّعراء: 189] وما ذاك إلَّا لأنَّهم قالوا له في سِياقِ القِصَّةِ: فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الشُّعراء: 187] فأخْبَر أَنَّه أصابَهم عذابُ يومِ الظُّلَّةِ، وقد اجْتَمَع عليهم ذلك كلُّه [1162] يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/448). .
وقوله: فَأَصْبَحُوا في دَارِهِمْ جَاثِمينَ فيه مناسبةٌ حسنةٌ، حيثُ قالَ هنا دَارِهِمْ بالإفرادِ مرَّتَيْنِ، وكذلك قال في العَنكبوتِ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [العنكبوت: 37] مرَّةً واحدةً، بَينما قال في سورة هود: فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ [هود: 67-94] مرَّتَيْنِ بالجَمْعِ؛ لأنَّ ما في المواضعِ الأُوَلِ تَقدَّمَهُ ذِكْرُ الرَّجفةِ، أي: الزَّلزلةِ، وهي تَختصُّ بجُزءٍ مِنَ الأرضِ، فناسَبَها الإفرادُ، وما في الأخيرَيْنِ تقدَّمَهُ ذِكْرُ الصَّيْحةِ، وكانتْ مِنَ السَّماءِ، وهي زائدةٌ على الرَّجفةِ، فناسَبَها الجَمْعُ [1163] يُنظر: ((فتح الرحمن)) للأنصاري (1/197). .
قولُه: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ
قوله: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا استئنافٌ؛ لبيانِ ابتلائِهم بشُؤْمِ قَوْلِهم فيما سبَق [1164] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/252). .
والتَّعْريفُ بالموصوليَّةِ في قولِه: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا؛ للإيماءِ إلى وَجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وهو أنَّ اضمِحلالَهم وانقِطاعَ دابِرِهم كان جزاءً لهم على تكذيبِهم شعيبًا [1165] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/13).
وقولُه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا فيه تشبيهُ حالِ اسْتِئصالِهم، وعَفاءِ آثارِهِمْ بحالِ مَنْ لم تَسبِقْ لهم حياةٌ، ولم يُقيموا في هذا المكانِ [1166] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/14). .
وقولُه: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ استئنافٌ آخَرُ؛ لبيانِ ابتلائِهم بعُقوبةِ قَوْلِهم الأخيرِ، وإعادةُ الموصولِ والصِّلَةِ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كما هي؛ لزِيادةِ التَّقريرِ، والإيذانِ بأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ هو الَّذي استوجَبَ العقوبتَيْنِ [1167] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/252). . وفي هذا الاستئنافِ والابتداءِ وهذا التَّكريرِ: مبالَغَةٌ في رَدِّ مَقالةِ الملأِ لأشياعِهم، وتَسْفيهٌ لرأيِهم، واستهزاءٌ بنُصْحِهم لقومِهم، واستعظامٌ لِمَا جَرى عليهم، وإيقاظُ السَّامِعينَ- وهُمْ مُشرِكو العربِ-؛ ليتقُّوا عاقبةَ أمثالِهم في الشِّرْكِ والتَّكذيبِ على طريقةِ التَّعريضِ، ولتعظيمِ المَذَلَّةِ لهم، وتفظيعِ ما يَستحِقُّونَ مِنَ الجزاءِ على جَهْلِهم؛ فالعربُ تُكَرِّرُ مِثْلَ هذا في التَّفخيمِ والتَّعظيمِ [1168] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/131)، ((تفسير الرازي)) (14/320)، ((تفسير ابن عاشور)) (9/14)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (9/13). .
وضميرُ الفَصْلِ (هُم) في قولِهِ: كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ يُفيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ إضافيٌّ،، أي: هُمُ المخصوصونَ بالخُسْرانِ العظيمِ دونَ أَتْباعِ شُعيبٍ عليه السَّلامُ؛ وذلك لإظهارِ سَفَهِ قولِ الملأِ للعامَّةِ: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُون؛ توقيفًا للمُعتبِرينَ بهم على تهافُتِ أقوالِهم، وسفاهةِ رأيِهم، وتحذيرًا لأمثالِهم مِنَ الوُقوعِ في ذلك الضَّلالِ [1169] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/14). .
قولُه: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ
قوله: يَا قَوْمِ نِداءٌ، الغرضُ منه التَّحَسُّرُ، والتَّبرُّؤُ مِن عَمَلِهم [1170] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/15). .
قولُه: فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ استفهامٌ إنكاريٌّ وخاطَبَ به نَفْسَه؛ إذْ خَطَرَ له خاطِرُ الحُزنِ عليهم، فدَفَعَهُ عن نفسِهِ بأنَّهم لا يَستحِقُّونَ أنْ يُؤْسَفَ عليهم؛ لأنَّهُمُ اخْتاروا ذلك لأنْفُسِهم، ولأنَّه لم يترُكْ من تحذيرِهم ما لو أَلْقاهُ إليهم لَأَقْلَعوا عمَّا هم فيه، فلم يَبْقَ ما يُوجِبُ أَسَفَهُ ونَدامتَهُ. ويَحتمِلُ أنْ يكونَ الاستفهامُ الإنكاريُّ موجَّهًا إلى نفسِهِ في الظَّاهِرِ، والمقصودُ نَهْيُ مَنْ معه مِنَ المؤمنينَ عَنِ الأَسَى على قومِهِمُ الهالكينَ؛ إذْ يجوزُ أنْ يحصُلَ في نُفوسِهم حُزنٌ على هَلْكَى قومِهم، وإنْ كانوا قدِ اسْتحقُّوا الهلاكَ [1171] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/15). .
وقوله: عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ فيه إظهارٌ في مَقامِ الإضمارِ- حيْثُ لم يَقُلْ: (عليهم)-؛ لِيَتَأَتَّى وَصْفُهم بالكُفرِ زِيادةً في تعزيةِ شعيبٍ عليه السَّلامُ نَفْسَه، وتَرْكِ الحُزنِ عليهم [1172] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (9/15). .