الموسوعة الفقهية

المطلب الثالث: عدد سَجَدات التِّلاوة


تمهيدٌ:
ليسَ في القُرآنِ أكثرُ مِن خَمسَ عَشرةَ سَجدةً.
الدَّليل من الإجماع:
نقل الإجماعَ على ذلك: ابنُ حزم قال ابنُ حزم: (واتَّفقوا أنَّه ليس في القرآن أكثرُ من خَمسَ عَشرةَ سجدةً). ((مراتب الإجماع)) (ص: 31).  
الفَرْعُ الأَوَّلُ: مواضع السجود المتفق عليها
اتَّفَق العلماءُ على سُجودِ عَشْرِ سجَدَات، وهي كالآتي:
1- سورة الأعراف:
في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206]
2- سورة الرعد:
في قوله: وَلِلهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [الرعد: 15]
3- سورة النحل:
في قوله: وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: 49-50]
4- سورة الإسراء:
في قوله: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: 107 – 109]
5- سورة مريم:
في قوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58]
6- والأُولى من سورة (الحج):
 في قوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج: 18]
7- سورة الفُرقان:
في قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان: 60]
8- سورة النَّمل:
في قوله تعالى: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل: 25-26]
9- سورة (الم السجدة):
في قوله: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة: 15]
10- سورة فُصِّلت:
في قوله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ الليْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ [فصلت: 37، 38]
الدَّليل من الإجماع:
نقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ حزم قال ابن حزم: (في القُرآن أربعَ عَشرةَ سجدةً: أولها في آخِر خاتمة سورة الأعراف، ثم في الرَّعد، ثم في النحل، ثم في سُبْحَانَ **الإسراء**، ثم في كهيعص **مريم**، ثم في الحج في الأُولى، وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النَّمل، ثم في الم تنزيل **السجدة**، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في وَالنَّجْمِ في آخرِها، ثم في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ عندَ قوله تعالى: لَا يَسْجُدُونَ **الانشقاق: 21**، ثم في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في آخرها. وليس السجود فرضًا، لكنه فضل، ويسجُد لها في الصَّلاة؛ الفريضةِ والتطوُّع، وفي غير الصَّلاة في كلِّ وقتٍ، وعند طلوع الشَّمس وغروبها واستوائها إلى القِبلة، وإلى غير القِبلة، وعلى طهارة، وعلى غير طهارة. فأمَّا السجدات المتَّصلة إلى "الم تنزيل"، فلا خِلافَ فيها، ولا في مواضع السجود منها، إلَّا في سورة النمل، فإنَّ كثيرًا من الناس قالوا: موضع السجدة فيها عندَ تمام قراءتك رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ **النمل: 26**) ((المحلى)) (3/322). وقال أيضًا: (واتَّفقوا أنَّه ليس في القرآن أكثرُ من خَمسَ عشرةَ سجدةً، واتَّفقوا منها على عشر، واختلفوا في التي في ص، وفي الآخرة التي في "الحج"، وفي الثلاث اللَّواتي في المفصَّل، واتَّفقوا على أنَّ التي في "حم" و"الم" من عزائمِها) ((مراتب الإجماع)) (ص: 31). ، وابنُ حجر قال ابنُ حجر: (وقد أجمَع العلماء على أنَّه يسجد، وفي عشرة مواضع، وهي متوالية إلَّا ثانية "الحج" و"ص"، وأضاف مالكٌ "ص" فقط، والشافعيُّ في القديم ثانيةَ "الحج" فقط، وفي الجديد هي وما في المفصَّل، وهو قولُ عطاء، وعن أحمد مثله في رواية، وفي أخرى مشهورة زيادة "ص"، وهو قولُ الليث وإسحاق وابن وهب وابن حبيب من المالكيَّة، وابن المنذر وابن سُريج من الشافعيَّة، وعن أبي حَنيفة مثله، لكن نفَى ثانيةَ "الحج"، وهو قول داود) ((فتح الباري)) (2/551). ، وابن قُدامة قال ابن قُدامة: (ومواضِع السجدات ثابتةٌ بالإجماع، إلَّا سجَدات المفصَّل، والثانية من الحج) ((الكافي)) (1/272).
ونقَل ابنُ كثيرٍ الإجماعَ على سَجْدة سورة الأعراف قال ابنُ كثيرٍ: (وهذه أوَّل سجدة في القُرآن، ممَّا يُشرَع لتاليها ومستمِعِها السُّجودُ بالإجماع) ((تفسير ابن كثير)) (3/539) ، وسَجْدة سورة مريم قال ابن كثير: (وقال اللهُ تعالى في هذه الآية الكريمة: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا **مريم: 58**، أي: إذا سمِعوا كلامَ الله المتضمِّن حُججَه ودلائلَه وبراهينه، سجَدوا لربِّهم خُضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النِّعم العظيمة. "والبُكي": جمْع باكٍ؛ فلهذا أجمَع العلماءُ على شرعيَّة السجود هاهنا، اقتداءً بهم، واتباعًا لمنوالهم) ((تفسير ابن كثير)) (5/242).
ونقَل الإجماعَ في السَّجْدة الأولى من سورة الحجِّ: النوويُّ قال النوويُّ: (وأجمَعوا على السَّجدة الأُولى في "الحج") ((المجموع)) (4/62).
كما نقَل الإجماعَ في سجدة سورة السجدة: ابنُ بطَّال قال ابنُ بطَّال: (والفقهاء مُجمِعون على السُّجود فى سورة "تنزيل") ((شرح صحيح البخاري)) (3/54).
الفَرْعُ الثَّاني: سجدات سورة (الحج) وسورة (ص) والمفصل
المسألة الأولى: السَّجدَة الثانية من سُورة الحج
مِن مواضِعِ سُجودِ التِّلاوةِ: قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77]، وهذا مذهب الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/62)، ((تحفة المحتاج)) للهيتمي (2/204). ، والحنابلة ((الإقناع)) للحجاوي (1/155)، ((كشاف القناع)) للبُهوتي (1/447). ، وهو قولُ ابنِ حَبيب، وابنِ وَهْبٍ من المالكيَّة قال أبو الوليد الباجي: (وقال ابنُ حبيب: عزائم السجود خمسَ عشرةَ سجدةً، فزاد إليها الآخرةَ من "الحج"، وقد رواه ابنُ عبد الحَكم عن ابن وهب) ((المنتقى))‏ (1/351). , وقولُ طائفةٍ من السَّلف قال النوويُّ: (وأجمَعوا على السَّجدة الأولى في "الحج"، واختلفوا في الثانية؛ فمِمَّن أثبتها عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، وعليٌّ، وابن عُمر، وأبو الدرداء، وأبو موسى، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي، وأبو العالية، وزِرِّ بن حُبَيش، ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ رضي الله عنهم) ((المجموع)) (4/62). ، واختارَه ابنُ المنذرِ قال ابن المنذر: (وبالقول الأوّل أقول) ((الأوسط)) (5/273)، والقول الأوّل الذي ذكَره هو قولُه: (واختلفوا في السَّجدة الثانية في "الحج"، فممَّن رُوي عنه أنَّه كان يرَى أن يسجد في "الحج" سجدتين: عُمر بن الخطَّاب، وعليُّ بن أبي طالب، وعبدُ الله بن عمر، وأبو الدَّرداء، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرٍو، وقال أبو إسحاق: أدركتُ الناسَ منذُ سبعين سنةً يسجُدون في "الحج" سجدتين، وهذا قولُ أبي عبد الرحمن السُّلَمي، وأبي العالية، وزِر بن حُبَيش، وبه قال الشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور) ((الأوسط)) (5/272). ، وابنُ تَيميَّة قال ابنُ تيميَّة: (وآيات سجود التلاوة كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ **الأعراف: 206**، وقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ **الرعد: 15**، وقوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ **النحل: 49، 50**، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا **الإسراء: 107** الآية، وقوله: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا **مريم: 58**، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ **الحج: 18** الآية، وقوله: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا **الحج: 77**) ((جامع المسائل)) (3/355). ، والشوكانيُّ قال الشوكانيُّ: (وقد تقدَّم أنَّ هذه السورةَ فُضِّلت بسجدتين، وهذا دليلٌ على ثبوت السُّجود عند تلاوة هذه الآية) ((فتح القدير)) (3/470). ، وابنُ عُثيمين قال ابنُ عثيمين: (وأمَّا عدَد السَّجَدات في القرآن الكريم، فإنَّ السجدات مبيَّنةٌ مُوضَّحة، وهي خمسَ عشرةَ سَجدةً، وفي "الحج" منها اثنتان) ((الموقع الرسمي للشيخ محمد بن صالح العثيمين)). وقال أيضًا: (وتفصيلها كما يأتي... وفي "الحج" منها اثنتان: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ **الحج: 18**. والثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ **الحج: 77**، وإنما نصَّ المؤلِّف على أنَّ في "الحج" اثنتين؛ للخلافِ في ذلك... فهذه أربعَ عشرةَ سجدةً: في "الأعراف"، و"الرعد"، و"النحل"، و"الإسراء"، و"مريم" و"الحج" اثنتان... وعلى هذا؛ فتكون السجدات خمس عشرة سجدة) ((الشرح الممتع)) (4/96).
الأدلة من الآثار:
1- عن عَبدِ اللهِ بنِ ثَعْلبةَ قال: (صليتُ مع عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه الصُّبحَ، فقرأ فيها "الحج" فسجَد فيها سجدتين، قلتُ: الصُّبْحَ؟ قال: الصُّبح) أخرجه الشافعي في ((المسند- سنجر)) (335)، وابن أبي شيبة (4288)، والدارقطني في ((السنن)) (1522)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (3729) صحَّحه ابن حزم في ((المحلى)) (5/106)، وقال البُوصِيري في ((الإتحاف)) (2/:55): (رجاله ثقات).
2- عن جُبَيرِ بن نُفيرٍ، أنَّ أبا الدرداء سجَد في "الحج" سجدتين أخرجه ابن أبي شيبة (4289)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (2135)، والحاكم في ((المستدرك)) (3476)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (3737) صحَّحه ابن حزم في ((المحلى)) (5/106)، وصحَّح إسنادَه العينيُّ في ((نخب الأفكار)) (5/531).
3- عنِ نافعٍ مولى ابنِ عُمرَ: أنَّ ابنَ عُمرَ وأباهُ عُمرَ كانَا يَسجُدانِ في الحجِّ سَجدتينِ، وقال ابنُ عمرَ: لو سجدْتُ فيها واحدةً لكانَتِ السجدةُ في الآخرةِ أحبَّ إليَّ أخرجه عبد الرزاق (3/341)، وصححه ابن حزم في ((المحلى)) (5/106). قال الحاكمُ: وقد صَحَّتِ الرِّواية فيه من قول عُمرَ بن الخطَّاب، وعبد اللَّه بن عبَّاسٍ، وعبد اللَّه بن عُمرَ، وعبد اللَّه بن مسعودٍ وأبي موسى، وأبي الدَّرداءِ وعمَّار رضِي اللَّهُ عنهم). ((المستدرك)) (2/423).
المسألة الثانية: سجدة سورة (ص)
سجدة سورة (ص) عند قوله تعالى: وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ [ص: 24] أحدُ مواضِع سجود التلاوة، وهذا مذهب الحنفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/103)، وينظر: ((فتح القدير)) للكمال ابن الهمام (2/11). ، والمالكيَّة ((حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني)) (1/360)، وينظر: ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/350). ، وقول بعض الشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/61). ، ورِواية عن أحمد ((المغني)) لابن قدامة (1/441). ، وقول طائفةٍ من السَّلف وهو قول طاوس، وسعيد بن جُبَير، والحسن البصري، ومسروق، وأبي عبد الرحمن السُّلمي، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. ينظر: ((الأوسط)) لابن المنذر (5/261). وقال ابن حجر: (وعن أحمد مثله في رِواية، وفي أخرى مشهورة زيادة "ص"، وهو قولُ الليث، وإسحاق، وابن وهب وابن حبيب من المالكيَّة، وابن المنذر وابن سُرَيج من الشافعيَّة) ((فتح الباري)) (2/551). ، واختاره ابنُ المنذر قال ابن المنذر: (وبالقول الأوّل أقول «أي: السجود فيها»؛ للثابت عن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه سجد فيها) ((الأوسط)) (5/261). ، وابنُ حزم قال ابن حزم: ((في القُرآن أربعَ عَشرةَ سجدةً: أولها في آخِر خاتمة سورة الأعراف، ثم في الرَّعد، ثم في النحل، ثم في سُبْحَانَ **الإسراء**، ثم في كهيعص **مريم**، ثم في الحج في الأُولى، وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النَّمل، ثم في الم تنزيل **السجدة**، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في وَالنَّجْمِ في آخرِها، ثم في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ عندَ قوله تعالى: لَا يَسْجُدُونَ **الانشقاق: 21**، ثم في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في آخرها) ((المحلى)) (3/322). ، وابنُ باز قال ابن باز: (سجَدات التلاوة كلُّها سُنَّة، ليستْ حتميَّةً، وليست واجبة، وهي خمسَ عشرةَ سجدةً على الصَّحيح: منها سجدة آخِر الأعراف، وهي أولها،...وسجدة في سورة "ص"،... هذه خمسَ عَشرةَ سجدةً، سُنَّة كلها) ((مجموع فتاوى ابن باز)) (24/406). ، وابنُ عُثَيمين قال ابنُ عُثَيمين: (وأمَّا سجدة "ص" فإنَّها سجدةُ شُكْرٍ، ولكنْ صَحَّ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه رأى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يسجدُ فيها. والصَّحيح: أنَّها سجدة تِلاوة. وعلى هذا؛ فتكون السَّجدات خمسَ عَشرةَ سجدةً، وأنَّه يسجدُ في "ص" في الصَّلاة، وخارج الصَّلاة) ((الشرح الممتع)) (4/98).
الأَدِلَّةُ:
أوَّلًا: من السُّنة
1- عن العَوَّام بن حَوْشَب، قال: ((سألتُ مجاهدًا عن سَجدة ص فقال: سألتُ ابن عباس رَضِيَ اللهُ عَنْه: مِن أينَ سجدتَ في ص؟ فقال: أوَ ما تقرأ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ [الأنعام: 84] إلى أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90] فكان داودُ ممَّن أُمِر نبيُّكم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يَقتدي به، فسجَدَها داودُ، فسجَدَها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم )) أخرجه البخاري (4807).
2 - وعن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما، قال: ((ليس ص من عَزائمِ السجودِ، ورأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَسجُدُ فيها )) أخرجه البخاري (1069، 3422).
ثانيًا: من الآثار
1 - عن عُثمانَ بنِ عفَّانَ: أنَّهُ سجدَ في ص أخرجه عبد الرزَّاق (3/336)، وابن أبي شَيبةَ (2/9)، وعبد الله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (1/73) (541). قال الهيثميُّ في ((مَجمَع الزوائد)) (2/288): رجالُه رجالُ الصَّحيح، وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في تحقيق ((مسند أحمد)) (9/2).
2 - وسجَد فيها ابنُ عباس كما تقدَّم في الحديث الأوَّل.
المسألة الثالثة: السُّجود في المُفصَّل (النجم، والانشقاق، والعلق)
من مواضِع السُّجود: قوله تعالى: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم: 62] ، وقوله تعالى: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: 20-21]، وقوله تعالى: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: 19]، وهذا مذهبُ الجمهور: الحنفيَّة ((حاشية ابن عابدين)) (2/104)، وينظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (1/193). ، والشَّافعيَّة ((المجموع)) للنووي (4/59)، وينظر: ((أسنى المطالب)) لزكريا الأنصاري (1/196). ، والحنابلة ((الإقناع)) للحجاوي (1/155)، ((كشاف القناع)) للبُهوتي (1/447). ، ورِواية عن مالك ((شرح مختصر خليل)) للخرشي (1/350)، ((الذخيرة)) للقرافي (2/411). ، وقولُ طائفةٍ من السَّلف قال ابن قُدامةَ: (وممَّن رُوِي عنه أنَّ في المفصَّل ثلاثَ سجَداتٍ: أبو بكر، وعليٌّ، وابن مسعود، وعمَّار، وأبو هُرَيرَة، وابنُ عمر، وعُمرُ بن عبد العزيز، وجماعةٌ من التابعين، وبه قال الثوريُّ، والشافعيُّ، وأبو حَنيفة، وإسحاق) ((لمغني)) (1/441). ، واختاره ابنُ حزم قال ابنُ حزم: ((في القُرآن أربعَ عَشرةَ سجدةً: أولها في آخِر خاتمة سورة الأعراف، ثم في الرَّعد، ثم في النحل، ثم في سُبْحَانَ **الإسراء**، ثم في كهيعص **مريم**، ثم في الحج في الأُولى، وليس قرب آخرها سجدة، ثم في الفرقان، ثم في النَّمل، ثم في الم تنزيل **السجدة**، ثم في ص، ثم في حم فصلت، ثم في وَالنَّجْمِ في آخرِها، ثم في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ عندَ قوله تعالى: لَا يَسْجُدُونَ **الانشقاق: 21**، ثم في اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ في آخرها) ((المحلى)) (3/322).
الأدلة من السُّنة:
1- عن أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((سَجَدْنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: 1]، واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [العلق: 1] )) أخرجه مسلم (578).
2- عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، ((أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قرأ سورة النجم، فسَجَد فيها، وما بقِي أحدٌ من القوم إلَّا سجَد )) أخرجه البخاري (1070)، ومسلم (576).

انظر أيضا: