موسوعة التفسير

سورة هود
الآيات (87-90)

ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ

غريب الكلمات:


يَجْرِمَنَّكُمْ: يَحمِلنَّكم أو يُكسِبنَّكم، وأصلُ (جرم): يدلُّ على قَطعٍ [959] يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 506)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/445)، ((المفردات)) للراغب (ص: 192)، ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 78)، ((التبيان)) لابن الهائم (ص: 147). .
شِقَاقِي: أي: عداوتي، أو مُخالفتي، وأصلُ (شقق): يدُلُّ على انصداعٍ في الشَّيءِ [960] يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 208)، ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 292)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (3/170)، ((المفردات)) للراغب (ص: 460). .

مشكل الإعراب:


قوله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ
أَنْ نَفْعَلَ: مصدرٌ مُؤَوَّلٌ في محلِّ نَصبٍ عطفًا على (ما) في مَا يَعْبُدُ، والتَّقديرُ: أصلاتُك تأمُرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤُنا، أو أن نترُكَ أن نفعَلَ في أموالِنا ما نشاءُ، وليس بمعطوفٍ على أَنْ نَتْرُكَ؛ إذ ليس المعنى: أصلاتُك تأمُرُك أن نفعَلَ في أموالِنا ما نشاءُ [961] يُنظر: ((مشكل إعراب القرآن)) لمكي (1/372)، ((التبيان في إعراب القرآن)) للعكبري (2/711-712)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/372-373). .

المعنى الإجمالي:


تُبَيِّنُ الآياتُ ما ردَّ به قومُ شُعَيبٍ عليه، فقالوا له: يا شُعَيبُ أهذه الصَّلاةُ التي تُداوِمُ عليها تأمُرُك بأن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤنا من الأصنامِ والأوثانِ، أو أن نترُكَ التصَرُّفَ في كَسبِ أموالِنا بما نستطيعُ مِن احتيالٍ ومكرٍ؟ وقالوا- استهزاءً به-: إنَّك لأنت الحليمُ الرَّشيدُ، فقال لهم: يا قومِ أرأيتُم إن كنتُ على طريقٍ واضحٍ مِن ربِّي فيما أدعوكم إليه مِن إخلاصِ العِبادةِ له، وفيما أنهاكم عنه مِن ظُلمِ النَّاسِ، ورزَقَني منه رِزقًا واسِعًا حلالًا طَيِّبًا، أفأضِلُّ كما ضَلَلتُم؟ وما أريدُ أن أخالِفَكم فأرتكِبَ أمرًا نهيتُكم عنه، وما أريدُ فيما آمُرُكم به وأنهاكم عنه إلَّا إصلاحَكم قَدْرَ طاقتي واستطاعَتي، وما توفيقي- في إصابةِ الحَقِّ، ومحاولةِ إصلاحِكم- إلَّا باللهِ، على اللهِ وَحْدَه توكَّلتُ، وإليه أرجِعُ بالتَّوبةِ والإنابةِ، ويا قومِ لا تحمِلنَّكم عداوتي وبُغضي ومُخالفتي في ديني على العنادِ والإصرارِ على ما أنتم عليه من الكُفرِ باللهِ، فيُصيبَكم مثلُ ما أصاب قومَ نوحٍ أو قومَ هودٍ أو قومَ صالحٍ مِن الهلاكِ، وما قومُ لوطٍ- الذين حلَّ بهم العذابُ- ببَعيدٍ منكم لا في الدَّارِ ولا في الزَّمانِ، واطلُبوا من ربِّكم المغفرةَ لذُنوبِكم، ثمَّ ارجِعوا إلى طاعتِه واستمِرُّوا عليها؛ إنَّ ربِّي رحيمٌ كثيرُ المودَّةِ والمحبَّةِ لِمَن تاب إليه وأناب.

تفسير الآيات:


قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87).
قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا.
أي: قال قومُ شُعَيبٍ مُستهزئينَ بنبيِّهم: يا شُعيبُ، أصلاتُك [962] ممن اختار أنَّ المرادَ بقولِه: أَصَلَاتُكَ: الصلواتُ المعروفةُ: الزمخشريِّ والقرطبيِّ والسعدي وابنِ عاشورٍ، وهو قولُ الحسنِ، وجعَل ابنُ عطيةَ هذا القولَ- وكذلك القولُ بأنَّها (الدعوات)- أقربَ الأقوال. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/419)، ((تفسير القرطبي)) (9/87)، ((تفسير القاسمي)) (6/125)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/141)، ((تفسير ابن عطية)) (3/200). وقيل: إنَّ المرادَ بها: دينُه، قاله عطاءٌ. وقيل: قراءتُه، قاله الأعمش. يُنظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (2/396). تأمُرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤُنا من الأوثانِ والأصنامِ [963] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/544)، ((تفسير ابن كثير)) (4/343)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387). ؟!
أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء.
أي: أو تأمُرُك صلاتُك أن نترُكَ فِعلَ ما نريدُ في أموالِنا من التَّطفيفِ في الكَيلِ والميزانِ [964] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/544)، ((تفسير البغوي)) (2/462)، ((تفسير الرازي)) (18/387)، ((الدر المصون)) للسمين الحلبي (6/373)، ((تفسير ابن كثير)) (4/343). ؟!
إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ.
أي: قال قومُ شُعَيبٍ مُستهزئينَ بنبيِّهم: إنَّك- يا شُعَيبُ- لأنت الحليمُ الرَّشيدُ [965]  قال ابن عاشور: (والحليمُ: ذو الحِلْمِ، أي: العقلِ، والرَّشيدُ: الحسنُ التَّدبيرِ في المالِ). ((تفسير ابن عاشور)) (12/142). في أمرِك لنا بتَركِ عبادةِ الأصنامِ، وتَركِ بَخسِ النَّاسِ، يعنونَ بذلك وصفَه عليه السَّلامُ بالسَّفَهِ والجَهلِ [966] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/544، 548)، ((الوسيط)) للواحدي (2/586)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/142). قيل: المرادُ بقولهم: (الحليم الرشيد): (السفيه الجاهل)، فوصفوه بالحلمِ والرشدِ على سبيلِ التهكُّمِ والاستهزاءِ به. وممن قال بذلك: ابنُ جرير والواحديُّ، والزمخشري، والشوكانيُّ، ومحمد رشيد رضا، والسعدي، وابنُ عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/548)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 530)، ((تفسير الزمخشري)) (2/420)، ((تفسير الشوكاني)) (2/588- 589)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/119)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/142). وممن قال ذلك من السلف: ابنُ عباسٍ، وقتادةُ، وميمونُ بنُ مهران، وابنُ جريج، وابنُ أسلمَ. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/548)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/396)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344). وقيل: إنَّه عليه السلامُ كان مشهورًا عندَهم بأنَّه حليمٌ رشيدٌ، فلمَّا أمَرهم بمفارقةِ طريقتِهم قالوا له: إنَّك لأنت الحليمُ الرشيدُ، المعروفُ الطريقةِ في هذا البابِ، فكيف تنهانا عن دينٍ ألفيناه مِن آبائِنا وأسلافِنا، فما تأمرُ به لا يطابقُ حالَك، وما شُهِرت به. والمقصودُ استبعادُ مثلِ هذا العملِ ممن كان موصوفًا بالحلمِ والرشدِ. وممن اختار هذا المعنى: الرازي، والقاسمي. يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/387)، ((تفسير القاسمي)) (6/125). !
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88).
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا اتَّهمَ قومُ شُعَيبٍ عليه السَّلامُ شُعَيبًا بأنه يأمرهم بالقطيعةِ لآبائهم واتهموه بالسَّفَهِ، وعَنوا بقولِهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ نسبتَه إلى السفهِ والغيِّ على طريقِ التهكمِ؛ شرعَ في إبطالِ ما قالوا، ونَفيِ التُّهمةِ فيه [967] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/357). .
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا.
أي: قال شُعَيبٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: يا قومِ أخبِروني إن كنتُ على يقينٍ وعلمٍ مِن الله فيما أمَرَني أن أدعوَكم إليه من توحيدِه، وفيما أنهاكم عنه مِن ظُلمِ النَّاسِ، وأعطاني اللهُ مِن فَضلِه مالًا حلالًا طيِّبًا، أفأتَّبِعُ الضَّلالَ، وأضِلُّ كما ضَلَلتُم [968] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/549)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 530)، ((تفسير ابن عطية)) (3/201)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387). ممَّن اختار أنَّ المرادَ بقولِه تعالى: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا: المالُ الحلالُ الطَيِّبُ: ابنُ جرير، والواحدي- ونسَبه لأكثرِ المفسِّرينَ- والسعدي. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/549)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 530)، ((البسيط)) للواحدي (11/527)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387). وممَّن قال بهذا القولِ من السلفِ: ابنُ عباسٍ، والضحَّاك. يُنظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (6/2073)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/397)، ((الدر المنثور)) للسيوطي (4/467). وممَّن اختار أنها النبُوَّة: الزمخشري وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/420)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/143). وقال ابن كثير: (قيل: أراد النبوَّة. وقيل: أراد الرِّزقَ الحلالَ، ويحتمِلُ الأمرينِ). ((تفسير ابن كثير)) (4/344). وقيل غيرُ ذلك. يُنظر: ((البسيط)) للواحدي (11/527)، ((تفسير ابن الجوزي)) (2/397). ؟
وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ.
أي: وما أريدُ أن أنهاكم عن شيءٍ ثمَّ أفعلَ خِلافَه [969] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/549)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387)، ((تفسير ابن عاشور)) (12/143). قال ابن عاشور: (معنى وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُم عَنْهُ عند جميعِ المفسِّرينَ من التابعينَ فمَن بَعدَهم: ما أريدُ ممَّا نهيتُكم عنه أن أمنَعَكم أفعالًا وأنا أفعَلُها، أي: لم أكنْ لأنهاكم عن شيءٍ وأنا أفعَلُه). ((تفسير ابن عاشور)) (12/143). .
عن أسامةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ الله عنهما، قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((يُؤْتَى بالرَّجُلِ يومَ القيامةِ فيُلقى في النَّارِ، فتندلِقُ أقتابُ بَطنِه [970]  فتندلقُ أقتابُ بطنِه: أي تخرجُ أمعاؤُه. يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (1/ 117). ، فيدورُ بها كما يدورُ الحِمارُ بالرَّحى، فيَجتَمِعُ إليه أهلُ النَّارِ، فيقولونَ: يا فلانُ، ما لك؟! ألم تكُن تأمُرُ بالمعروفِ وتنهى عن المُنكَر؟! فيقولُ: بلى، قد كنتُ آمُرُ بالمعروفِ ولا آتيه، وأنهى عن المُنكَرِ وآتيه )) [971] أخرجه البخاري (3267) ومسلم (2989)، واللفظ له. .
إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ.
أي: ما أُريدُ بنصيحتي لكم إلَّا إصلاحَ أمورِكم وأحوالِكم، ونَفْعَكم في دُنياكم وآخِرتِكم بقَدرِ جُهدِي [972] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/549)، ((تفسير الزمخشري)) (2/420، 421)، ((تفسير القرطبي)) (9/90)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387). .
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ.
مُناسَبتُها لِما قَبلَها:
لَمَّا كان الكلامُ السَّابِقُ فيه نوعُ تَزكيةٍ للنَّفسِ، دفَعَ هذا بقولِه [973] يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 387). :
وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ.
أي: وما إصابتي الحَقَّ فيما أريدُه، وتيسُّرُ الخيرِ لي، إلَّا بإعانةِ اللهِ وَحدَه [974] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/549)، ((تفسير البغوي)) (2/462)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344)، ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/120)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387).  .
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
أي: على اللهِ اعتمَدتُ، وفوَّضتُ إليه جميعَ أموري، وإليه وَحْدَه أرجِعُ بالتَّوبةِ والطَّاعةِ والدُّعاءِ [975] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/549)، ((تفسير القرطبي)) (9/90)، ((تفسير ابن كثير)) (4/344)، ((تفسير السعدي)) (ص: 387). .
وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89).
مُناسبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا بيَّن شُعَيبٌ عليه السَّلامُ لِقَومِه عُذرَه بما انتَفَت به تُهمتُه، أتبَعَه بما يدُلُّهم على أنَّ الحَقَّ وضَحَ لهم وضوحًا لم يبقَ معه إلَّا المُعاندةُ، فحَذَّرَهم عواقِبَها، وذكَّرَهم أمرَ مَن ارتكَبَها [976] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/360). .
وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ.
أي: قال شُعيبٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَومِه: ويا قومِ لا تحمِلَنَّكم مُخالفتي في ديني، وبُغضُكم لي، على الإصرارِ على الكُفرِ، وظُلمِ النَّاسِ، فيُصيبَكم مِن عذابِ اللهِ مثلُ ما أصاب قومَ نُوحٍ مِن الغرَقِ، أو قومَ هُودٍ مِن الرِّيحِ، أو قومَ صالحٍ مِن الرَّجفةِ [977] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/550)، ((تفسير البيضاوي)) (3/146)، ((تفسير ابن كثير)) (4/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 388). .
وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ.
أي: وما قومُ لوطٍ ببعيدٍ مِنكم، بل هم قريبٌ مِن ديارِكم، وأهلَكَهم اللهُ في زمانٍ قريبٍ مِن زمانِكم، فاعتَبِروا بهم [978] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/552)، ((تفسير القرطبي)) (9/90)، ((تفسير ابن كثير)) (4/346). قال ابن كثير: (قيل: المرادُ في الزَّمان... وقيل: في المكانِ، ويحتملُ الأمران). ((تفسير ابن كثير)) (4/346). .
وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90).
مُناسبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
أنَّه لَمَّا رهَّبَ شُعَيبٌ عليه السَّلامُ قَومَه، أتبَعَه التَّرغيبَ في سياقٍ مُؤذِنٍ بأنَّهم إن لم يبادِروا إلى المَتاب، بادَرَهم بالعذاب [979] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/361). .
وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ.
أي: واستَغفِروا ربَّكم- يا قومِ- فاطلُبوا منه سَترَ ذُنوبِكم السَّالفةِ مِن الكُفرِ وظُلمِ النَّاسِ، والتَّجاوُزَ عن مؤاخَذتِكم بذلك، ثم توبُوا إلى ربِّكم فيما تَستَقبِلونَه؛ بالتَّوبةِ النَّصوحِ، والرُّجوعِ إلى طاعتِه، وامتثالِ أمرِه، وتَركِ مَعصيتِه [980] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/550)، ((تفسير ابن كثير)) (4/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 388)، ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/361).
إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ.
أي: إنَّ ربِّي رحيمٌ بمن رجع إليه، محِبٌّ لعبادِه المُنيبينَ التَّائبينَ [981] يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (12/552)، ((النبوات)) لابن تيمية (1/362 - 364)، ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 47)، ((تفسير ابن كثير)) (4/346)، ((تفسير السعدي)) (ص: 388).

الفوائد التربوية :


1- قولُ الله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ نبَّهَت هذه الأجوبةُ الثَّلاثةُ على أنَّ العاقِلَ يجِبُ أن يُراعيَ في كلِّ ما يأتي ويذَرُ أحدَ حُقوقٍ ثلاثةٍ؛ أهمُّها وأعلاها: حقُّ اللهِ، وثانيها: حقُّ النَّفسِ، وثالثُها: حقُّ العبادِ، على وجهِ الإخلاصِ في الكُلِّ [982] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/359). .
2- في قولِه تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إشارةٌ إلى أنَّ الواعظَ إذا أراد أن يُقبَلَ منه الأمرُ والنَّهيُ، فلا بدَّ له إذا أَمَرَ بشيءٍ أن يكونَ أوَّلَ الفاعلينَ له المُؤتَمِرينَ به، وإذا نهى عن شيءٍ أن يكونَ أوَّلَ المُنتهينَ عنه؛ لأنَّ النُّفوسَ مَجبولةٌ على عدمِ الانتفاعِ بكلامِ مَن لا يعملُ بعلمِه، ولا يَنتَفِعُ به [983] يُنظر: ((مدارج السالكين)) لابن القيم (1/445). .
3- قولُ الله تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ فيه ما يدُلُّ على أنَّ المُنتَقدينَ قِسمانِ: قسِمٌ ينتَقِدُ الشَّيءَ، ويقِفُ عند حدِّ النَّقدِ دون ارتقاءٍ إلى بيانِ ما يُصلِحُ المَنقودَ، وقِسمٌ ينتقِدُ ليبيِّنَ وجهَ الخطأ، ثم يُعقِبُه ببيان ما يُصلِحُ خَطأَه [984] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/145). .
4- قولُ الله تعالى: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ هذه الصيغةُ تفيدُ الحصرَ، فلا ينبغي للإنسانِ أن يتوكَّلَ على أحدٍ إلَّا على الله تعالى [985] يُنظر: ((تفسير الرازي)) (18/389)، ((تفسير الشربيني)) (2/75). .
5- قَولُ الله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ فيه دليلٌ على أنَّ النَّدمَ على فِعلِ الفَسادِ والظُّلمِ- بالتَّوبةِ واستغفارِ الرَّبِّ تعالى- من أسبابِ خيرِ الدُّنيا والآخرةِ [986] يُنظر: ((تفسير المنار)) لمحمد رشيد رضا (12/121). .
6- في قَولِه تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ بيانُ أنَّ وُدَّه سُبحانه هو لِمَن تابَ إليه وأنابَ، فلا يَستوحِش أهلُ الذُّنوبِ، ويَنفَرِونَ منه؛ فإنَّه ودودٌ رحيمٌ بالمؤمنينَ، يحبُّ التَّوابين ويحِبُّ المتطهِّرينَ [987] يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (1/369). .

الفوائد العلمية واللطائف:


1- قولُ الله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ سمَّوه باسمِه جفاءً وغِلظةً [988] يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (9/356). .
2- قولُ الله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا لَمَّا كانت الصلاةُ أخَصَّ أعمالِه المُخالفةِ لمُعتادِهم، جعلوها المُشيرةَ عليه بما بلَّغَه إليهم من أمورٍ مُخالِفةٍ لمُعتادِهم [989] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/141). .
3- قال الله تعالى: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ المقصودُ: بيانُ أنَّه مأمورٌ بذلك أمرًا يعُمُّ الأُمَّةَ وإيَّاه، وذلك شأنُ الشَّرائعِ، فخِطابُ الأمَّةِ يشمَلُ الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ما لم يدُلَّ دليلٌ على تخصيصِه بخلافِ ذلك، ففي هذا إظهارُ أنَّ ما نهاهم عنه ينهى أيضًا نفسَه عنه [990] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/144). .
4- في قولِه تعالى: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ دلالةٌ على أنَّه يُشترطُ فيمَن يَختارُ الإمامُ لمنصبِ الحِسْبَةِ [991] الحِسْبَة: منصبٌ كان يَتولَّاه فِي الدُّوَلِ الإسلامية رَئِيسٌ يُشرِفُ على الشؤونِ العامَّة؛ مِن مراقبةِ الأسعارِ ورعايةِ الآدَابِ. يُنظر: ((المعجم الوسيط)) (1/171). أنْ يكونَ مُخلِصًا متجرِّدًا للنُّصحِ، فلا تكونُ له مصلحةٌ شخصيَّةٌ فيما يأمرُ أو يَنهى عنه، وإنَّما تكونُ غايتُه الإصلاحَ [992] يُنظر: ((الحسبة)) لابن تيمية (ص: 78). .
5- جَمَعَ قولُه تعالى: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ بين الأصلينِ: التوكُّلِ (وهو الوسيلةُ)، وبين الإنابةِ (وهي الغايةُ)؛ فإنَّ العبدَ لا بُدَّ له مِن غايةٍ مطلوبةٍ، ووسيلةٍ مُوصلةٍ إلى تلك الغايةِ، فأشرفُ غاياتِه التي لا غايةَ له أَجَلُّ منها: عبادةُ ربِّه والإنابةُ إليه، وأعظمُ وسائلِه التي لا وسيلةَ له غيرُها البتَّةَ: التوكُّلُ على اللهِ والاستعانةُ به [993] يُنظر: ((طريق الهجرتين)) لابن القيم (ص: 256). ، وهذان الأصلانِ يجمعانِ الدِّينَ كلَّه [994] يُنظر: ((التحفة العراقية)) لابن تيمية (ص: 43). .
6- في قولِه تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ إثباتُ الصِّفاتِ الاختياريَّةِ لله تعالى، ووجهُ ذلك: أنَّ اللهَ تعالى يحِبُّ أصحابَ هذه الأعمالِ، فهو يحبُّ التَّوابينَ، وإنَّما يكونون توَّابينَ بعد الذَّنبِ، ففي هذه الحالِ يحبُّهم [995] يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (1/357). .
7- في قولِه تعالى: إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ بعد قولِه: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ بيانُ مودَّتِه سُبحانه للمُذنِبِ إذا تاب إليه [996] يُنظر: ((النبوات)) لابن تيمية (1/369). .
8- قال شعيبٌ عليه السَّلامُ: إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ما ألطَفَ اقترانَ اسمِ الودودِ بالرَّحيمِ وبالغفورِ؛ فإنَّ الرجُلَ قد يغفِرُ لِمَن أساء إليه ولا يحِبُّه، وكذلك قد يرحَمُ من لا يحِبُّ، والرَّبُّ تعالى يغفِرُ لعبدِه إذا تاب إليه، ويرحَمُه ويحِبُّه مع ذلك؛ فإنَّه يحِبُّ التوَّابينَ، وإذا تاب إليه عبدُه أحبَّه، ولو كان منه ما كان [997] يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 93). .

بلاغة الآيات:


1- قولُه تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
- جملةُ: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ فيه وصْفُهم لِشُعيبٍ عليه السَّلامُ بالوَصْفَين على طريقةِ التَّهكُّمِ، وإنَّما أرادوا بذلك وصْفَه بضِدَّيْهما [998] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/233). .
- وقد جاءت الجملةُ مؤكَّدةً بحرفِ (إِنَّ)- في: إِنَّكَ- ولامِ القسَمِ، وبصيغةِ القَصْرِ في جُملةِ: لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ، وهي تعريفُ الجُزأَين (أنتَ- الحليمُ)؛ فاشتمَلَت على أربعةِ مؤكِّداتٍ [999] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/142). .
- وفي جملة إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ما يُعرَفُ بالتمكينِ أو ائتلافِ الفاصلةِ، ويُسمِّيه بعضُهم المُلاءَمَة [1000] التمكينُ: هو أن يُمَهَّد قبلَ الفاصلةِ تمهيدٌ تأتي به الفاصلةُ مُمَكَّنةً في مكانها، مُستقرَّةً في قرارِها، مُطمئِنَّةً في موضعها، غيرَ نافرةٍ ولا قَلِقَةٍ، مُتعلِّقًا معناها بمعنى الكلامِ كلِّه تَعلُّقَا تامًّا، بحيثُ لو طُرِحتْ لاختلَّ المعنى، واضطرَب الفَهمُ. يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (1/79)،  ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/18). ؛ وذلك أنَّه لَمَّا تقدَّم في الآية ذِكرُ العبادةِ، وتلاه ذِكرُ التصرُّفِ في الأموالِ في قولِه: قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء؛ اقتضَى ذلك ذِكرَ الحِلمِ والرُّشدِ على الترتيبِ؛ لأنَّ الحِلمَ العقلُ الذي يَصِحُّ به تكليفُ العباداتِ ويَحضُّ عليها، والرشدَ حُسنُ التصرُّفِ في الأموالِ؛ فكان آخِرُ الآيةِ مُناسِبًا لأوَّلِها مُناسَبةً معنويَّةً [1001] يُنظر: ((البرهان في علوم القرآن)) للزركشي (1/80)، ((مفاتيح التفسير)) للخطيب (1/18). .
2- قوله تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ
- قولُه: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي... فيه مُراجَعةٌ لطيفةٌ، واستِنْزالٌ حسَنٌ، واستِدْعاءٌ رقيقٌ، وهو ما يُسمَّى باستِدْراجِ المخاطَبِ؛ للبُلوغِ إلى الغرَضِ [1002] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/198)، ((تفسير أبي السعود)) (4/233). .
- وحُذِف جوابُ أَرَأَيْتُمْ ولَم يُثبَتْ كما أُثبِتَ في قصَّةِ نوحٍ ولوطٍ؛ لأنَّ إثباتَه في القِصَّتَين دلَّ على مَكانِه، ومعنى الكلامِ يُنادي عليه [1003] يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/420)، ((تفسير أبي حيان)) (6/198). .
- قولُه: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي فيه إيرادُ حرْفِ الشَّرطِ إِنْ معَ جَزْمِ شُعَيبٍ عليه السَّلامُ بكَونِه على ما هو عليه مِن البيِّناتِ والحُجَجِ؛ لاعتبارِ حالِ المخاطَبين ومُراعاةِ حُسنِ المحاورةِ معَهم [1004] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/233). .
- قولُه: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا على القول بأنَّ المرادَ بالرِّزقِ الحسَنِ هنا هو نِعمةُ النُّبوَّة؛ ففيه تعبيرُ شُعيبٍ عليه السَّلامُ عَن النُّبوَّةِ بالرِّزقِ؛ على وجْهِ التشبيهِ مُشاكَلةً لقولِهم: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؛ لأنَّ الأموالَ أرزاقٌ [1005] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/142). .
- قولُه: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ بيانٌ لقولِه: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ؛ لأنَّ انتِفاءَ إرادةِ المخالَفةِ إلى ما نَهاهم عنه مُجمَلٌ فيما يُريدُ إثباتَه مِن أضدادِ المنفيِّ، فبيَّنه بأنَّ الضِّدَّ المرادَ إثباتُه هو: الإصلاحُ في جميعِ أوقاتِ استِطاعتِه بتَحْصيلِ الإصلاحِ؛ فالقَصْرُ قَصرُ قَلبٍ [1006] القصر- في اصطلاح البلاغيين -: هو تخصيص شيء بشيء وحصره فيه، ويُسمَّى الأمر الأول: مقصورًا، والثاني: مقصورًا عليه، مثل: إنما زيد قائم، و: ما ضربت إلَّا زيدًا. وقصر القلب: أن يقلب المتكلم فيه حُكم السامع، كقولك: ما شاعرٌ إلَّا زيدٌ، لمن يعتقد أنَّ شاعرًا في قبيلة معينة أو طرف معين، لكنَّه يقول: ما زيدٌ هناك بشاعر. يُنظر: ((مفتاح العلوم)) للسكاكي (ص: 288)، ((الإيضاح في علوم البلاغة)) للقزويني (1/118)، و(3/6)، ((التعريفات)) للجرجاني (1/175-176)، ((جواهر البلاغة)) للهاشمي (ص: 167- 168). ، وأفادَت صيغةُ القصرِ (إنْ... إلَّا) تأكيدَ ذلك؛ لأنَّ القَصْرَ قد كان يَحصُلُ بمجرَّدِ الاقتصارِ على النَّفيِ والإثباتِ، نحوُ أن يَقولَ: (ما أريدُ أن أُخالِفَكم، أُريدُ الإصلاحَ) [1007] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/147). .
- قولُه: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فيه إيثارُ صيغةِ الاستقبالِ أُنِيبُ على الماضي الأنسَبِ للتَّقرُّرِ والتَّحقُّقِ كما في تَوَكَّلْتُ؛ لاستحضارِ الصُّورةِ والدَّلالةِ على الاستمرارِ [1008] يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/234). .
- وقولُه تعالى: وَإِلَيْهِ أُنِيبُ يفيدُ الحصرَ، فيدُلُّ على أنَّه لا مآبَ للخَلقِ إلَّا إلى اللهِ تعالى [1009] يُنظر: ((تفسير الشربيني)) (2/75). .
3- قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ
- قولُه: إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ جملةٌ تعليليَّةٌ للأمرِ بالاستغفارِ والتَّوبةِ [1010] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/145). .
- ولفظةُ: وَدُودٌ بِناءُ مُبالَغةٍ مِن وَدَّ الشَّيءَ، أي: أحَبَّه وآثرَه [1011] يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (6/200). .
- وقولُه: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ، وإِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ فيه تَفنُّنٌ في إضافةِ الرَّبِّ إلى ضميرِ نفسِه مرَّةً، وإلى ضميرِ قومِه أخرى؛ لِتَذكيرِهم بأنَّه ربُّهم؛ كَيْلا يَستمِرُّوا على الإعراضِ، وللتَّشرُّفِ بانتِسابِه إلى مَخلوقيَّتِه [1012] يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (12/147). .